|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
النمط الثاني من تلك المنغصات هو الأهم، ويمكن تلخيص هذا النمط في إمكانية ارتداد عموم العرب إلى الاستنجاد بالمقومات الأساسية لميراثهم الاعتقادي الذي تأسست حضارتهم وهويتهم الخلاقة فيه، وأن تتفاعل حدود الظاهرة داخل مثيرات الأوضاع الجديدة فتكتسب- وبالممارسة الجهادية اليومية- ما يخرجها نهائياً عن الدائرة التي كان مسموحاً لها قبلاً أن تدور فيها. ولنوضح!.. كي لا نُفهم خطأ من قبل أية جهة!! خلال هذا القرن، وحتى أوائل الثمانينات، صودرت سائر التيارات التنويرية الإسلامية كما سبق أن أشرنا في فصل سابق، وجرى تثبيت (إسلام رسمي)- حاكم أو غير حاكم- متشبث باجتراراته الفقهية المحفوظة حفظاً من "مؤلفات" عصر الانحطاط.. واعتبر هذا (الإسلام الرسمي) هو الإسلام بإطلاق، مع أن مهمته التاريخية لم تزد على تسويغ وجود الحكام وأفعالهم .. ثم أضيفت إليها في هذا القرن مهمة المصادرة على التنوير.. ثم - بالتالي- خدمة الأنظمة المساندة والحاضنة للوجود الصهيوني في المنطقة، ومحاربة النظم والتنظيمات المعارضة لهذا الوجود، بحجة مقارعة "انحلال الغرب الرأسمالي" أو مقارعة "إلحاد الشرق الاشتراكي". وعمل هذا الإسلام الرسمي، خلال ذلك، وكمحصلة هامة له، على تكريس التفتت العربي: أولاً، بتمذهب ممثليه في كل قطر عربي لقطريتهم.. وثانياً، بخلط مفهوم العروبة بمفهوم الإسلام، ثم تذويب الأول في الثاني علماً بأن الأصل (أي النص القرآني الكريم) يجعل من الإسلام الفعلي "منجزاً عربياً" بإرادة إلهية، مع طلب تعميم منظومته القيمية الإنسانية على مستوى العالم. بعبارة أخرى: كان الإسلام النبوي/ الراشدي مضموناً مفهومياً وقيمياً "للعروبة" التي هي مصطلح دال على حدود انتماء "العرب"، باعتبارهم مجموعة بشرية كان عليها عبء انتشال الحضارة من وثنية عصر الرق.. حيث الوثنية هنا لا تعني( مجرد أداء الطقوس للأصنام التي تقرب الإنسان إلى الله/ حسب النص القرآني) بل هي تعني ما هو أعلى دلالياً وراء تلك الطقوس: عبادة المادة بما هي وسائل نفع دنيوي، بكل ما وراء ذلك من براغماتية وهدر الإنسانية الإنسان، مع ما يستجره ذلك على المجتمع من تخريب؛ وعلى البشرية كلها من خراب. وما يهمنا ذكره هنا هو أن (الفراغ المفهومي) الناجم عن الإسقاط الإمبريالي/ الصهيوني للمشروعات التنويرية، والمشروعات القومية التقدمية، وسواها من المشروعات المناهضة، لابد من أن يعود إلى (الامتلاء)! وفي ظل نمو (أصولية مجاهدة) في فلسطين وحولها- مع وجود الإسناد الإيراني، حسب الجنرال على الأقل- وفي أطر الحاجة الملحة إلى ملء الفراغ المفهومي سابق الذكر، وسقوط (التقدير الشعبي) للإسلام الرسمي وممثليه: حكاماً وفقهاء.. فإن اليأس والإحباط المعممين على عموم العرب (قد!) يقودان إلى (بدائل جهادية) واسعة الانتشار جداً للمشروع الصهيوني/ الإمبريالي الأميركي المشترك، ولوجود هذين الحليفين ذاته على الأرض العربية، وعمقها الإسلامي. وإذا كان "جيش الدفاع الأسطوري!" قد مرغه "فتيان الحجارة الملثمون" في وحول المخيمات وأزقة المدن العربية فإن ذلك العسكري الصومالي (فرح عيديد) قد مرغ بدوره آلة العسكريتاريا الأميركية في وحول مدن الصومال.. وعليه، فمن يدري ما الذي يمكن أن يحدث للمشروع الصهيوني الذي يبشر به الجنرال بيريس إذا ما استشرت النزعة الجهادية الأصولية في المنطقة، وتمكنت من اجتياز حواجز "النظم الحاضنة المساندة" وتوجهت باتجاه (إسرائيله العزيزة!)؟! إن الجنرال بيريس إذ يركز على (محاربة الأصولية) وحدها لضمان الاستقرار السياسي الملائم للمشروع الصهيوني إنما يفكر- بتقديرنا!- وفق الطريقة التي عرضناها. وهو، بالتأكيد، لم يسقط من حساباته: لا ذلك التمرد الذي تم في الكعبة، ولا شفير الإفلاس الذي صارت بعض الدول النفطية العربية واقفة عليه بعد استنزاف مواردها واحتياطياتها من قبل أميركا عقب حرب الخليج الثانية. أما السلطان قابوس وسلطنته، فلا أحد يعتقد بأنهما قادران على أن يصيرا "قوة بديلة" في الجزيرة العربية، ناهيك عن أن يصيرا "قوة موازية" لإيران التي يبدو- إن صحت أقوال الجنرال- أنها تعرف كيف تستفيد جيداً من قلق معادلات التوازن العالمي، ومن إمكانيات عمقها الآسيوي المتشكل من الدول المنفرطة من "العقد" السوفييتي (* . وإذا كان الجنرال ينعى على (الأصوليين) أنه ليست لديهم برامج سياسية واقتصادية، فهو يعرف أن الممارسة الجهادية اليومية المستمرة ستفرض عليهم أن يسارعوا إلى امتلاك تلك البرامج، وبالدرجة الناجعة، واستناداً إلى إعادة استنباط جوهر الهوية الحضارية العربية/ الإسلامية من مصادرها الأساسية لا من مصادر الفقه التسويغيّ المتمذهب. وحين يقول الجنرال عن (الأصوليين) الذين يعنيهم حصراً: إنهم يعتقدون امتلاك مفاتيح السماء.. فإنه- بالتأكيد القاطع- يعني أنهم لا يرهبون الموت بل يعتقدون بالخلود في عالم أفضل بعد استشهادهم: عالم الألوهة، حسبما نص القرآن الكريم على ذلك في أكثر مطرح! وهذا يعني بدوره أنهم لا يخافون من "ترسانته" أو من "مبادئه التوراتية/ التلمودية" المتعلقة بالتحريم، أي بالإبادة الشاملة، الأمر الذي يجعل ترسانته غير ذات فائدة بخصوص إنجاح مخططاته! هكذا- كما أظن- يفكر السيد الجنرال. وإنني إذ أقدم هذا التوصيف لاستقراءات أفكاره، أعترف بأنني لست أصولياً لأسباب كثيرة لست بصدد تعدادها، لكنني لن أتردد للحظة واحدة في الوقوف كمثقف تقدمي- إن صح لي أن أصف نفسي بهذا الوصف- مع كل من يعارض الوجود الصهيوني/ الإمبريالي ومشروعاته الابتزازية التدميرية في المنطقة. وأخيراً، فإنني ألاحظ أن السيد الجنرال، إذ يحصر مسألة الاستقرار السياسي في المنطقة، بإعلان الحرب الشاملة على الأصولية غير المدجنة إمبريالياً وصهيونياً، فهو إنما يلمح مواربة إلى ضرورة أن "نتعاون معه!" في عملية استئصال مبادىء هويتنا الحضارية القومية- وخصوصاً أسس منظومتها القيمية المتعارضة جذرياً مع البراغماتية الشايلوكية- وهي مبادىء لابد من الرجوع إلى النص القرآني حصراً لاستخراجها وتمثلها تمثلاً عصرياً (* يتجاوز الفقه المتمذهب الذي يتبناه (الإٍسلام الرسمي) المدجن! لقد رأينا في فصلنا السابق أن إلغاء "هويتنا الحضارية" هو- من جهة نظر الجنرال المبشر- شرط للسماح لنا "بالتحديث والعصرنة والديموقراطية.. على طريقته!". وهو هنا في هذا البند/ بند الاستقرار السياسي، الذي هو "عامل جوهري" من عوامل تثبيت (نظامه الإقليمي)، لا يطالبنا بذلك الإلغاء مطالبة مباشرة، بل يطالبنا به بصورة مواربة، أي عبر مطالبتنا بإعلان الحرب على كل من يقول: سأحارب الصهيونية والإمبريالية انطلاقاً مما يمليه علي ديني الإسلامي الذي يعتبر "مجاهدة الشر" أحد مقومات الأمانة الإلهية التي رفضتها السموات والأرض والجبال، وقبلها الإنسان! (الآية الكريمة المشهورة). أفليس من حقنا بعد هذا كله أن نقول- تعليقاً على اهتمام الجنرال بالأصولية إلى هذه الدرجة-: إنه مرعوب من الظاهرة الأصولية الجهادية حصراً؟!. أو حتى أن نقول: إن السحر قد انقلب على الساحر؟! ب- في الاقتصاد: يربط السيد الجنرال المبشر مسألة الاقتصاد وقضية "الظاهرة الأصولية"- ودائماً بالمعنى الذي يريده هو حسب تحليلاتنا السابقة- ربطاً يخلص منه إلى نتائج سريعة معممة تصب في خدمة (مشروعه) بصورة تتميز بأنها خطابية آمرة، وبأنها تلفيقية مخاتلة إلى أقصى الحدود الممكنة. ففي بداية فقرته الصغيرة جداً عن (الاقتصاد)، كأحد العوامل الجوهرية في بناء (نظامه الإقليمي) يقول: (ارتفاع مستوى المعيشة هو شرط مسبق لتخفيف التوترات في الشرق الأوسط. وطالما كانت هناك هوة تفصل بين مطامح الناس وفرصهم الحقيقية داخل النظام الاجتماعي- السياسي فإن المجال ينمو رحباً أمام الأصولية) ص63. ويبدو من هذه "الافتتاحية" أنها موجهة إلى النظم السياسية العربية: (المساندة منها، والمعادية)، حتى ليشك المرء في أن جانب (الممارسات الإرهابية الفعلية) للنشاط الأصولي المتنوع، وغير الجهادي- كاغتيالات المثقفين مثلاً، والمتنورين غير السلطويين منهم خصوصاً، وعديد من "الأفعال" التي تدمر ملكيات مجتمعية، أو تسيء إلى الهوية الحضارية/ القيمية للعروبة والإسلام، فتخدم العدو بذلك-.. إنما هي ممارسات مأمور بها خارجياً للضغط على تلك النظم كي تنهي ترددها، أو كي تنصاع- حسب وضعها التاريخي: مساندة للوجود الصهيوني أو معادية له رسمياً!- فتتبنى قبول الأطروحات الجديدة حول المشروع الصهيوني الموضوع قيد التنفيذ للهيمنة على المنطقة.. وبعبارة أخرى: تتبدى الأصولية هنا (كبعبع) يلوَّح به في وجه سائر الأنظمة العربية كي تستجيب بالسرعة الكافية لسائر متطلبات الحلف الصهيوني/ الأميركي الامبريالي الذي أشرنا قبلاً إلى أن سبب "لهفته واستعجاله" عائد إلى طبيعة المواجهة التي أخذت حدتها تبرز في صيغة (حرب اقتصادية غير معلنة) بين مختلف أذرع البنيان الرأسمالي العالمي.. حيث منطقتنا- باعتبارها قلب العالم: كجغرافيا وكموارد- لابد أن تكون الساحة الأساسية " لِلَّعِبِ العالمي!" في إطار تلك المواجهة الآخذة بالمزيد من الاحتدام! والجنرال بيريس، حين يبتسر أسباب التوترات في الشرق الأوسط بإحالتها إلى انخفاض مستوى المعيشة للناس، ثم يبتسر التوترات ذاتها بإحالتها إلى (النشاط الأصولي) وحده، وحين يحمّل النظم السياسية/ الاجتماعية العربية مسؤولية ذلك كله وبصورة كاملة، فهو إنما يطمس جذور" كل شيء" ويستمر في تزويره لسائر حقائق حركة التاريخ في المنطقة، وبذلك يضع الوجود العدواني لدولته-كما الفعالية الابتزازية الإمبريالية العامة التي أنتجت ذلك الوجود- خارج دائرة الاتهام.. بل حتى خارج الدائرة المتعلقة بأي نقاش موضوعي حول تلك الحقائق! ولأنه سبق لنا أن أشبعنا كل ذلك نقاشاً في ما كتبناه حتى الآن، فإننا سنكتفي بتكرار القول: إنه الأسلوب التزويري الصهيوني المعتمد دائماً وعموماً.. فلنحاول أن نستكشف ماذا يريد حضرة الجنرال بعد تلك " الافتتاحية"!.. إنه يكمل كالتالي: (مامن اقتصادٍ مكافحٍ اليوم يستطيع أن ينمو.. دون.. معونة خارجية، أو أن يصبح جزءاً من نظام إقليمي أوسع . وإن إنشاء منظمة تعاون إقليمية هو الرد- بل الرد الوحيد- على الأصولية)ص 63. إن الجنرال الفهلويّ، بعد مصادراته الأولية على أسباب التوترات في المنطقة، وعلى حقائق التاريخ، وعلى النظم السياسية-الاجتماعية العربية، دفعة واحدة، ينطلق رأساً إلى هدفه: التنمية الاقتصادية عبر منظمة إقليمية فوق قومية!.. لماذا؟!.. للرد على "بعبع" الأصولية!!.. هل هذه " التمحلات" تستحق أي نقاش؟! بالتأكيد : لا. فالجنرال المبشر واضح الهدف، وهدفه يبرر وسائله أياً كانت هذه الوسائل!! وكي يقنعنا الجنرال بأنه يتكلم فعلاً في (الاقتصاد!!)، وليس يدور ويداور"كي يفسر الماء بأنه الماء"(* في النهاية، فإنه يكمل مباشرة: (إن منظمة المظلة الشاملة هي القادرة على إقامة منظومة ري مشتركة عالية التطور، ضرورية لكبح زحف الصحراء، وتمكين البلدان من إنتاج ما يكفي من الغذاء وتوفير فرص العمل لسكانها. إن المقاربة الإقليمية، العملية ، هي الطريقة الوحيدة الكفيلة باستثمار القدرات الكامنة في مجال السياحة والمواصلات العامة في هذه البقعة الثرية من العالم، لتجعل منها بقعة مزدهرة لشعبها)ص63-64 وبهذا يختم الجنرال فقرته عن الاقتصاد!!! وبالطبع، ليس السيد الجنرال عييّاً أو جاهلاً بتفصيلات مصادر ثراء المنطقة!.. وهو نفسه من كان قد تحدث عن احتوائها لـ(60%من المصادر النفطية العالمية)، عدا ما أغفله من الثروات المنجمية الأخرى- المكشوفة منها والمخبأة- على امتداد الوطن العربي.. وهو نفسه أيضاً من يبشر (بإدخال العلم والتكنولوجيا) المتفوقة إلى المنطقة.. فبماذا يحدد(نصيبنا!!) من ذلك كله تحت (المظلة الشاملة) التي ستنسج من (خيوط) الرساميل الشايلوكية؟! أ- منظومة ري (مشتركة!) تكفي لإنتاج الغذاء اللازم، وتشغل كل الطاقات البشرية العربية في هذا الميدان ب- الاستثمار السياحي لكنوز المنطقة- وهذه الأخيرة يبدو أنها ستصير (مشتركة) بكل ثقلها الطبيعي والتاريخي!- ح- إقامة شبكة مواصلات متلائمة مع حجوم الاستثمار السياحي. ثم ينتهي (نصيبنا!) بهذا القدر من الازدهار!! إن الجنرال (لن يسمح لنا!!)- على ما يبدو- بأي تطور تكنولوجي من النوع العالي. فالتكنولوجيا المتطورة ستدخل شبكة الري لتأمين الغذاء الذي يكفي لابقائنا أحياء، وفي خدمة المائدة الصهيونية/ الأميريكية المشتركة.. ليس أكثر.أما ما تبقى من (الازدهار الموعود!) فسينحصر في قطاعَيْ نشاطنا الخدمي: السياحة والمواصلات. أو ليس جميلاً جداً لنا أن يقبلنا الغربيون، وسائر المترسملين والرأسماليين في العالم:(غرسونات) في المنتجعات السياحية التي سيقيمها الشايلوكيون على أرضنا، وسائقي حافلات، وخدماً على طرق المواصلات التي ستنشئها (شركاتهم) للوصل بين تلك المنتجعات؟. حسناً.. ولكن ماذا لو قلنا: لا.؟! إن الجنرال المبشر سيفاتحنا بنتيجة مثل هذا الجواب الرافض في فقرته عن(العامل الجوهري الثالث) من عوامل نظامه الإقليمي، أو مظلته الشاملة كما قال في كلامه عن الاقتصاد.. ذلك (العامل) هو الأمن القومي! فلنتابع هذه (الجوهريات)!! حـ- في الأمن القومي: يكاد السيد الجنرال المبشر لا يقول أيّ شيء ذي قيمة تحت هذا البند، باستثناء إعلانه عن أن مفهوم (العمق الاستراتيجي) (* في (العلم العسكري) ونظرياته السابقة، لم يعد له معنى في عصر الصواريخ (أرض/ أرض) بعيدة المدى، وأسحلة الدمار الشامل. ولذلك لابد من قيام (التحالف الإقليمي) لمنع (طرف ما)(؟؟!) من الضغط على الزر التدميري المهلك!هذا هو كل ما يقوله الجنرال تحت هذا البند الذي يفترض أنه (جوهري!) وحيوي أيضاً، اللهم إذا استثنينا (المثال) الذي يقدمه تأكيداً لمقولته حول انتهاء معنى (العمق الاستراتيجي): إنه (مثال) ضرب دولته للمفاعل النووي العراقي عام 1981، ثم إعادة قصف العراق كله عام 1991 من قبل أميريكا في تلك الهجمة التي سماها الأميريكيون (عاصفة الصحراء)، فدمروا الشعب العراقي وأبقوا على نظام صدام حسين، وبحجة بقاء هذا النظام راحوا يتفننون في تجويع شعب العراق وتعذيبه والتنكيل به.. مع التهيئة الواضحة لتقسيم العراق إلى عِراقاتٍ ثلاثة ،كما هو معروف! والجنرال إذ يضرب هذا المثال فهو في حقيقة الأمر يمرر تحريضاً خسيساً للقوى الكبرى كي تستمر في تجويع العراقيين وصولاً إلى إبادتهم إن أمكن!.. إنه يزعم أن العراق استأنف أبحاثه النووية، ولكن في (منشآت سرية سهلة الإخفاء هذه المرة)ص64 وبهذه الدسة التحريضية يظن الجنرال أنه يموّه على الترسانة الحقيقية الوحيدة في المنطقة: ترسانة (دولته) العدوانية التي -رغم كل الإرهاب الرسمي وغير الرسمي الذي مارسته هذه (الدولة!) في المنطقة-لم يلهج أحد من كل دهاقين (النظام العالمي الجديد) ودعاة (مكارم أخلاقه!!) بذكرها(كبؤرة وحيدة) للخطر على المنطقة.. بل حتى بذكر أنها موجودة إطلاقاً! ترى ، ألا يمكن لنا- في ظلّ موازين القوى التسليحية القائمة في الشرق الأوسط حتى الآن- أن نرى في ما يورده الجنرال المبشر الصهيوني تحت هذا البند نوعاً من الإنذار للعرب، فحواه كالتالي: إما أن تخضعوا لسائر مطالبنا ومتطلبات (مشروعنا) أو نضغط على بعض الأزرار المهلكة؟؟! حقاً، إن نبرة التهديد المبطن لا تفارق كلام الجنرال. ولكن ، أليس كلما ازداد التهديد كان ذلك دليلاً على اتساع مساحة الخوف في قلب من يطلقه؟! مع ذلك، ورغم كل شيء، لنتابع آخر(جوهريات!) هذا الإرهابي الصهيوني العريق. د- في إشاعة الديموقراطية: بالتأكيد، (يحتاج الشرق الأوسط إلى الديمقراطية حاجة الكائن البشري إلى الأوكسجين) كما يقول السيد الجنرال/ ص65 ولكن ماهي هذه الديموقراطية التي يحددها لنا الجنرال في إطار (مظلته الرأسمالية الصهيونية الشاملة) التي من خيوطها سوف ينسج لنا (نظامه الإقليمي)؟! وكيف؟! ولماذا؟! لقد بينا، بصورة ما، معنى هذه ( الديموقراطية) في إطار (عصرنةٍ وتحديث) يعنيان تغييب هويتنا الحضارية أو إلغاءها بالأحْرى.. وكان ذلك في ختام فصلنا السابق. فهل نعود لنناقش الفكرة نفسها، حيث نرى السيد الجنرال لا يفعل خلال كل ما حللناه من (أقاويله وتقولاته) غير أن يدور بنا في متاهات من الكلام الفارغ كي نعود دائماً إلى مجموعة من المفهومات المصوغة في شكل مطالب، تنبثق من مجمل (جهازه المفاهيمي الصهيوني) وتعود إلى الانصباب فيه؟! ربما يظن القارئ أننا بالغنا في ما خلصنا إليه حول مايعنيه الجنرال(بالديموقراطية)أثناء تحليلنا السابق، أو إننا تعمدنا سوء النية تجاه ما قاله. ولذلك - ولو كررنا قليلاً-سنترك الجنرال يعرف (بلسانه!!) معنى الديموقراطية التي يطلبها لنا، ومن أجل أية غاية. يقول جنرالنا الفهلويّ بهذا الخصوص: (ليست الديموقراطية مجرد عملية تضمن الحرية الشخصية والمدنية، بل هي أيضاً هيئة رقابة تحرس السلام، وتعمل على تبديد العوامل الكامنة وراء التحريض الأصولي)ص65 وإذا تمعنا جيداً في هذا التعريف فسنكتشف بوضوح أن (ديموقراطية)السيد الجنرال هنا ليست مجرد ممارسة للحقوق الشخصية الطبيعية للكائن البشري داخل شبكة علاقات الهيئات الاجتماعية التي ينتمي أصلاً إليها، والتي هو مندرج في سيرورة تكونها ونموها التاريخيين/ الثقافييين المخصوصين.. لا، فهذه الهيئات- ولنقل: التشكيلات البنيوية القائمة- مطلوب تغييرها جذرياً كما سبق له أن بيّن قبلاً. إن تشكيلها وعلاقاتها سيرتبطان- حسب أطروحاته- بطبيعة النشاط الاقتصادي وسقوفه المخصصة لنا: كمنتجي غذاء، وكخدم في السياحة وشبكات المواصلات المتطورة! وبناء على ذلك، فإن حدود (الديموقراطية) المسموح لنا بها في (نظام الجنرال الإقليمي) هي فعالية موظفة (كهيئة رقابة) لحراسة (سلامِهِ!) حراسة تمنع (التعكير الأصولي) لسيرورة المشروع الصهيوني بخصوص المنطقة!! ولنعد مرة أخرى إلى تحديد معنى الأصولية التي يطلب محاربتها: إنها كل حركة جهادية ضد الوجود العدواني (لدولته). ولنلاحظ هنا أنه يبدو كأنما شطب- ضمنياً- على سائر التيارات الشعبية والتنظيمات: الرسمية وغير الرسمية، والمناهضة لذلك الوجود العدواني.. أو كأنه يلحقها- ضمنياً أيضاً- بالأصولية، حسبما يريد هو !إنه إذاً يسقط مفهومياً مصطلح (العروبة) ومصطلح (التقدم) مع سائر مستجراتهما العملية والكفاحية.. فلا يبقي- وفقاً لما يقتضيه منه ( جهازُهُ المفاهيمي الصهيوني)-إلا على (أعراض مرضيّة!!) لإسلام غير مدجن لابد من (إشفاء!!) المنطقة منه! ولماذا لا يكون الأمر كذلك وهو قد طلب منا صراحة (نسيان الماضي. ونسيان ما يجب علينا نسيانه من التاريخ)، مثلما طلب أيضاً أن (نعدم هويتنا الحضارية المحدّدة لخصوصية وجودنا) كي نتأهل جيداً لقبول(الفتح والثقافة الغربية)؟! إنه إذاً : المنتصر الذي يفرض (شروطه!!) على المهزوم.. ثم يسمي ذلك (سلاماً) و(ديموقراطية).. وماشابه من مصطلحات لاتعني- حقيقة- غير الاستسلام والتسليم بأبدية الأمر الصهيوني/ الإمبريالي الواقع!! إن(حرياتنا الشخصية والمدنية) وفقاً للسيد الجنرال، ستكون- إن صحت أوهامه!- مجرد نوع من الزينة، وآداب السلوك واللياقة، فيما نحن نقوم بخدمة (المائدة الشايلوكية) في الوليمة الكبرى المقبلة!! وبعد ذاك التعريف(للديموقراطية) بمضوناته التي أوجزناها، يأخذ الجنرال بالتشريق والتغريب- على امتداد نحو من ثلاث صفحات- في هجاء قوى القمع العربية حيث (يعيش المواطنون هنا في خوف دائم. إن الأنظمة الشمولية تشل المبادرة، وتغلق الحدود) ص66.. حتى إنه يستنجد بنزار قباني الذي كتب- على حد قوله-(من منفاه!) (* : (إذا احتاج الطائر إلى تصريح من وزير الداخلية كي يحلق، وإذا احتاجت السمكة إلى رخصة للسباحة، فسنعيش في عالم لا يعيش فيه طير ولا تسبح فيه سمكة.) .وهكذا (يقنعنا) السيد الجنرال بأنه ذو روح شاعرية! والعياذ بالله!! لكن هجمته على (الحكومات العربية) - التي يرى أن (ديموقراطيته!) وعملية (إشاعتها.. تنطوي في ذاتها ولذاتها على طاقة التجديد .. الحكومي.. الأوتوقراطي) الذي يعم الشرق الأوسط- ما تلبث أن توقع ذاتها في التناقض المضحك. إنه يقرر أن (نظامه الإقليمي) سوف يولّد التنافس(عبر تبني العمليات الديموقراطية، ويمنع الخطر الداخلي المهدد للحكومات). أما كيف يستقيم هذا (الحرص على الحكومات!) مع تلك الهجمة عليها في منطق جنرالنا المبشر؟! فهذا مالا يمكن إلا لعقل صهيوني تلفيقي كعقله أن يجمعه في سلة واحدة.. أللهم إلا أن يكون قصده (ترهيب) تلك الحكومات(وترغيبها) في الوقت ذاته، بهذا الأسلوب!! على أن المهم دائماً بالنسبة لهذا السيد المبشر هو (الأصولية).. فحضورها( وهي حركة مناهضة للديموقراطية في الجوهر، حتى حين تستخدم شعارات ديموقراطية ، يزيد في صعوبة إدخال العمليات الديموقراطية.) ص67 وهكذا يلف بنا الجنرال ويدور عبر كل هذه المتاهة من اللغو كي يعيدنا دائما إلى (هواجسه) الأساسية التي توجه أمر تنفيذ ( المشروع الشايلوكي الكبير)، الذي يبدو أنه قد أنِيطت به مهمة (التهيئة النظرية) له وتنفيذه، كأنما هو يلعب معنا لعبة (الاستغماية)!! ولعل من أبرز (ظرافات!) السيد الجنرال في نهايات حديثه تحت هذا البند / بند (ديموقراطيته!) الغرائبية، تلك الاستفاضة في امتداح إنجازه (للمخترة العرفاتية!)- ولنقل معه تجاوزاً: الحكم الذاتي الفلسطيني!- والاستفاضة في امتداح (آماله السلامية!) المعلقة عليها لبناء نظامه الإقليمي!! إن الجنرال إذ يتناسى أن (الرئيس جداً : عرفات) لم يعد (شيئاً فلسطينياً!) منذ توقيع الاتفاقية / الهدية في أوسلو- حيث( كنا كأنما نتفاوض مع أنفسنا- على حد تعبيره)، ومنذ انكشاف الدور الحقيقي الذي تريده من عرفات كل أجهزة (اسرائيل الحديثة!!) .. أي إن الجنرال إذ يتناسى أن السيد عرفات وجماعته ليسوا (كل الفلسطينيين)، ويستفيض في كل ذلك (الهديل الذئبي) المخاتل، فإنه لا ينسى أيضاً أن يستعين بالفلسفة مثلما استعان قبلاً بالشعر كي يوهمنا بعمق مصداقيته المعرفية .. بل حتى الأخلاقية أيضاً !! إنه ينقل عن سبينوزا هذه العبارة: (السلام ليس غياب الحرب، بل هو فضيلة، حالة عقلية، ميل للخير والثقة والعدل) ص69. والسؤال الذي لابد من طرحه هنا على سعادة الوزير الجنرال هو: أين كان حضرته، وكل جيله الاشكنازي، من فلسفة سبينوزا حين كانوا يفتتحون (عالمهم الجديد!) بيننا، وفق القاعدة الهرتزلية في (الصيد الجماعي للدببة وإلقاء قنابل شديدة الانفجار بينها)؟! أم إن هذه (الأخلاق!) الميالة (للخير والثقة والعدل) قد حطت فجأة عليه وعلى جماعته بعد وفاة سبينوزا، الرافض لكل المفاهيم التوراتية التلمودية، بثلاثة قرون ونيف؟! ولكن ما لنا ولهذه الأسئلة التي لاطائل وراءها؟! لقد حدد لنا الجنرال (عوامله الجوهرية الأربعة) لبناء (نظامه الإقليمي) فلم يقل لنا شيئاً يزيد عما سبق أن عرفناه من (واجبنا!) في مساعدته على إلغاء هويتنا، ورفض قوميتنا لصالح إقرار (نقاء قوميته اليهودية واستقرار دولتها هنا)، ثم تطويع سائر أشكال موجوديتنا لخدمة حلم الهيمنة الصهيونية على المنطقة! فلنتابع إذاً إكمال النظر في تخطيطاته (للأمن الإقليمي) الذي سيكفل له تنفيذ تصوراته عن ( الاقتصاد الإقليمي).. ولو أن الأمر لن يزيد عن تسلية تفتقر كلياً إلى أية جاذبية أو متعة! *** تخطيطات الأمن الإقليمي: الأساليب والغايات. يقول الجنرال في مستهل هذه التخطيطات، وعلى قاعدة كل ما سبق له- افتراضاً- أنه قد حققه عملياً بخصوص (وجودنا) و(وجودهم) و(وظائفنا) و(وظائفهم)، مما سبق أن ناقشناه من تصوراته: (إن بنية نظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط سوف تتمحور على نمطين من الالتزامات المتبادلة: 1- أمة/ أمة "ثنائية ومتعددة". 2- أمة /منطقة. إن الترتيبات المباشرة، أمة/ أمة، ستكون في ذاتها بمثابة رادع للعدوان. وإن الواجبات التي يفرضها نظام الأمن الإقليمي ستساعد على فرض السلام. ذلك لأن الإطار الإقليمي وهو وحده الذي يسمح بتفكيك هياكل القوة، ويعمل باتجاه نزع السلاح، وفرض الرقابة على الأصابع الشغوفة بالزناد) ص69 وبعد ذلك يتحدث الجنرال عن نظام لجمع المعلومات حول النشاطات العسكرية عبر الأقمار الصناعية ، وبالتعاون مع القوى العظمى..ثم تنقل تلك المعلومات إلى (كل الأطراف)!! وهدف هذا كله هو أنه بعد بلوغ السلام (ستنبع المشاكل الأمنية الرئيسية.. من انعدام الاستقرار في النظام، والتخريب السياسي، والنكوص إلى شبكة التصادمات الدينية والاثنية- العرقية- والاقتصادية. ونظام الأمن الإقليمي مصمم لمنع أية حرب يمكن أن تنشأ عن خلل في الاتصالات، ولزرع النظام السياسي الجديد في تربة راسخة)ص70 ثم يعقد السيد الجنرال الوزير مقارنة بين: (مشروعه الذكي والمحكم!) وبين مشروع نظام الأمن الجماعي (الغبي!) الذي أقامه الحلفاء في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية!.. ويستخلص من أحداث الثلاثينيات في أوربا ثلاثة دروس، سوف نعرض لها بعد النظر في الأقوال السابقة. وما يبدو من هذه الأقوال هو أن صاحبنا لا يفكر فقط بضرورة التعامل مع (الأمر الواقع) من قبل العرب: أ- واقع الوجود العدواني (لدولته) في المنطقة، والمفروض كجزء من سيرورة النشاط الإمبريالي العالميّ، والذي لولا أنه مفروض أصلاً بما هو كذلك لكان كل شيء في المنطقة.. وكل حديث عن أمنها، مختلفاً بصورة جذرية. ب_ واقع (الأمم!) العربية، المتحصل من تفاعلات الابتزاز الإمبريالي/ الصهيوني النهاب مع عناصر (قصورها وتخلفها) البنيوية الذاتية.. أو لنقل : واقع التفتت، والانحطاط العربي المعصرن، والذي اكتسب - وفق تقديرات الجنرال-سمة القطعّية. وإنما يفكر الجنرال بما سيثيره ما يسميه هو (الالتزامات المتبادلة) (* بعد إقرار العرب لمتطلبات المشروع الصهيوني-المعاهدات الموثقة(** )- من صراعات، أو (مشاكل أمنية رئيسية- على حد تعبيره) : عدم استقرار النظام(؟؟) ، التخريب السياسي، التصادمات الدينية، التصادمات العرقية، التصادمات الاقتصادية! إن الجنرال- وهو يتكلم دائماً بنبرة من يملي ما يريد على سواه- إنما يخطط (لبرمجة) كل التوقعات القادمة بصورة تخدم المسيرة الإجمالية للمنطقة نحو استتباب مشروع الهيمنة الصهيوني. فالالتزامات المطلوبة من العرب- أومن حكامهم الذي رأينا قبل قليل كيف يرغِّبهم الجنرال، وكيف يرهبّهم-ليست فقط التزامات بقبول(اسرائيل) كماهي ،بل أيضاً مصادرة أية معارضة من أي نوع للحلم الصهيوني القادم!! فكل معارضة شعبية عربية لهذا المشروع تصب- من وجهة النظر الصهيونية التي يمثلها الجنرال هنا-في إحدى خانتين: خانة (الإرهاب) أو خانة (الأصولية)! وكلتا الخانتين تداخل الأخرى وتكملها، في منظور الجنرال!.. أما الإرهاب الديني اليهودي فهو (مظهر ديموقراطي لإسرائيل!) و(حق ديموقراطي) هناك، ولايمكن التفكير بمصادرته.. وإلا فما معنى هذه الـ (اسرائيل!)، كلها على بعضها ، إذاً؟!! ولننظر في تلك (الوسيلة المثلى!) لضمان (الأمن الإقليمي) واستقرار (النظام الإقليمي) المقترح: إنها المراقبة بالأقمار الصناعية من قبل( القوى العظمى) وإمداد (الأطراف) بالمعلومات عن سائر التحركات العسكرية في مختلف أرجاء المنطقة!! إن القوى الكبرى المالكة- حتى الآن- لإمكانية المراقبة بالأقمار الصناعية هي القوى الإمبريالية، بل نكاد نقول: هي أميريكا وحدها تقريباً . وهذه القوى المتحالفة تاريخياً، والعاملة راهنياً، مع الصهيونية: كيفما شاءت، وحسبما أرادت.. هي قوى ستظل منحازة مادام النظام الرأسمالي سائداً، بحكم قوة شبكة العلاقات المصلحية بينها وبين قوة الرساميل الشايلوكية. أي : إن نظام الرصد المذكور سيمد (دولة!) الجنرال كالعادة، بكل ما يملكه- وما يستجد-من معلومات عن العرب،بينما لن يحصل هؤلاء من تلك القوى على أية معلومة ذات قيمة بخصوص الحركة والتحرك والأهداف.. وما إلى ذلك من أعمال لا يقوم بها(حليفها الصهيوني/ إسرائيل) إلا بالاتفاق معها أصلاً!! باختصار، إن الجنرال يحيل(الثقة الأمنية) بنظامه المقترح إلى (مرجعية) تلائمه وحده- هو ودولته!- وتفتقر إلى أبسط حدود المصداقية بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية.. لابل إنها تمثل الخصم التاريخي الفعلي بالنسبة لهذه الشعوب برمتها! حقاً، إن (نظام الأمن الإقليمي مصمم.. لزرع النظام السياسي الجديد في تربة راسخة) كما يقول الجنرال، لكن هذا (النظام السياسي الجديد) ليس إلا إطاراً مؤسساتياً/ دولتياً للاستئثار الصهيوني- عبر التحالف مؤقتاً مع قوة المصالح الأميريكية المهيمنة- بسائر الإمكانيات والموارد العربية، حسبما سبق لنا الحديث في ذلك. وإذا كان الصراع المرتقب بين المراكز الإمبريالية الكبرى-قديمة مأزومة ، وحديثة ناشطة- هو العنصر الرئيسي الدافع للاستعجال (السلمي!!) الذي تشهده المنطقة، فإن من الواضح- ولو أن في هذا تكراراً للقول- هو أن (النظام السياسي الجديد) المطلوب سيستجرّ، إن تم إنجازه فعلاً، نوعاً من (الأوليغارشيات السلطوية) العربية الجديدة تكون أكثر استجابة لمقتضيات ذلك (النظام ) من الحكومات العربية الراهنة.. بل حتى من أشدها ولاء لأميريكا وللصهيونية! وعلى هذا الأساس فإن اندفاع بعض الأنظمة العربية، مشرقاً ومغرباً، إلى الارتماء العلني في (الحضن الاسرائيلي!) بحجة أن مشكلة الفلسطينيين قد حُلَّتْ بعد (صفقة أوسلو) لن يكون مفيداً لقادة تلك الأنظمة في شيء حين يأتي وقت (التغيير)! وفي كل الأحوال فإن ذلك الاندفاع الذي (اشتغلت!) وفقه تلك الأنظمة تحت شعار(المتعددة) - وبصرف النظر عن مدى نجوع (الثنائية) أو اكتمالها- قد بين مدى التهافت في العلاقات العربية/ العربية ، فقدم بذلك تأييداً عملياً- لامبررله إلا الضلوع في إنجاح مخططات ابتزاز المنطقة- لأهم الأفكار الصهيونية والإمبريالية عن العرب: وهي أنهم مجموعة (أمم!) لاأمة واحدة وبذلك يكون أساس إعدام الهوية الحضارية العربية- حسب طلب الجنرال بيريس- قد أعلن ابتداؤه بأفواهٍ وسلوكاتٍ وأيدٍ عربية، أو : يفترض أنها كذلك!! فلنوقف هذه الاستطرادات ولنعد إلى ماكنا فيه.. إلى (الأمن الإقليمي) الذي، حسب الجنرال المبشر، لايعني أكثر من مصادرة أية حركة تقدم عربية مستقبلية، و(بأدوات عربية!). أو بعبارة أخرى: تعريب الصراعات المحتملة مستقبلياً في المنطقة، فتتكامل مسيرة المشروع الصهيوني (بتبييضٍٍ) كاملٍ لعملياته الابتزازية ،عبر ذلك التعريب! إن الجنرال يعمد إلى استخلاص دروس ثلاثة من أحداث الثلاثينيات في أوربا، وقد وعدنا بالرجوع إليها لنرى كيف سيستفيد منها لاحقاً في مخططاته: الدرس الأول: منع المباغتة التكتيكية. وهذا (يتطلب هيئات رقابة مستقلة تتمتع بالصلاحية والقدرة على التصرف عند الضرورة)- نموذج قوة الوساطة الدولية في سيناء- ثم هناك (العوامل ذات الصلة بظروف مُعيَّنة خاصة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. إن هذه القوة ستعمل على أساس ثنائي تحت إشراف النظام الإقليمي) ص72 الدرس الثاني: (لحماية المنطقة- كل المنطقة !- من أية مباغتة تكتيكية، وللقضاء على أية أعمال عدوانية مفاجئة وهي في المهد، ينبغي القيام بأعمال مراقبة روتينية وتقديم تقارير إلى الدول العظمى الصديقة) وفق نظام الرصد الفضائي سابق الذكر. ص 72 الدرس الثالث:(في حالة انقطاع القنوات الدبلوماسية مؤقتاً خلال نشوب أزمة ينبغي أن تكون للمنطقة قوات تستطيع الرد على العدوان في الحال بصورة مؤثرة)ص72 ومع أن الدرس الثالث غائم بصورة تكاد تجعله لايعني أي شيء محدد، فإن مجموع هذه الدروس يفيدنا بمايلي: 1- أن العدوان والمباغتات التكتيكية هي إما من داخل المنطقة (ربما يقصد دولاً معينة يشك في قبولها لمشروعه مهما فعلت)، أو من خارجها (قوى طامعة ورأسمالية، لكنها ترى في المشروع المطروح احتكاراً صهيونياً أميريكياً مشتركاً ومناقضاً لمصالحها الحيوية). 2- وجود دولي فاعل- ربما أميريكي إذا شئنا المزيد من الدقة- للرد على العدوانات والمباغتات التكتيكية المحتملة .. وذلك إضافة إلى تولي شؤون نظام الرصد.. إلى آخره. وهذا كله لايعني فقط مصادرة حرية الدول الضعيفة داخل النظام الإقليمي- وهي هنا الدول العربية على وجه الحصر- في الحركة والمبادرة لمصلحتها ومصالح شعوبها ، بل إن الجنرال يسجل في الحقيقة نقطة إضافية هامة في تصوراته وهي: إعادة الاستعمار الكلاسيكي إلى المنطقة، ولكن بصورة مطورة، وتحت شعارات في غاية النعومة كما لو أنها جلد الأفعى!! وبهذا وحده يمكن حماية (النظام السياسي الجديد) الذي نعود فنؤكد على أنه: (نظام جديد للهيمنة الاقتصادية على المنطقة) بلبوس سياسي/ أمني/ ثقافي / اجتماعي مناسب!! الاقتصاد الإقليمي: الاجترار المتواصل لحظوظنا المسكينة! إذا كنا قد رأينا هذا الصهيونيّ العريق- حتى الآن- مزوراً ماكراً للحقائق، فإن ما يبدو كأنما هو الأهم بالنسبة له، إنما هو رغبته الجامحة في الثرثرة الاجترارية المطولة حول عدد من الأفكار المحدودة.. حتى لكأن قارئه مرغم- في متابعته- على أن يلوك باستمرار أسوأ أنواع العلكة الرديئة! لقد مرت بنا نماذج كثيرة من (الاجترار) الرخيص ، كنا مضطرين لملاحقتها كي لاتفلت منا أية إضافة صغيرة قد يضيفها السيد الجنرال إلى (رؤاه وتصوراته ومخططاته)، أو لنقل: إلى مجموع أفكاره التي يقذف بها في وجوهنا قبل نهاية فصوله الصغيرة الثلاثة الأولى، كاملة غير منقوصة!.. وهذا ما جعلنا نبدو هنا كأنما نكرر أنفسنا- بدورنا- دون طائل!! وفي فقرته المخصصة لمسألة (الاقتصاد الإقليمي)- والتي ربما كانت أطول فقرة في كتابِهِ هذا -تبدو أفكاره الاقتصادية الأساسية كأنما هي مكررة بدقة عما كان قد أورده في بند (عامل الاقتصاد) الذي عرضنا له قبل قليل.. لكن الجنرال لا يفوته- في واقع الأمر- أن يمرر، في كل مرة، إحدى(دسائسه) المضادة الخطرة التي لا يقدر على إعلانها صراحة في وجوهنا كعرب(جيران!!). وفي هذه الفقرة يبدأ الجنرال بمايلي: (إن مفهوم الاقتصاد الإقليمي ينطوي على خطوات تدريجية لإقامة جماعة تشبه كثيراً الجماعة الأوربية)ص73 ثم ينهال على رؤوسنا المسكينة (بموعظة!) عن تفاهم الأوربيين- الفرنسيين والألمان على وجه الخصوص- بعد عداء تاريخي مستحكم دام قروناً.. لكنهم رغم ذلك توصلوا إلى ذلك التفاهم وإقامة(وحدة أوربية) تعطي (مواطنيها الفخورين-هكذا!!- هوية فوق قومية)! ص73 إن مماحكة الجنرال حول مشابهة علاقات (أمم!) الشرق الأوسط- أي العرب واليهود- بعلاقات الأمم الأوربية ، بغية الوصول إلى إقناعنا بمصداقية مطالبه بخصوص مخططه (للتعاون الاقتصادي الإقليمي)، هي مماحكة ترتكز أصلاً إلى أساس تزويري بالغ الخطورة مُلخصُّهُ: إن أية أمة من أمم أوربا المعاصرة هي أمة مستقرة في (أرضها الخاصة) منذ ألف وخمسمائة عام على الأقل، وليس بينها أمة أقامت (وجودها وهويتها) على حساب وجود وهوية أمة أخرى بصورة كاملة. وهذه بالطبع ليست حال(اسرائيل) التي هي في النهاية (كيان استيطاني غازٍ)، حسبما أقر الجنرال نفسه بذلك، ولكن بعبارات مداورة مناورة!! إن الصراع إذاً بين الأمم الأوربية كان صراع مصالح.والمصالح تتغير بتغير الظروف . أما الصراع العربي/ الصهيوني عبر الكيان الاستيطاني الغازي: (دولة اسرائيل الحديثة!) ، كما يطيب للجنرال أن يسمي (ثكنته العدوانية)، فهو صراع بين هويتين تريد أولاهما محق الأخرى كي تتمكن من التحقق الفعلي: الهوية القومية اليهودية المصطنعة لضمان النقاء العنصري اليهودي الخالص- حسبما صرح الجنرال بلسانه ذاته!- والهوية القومية العربية الراسخة: زمانياً على امتداد خمسة آلاف عام(* ..ومكانياً: على امتداد مساحة تزيد على مساحة قارة أوربا مجتمعة.. حيث رأينا الجنرال يطالبنا يتناسي تاريخنا الذي ترسخت فيه تلك الهوية، ثم يطالبنا بإعدامها كي نستطيع أن نكون (معاصرين) أو عصريين، وفق معاييره هو لاوفق احتياجاتنا نحن!! ويعرف الجنرال حق المعرفة أن التعبير عن الصراع العربي مع (كيانه الصهيوني الاستيطاني) بعبارة (صراع وجود لاصراع حدود) هو تعبير دقيق جداً عما كان (بيننا) و(بينهم)، وعما سيكون أيضاً رغم كل شيء! وهو ذاته قد عبر عن طبيعة هذا الصراع بين (الهويتين) كما ذكرنا.. ولكن، بطريقته المخاتلة التزويرية المألوفة من كل صهيوني! وكمثال جديد على طريقته التزويرية المخاتلة نراه يقول في بداية مماحكته حول علاقات الأمم الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية: (إن هذه الأمم الأوربية لم تنف حق جارها في الوجود. ومن هذه الناحية، فإن التصادم الاسرائيلي- العربيّ أكثر حدة بكثير) ص73. وتفسير هذه العبارة بيّن : فنحن العرب أنكرنا على كيانه الاستيطاني (حق الوجود!!) إنكار اً حاداً، وبالطبع، كنا -حسب رأيه- نحن المعتدين!.. ولم يكن هو وجيله، من أصحاب تلك (التجربة!!) التي سبق أن حدثنا هو عنها، هم المعتدين الذين يستوطنون ما يسميه (عالمهم الجديد!) في قلب وطننا العربي، على طريقة المستوطنين الأوربيين في أميريكا وسواها!! إنه المنطق الصهيوني المقلوب ذاته في كل الأكاذيب، والدسائس، والتبجحات، ومخططات المكائد التي شكلت مادة كتابه كله دون استثناء! ولننظر مرة أخرى كيف يقيم مصادرة على (القومية العربية) بعبارات التزوير المخاتلة ذاتها. ولنتذكر ونحن نقرأ هذه المصادرة -ومن جديد، دائماً!!-توكيده السابق على (النقاء العرقي لقوميته اليهودية المدعاة)، حيث لايمكن لقوة في الدنيا أن تخرجهم- حسب ادعاءاته- من هذه (الأرض) التي (عادوا!!) إليها بعد خمسين جيلاً من عذاب الشتات(** ). يقول جنرالنا المبشر: (يزعم البعض أن عصر القومية يشارف على نهايته حتى في أوربا. وأن الشرق الأوسط الذي وصل إليه مفهوم القومية متأخراً بعض الشيء ينطوي على تاريخ جبار قادر على إعاقة قيام جماعة إقليمية. هل يعني ذلك أن علينا التخلي عن خطة واحدة كهذه؟! كلا).ص77. إن قراءة تأويلية مبسطة لهذه العبارات تدلنا على أن السيد الجنرال يرى أن عصر القومية- باستثياء قوميته اليهودية طبعا!! - قد انتهى.. وما هو خلاف ذلك لا يزيد عن كونه (مزاعم) لاأساس لها! وتأسيساً على ذلك، وكاستنتاج لابد منه، فإن (القومية العربية) يجب أن تصير غير ذات قيمة بالنسبة للعرب!! وهل يمكن التخلي من أجل (تلك الوحدة القومية العربية، رغم مالها من تاريخ جبار) عن خطة كخطة (النظام الإقليمي ) الذي يقترحه علينا نحن العرب!؟. هذا المنطق المخاتل الماكر الذي يصر لا على (القومية اليهودية) وحسب، بل على نقائها العرقي أيضاً، يطلب منا بكل صفاقة -أو لنقل:إنه يملي كما يملي المنتصر الذي أعماه غرور انتصاراته- أن ننسى كلياً(قصة!) الوحدة القومية العربية!.. أما البديل الواضح الذي يقدمه (أي النظام الإقليمي) فهو ما ينبغي علينا تبنيه بدل (قصة الوحدة!) المعيقة للتقدم والازدهار والرفاه- كما ينص على ذلك في ثنايا مما حكته!- وبذلك فقط نستحق (بركته!) كواعظ وكشايلوكي وإمبريالي!! وأما طريقة التخلي والاستبدال فسهلة.(فإن لم نستطع تحقيقها بخطوة واحدة، فسنتقدم على مراحل) ص77.إنه يمهلنا كي نتخلص من آثار ماضينا القومي و(آثامه!) على دفعات! وستكون هديته لقاء ذلك ( برنامج تعاون يشبه هرماً ثلاثي الأضلاع: 1- معهد أبحاث مشترك لإدارة الصحراء، أو مصالح تعاونية لتحلية المياه- ادعاءات وجود مشاريع مشتركة مع دول عربية كثيرة- 2-كونسرسيومات دولية تتولى تنفيذ المشاريع التي تتطلب استثمار رساميل هائلة- يعدد بعضاً من هذه المشاريع وكلها تخدم نمو(دولته) أكثر مما تخدم أياً من العرب!- 3- التطوير التدريجي للمؤسسات الرسمية- هنا يندد بالميول القومية العربية الانعزالية، ويشيد بالاتجاهات الكوسموبوليتانية ويستشهد بمثالين عالميين ليظهر (النتائج السيئة!) للميول الأولى: مثال يوغوسلافيا والعداء والعنف القوميين المدمرين فيها. والنتائج الباهرة للاتجاهات الثانية: أوربا الغربية وازدهارها ورفاهها) ص78-79 وبالتأكيد، لاجدوى من العودة إلى إيضاح مغالطات الجنرال بخصوص مفهوماته المتناقضة عما يخص (قوميتنا) و(قوميتهم!).. ولامن تذكيره بأسباب (فقر منطقة الشرق الأوسط) الذي يتعرض له في هذه الفقرة وكأنه (قدر) أو شيء أسقط علينا في قفة من السماء، وليست أسبابه: النهب الإمبريالي العالمي، والفعالية العدوانية الدائمة (لدولته / الثكنة) .. مثلما لافائدة من شرح الفروق بين تطلعاتنا القومية العربية- التي يرمي هنا بكل (ثقله المعرفي) البائس لإدانتها- وبين حقائق الأوضاع اليوغوسلافية. والسيد الجنرال يعرف مثلنا- بالتأكيد- أن أسباب رفاه أوربا وازدهارها ليست كامنة في اتحادها الجديد وميولها الكوسموبوليتانية أو فوق القومية، وإنما ترجع هذه الأسباب إلى نهبها المزمن لثرواتنا وثروات غيرنا من بقية شعوب الأرض. أما اتحادها فهو محاولة دفاع عن هذا الازدهار، في ظل أزمة رأسمالية عالمية متفاقمة، ضد القوى الإمبريالية الأخرى ليس غير! لكننا، وقد ألفنا تزويرات هذا السيد وأكاذيبه، سنضرب صفحاً عن مناقشة كل هذا لنرى كيف يكرر ذاته - دون ملل- بخصوص المضمون الاقتصادي لنظامِهِ الإقليمي المقترح.. ذلك المضمون الذي عبرنا به قبلاً ، وبينّا حدوده ومراميه الخاصة بنا، بعد أن كاد يفلق رؤوسنا بادعاءاته عما سيجلبه لنا ولسائر المنطقة من تحديث وعصرنة ورفاهية! يقول هذا الجنرال الفكه، وهو يربط(المطامح القومية)- والعربية منها هي المقصودة حصراً- بالفقر واليأس والإحباط: (وعدا المطامح القومية الانعزالية- لاحظوا هذا الوصف الحاقد!- فإن أمم المنطقة تؤلف تجمعاً متنافراً من المستويات الاجتماعية-الاقتصادية، ومستويات المعيشة، ونصيب الفرد من الدخل القومي. ولتذليل هذه المشكلة فإننا بحاجة إلى أن ننظر إلى المنطقة وكأنها مشدودة بأربعة أحزمة اقتصادية سياسية) ص77. أما تلخيص هذه الأحزمة فهو: 1- نزع السلاح، حيث يمكن توفير 30 مليار دولار سنوياً تساعد على تنمية المنطقة! ولنلاحظ هنا أن أكبر مشتر للسلاح في المنطقة هو "دولته" ذاتها.. أي إنها هي التي ستكون الأكثر توفيراً في الحقيقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها لن تخسر شيئاً من مستوى تسلحها:إذ هي تتلقى من "هدايا الأسلحة!" من أميريكا وحدها ما يبلغ سنوياً عدة مليارات من الدولارات كما سبق لنا أن رأينا في فصل سابق. وإذا تذكرنا قولة الجنرال في نهاية فقرته عن (الأمن الإقليمي) حيث يعلن: (إن الوقت لم يحن بعد لتفكيك أسلحتنا وإعادة جنودنا إلى بيوتهم) ص72- ونحن نخمن أنه لن يفعل شيئاً من ذلك إطلاقاً لاهو ولا أي مسؤول في "دولته" في أي يوم وتحت أي شرط!!- ثم قارنّا هذه القولة باشتراط نزع السلاح للبدء بتطوير المنطقة، كما يخطط، فإننا سندرك أية مفارقة قائمة على المخاتلة والمكر والتزوير يحاول هذا المبشر الصهيوني أن يمررها علينا!! 2- (المياه والتكنولوجيا الحيوية والحرب على الصحراء)ص79 وهكذا، سنسد نحن حاجتنا إلى الغذاء ! لكن الحقيقة هي أن السيد الجنرال إنما يفكر أساساً بأن (قيام مشاريع الصحراء هذه يحقق واحداً من أحلام بن غوريون بتطوير النقب)ص78 وما أظنه يتجاوز ذلك بكثير، إذ أنه لن يفكر إطلاقاً "بخضرة دائمة!" في الصحراء الإفريقية ولا في صحارى الربع الخالي، والنفوذ، والدهناء.. أو حتى بادية الشام عن طريق التحلية المكلفة لمياه البحر، حسب ادعاءاته!! 3-( الهياكل الارتكازية للنقل والاتصالات).. ولانرى مبرراً لتجديد النقاش في (الطابع الخدمي) لهذه الهياكل، مع ملاحظة أنها ستكون أحد أبرز مجالي استثمارات الكونسرسيومات الدولية التي ذكرها قبل قليل. 4- السياحة. وهذه هي المجال الثاني والأخير لاستثمارات الكونسرسيومات. وقد سبق لنا التعرض لها ولما سيكون وضعنا فيها"كخدم" في هذا القطاع ذي الطابع الخدمي- أي غير الإنتاجي- من ألفه إلى يائه! أما الجديد الذي يضيفه الجنرال المبشر هنا فيتمثل في قوله: (لقد ابتنى آباؤنا المعابد والأهرامات والقلاع وشقوا القنوات فأورثونا بذلك مواقع سياحية مذهلة) ص80 . أما ما هو أشد إذهالاً فهي هذه الـ"نا" في كلمة "آباؤنا" وكلمة"أورثونا". وهكذا صار هذا الخزري وجيله "شركاء!" في ميراثنا نحن العرب، وعلى قدم المساواة معنا في حق الاستفادة من هذا الميراث.. وذلك رغم أنف كل وقائع التاريخ، ورغم كل الحفريات الأثرية التي لم تثبت أي وجود بانٍ لمجموعة اسمها (اليهود) في أي عصر من العصور على امتداد الشرق الأوسط كله، لافي فلسطين وحدها!.. إنها "تمريرة!" احتيالية من قبل الجنرال الاشكنازي، لكنها فاشلة على أي حال!! هذه هي أحزمة الجنرال المبشر الأربعة في مجال خططِهِ الاقتصادية لنظامه الإقليمي المقترح!.. ويبقى السؤال: أين هي التكنولوجيا الرفيعة في كل هذا الهرف الرخيص؟! أم إنها تقتصر على "تكنولوجيا تحلية المياه" لتنفيذ أحد أحلام بن غوريون بخصوص استصلاح صحراء النقب، ليس غير، رغم كل "وعوده" الهاذرة حول تلك التكنولوجيا المتطورة؟! -4- في الواقع، لاشيء أكثر ظرافة- وإن تكن من ذلك النوع المر- من ادعاءات الفضيلة والتعقل والاهتمام بمصالح الآخرين إذا كان صاحب هذه الادعاءات أحد قادة عصابات القتلة من لصوص "الأرض" المحترفين.. وكانت "أعماله القيادية" في هذا الميدان من النوع المزمن! وتزداد حدة هذه الظرافة عندما يظهر صاحبها نفسه واعظاً محايداً مرة، ومتبجحاً.. مهدداً متوعداً ضحاياه، إن هم لم يستجيبوا لخططه بشأن رعاية مصالحهم من قبله، مرة أخرى! إن هذه الحال تنطبق جيداً على جنرالنا الفهلويّ في فصله الذي خصص له هذا العنوان الطويل (أسلوب جديد في التفكير وصولاً للأساس المناسب للأمن والاستقرار)، وفي ما حشاه داخله من أفكار لاجديد فيها بتاتاً سوى أنها تحيل استمرار الصراع العربي/ الصهيوني- ابتداءً بأسسه ذاتها!- إلى نوع من (العناد النفسي) العربي حيث يجب كسر هذا الحاجز على طريقة السادات.. وتحيل المستجدات في حركة هذا الصراع- وهي ذاتها حركة التاريخ في المنطقة باعتبارها جزءاً من حركة التاريخ الإنساني الكلي-إلى مجرد "خصم أصولي" إسلامي طبعاً، يزيد في سماكة (الحاجز النفسي) بين "الأمم!!" العربية و"الأمة اليهودية!!" في وقتٍ قد غير "النظام العالمي الجديد" فيه كل الاعتبارات السابقة إلى الحد الذي صار فيه ذلك (الحاجز) خطراً على العالم!.. إن الفكرة الأخيرة ليست جديدة تماماً، وإنما تتمثل جدتها في الترابط الذي يقيمه الجنرال بين (الأصولية) - ودائماً الأصولية الإسلامية، فالأصولية اليهودية الصهيونية هي غاية التقدم العالمي، حسب الجنرال، على ما يبدو- وبين ذلك (العناد النفسي) الذي صار على العرب "كسر حواجزه"!.. وما هذا الفصل كله إلا (درس وعظي) في تعليمنا كيف يجب علينا أن نتصرف: "معهم!"، و"تحت رايتهم!" بالتأكيد، مادمنا نحن عاجزين عن التفكير بطريقة مناسبة لما استحدثه "نظامهم العالمي الجديد" من حاجات ومتطلبات وآليات عمل! إنه إذاً يطرح علينا من جديد (أمر قيادة الشايلوكيين للمنطقة) .. ويحثنا- نحن العرب- على المبادرة إلى طلب ذلك!.. وكل هذا ليس إلا "هذراً مكرراً" من صاحبنا المبشر الصهيوني الذي لا يجد سوى ( الوعيد بجحيم أسلحته النووية) ، التي يظهر رؤوسها من تحت جبته، وسيلة لاقناعنا بصواب آرائه!! ورغم اختبارنا الجدالي قبلاً لأطروحات هذا السيد الجنرال فنحن مضطرون لمتابعته. فهو- في الحقيقة- ينتقل في هذا الفصل إلى أسلوب رفيع فعلاً من مناورات الكلام المخادع البارع.. وبالتالي لابد لنا من تفكيك أقواله وكشف مافيها كي لا يظن -هو أو سواه- أن تضليله منطلٍ على أحد. ولعل من الجدير بالذكر أنه- وقت كتابة هذه الكلمات- ترد على رأس قوائم أخبار المذابح العالمية، المستمرة والمتجددة في بدايات 1995، أخبار مذابح الفلسطنيين في (مناطق الحكم الذاتي!!)على أيدي(قوات جيش الدفاع الصهيوني!!).. ويدلي الناطق باسم "الوزارة" التي يعمل السيد بيريس فيها، بتصريحات استفزازيه لا يكتفي فيها بتزوير الحقائق التي ينقلها المراسلون المحايدون.. بل إنه أيضاً يعلن تهديده لكل فلسطيني- في نهاية التحليل المنطقي للتصريح!- مادام يعترض، أو حتى يشكل وجوده حياً نوعاً من الاعتراض، على السياسة الاستيطانية الراسخة (للدوله!)، والمحمية بقوة (جيش الدفاع!)في نهاية الأمر!.. وبالطبع، لم تسلم حتى الشرطة العرفاتية من هذه المجازر!(* لقد سقنا هذا القول لإظهار عُمقِ المفارقة بين حديث جنرالنا المبشر- وهو يقود الآن السياسة الخارجية "لدولته"/ مع كل ما هو ضروري من ترابطات ذلك مع سياستها العامة، والداخلية منها على وجه التخصيص- وبين حقائق الواقع الناشب "على الأرض" رغم كل التبجحات حول (السلام مع الفلسطينيين!) عبر "صفقة أوسلو" والإكمالات العرفاتية اللاحقة!..وتلك المفارقة، إن دلت على شيء، فهي تدل أساساً على التزوير الكامل والدجل الخالص الذي يملأ أقوال السيد بيريس في كتابه/ موضوع البحث.. حتى لو رغبنا في التسليم معه بكل ما يريد!! فلنعد، بعد هذا كله، إلى ما يقوله في هذا الفصل عن (أسلوبه الجديد في التفكير، وصولاً للأساس المناسب للأمن والاستقرار). في مستهل هذا الفصل ينعى على الزعماء العرب عدم رغبتهم في (كسر الحاجز النفسي) على طريقة السادات.. ثم يعقب على ذلك بأن كسر هذا الحاجز هو (شرط أساسي ومسبق للنجاح في عملية السلام والرخاء في الشرق الأوسط)ص81 ورغم أن عرفات-مثلاً- قد قام حتى الآن بما هو أفضل من فعلة السادات بكثير بالنسبة للدولة الصهيونية فإن (الحصاد الفلسطيني)- حتى لمن هم موالون لعرفات- كان، وسيظل، مريراً!.. ويعلن الجنرال مهدداً- وليفسر من شاء قولته التالية كما يشاء، فلن يجد معنى آخر!-:(هؤلاء الذين لايستطيعون تكييف أنفسهم وتفكيرهم مع الحقائق الجديدة لن يتمكنوا من تأمين مستقبل آمن لبلادهم) ص81-82. إنها الطريقة الصهيونية المثلى في (إقناع الخصوم!) : التهديد مع التنفيذ طالماهم- أي الصهاينة- أقوياء!... وبعد تحقيق ما يريدون بالقوة الدموية العدوانية، يأخذون في التعامل مع ما حققوه- كأمر واقع!- على أنه حقيقة الحقائق الراسخة، والأبدية أيضاً! منطق نعرفه جيداً!.. والجنرال الذي يستمر في تصوير نفسه، وجماعته الصهيونية، (كدعاة سلام) لا يكلون.. يستمر أيضاً في مطالبة العرب، أو زعمائهم حصراً، بالخضوع للأمر الواقع، حيث يرى أنه رغم كل اتفاقيات (السلام!) وتفريعاتها (ستظل الدول بحاجة إلى الجيوش)- وهو هنا يعني "دولته!" أساساً- وهذا سيضع أمام جميع قادة المنطقة مشكلة استراتيجية أساسية تكمن (في كيفية تعزيز الأمن القومي بدون التقليل من الأمن الإقليمي. ومثل هذه القضية ستصبح أكثر حيوية من التقدم التكنولوجي الذي يشكل ضماناً للأمن الشخصي والقومي)ص82-83. ولكن الجنرال، الذي رأينا حدود ما يطرحه على العرب في مصطلح (التقدم التكنولوجي!)، لن يترك هذه المشكلة الاستراتيجية دون حل مقترح- وهو حل وحيد طبعاً، وواجب التنفيذ بالقوة أيضاً!- لاسيما أنه أخذ على عاتقه مهمة "التفكير!" للجميع، نيابة عن الجميع!! ولهذا فهو يقرر أولاً أن تحديد الافتراضات الأساسية المتعلقة بتلك المشكلة يفرض- ضرورةً- أن (نعيد التفكير ببعض التصورات التقليدية ) ص83. وهنا نجده يعود إلى تلمُّس الترسانة المخبأة تحت جبة الواعظ، فينطلق رأساً إلى مفهوم ( العمق الاستراتيجي) الذي تغير.. ويجب علينا- نحن العرب- أن نفهم من تغيراته فكرة أن الجبهة صارت- بعد تطورات تكنولوجيا الحرب- هي المناطق الآهلة بالسكان أولاً ، إذ(أي استخدام للصواريخ الباليستية في حرب قادمة من شأنه أن يحول الشرق الأوسط إلى مقبرة) ص83. وإذا كان هذا الواعظ العجيب يأسف على شيء فهو إنما يأسف- رغم كل ما تحت تصرف الصهيونية من ترسانات القوى الإمبريالية العالمية- على عدم وجود وسيلة عسكرية كافية لتحييد هذا التهديد/ ص83 أما النتيجة العامة فهي أنه(علينا أن نغير افتراضاتنا طبقاً للمتغيرات التي فرضها النظام العالمي الجديد، وكذلك دور القوى العظمى، إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار التطورات التكنولوجية الحديثة. كما يترتب علينا إعادة النظر في تصورنا العام الذي يعتبر الحرب إحدى الوسائل في صياغة العلاقات الدولية) ص 83. إن هذا الكلام العمومي لايمكن اكتشاف المقصود به فعلاً من قبل هذا الجنرال المبشر مالم يتم إرجاع كل مافيه إلى جذوره، وسياق صيرورته، وواقعه الفعلي الراهن. وقد فعلنا ذلك قبلاً ورأينا(المخبوء الصهيوني) وراء كل هذه الأطروحات ذات الحدود المائعة. وكمثال مجدّد: لو نظرنا في الإمكانيات العسكرية الفعلية لكل دول الشرق الأوسط، العربية وغير العربية، لما وجدنا هناك أية إمكانية في تحويله إلى مقبرة باستثناء الإمكانية التي تتوفر للترسانة الصهيونية في (إسرائيل الحديثة!!) ومن ورائها ترسانات القوى العظمى: خصوصاً الترسانة الأميريكية، الجاهزة للحضور الفوري.. ولإنجاز المقبرة للعرب بالقدر الملائم لخدمة مصالحها، وبناء على " أخلاقيات!!" النظام العالمي الجديد ذاته! وما يمكن استنتاجه إذاً هو أنه على (بعض!) العرب أن يغيروا تصوراتهم التقليدية المتعلقة بالوجود الصهيوني في المنطقة، وبذلك يمنعون تحويل بلدانهم إلى مقبرة، طبقاً لمتطلبات التنظيم الصهيوني/ الأميريكي الجديد للعالم: ابتداء من هذه المنطقة ذاتها! والدرس العراقي مثل حي على ما يمكن أن يكون!! والواضح أن سورية ثم ليبيا هما المعنيتان أولاً وأساساً بهذا التهديد الذي يتخذ شكل المطلب!! ولو حاولنا إعادة ترتيب ما هو مطلوب من العرب عموماً من عناصر (الأسلوب الجديد في التفكير) لأمكننا أن نصوغ التالي، إلى حد هذه القضية من مطالب الجنرال: 1- المبادرة السريعة- من الجميع- إلى كسر الحاجز النفسي. أي : إقرار العرب جميعاً بمشروعية الاستيطان الصهيوني حسب شروطه كمنتصر، والآن.. في ظل شرعية الهيمنة الأمريكية الراهنة المتحالفة مع قوة الرأسمال الشايلوكي! أما ماكان يسمى "قرارات الشرعية الدولية" فهذه- على ما يبدو-قد أصبحت "شيئاً" من آثار مرحلة الحرب الباردة، فلا يمكن أن تكون قد بقيت لها أية قيمة بالتالي! 2- إن العنصر الدافع إلى تلك المبادرة المطلوبة هو (الترسانة الصهيونية)التي تستطيع تحويل أماكن تجمعات العرب: (عواصم ومدناً ومناطق مأهولة)، إلى مقابر جماعية لاأكثر. والتكنولوجيا العسكريتارية الجديدة قادرة على ذلك(* . إن التفكير العربي يجب أن يتمحور على هذا المصدر للرعب، فيغير تصوّراته التقليدية ويعترف "بحقوق!" الهيمنة الجديدة للحلف الصهيوني/ الأميريكي الراهن ومن يتابعه من القوى الرأسمالية(=دور القوى العظمى)! 3- وينبني على المطلبين السابقين مطلب ضمني ثالث وهو ضرورة اعتراف العرب بأنهم قد هزموا هزيمة كاملة: حضارياً وعسكرياً وثقافياً وسياسياً.. بل هزموا أساساً في عناصر ترابطهم البنيوي العام: كقومية، وكأمة! وهذا ما سيعبر عنه الجنرال لاحقاً في قوله: (إن القوى الخارجية لم تعد تظهر اهتماماً في إثارة هذا الطرف أو ذاك في هذه المنطقة المضطربة الحساسة)(** ص85- ثم في استنتاجه المبني على ذلك وهو: (الاعتراف بالحقيقة الرئيسية التي ميزت السنوات الأخيرة من القرن العشرين وهي أن المنظمات الوطنية السياسية لم تعد قادرة على تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله، وهو تلبية المتطلبات الأساسية للأمة) أو قوله: ( في ضوء التطورات التكنولوجية المعاصرة، سواء تلك المعدة لأغراض الإعمار أو التدمير على السواء، فإن المنظمات القومية لم تعد وحدها قادرة على تأمين الأمن).ص 86 إنها المطالب الأساسية الأولية الثلاثة اللازمة لصياغة(أسلوب التفكير الجديد) الذي يرسمه الجنرال للعرب! وإذا توهمنا، ولو للحظة، أنه يعني "دولته" بشيء من ذلك في سياق أقواله الغائمة المصوغة بمكر حاذق، فإننا سنكون قد ارتكبنا نوعاً من الحماقة. ولتأكيد ما نذهب إليه هنا هل يتعيّن أن نذكرّ بما كان قد قاله عن (ضرورة النقاء العنصري لقوميته اليهودية)؟!.. أم هل يتوجب أن نذكرّ بما سبق أن تبجح به عن "ديموقراطية!" دولته، حيث هذه " الديموقراطية" تعني مشروعية بقاء المنظمات (الوطنية!) السياسية، ونجوعها بالنسبة لتلك الدولة الاستيطانية؟!.. أو نعود فنكرر ماسبق أن قلناه عن مستويات امتلاك التكنولوجيا- المعدة لأغراض البناء أو لأغراض التدمير- وفروق تلك المستويات بين العرب وبين القوة الصهيونية العالمية التي لا تشكل "اسرائيل!" سوى ثكنتها الأمامية؟!.. إن الجنرال إنما يفكر- في الحقيقة- في انفلات قوة "دولته!"، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة إلى (نصر أميريكي) تحديداً، وإمبريالي عموماً. وهو يريد استخدام هذه القوة لإزالة كل عناصر التهديد العربية القائمة والمحتملة عبر اندفاعة سريعة تكون" تلك القوة" وحدها هي المرجعية والميزان والحكم في كل شيء في المنطقة، حيث يرى أن الفرصة مهيأة إجمالاً لانطلاقة جديدة للحلم الصهيوني بعد أن تم (صرع العرب بالضربة القاضية)، لاهزيمتهم بالنقاط، كما يقال في"لغة الرياضة"! أما الدليل على صحة هذا التقدير فهو نتائج صفقة أوسلو مع عرفات الذي كانت المفاوضات معه هينة لينة كما لو أن اليهودي يتفاوض مع نفسه:(كنا كأنما نتفاوض مع أنفسنا)! لقد أخذت"دولة" الجنرال ذاتها تعمل على إفشال الصفقة، ربما بعد أن ثبت لأقطابها- ومنهم الجنرال المبشر ذاته- عدم جدوى إقامة (مخترة!) الحكم الذاتي المحدود بالقياس إلى الأهداف الصهيونية المرجوة منها! ولقد سبق أن قلنا إن الجنرال بيريس- رغم شعوره بانفلات مؤقت لقوته- محكوم بدوافع للخوف الشديد ليست هينة ولا طيعة في الواقع العملي. فلنحاول متابعة استقراء المطالب الخاصة (بأسلوب التفكير الجديد) كي نرى-مرة أخرى- مصادر ذلك الخوف. يقول الجنرال في نهاية الصفحة 86 من كتابه: ( في الماضي كانت المشكلة الفلسطينية تشكل القضية المركزية في الصراع العربي الاسرائيلي. وهذا أمر لم يعد موجوداً الآن. فقد أصبحت القضية المركزية هي التهديد النووي. ففي وقتنا الحالي لا يوجد حل عسكري لمشاكل الفقر والأصولية والإرهاب) ص86-87. وببساطة يحيلنا هذا القول إلى مطلب: نسيان القضية الفلسطينية كمركز للصراع، واستبدالها بقضية التهديد النووي!.. فهل نسأل أيضاً - ومن جديد- من الذي يملك السلاح النووي في المنطقة ويهدد به؟! لاأظننا بحاجة إجابة على هذا السؤال أو التساؤل إطلاقاً! لكن الجنرال يتعمد دس كلمتي (الأصولية والإرهاب) في سياق استنباط (مشاكل) يعطيها هو الأولوية، ثم يدمجها في حديث عن مشاكل عالمية عامة كمشكلة البيئة ليقول ما يوهم بأنه (منظّر، ورجل دولة عالمي!): (نحن نعيش في عالم تسوده مشاكل جديدة لاتزال تواجه باستراتيجيات قديمة. والاستراتيجيات القديمة هذه تبدو عاجزة عن حل مشاكلنا العصرية إن لم تكن قد عملت على مضاعفتها في الواقع) ص 87 لكن هذا التعميم لا يتضمن في الحقيقة غير التعمية: التعمية على مصادر خوفه، وعلى ما يطلبه منا نحن خصومه العرب الذين سيظل يرانا (خصومه) المطلوبة إبادتهم أخيراً، حتى لو نفذنا كل ما يطلبه منا!! ولقد سبق لنا أن حددنا معنى كلمتي (الأصولية، والإرهاب) في المنظور الصهيوني. وإذا كان لنا أن نضيف شيئاً على ذلك الذي قلناه بهذا الخصوص، فهو: إن الجنرال الذي لمّح إلى الانحلال والفساد الذي أخذ يظهر في (جيش الدفاع!)، وهو- حقيقةً-انحلال يطال البنى الاجتماعية الصهيونية الملفقة تلفيقاً في إطار "الدولة!"كلها، قد أخذ يرى أن (قوة الدفع) الأولى في عملية الاستيطان بدأت تضمحل لدى عامة اليهود العاديين.. أي الذين تصهينوا هرباً من المجازر المدبرة بإتقان، فوجدوا أنهم- في أرض الميعاد/ أرض اللبن والعسل!- قد تحولوا إلى جزارين كي تستفيد الطغمة الشايلوكية العليا، بينما هم مرفوضون كلياً بقوة "رد الفعل المشروع" على ما وجدوا أنفسهم منخرطين فيه من "دور الجزار" الذي لا يطاق إلى ما لانهاية، والذي يضع موضع التساؤل- إن لم نقل: الرفض الداخلي اللاشعوري- كل المنظومة القيمية البراغمياتية التي تقود ذلك الوضع الشاذ!.. لابل يمكن القول، إضافة إلى ذلك، أن الجنرال قد أخذ يرى كيف أن البنيان الإمبريالي برمته- وبنظامه القيمي ومستجرات فعاليته التدميرية- قد أخذ يصبح، وبقوة، موضع شك ورفض من قبل مجموع قواعده الاجتماعية التحتية، ومن قبل الكثرة من كوادره الثقافية وأطره العلمية والتكنيكية، خصوصاً مع توالي أزماته المستشرية وتوالي حروبه المرهقة وكوارثه المستجرة المتراكمة!... وفي مقابل هذا بدأ يبرز التطلع العالمي العام إلى "منظومات قيم" الحضارات الشرقية العريقة: العربية، والهندية، والصينية، باعتبارها " البديل الوحيد الأكيد" للبراغماتية التي أوصلت الوجود الإنساني إلى أن يصير " على كف عفريت" كما يقال!.. ولأن السيد الجنرال هو في النهاية مجرد صهيوني عريق وضالع في (الشايلوكية) فإنه-وهو يرى كل ذلك مصطدماً مع عنجهية القوة وحلم الصهيونية الأعلى-يجد نفسه نهباً لنوازع الخوف من التحولات البنيوية التي أخذت تلوح بقوة في أفق الحركة التاريخية، بقدر ما هو طامع نهم إلى أن ينجز- ودولته!- تلك الحلقة العظمى في حلم الهيمنة العالمية، حلقة الهيمنة الشرق أوسطية، قبل أن تنتهي هذه المرحلة الانتقالية الفريدة: في الوضع العربي من جهة.. وفي الوضع العالمي الإجمالي من جهة أخرى! وفي نظرنا أن "الوضع السيكولوجي المتمزق" للمستوطن الصهيوني النمطي يستحق دراسة خاصة، في ظل هذه الأوضاع المتفجرة: عربياً وإقليمياً وعالمياً، وبالاستناد إلى أسس التكوين السيكولوجي التاريخي الشاذ "للصهيوني العالمي"!. وهذه الدراسة ليس مكانها هنا. فنحن إنما أشرنا إلى ذلك كي نلم بأسس المفارقات في ما يطرح على العرب من "صفقات سلام!" لا تزيد عن كونها "إعلانات استسلام" وإزاحة أقنعةٍ من قبل "النظم العربية الحاضنة" تاريخياً للوجود الاستيطاني.. أما النظم والقوى التي تربك ذلك بقوة-رغم طاقاتها المتواضعة- فإن لها اتهامات جاهزة: الإرهاب، الأصولية، عداء السلام.. إلى آخره مما في الجعبة الإمبريالية/ الصهيونية من أساليب "البروبوغندا" المعدة لمثل هذه الحالات. وأما الانذار بتحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة-حسب الجنرال المبشر ذاته- فهو صدى "الخيار الشمشوني" الذي سقط وصار مستحيلاً. والجنرال يوجهه هنا إلى المائتي مليون عربي: شعوباً وحكاماً، أياً كان تصنيف هؤلاء الحكام عنده!.. ولكن هذا الإنذار لا يزيد في أحد حدّيه عن "آلية دفاع" ضدّ المخاوف الداخلية سابقة الذكر، كما يقال في مصطلحات علم النفس المرضي، أما الحد الآخر فهو حد الاستعجال في التهيئة السريعة لقبول الابتزازات الصهيونية الجديدة قبل أن تتغير مؤشرات أوضاع العرب والعالم إلى اتجاهات مغايرة! إن المصير الصهيوني الإجمالي- أي مصير الوظائف الشايلوكية ليهود العالم عموماً- هو مصير مرتبط جذرياً بمصائر النظام الإمبريالي العالمي العام. وما يرى ببساطة، بخصوص هذه المصائر- ورغم كل الضجيج والتهويل الإعلاميين العالميين حول ثبات هيمنة ذلك النظام وقوته وخلوده- هو أن حتمية حدوث التغير البنيوي السريع في جوهر هذا النمط الحضاري الفاشل، أو حتمية وقوع الكارثة الشاملة على كوكبنا، هما الخياران الوحيدان المتروكان لصيرورة الحياة البشرية.. رغم كل المظاهر المدعاة والتقولات المصنوعة إمبريالياً لخدمة ثبات "الأمر الواقع"! إن السيد الجنرال يعبر عن ذلك كله بعبارة واضحة الدلالة رغم كل ما يلبسها إياه من تعمية. يقول هذا المبشر الصهيوني: (نحن نعيش مرحلة انتقالية من عالم الأعداء المعروفين لمرحلة المشاكل غير المحددة) ص87 وإذا كان هو قد اختصر تلك المشاكل غير المحددة (بالفقر والأصولية والإرهاب) وحاولنا نحن استكشاف جوهر تلك المشاكل حسبما سبق فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : ما قيمة كل هرفه التهديدي بترسانته- النووية وغير النووية- إزاء تلك المشاكل غير المحددة، أو بالأحرى: تلك المآزق المتولده من سير حركة التاريخ البشري العام ذاته!؟. إن الجنرال يأخذ فوراً بمصادرة الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال على طريقته: (إن امتلاك جيش عصري عملية مكلفة، وتخلق الرغبة في امتلاك الأسلحة الحديثة. غير أن مثل هذه الدورة لا تؤثر سلباً سوى على الأحوال الاقتصادية للدولة) ص87 وإذا كان صاحبنا- ودولته كلها!!- في وضع المجرم المدرك تماماً لخطورة جرائمة التاريخية وانعكاساتها، إلى حد أنه لا يقدر على الرقاد لحظة إلا وسلاحه مهيأ جاهز للإطلاق، فإنه هنا لايعني (اسرائيله العزيزة!) بما ورد في قولته السابقة.. وإنما هو يوجه مطلباً جديداً- مكرراً بالطبع- إلى العرب، حيث يمكن ترجمته كالتالي: -جيوشكم مكلفة وغير ذات جدوى أمام ما نمتلكه من قوة "فاعقلوا"، وسنسمح لكم ببعض التحسن في مستوى الأحوال الاقتصادية! إنها "قناة" أخرى من أقنية (أسلوب التفكير الجديد) المطلوب من العرب، كي يتفرغوا لخدمة مائدة الوليمة الصهيونية/ الإمبريالية المقبلة، وكي يتفرغ "الكيان الاستيطاني" لأخذ دور (الأسطى -المعلم) في تلك العملية الكبيرة!.. وقد سبق أن رأينا في فقرة (الاقتصاد، والاقتصاد الإقليمي) أي أفق فعلي قد ترك لتطور المنطقة في إطار هذه الخطط الخبيثة لصياغة مستقبلها!! ومن أسلوب الجنرال يبدو أنه لا يرغب في أن يمهل قارئه- العربي خصوصاً!- أن يتوقف ولو للحظه أمام أطروحاته، كي يستكشف أبعادها وخلفياتها حتى لايرى ما وراء كل هذه (المطالب)، المتأسسة على التهديد بالتدمير الشامل للمنطقة، من مخاوف تثيرها عنده (القوة الكامنه) الهائلة للعرب، والتي ستبرز عند توفر أية فرصة للحدود الدنيا من اجتماع الكلمة. فالجنرال يريد- باستماتة- أن يبقي هذه الحقيقة مغيّبة، خصوصاً عن الذهن العربي الذي يجب ألا يعرف ذاته ناهيك عن معرفة خصمه!.. ولهذا ترى الجنرال المبشر يسارع، بعد مطلب(إلغاء الجيوش العربية) (* ، إلى إغراق القارئ في ثرثرة مكرورة حول "حرب مفترضة" بالصواريخ النووية وغير النووية، حيث يلزم المزيد من التعقل في تلك الحالة: (وهو أمر لا يتأتى إذا كان الخصم من النوع الذي يفتقر إلى المنطق، أو تسيّره الأصولية.. حيث عادة ما يكون هذا النوع من الخصوم على استعداد للتضحية بالعالم كله إذا لم تتم تلبية طلباته)ص88 وهكذا- وبناء على تحديدنا قبلاً لما يقصده الجنرال بالأصولية ومن يقصدهم من الأصوليين- يكون قد ألمح إلى مطلب جديد وهو: اشتغال الأنظمة العربية بملاحقة معارضي الوجود الصهيوني العدواني على الأرض العربية بحجة إما أنهم يفتقرون إلى المنطق: (ارهابيون!!)، وإما أنهم "أصوليون" يغامرون بمصير العالم دون أي تعقل، على حد تعبيره! وهذا المطلب يعني تحويل الصراع العربي الصهيوني إلى مجموعة من الصراعات الداخلية، أو إلى صراع مع إيران التي سبق له أن صرح باسمها كمستند ومرجع "للخطر الأصولي!" - ومرة أخرى، على حد تعبيره! - وبذلك كله يعتقد الجنرال أنه قد تم له إنجاز "صرف النظر" عن الخطر الأعظم الذي واجهه ويواجهه العرب في "دولته" وترسانتها النووية، مع استبداله بفهم آخر للخطر يلخصه كما يلي: (إن الخطر الأعظم الذي نواجهه اليوم هو مزيج من الأسلحة النووية، والإيديولوجية المتطرفة)ص 89 وبالطبع، ليست أسحلة "دولته" ضمن تلك الأسلحة الخطرة، ولاأيديولوجيتها العنصرية- التي لاترضى بديلاً عن النقاء العرقي/ الديني لليهود، كما صرح قبلاً بلسانه!- ضمن تلك الأيديولوجية المتطرفة المهددة لسلام العالم!!.. وهو سوف يقرر بعد قليل أنه( في نهاية المطاف سنحتاج إلى الدفاع العالمي- الإقليمي سيصير غير كاف!!- لأن الحركة الأصولية تملك خططاً تتعدى الحدود الإقليمية إلى الساحة العالمية. ومن خلال التحالف السياسي المسؤول فقط يمكن إنقاذ الشرق الأوسط ودوله من الخليط القاتل المتمثل بالقوة النووية والأصولية) ص89 وهنا تنتهي عناصر (الأسلوب الجديد في التفكير) كما يرسمه لنا- أو يمليه علينا، لافرق!- حضرة الجنرال الصهيوني العريق! لكن "ظرافاته السمجة!" لا تنتهي هنا، بل يختم فصله بصفحتين من الهذر عن التعاون القائم والمحتمل بين دولته الاستيطانية وعدد من الدول العربية، في الوقت الذي مازالت قوات (جيش الدفاع!) تحتل غالبية ماتم لها احتلاله بعد حرب عام 1967، وتقيم المجازر اليومية للفلسطينيين ولسكان الجنوب اللبناني. وكيف لا يكون ذلك كله؟!! ألم يقل في فصل سابق أنه، وصهاينته، يريدون أن يعيشوا بمنتهى (الاحترام والشرف!!) معنا كجيران؟!! فما الذي نريده من (فكاهة السلام) الذي يطرحه علينا أكثر من ذلك؟! (* راجع كتابنا: (الميراث العظيم) -سبقت الإشارة إليه. (* أخبار نهاية 1994 وبدايات 1995 / مختلف الاذاعات- خصوصاً يوم 4و5 /1 /1995. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |