|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع فكاهة السلام وفاكهة التسليم والاستسلام -1- مما لا شك لدي فيه- شخصياً، على الأقل!- أن السيد الجنرال شمعون بيريس هو مخلوق صهيوني فكه جداً.. لا بل إنه مثير لأقسى ألوان الضحك حتى في أشد تنظيراته فظاظة، وفي أقوى "رؤاه واقتراحاته الإنقاذية" دجلاً وحماقة وتزويراً. ففي أقل من أربعين صفحة من القطع الصغير تمكن هذا المبشر الفهلوي من اتحافنا بكل ما سبقت لنا مناقشته في الفصلين السابقين، حيث انتهى- كما رأينا- إلى "مساعدتنا" معرفياً في تفهم الضرورة المفروضة علينا الآن بأن نهدمَ- وبأيدينا- أسس هويتنا الحضارية. وذلك بعد أن "صحح لنا أوهامنا" عن تاريخنا الخاص الذي يتوجب علينا نسيانه، و"صحح أوهامنا" عن تاريخ المنطقة كلها في غياب "الشعب المختار" عنها: حيث لم يكن هذا التاريخ إلا سلسلة من (الكوارث والفيضانات والزلازل وسفك الدماء).. وهو بالتالي قد صحح لنا "سفاهة تفكيرنا" حول مشروعية وجودنا في "أرض الميعاد"، فكان أن ألزمنا "منطقياً!": أولاً: بضرورة إقرار تجربة جيله الاشكنازي على أنها "التجربة الأخلاقية المثلى!" في افتتاح (عالم جديد!)، من واجبنا أن ننسى أنه "عالمنا" وأرضنا.. وأن ندين أنفسنا على ما فعلنا في مقاومة تلك "التجربة الفريدة!".. إلى آخره. ثانياً: بضرورة الإقرار بأن واقعنا الراهن- بكل مآزقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبكل ما فيه من يأس وإحباط وفقر وتعاسة- هو نتيجة لتكويننا الذاتي الفاسد، ولا دخل فيه لا للإمبريالية النهابة ولا للصهيونية المتحالفة معها.. لا من قريب ولا من بعيد! ثالثاً: بضرورة تقبلنا المطلق (للفتح والثقافة الغربيين) كي نصير على درجة من الحداثة والعصرنة والديمقراطية التي تهيؤنا "لأخذ موقعنا" في النظام العالمي الجديد: موقع الخدم الصالحين الذين يصبون كل طاقاتهم للمساعدة في إنجاز "الإمبراطورية الصهيونية" في الشرق الأوسط.. باعتبارها توطئة لإنجاز "الإمبراطورية اليهودية التلمودية" على امتداد العالم الذي سيعمل الصهاينة قريباً على تفجير قواه الكبرى من داخلها: أميركا وأوربا الغربية وروسيا أولاً.. ثم لاحقاً: الصين واليابان وبقية المركز الشرق/ آسيوي بعد التمكّن من التسلل إليه ونخره في مفاصله الرئيسية أو العكس!! لكن هذه الأسس الفكهة التي يبشر بها الجنرال- مع ما يتحقق من أوليات تطبيقاتها عملياً على الأرض- ليست هي كل ما يريد صاحبنا أن يقوله. فخطوط هذه (الكليات) لها تفصيلاتها وأقنيتها الدقيقة المشتبكة، مثلما إن لها زواريبها الإجرائية المطلوبة منا- نحن العرب- أولاً بأول!.. على أن ما هو أكثر غرابة وفكاهة وظرفاً في (فكر المبشر الجنرال)، وفكر من هم وراءه، هو أنهم يصدقون أنفسهم فعلاً.. وأكثر من ذلك، هم يصدقون أنهم: بتوقيع بعض صكوك الهزائم من نوع (اتفاقية كامب ديفيد) واتفاقية (غزة- أريحا أولاً) واتفاقية (وادي عربة)- ومن قبل نماذج الحكام الذين وقعوها بالذات- يستطيعون الحصول على تلك الهيمنة الإمبريالية في "الشرق الأوسط" وبمجرد استبدال لفظة (الهيمنة) بلفظة (السلام!).. كما إنهم يصدقون أن حضورهم الرسمي الكثيف في (مؤتمر الدار البيضاء) وسواه من المؤتمرات الموازية والشبيهة، سوف يمهد لهم السبل سريعاً للإمساك بخناق أكثر من مائتي مليون عربي وخناق مليار ومسلم.. ثم ينطلقون بعد ذلك- رأساً!- إلى حلم الإمبراطورية العالمية التلمودية النهائية! مخلوقات فكهة فعلاً تفكر على هذا النمط المقرر في برامج!.. ولماذا لا يفكرون هكذا- رغم الضآلة المفجعة لأعدادهم!- ما داموا قد امتلكوا قوة "الآلهة المزيفة" لكل هذا العصر المتوحش: (قوة المال- قوة المعرفة التكنولوجية- قوة الآلة العسكريتارية النووية) تلك "الآلهة" التي لم يستطع السيد توفلر أن يرى غيرها لصنع مستقبل "مسخ الكائنات"؟!(* . إن سيرورة (الحلم الصهيوني) عبر حركة العصر الرأسمالي/ الإمبرياليّ حتى الآن، وما تحقق في تلك السيرورة للشايلوكيين من "مكاسب!" مما كانوا يعجزون قبل ثلاثة قرون عن مجرد التفكير بشيء منها، كل ذلك قد سبب لهم نوعاً من العمى الكامل عن رؤية القوى الأقوى في تحديد المصائر النهائية للوجود الحضاري العام: - قوة حركة الكتل البشرية الكبرى التي صارت مهددة في وجودها البيولوجي المحض، بعد كل المستجرات المزمنة لذلك السعار الإمبريالي الابتزازي السافل. - القوة الدافعة لحركة تلك الكتل الكبرى والمؤطرة لها، أعني قوة المنظومات القيمية الراسخة لأبرز تلك الكتل وأعرقها حضارةً، واستمرار موجودية، وتجربة.. وتلك المنظومات مؤتلفة جوهرياً مع متطلبات نجوع البقاء الإنساني، ومتعارضة جذرياً مع القيم البراغماتية الرأسمالية الوحشية. - أما القوة الثالثة، غير المنظورة الآن تقريباً- إلا على مستوى إحصائي، وبتمويه تضليلي متعمد- فهي قوة الأزمات البنيوية العاصفة في مجموع المراكز والحصون الرأسمالية، والتي بدأت تأخذ طابع التصدعات الفادحة، وتفرض ذاتها سلبياً على العلاقات الذاتية والمتبادلة لكل تلك الحصون، حسبما سبق أن بيناً في الفصل الأول من هذا الكتاب. إن هذه القوى الثلاثة تعمل متضافرة، وبصورة ضدية مطلقة، على إسقاط النمط الحضاري الرأسمالي الابتزازي السائد. ورغم كل ما يبديه الشايلوكيون من عمى جاهل- أو على الأصح: من تعامٍ متجاهل- للحقائق المغيبة في فعل هذه القوى، فإنهم يعرفون جيداً أن مصيرهم- كمجموعة وظيفية داخل فعالية النمط.. على الأقل- مرتبط كلياً بذلك الفعل الذي يبدو أنه نوع من الغزو المضاد داخل ميكانيزمات فعالية الحصون ذاتها، بدل أن يكون ثوراتٍ خارجية عليها! إن فكاهة التفكير الصهيوني الشايلوكي- وبيريس لا يفعل في كتابه أكثر من التنظير التهديدي للأفق الجديد الواهم في ذلك التفكير!- تتجلى في أن دهاقينه قد أخذوا يرون أن فرصة تحقق (حلمهم التلمودي الأعلى بالإمبراطورية العالمية) قد حانت، ليس فقط بسبب ما يستشفونه من حدة الأزمات في بنيان المراكز الإمبريالية الكبرى.. بل بسبب عملهم أيضاً على استفحالها ودفعها إلى غاياتها النهائية ما أمكن!.. أوليست الإمبراطوريات الرأسمالية العالمية- رغم شبكة صلاتهم بها- تشكل في نهاية التحليل، أكبر العوائق في وجه تحقق ذلك الحلم التلمودي الواهم الذي أخذ يبدو لهم مؤخراً أنه بالإمكان أن يقترب من صيرورته حقيقةً فعلية؟! لكن دهاقين الصهيونية يدركون بقسوة مثبطة تلك الصعوبة القصوى في تقبل البشرية لهم (كسادة بدلاء) عن السادة الإمبرياليين الآخرين.. ويدركون أكثر صعوبة تقبلهم في المحيطين العربي والإسلامي، حيث قامت "تجرية الجيل الاشكنازي في إقامة اسرائيلِهِ الحديثة!" على بحر من دماء الضحايا الذين ملأت "تاريخ" هذا القرن نتيجة لأعمالهم الإرهابية: عصابات وأفراداً ودولة.. وهي أعمال بدأت تتكثّف منذ عشرينات هذا القرن ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة، رغم كل جعجعتهم عن "السلام" وعن اتهام الضحايا بأنهم هم الإرهابيون!!.. إن صعوبة تقبلهم في المنطقة التي عاثوا فيها تخريباً وتفتيتاً، بدعم إمبريالي شامل، وبسائر الوسائل والسبل، لهي صعوبة تقارب الاستحالة القطعية. وإذا كان السيد الجنرال قد نصحنا قبلاً (بنسيان الماضي، ونسيان ما يجب نسيانه من التاريخ) فهو يدرك مثلنا أن حركة التاريخ لا تغير مسارها طبقاً للمواعظ، مثلما إنها لابد أن تستوفي مستحقاتها المؤجلة.. الأمر الذي يحوّل- بالتالي- كل الأحلام المبنية على (صكوك الاتفاقيات الهزائمية) إلى مجرد هباء من الحبر على أكوام من الرمم الورقية الرسمية! إن السيد الجنرال بيريس، وهو يحشد لنا كل فهلويات كلامه الفكه المنمق كما لو كان راقصاً على خيط عنكبوت في سيرك متفجر، يبدو مؤرقاً جداً بمآزقَ كبرى تغوص (اسرائيله الحديثة!) فيها متمزقة بين: حقائق الواقع العملي اليومي المعاش وبين متطلبات الحلم التلمودي المنشود.. بين رغبة (مواطنيه!!) في حياة عادية آمنة، وبين الوظيفة الإرهابية الشايلوكية التي صاغتهم إيديولوجيا ذلك الحلم لأدائها.. بين الرغبة في "نسيان تاريخهم" الدموي بناء على مقتضيات تلك الوظيفة، وبين الحضور المرعب والمستمر لذلك "التاريخ" داخلياً وخارجياً.. وبروح ذلك التمزق المؤرق صاغ لنا فصول كتابه اللاحقة المعنية بالتفاصيل، بعد أن كان قد صاغ لنا في الفصلين الأولين (كليات أفكاره النظرية) بروح العنصرية الشوفينية الصهيونية المزوِّرة.. حتى إنه تعيّن علينا التقاط تلك (الكليات المنهجية) من أكوام كلامه الدائري المخاتل مثلما تلتقط إبرة صغيرة من قلب كومة هائلة من التبن الملون! إن الجنرال يخصص الفصول (الثالث والرابع والخامس) لقضايا "الأمن والاستقرار" في "نظامه الإقليمي" المقترح بناء على هيكل وروحية جهازه المفاهيمي (الكلياني) الذي ناقشناه في فصلينا السابقين. وسوف ينتقل بعد ذلك لعرض "صيغِهِ في الهيكلة المطلوبة لاقتصاد المنطقة" في ستة فصول.. كيما يعود لاختتام "رؤاه" بثلاثة فصول: أولها (عالم الغد) يعرض لنا فيه اهتماماته العلمية المستقبلية ويمكن إلحاقه بفصول الاقتصاد، أما ثانيها وثالثها فيخصصهما للكونفدرالية واللاجئين! فلننظر الآن- في فصلنا الرابع هذا- في ما يقوله ويتقوّله عن النظام الإقليمي المنشود صهيونياً وعن كيفيات إقراره وطبيعة الاستقرار فيه. -2- ( لامنتصرون في الحرب)! هذه هي صرخة جنرالنا المبشر، العالق في شباك التمزق المؤرِّق الذي أشرنا إليه قبل قليل. وإنها في الحقيقة لصرخة مثيرة للدهشة باعتبارها صادرة عن جنرال اشكنازي، تقلّب عشرين عاماً في مناصب عسكرية عليا في جيش (دولة!) لم تتورع يوماً عن ممارسة سائر أشكال "إرهاب الدولة" بكل ما تعنيه هذه العبارة من عنصرية هرتزلية دموية، ومن شوفينية غزاة لا يمكن أن يحسوا بأي أمن إلا وهم يستميتون في محاولاتهم الدائبة لإبادة الآخرين حولهم من العرب: فلسطينيين وغير فلسطينيين! وهذه الصرخة- والتي يُعنْونُ بها السيد بيريس فصله الثالث الممهد لهذا القسم من محتويات كتابه- تبدو مثيرة للدهشة أكثر حين ننظر ملياً في بؤس الواقع العربي وتفتته وانهياراته، ونقارن ذلك بامتلاك (إسرائيل!) "لآلهة" القوة في العصر الرأسمالي (آلة الحرب النووية- المعرفة العلمية التكنولوجية المتفوقة- الرساميل الضخمة التي تحت تصرف الذراع الصهيونية الرأسمالي العالمي)!.. ترى، ماذا يكمن وراء هذه الصرخة في هذا التوقيت- ولنضع هنا، ومؤقتاً، حقيقة "الحلم الصهيوني بإمبراطورية شرق أوسطية" جانباً.. وذلك كإجراء منهجي للحفاظ على موضوعية النقاش-؟! أو لنقل: ما هي الأسباب الدافعة إلى مثل هذا "الإعلان" عن عقم الحرب من قبل هذا الجنرال الاشكنازي الذي مهنته الأصلية هي الحرب وإكمال (فتح العالم الجديد، هنا!!)، وفي هذا الوضع الذي تبدو فيه "دولته!" في أوج قوتها، بينما يبدو أن "جيرانها!" العرب غاطسون في حضيص ضعفهم وتمزقهم، وبالتالي: قابليتهم لمزيد من (الفتوح الإسرائيلية الحديثة)؟!! لن نتخيل أية إجابة، بل سنترك جنرالنا المبشر يجيب بنفسه. أما نحن فسنكتفي بمحاولة استكشاف للحقائق المخبوءة أو المغيبة عنا عمداً أو دون عمد. بداية، يفتتح الجنرال فصله هذا بمقدمة مطولة ومليئة- حسب عادته- بأحابيل التزوير التأريخي التنظيري الملتف بعضها على بعض، كي يقدم للقارىء ما هو مهتم بتقديمه له عن "حقائق علاقة المنطقة بالعالم!"،. حيث كان الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو يغدقون السلاح والمساندة والنظريات السياسية على "العالم العربي" - كما يسميه!- وحيث كانت دول عدم الانحياز تغدق مساندتها المعنوية وأصواتها في الأمم المتحدة على العرب (وتعزز إلى درجة كبيرة قدرتهم التساومية السياسية). ص43/بينما "إسرائيل المسكينة!" واقعة تحت كل هذه الضغوط وبدون مساندة.. أو إنه هو على الأقل لا يذكر بتاتاً أنها تلقت أي دعم أو مساندة من أحد!! ولكن كيف يعرض صاحبنا الجنرال.. "حقائقه!" هذه على القارىء، وإلى أين يريد أن يوصله بها؟! مبدئياً هناك (مواجهة إسرائيلية عربية)- والجنرال لا يتطرق إطلاقاً إلى مناقشة جذورها، فإسرائيل موجودة بناء على الوعد اليهْوِيّ للشعب المختار، وهذا بذاته يكفي لتبرئتها من كل ذنب، بل وللنظر إليها كمثل أخلاقي طهراني أعلى!!- وتلك المواجهة منظور إليها عالمياً على أنها المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط)ص41/ وبلدان الشرق الأوسط، وهو هنا يعني العرب حصراً، استثمرت النزاع العالمي في فترة الحرب الباردة بغية (تعزيز النزاعات المحلية).. وفجأة أخذ تفكير كثير من القادة هنا يتغير من جذوره الاستراتيجية! كيف؟!.. جواب السيد الجنرال جاهز: أولاً : (ألقت الأصولية بظلالها على النزاع العربي الإسرائيلي) ص41- وثانياً : سقط الانشطار العالمي إلى شرق وغرب، فسقطت المساندة الحربية الهائلة للعرب.. وبالمقابل سقط أيضاً الانشطار العالمي الآخر إلى شمال غني متقدم مزدهر، وإلى جنوب مغبون فقير متخلف فضاعت المساندة المعنوية في الأمم المتحدة للدول العربية وضاعت معها قدرتها على المساومة السياسية..الخ. أما دليل سقوط الانشطار إلى شرق وغرب فقائم في واقعة تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وبقية دول حلف وارسو.. وأما دليل سقوط الانشطار العالمي إلى شمال وجنوب- بكل أبعاده السايكولوجية والاقتصادية والسياسية- فموجود، بالنسبة للجنرال، في ما حققه العالم الصيني كاملاً من انطلاق اقتصادي جعل آسيا كلها تخرج من دائرة العالم الثالث!.. حتى إن الجنرال المبشر ( يتبرّع!) للهند- إضافة إلى الصين- بما يسميه "الجبروت الاقتصادي"، ويتبرع أيضاً لأميركا اللاتينية بالازدهار الموازي الذي يخرجها أيضاً من دائرة العالم الثالث!! وإذا كان المرء يلمس هنا عمق الاهتمام الصهيوني "بالعالم الصيني" الذي شخّصنا أحوال نهوضه في الفصل الأول، فإنه يلمس بوضوح أيضاً عمق تزوير الجنرال في التشخيص الذي يقدمه لأحوال الهند وبقية آسيا وأميركا اللاتينية- وضمناً لما تشظى عن المنظومة الاشتراكية السابقة من دول بما فيها روسيا، حيث لا يشير إليها بشيء، موحياً بذلك للقارىء أنها محسوبة ضمن الدول الغنية!- وهكذا لا يتبقى في العالم، وفي إطار النظام "العالمي/ الأميركي" الجديد، أيُّ فقر إلا في الشرق الأوسط وبقية إفريقيا!!.. وليس هذا التزوير مجانياً بالطبع، فالسيد الجنرال بيريس يريد أن يقفز إلى النتيجة التي تهمه من وراء هذا "التحليل!" المبتسر المخاتل، حيث يقول: (وهكذا ليست الأصولية وحدها، بل أيضاً غياب الدعم الأوتوماتيكي من الانشطارات العالمية العمودية والأفقية- والدعم المقصود هنا هو ما كان يتلقاه العرب بالطبع!- ينبغي أن تعيدنا إلى منطقتنا نحن بالذات، أي أن نبحث عن السلام هنا وأن نعثر على مصادر وجودنا في الشرق الأوسط. إن معطيات الأمس قد ولت مع عالم الأمس). ص43- ومن العبث الاستطراد في التعليق على هذا الاستنتاج، لكننا نريد أن نشير إلى ثلاث نقاط هامة فيه: 1- الأصولية: وسوف نرى أنه لا يهتم من سائر الحركات الأصولية في العالم الإسلامي إلا بتلك التي جعلت في أساس برامجها قضية "الجهاد" ضد الاحتلال الصهيوني مثل "حزب الله" في لبنان، و"حماس والجهاد الإسلامي" في الأرض المحتلة.. وإيران وراءهم طبعاً، حسب تحليل الجنرال المبشر كما سبق أن رأينا ذلك قبلاً! أما الحركات والدول الأصولية الأخرى الممالئة للاحتلال والإرهاب الصهيونيين فهذه "لابأس فيها"، لا بل إن النماذج المسخّرة منها لاغتيال كل فكر حر متنور في الوطن العربي هي نماذج مطلوبة صهيونياً.. وبقوة! 2- (العثور على مصادر "وجودنا!" في الشرق الأوسط).. وهنا بيت القصيد- كما يقال- في هذا الاستنتاج الأولي للسيد الجنرال والذي سيبني عليه بقية هذا الفصل. فإذا كانت مصادر وجود العرب متوفرة في أرضهم: (60% من المصادر النفطية العالمية) عدا الموارد الزراعية والحيوانية والمنجمية، فمن الذي سلبهم ويسلبهم مردود هذه المصادر والموارد؟! وكيف؟!.. ثم أليست "ضربة معلم!" حشر الجيل الاشكنازي وأبنائه من فاتحي (عالمهم الجديد!!) في قلب الوطن العربي داخل هذه الـ"نا" في كلمة "وجودنا"، بحيث توحي بالحق المتساوي للعرب ولغزاة وطنهم في جميع تلك المصادر والموارد؟!.. إن الجنرال يتمطى بنعومة تحت شعار "السلام" ليصير شريكاً وصاحب حق في كل ذرة تراب أو قطرة ماء أو نفط أو نسمة هواء على امتداد الوطن العربي برمته!.. على أن كل هذا سيبدو بسيطاً حين نكتشف من النص لاحقاً أن (مواطنيه، في اسرائيله الحديثة!) هم المعنيون أساساً بالخطاب، حتى لتبدو هذه الـ"نا" كأنما تعنيهم وحدهم. ولعلها كذلك!! 3- (معطيات الأمس ولت مع الأمس). إنها النصيحة بنسيان الماضي من قبل كل العرب، مثلما هي التسويغ لكل ما ورد في النقطة السابقة! وها هو يكررها من جديد فنضطر لتكرارها معه!! وتشير هذه النقاط الثلاثة، رغم كل شيء، إلى مخاوف مبطنة راسخة في الوعي المكبوح للسيد الجنرال: خوف من توسع دوائر الحرب ضد دولته المرفوضة شعبياً في المنطقة برمتها، ومن خروجها عن أطر التطويق الرسمي الذي كان يتم عربياً حتى نشوب الانتفاضة.. ولهذا فهو يلوِّح (ببعبع) الأصولية في وجوه من "يهمهم الأمر!" طالباً نقل الصراع العربي/ الصهيوني إلى صراع عربي/ عربي: (نموذج الإدارة العرفاتية في غزة).. وإلى صراع عربي/ إسلامي: (نموذج حرب الخليج الأولى، ثم التوتير المستمر اللاحق بين إيران من جهة وبين عديد من الدول العربية من جهة أخرى).. والطبع: مع سائر أشكال الترتيبات والاختراقات والتركيبات الدافعة إلى مثل هذه النتائج! وإلى هذا الخوف ينضاف خوف آخر وإن بدا مشحوناً بالمطامع الداخلة في إطار الخطط الصهيونية العامة: ذلك هو الخوف من التأثير غير المتوقع للتقلبات العاصفة في موازين العلاقات الدولية على "الدولة/ الثكنة" وسكانها، إذ إنه ليس هناك من هو قادر على الجزم القطعي بحدود سيرورة تلك التقلبات، ولا بأمداء وأشكال تأثيراتها ونتائجها. وإذا عدنا فتذكرنا أنه لم يتبقَّ أمام قوى الأذرع الإمبريالية غير أن تتحارب كي يحل كل منها أزماته على حساب الآخر بعد خراب "عالم الجنوب".. وإذا تذكرنا أيضاً أن تاريخ علاقات أوربا باليهود لم يكن بالتاريخ الذي يسرّهم رغم كل شيء.. ثم أضفنا إلى ذلك تذبذب تأثيرات السيكولوجيا الأميركية المأزومة على كيفيات الأداء السياسي لإداراتها في السنوات الأخيرة.. إذا أخذنا ذلك كله- ومثله كثير- بالحسبان فسنجد أن من حق السيد بيريس أن يساوره الذعر، خصوصاً وأن الثروات الشايلوكية تزيد على رُبْعِ الثروات الرأسمالية العالمية، بينما لا يزيد تعداد اليهودي في العالم عن 1/250 أيّ أربعة في الألف من سكانه! وعليه، فمن يدري متى ينقلب "التدليل المزمن" للصهاينة إلى حرب ضروس عليهم إذا ما شارف البنيان العام للنمط الرأسمالي على الانهيار؟! ولكن لنتجاوز ما هو مبطن من مخاوف صاحبنا ولنتابع استكشاف أقواله الصريحة وصولاً إلى ذلك الذي يؤرقه بشكل مباشر. وبالتالي إلى ما يريده بالضبط، هو وحكومته، من كلمة (السلام). يقول الجنرال: (لكيما نبلغ السلام لابد من أن نعالج المشكلات الأساسية للشرق الأوسط بصورة واقعية. ويتعين علينا قبل كل شيء أن نعترف بعقم الحرب، فالعرب لا يستطيعون هزم إسرائيل في أرض المعركة، وإسرائيل لا تستطيع إملاء شروط السلام على العرب. إن توازن القوى هذا يعكس الدرس التاريخي المتراكم من النزاع العربي- الإسرائيلي. منذ 29 تشرين الثاني 1947، تقسيم الأمم المتحدة لفلسطين، وبصورة خاصة منذ الحربين اللتين صاغتا صورة الواقع الكالح اليوم: حرب الأيام الستة 1967 وحرب يوم الغفران 1973) ص43- 44. حسناً، الجنرال يطالب بحل المشكلات الأساسية التي تسببت بها صهيونيته الداخلة بنيوياً في جوهر تكوين النظام الإمبريالي العام! والجنرال، كما صرح قبلاً، غير قادر- لا هو ولا دولته ولا الصهيونية كلها- على التراجع عن الأخطاء التي حدثت! ولهذا فالحل هو فرض الأمر الواقع الراهن على العرب، أي جعلهم يقبلون ما دمر حياتهم، وسيدمر الباقي منها، كأمر طبيعي وعادي لا يستلزم المقاومة.. وهذه هي (الصورة الواقعية) التي يراها الجنرال أنسب الحلول! هل نعود إلى سؤاله عن أسباب ما يسميه "النزاع" بيننا وبينهم- وكان قبلاً قد سماه: الصراع الطويل المهلك- فنعود بذلك إلى مناقشة مكرورة لما يسميه (تجربة جيله) ونتائجها؟! لسنا بحاجة لذلك. لكن السيد الجنرال يبدو بالغ الوقاحة إذ يطلب من العرب أن يتوقفوا عن المقاومة.. وإذ يرى أن من حق صهيونيته أن تتصرف بإملاء الشروط لا على الواقع الراهن بل أيضاً على المستقبل. وإذا كان يقول هنا: (لا تستطيع إسرائيل إملاء شروط السلام على العرب) فهو قد كذب نفسه في الفصول السابقة وسيكذبها بقوة أكبر في الفصول اللاحقة، مثلما في سلوكه كوزير يتصرف في السياسة الخارجية "لدولته" تصرفاً كاملاً! الجنرال إذاً يجرنا- أو هو يحاول جرنا- بكذب فاضح إلى (أرض مفهوماته) كي يدير معركته معنا هناك على هواه!.. إنه إذ يلغي عدوانية وجود دولته في المنطقة من أسس حساب العلاقات المقترحة، إنما يتمنَّنُ علينا كاذباً بمساواتنا في القوة مع دولته: (العرب لا يستطيعون هزم إسرائيل.. وإسرائيل لا تستطيع إملاء شروط السلام). توازن قوى!!.. وفوق ذلك يعيد صياغة حقائق الحروب العربية/ الصهيونية بعد عام 1947 كما يحلو له، فيحذف مثلاً ذكر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث كانت دولته طرفاً أساسياً في هذا العدوان مع فرنسا وإنكلترا، وحيث كان السبب "تأميم قناة السويس" أي إقرار مصر لحقها الوطني المشروع في السيادة على كامل أرضيها!.. أما في حرب تشرين- أو يوم الغفران كما يسميه- فإنه يتناسى- عن عمد- دور أميركا وسائر الحلفاء الإمبرياليين في مساعدة دولته على ألا تهزم، بل حتى على أن تقطع قواتها (شطراً كبيراً من طريقها إلى القاهرة ودمشق) كما يقول/ ص45. إن الجنرال إذ يعرض فقط لحربي لـ67 و الـ73 فهو يفعل ذلك من أجل إقناع قارئه- أي نحن على الأرجح- "بتوازن القوى" المجرد.. فكأنما لسنا في العصر الإمبريالي، وكأن هذا العصر الإمبريالي ليس ذا دخل في الصراع، وبالتالي فلا تأثير لأزماته الدافعة به سريعاً إلى انحلال ربما اتخذ شكل الكارثة، على مسارات الصراع المقبلة المفتوحة!.. وهنا يلامس الجنرال بسرعة- واستنتاجاً مما سبق- أنه لا فائدة للعرب من (تفوقهم العددي) بخصوص قهر إسرائيل! وبدورنا، لن نعقب على هذا الاستنتاج الخاطف المخاتل الذي يورده عرضاً كأمر غير ذي قيمة، مثلما لن نتوقف عند ملامسته التأنيبية الذاتية السريعة بخصوص ذلك العدوان المشهور على لبنان واجتياحه عام 1982.. الخ، فالسيد الجنرال لا يريد أن يتذكر- أو أن يسمح لنا أن نتذكر بالأحرى- أي شيء عن الطبيعة العدوانية البشعة لدولته ولوجودها في المنطقة، بل هو يريد في الواقع أن يحول الاهتمام باتجاه آخر: (لا تزال هناك مصالح دولية كبيرة الوزن تلعب دوراً أساسياً في استقرار المنطقة، ولن تتوافر لإسرائيل ولا لأعدائها الفرصة لتقويض هذه المصالح) ص46- والمثال المؤكد- في رأيه- لهذه "الحقيقة!" هي حرب الخليج عام 1991!! وإذا كنا- بالتأكيد- لا نستطيع أن نلاحق تفصيلياً كل تزويرات السيد الجنرال المبشر و أكاذيبه حول التواريخ والوقائع ومعطيات الواقع، فإن المرء لا يملك هنا إلا أن يسأل: من هم أصحاب المصالح؟! وهل "إسرائيل!" خارج لعبة المصالح أم إنها طرف أساسي فيها، بل الطرف المستفيد مباشرة منها؟!! ولكن لنتجاوز الإجابة المعروفة جيداً هنا، ولنتجاوز أيضاً تحليلات الجنرال المؤكدة- في ظل النظام العالمي الجديد!- على عدم إمكانية حل الصراع العربي/ الصهيوني بالحرب، ولنتجاوز- فوق هذا و ذاك- هذه "الروح السلمية!" الغريبة التي حلت فجأة على الجنرال الاشكنازي، ولنسأل فقط، ما هو السبب؟! ما هو الدافع؟! إن الجواب سيأتينا من السيد الجنرال عبر حديثه عن مفهوم (الأراضي) وارتباطه بالديموغرافيا، وعن مفهوم الضم.. حيث يصل إلى "الجوهرة!!" من وراء كل هرائه السجالي: تأثير ضم الأراضي وسكانها على النقاء العنصري لهوية إسرائيل!! يقول الجنرال بعد أن يعرض للرغبات الصهيونية في ضم الأراضي المحتلة بعد عام 1967 وما اخترعوا لها من تسميات: (إن قطاع غزة يشغل مساحة 365 كليو متراً مربعاً وبنفوس تقارب 800 ألف نسمة. إن غزة ليست أرضاً.. فالأراضي ليست هي المشكلة التي يتعين أن نتعاطى معها، بل المشكلة هي.. ضم شعبها، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب ديموغرافية وسياسية بعيدة الأمد على كامل المستقبل القومي لإسرائيل، وهويتها بوصفها الدولة الواحدة للأمة اليهودية)!ص52 المشكلة إذاً في مسألة ضم (الأراضي) هم السكان، فوجود هؤلاء داخل "الدولة/ الغيتو" سيسيء إلى نقاء هويتها العنصرية كما قلنا، ناهيك عن العبء الذي يشكلونه في حال الضم: أقل من مليون نسمة في أقل من 400 كم2 (القطاع)؟! إن أغبى تجار العالم يرفض مثل هذه الصفقة الخاسرة!.. والوضع بالنسبة للضفة الغربية متشابه أيضاً، (* (أما مرتفعات الجولان ذات الكثافة الخفيفة فقد ضمت)ص52!! جنرالنا المبشر لا تحركه إذاً أية حوافز أخلاقية إنسانية بشأن قضية (عقم الحرب) التي على أساسها يقيم أطروحاته ورؤاه عن (صيغة السلام!) التي يريدها هو. وإنما المحرك وراء "أكوام كلامه الجميل المخاتل" هو: الحساب التجاري الشايلوكي، حساب الربح والخسارة وراء استخدام (ترساتهم الفاضلة!) في أفضل شروط الانهيارات العربية لاستخدامها من أجل التوسع.. أما معيار الحساب فهو (الصفاء العرقي الصهيوني) الذي يجب أن يظل السمة المميزة (لدولة الشعب المختار)!.. هكذا، وبكل صفاقة!! والسيد الجنرال يتعامى هنا كلياً عما في هذه السمة الفاضحة من أصولية، يقررها بنفسه، لبنيةِ "دولته" ولسلوكها أيضاً. وفوق هذا فهو يحكي عن (ديموقراطية الحكومة!) للأمة اليهودية التي لا يجوز أن تتلوث بشوائب "الغوييم"!.. وإنها لديمقراطية غرائبيه حين لا تعني إلا أفراد الشعب المختار!! لكن علينا هنا أن نتذكر- كي يزول عجبنا- ذلك المبدأ التلمودي الذي سبق أن أشرنا إليه بشأن "الغوييم": (إنهم بالنسبة لليهود كالبقر والحمير وكالكلاب أيضاً)، فمن أين لهم حق الديمقراطية؟! ثم كيف لا يُنعت أي منهم "بالإرهابي" إذا ما حاول التمرد على أباطيل وأفاعيل "الشعب الدموي المختار"؟! مرة أخرى، لا طائل وراء الجدال إزاء "المنطق!" التزويري الصهيوني!.. وما يمكن أن نخلص إليه هنا هو أن في أساس مخاوف الجنرال المؤرقة: ما يمكن أن يتعرض له "النقاء العرقي للشعب المختار" من تعكير إذا ما ضُمَّت الأراضي العربية المحتلة مع سكانها! ولكن.. بحق الله لماذا أولئك السكان "الغوييم" يستعصون على الإبادة وفقاً للمبدأ الديني الذهبي في التوراة: مبدأ التحريم ؟! إن ماسيقوله لنا السيد الجنرال بهذا الخصوص سيكشف " سرَّ الأسرار" في مخاوفه، وفي ادعاءاته على السواء.. مثلما سيحدد بدقة حدود "السلام!" المطلوب صهيونياً بدون مواربة. فلنتابعه إذاً! يقول الجنرال عن (علاقاتهم!) بعرب الأرض المحتلة: (الواقع أننا لم نزمع قطّ أن نغدو حكام شعب آخر. وألقت الانتفاضة الأضواء على الهوة التي تفصل "بيننا" و"بينهم". هناك عامل آخر هو مغزى مثل هذه السيطرة في نظر الاسرائيليين، لقد أجبرت قوات الدفاع الإسرائيلي على أن تغدو في الواقع، ثكنة حامية، قوة حكم محلية. وإن جنودها المقدرين عالي التقدير يتصادمون مع مواطنين محليين وأطفال في أزقة معسكرات اللاجئين في غزة وحواري نابلس، مستفزين بالفتيان رماة الحجر، وواقعين تحت رحمة فتيان ملثمين يندفعون في الطرقات شاهرين الخناجر والمسدسات، مطلقين أقذع النعوت ضد الحكم العسكري الإسرائيلي. إن الذخيرة الحية والنضال الحاد اللذين يحملهما هؤلاء الشباب لدليل نابض على عقم الأمر الواقع، الذي صمم لفرض أمن إسرائيل) ص52- 53. وإذا كان صحيحاً ما يقوله عن أنهم لم يزمعوا قطّ أن (يغدوا حكام شعب آخر)، فإن صحة هذا التصريح مشروطة، إذ إنه في الحقيقة يجب إظهار المضمر فيه وفقاً للمبدأ الديني التوراتي: أي مبدأ التحريم. ويجب أن تعاد صياغته كالتالي: (الواقع أننا لم نزمع قط أن نغدو حكام شعب آخر حين نصطدم به، بل لابد لنا من إبادته طبقاً لتعاليمنا الدينية التوراتية).. ولكن، لنسامح السيد الجنرال بهذا "التجميل" الإنسانوي المنحول للذات الصهيونية عن طريق قصم مبدأ بربري إلى نصفين، ولنلاحق ما هو أكثر أهمية بما لا يقاس في الفقرة السابقة. إن هذا "الأكثر أهمية" والذي لا يعترف الجنرال إلا بالقليل جداً من انعكاساته وآثاره ودلالاته وآفاقه القائمة والمحتملة، هو (درس الانتفاضة).. أو لنقل: (حريق الانتفاضة) الذي شب فجأة في قلب بنيان "الدولة!" فسبّب لها من المشاكل والإرباكات والخسائر والهزائم غير المنظورة ما جعل جميع مظاهر هيبتها "كدولة عاتية" وجميع الاعتبارات المتعلقة بوجودها ذاته مطرحاً للشكوك الفظيعة، إن لم نقل شيئاً آخر. إن سر أسرار مخاوف الجنرال- وهو يلطف عرضها المموه هنا إلى درجة مضحكة- يكمن في أنه رأى فجأة أن دولته وجيش دفاعها (المقدر عالي التقدير!!) عاجزين كلياً عن إطفاء هذا الحريق الناشب في (الداخل!!) إلى درجة يصح القول معها: إن أمن إسرائيل برمته قد أصبح معلقاً بحجارة الفتيان وخناجر الملثمين! ومتى؟!.. في الوقت الذي بدت فيه "الدولة" في أوج انتصارها الماحق، إذ صارت (منظمة عرفات التحريرية) وملحقاتها- وهي ما ستكشف الوقائع اللاحقة عن أن غالبية رموزها القيادية قبلوا أن يصيروا "أدوات" صهيونية، إن لم يكونوا كذلك منذ البداية!- غير ذات صلة بما هو أبعد من تخريب النضال الفلسطيني الشعبي التلقائي ومحاولة مصادرته. ورغم الدور الذي حاولت (الدعاية المفبركة) بتواطؤات عربية (صهيونية/ عالمية مشتركة) إسناده للمنظمة العرفاتية بخصوص "قيادتها!" لعمليات الانتفاضة، فإن السيد عرفات وشركاه قد بادروا بسرعة (لعرض خدماتهم!) على الدولة من أجل إطفاء ذلك الحريق.. والتتمة معروفة منذ مستهل عام 88 حتى صفقة (أوسلو)، وصدامات غزة بين شرطة (مخترته الكسيحة!) وبين جموع الشعب انطلاقاً من المجزرة التي تمت في أحد المساجد.. والبقية تأتي! وفي المقابل، وكمظهر آخر من مظاهر الانتصار الماحق "للدولة"، كانت غالبية الأنظمة العربية- والتي صُنّع بعضٌ منها تاريخياً في إطار التخطيط المديد لإنجاح المشروع الصهيوني كـ"وسط" رسمي حاضن ومساعد!- لا مستقيلة وحسب من كل مساهمة أو مساعدة في خدمة النضال الفلسطيني، بل يمكن القول إنها كانت قد أخذت تكشف بوضوح عن علاقاتها الحقيقية "بالدولة!" وعن وظائفها في خدمتها "كمركز انطلاق" للمصالح الصهيونية/ الإمبريالية المشتركة. أما النظم العربية القليلة المتبقية، والتي ظلت تساند ولو في الحد الأدنى ذلك النضال ممثلاً في الانتفاضة التي أخذت زمام مبادرته الشعبية الأخيرة، فقد وصمت بأنها (إرهابية!) وجرت معاقبتها إمبريالياً على ذلك! إذاً ظهرت الانتفاضة بأساليبها المبتكرة، وذات النجوع المثير رغم بساطتها وأولية أدواتها، كدرس نضالي مستقبلي هائل لا على المستوى الفلسطيني وحده بل- وكاحتمال قائم- على مستوى إسقاط النظم المساندة للمشروع الصهيوني في مجموع النطاق العربي. ومن الطريف أن يصور لنا الجنرال المبشر شيئاً من مدى فاعلية الانتفاضة وتأثيرها الفعلي على العسكريتارية الإسرائيلية في فقرة لاحقة. يقول جنرالنا المغرم بالتزوير وانتقاص الحقائق أصلاً: (جاءت الانتفاضة لتعرض جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مصاعب لا سابق لها. إن المؤرخين سوف يبررون سلوك الجنود والضباط الإسرائيليين بمواجهة وضع غير تقليدي كهذا.. وضع لا يمكن لأي جيش أن يتدرب عليه، ولا يمكن لأي جيش أن يجابهه لا عملياتياً ولا معنوياً) ص56- 57. وفي هذا الإطار من الاهتزاز العميق في بنيان الدولة- ناهيك عن الفساد الذي سيُلمح إليه كعنصر خراب قاتل في حكاية تتلو تلك الفقرة مباشرة- أخذ الجنرال، ومن وراءه "يكتشفون!" ضرورة السلام.. على طريقتهم: أ- مظاهرة مؤتمرات إعلامية هدفها "تجميل!" الدولة وتبرير عدوانيتها، والدعاية "للشرعية الدولية" على الطريقة الأميركية. ب- صفقة منفردة مع عرفات تمنحه الدور الذي طالما حلم به: دور الشرطي المكلف بلجم قوى الانتفاضة، وبرعاية مباشرة من (جيش الدفاع!) العاجز عن ذلك، والداخل في طور فساد وانحطاط، على ذمة الجنرال بيريس ذاته! إن عبارة "الحكم الذاتي" يمكن ترجمتها ببساطة بعبارة: "التذابح الفلسطيني الذاتي". وهذا ما تشير إليه نتائج صفقه أوسلو حتى الآن، باستثناء "التقاسم الثلاثي" لجائزة نوبل للسلام، طبعاً!! لكن "الدور العرفاتي" الذي كان يجري إعداد صاحبه له، أو لنظائره من الأدوار المحتملة، منذ ظهور عرفات المفاجىء في الكويت.. تم "تطهيره" ثورياً بتصديره إلى صدارة قيادة (ج.ت.ف) عبر مروره السريع جداً في الجزائر.. هذا الدور لا يمكن أن يصبح ناجعاً من حيث استجابته (لأمن إسرائيل!) إلا بالصفقة الأخرى الموازية: "صفقة وادي العربة" مع الأردن! إن الأردن استعاد صورياً- بموجب هذه الصفقة- رقعة من الأرض لا يمكن إظهارها على أية خريطة عادية، وأجرها في الوقت ذاته لمحتلّيها السابقين!.. إن صفقة "العربة" تتيح مصادرة (عمق الانتفاضة) في الأردن، وهو العمق الأكثر كثافة وارتباطاً واتصالاً مباشراً وفاعلية.. وذلك تحت ستار نصوصها الخاصة التي تصبح "معارضتها، أو العمل بخلاف منطوقها" من قبل أي أردني، أو فلسطيني لاجىء في الأردن، هي معارضة (غير ديموقراطية!!)، لأنها تمس بأمن الدولة الأردنية، عبر مساسها بالتزاماتها الدولية الرسمية!!.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن "مسرحية!" التنافس على حق (حماية المقدسات الإسلامية في القدس) بين: عرفات رئيس الدولة/ المخترة، وبين جلالة الملك حسين "سليل الأسرة الهاشمية"- أي آل البيت- هي مسرحية تنقل مجالات الاهتمام الشعبي، إذا أمكن للدعاية المكثفة أن تحقق ذلك، نحو ما ليس مهماً إطلاقاً بدل الاهتمام بما هو أساسي في القضية: قضية التناقض الجذري بين الهوية العنصرية التلمودية (للأمة اليهودية!!) وبين الهوية الحضارية الإنسانية المنفتحة "للأمة العربية"..وهو تناقض خلقه الوجود العدواني لدولة الجيل الاشكنازي في تجربته الإرهابية الطويلة عبر عصابات (الأرغون، شتيرن، الهاغاناه)، ثم حوله إلى تناقض مصيري رغم كل شيء، في نهاية التحليل الموضوعي! على أن الأهم في سياق مثل هذه (الصفقات السلمية!) التي يلعب فيها "شايلوك" على هواه، هو أنها قد عطلت تماماً تلك القرارات التي سميت "قرارات الشرعية الدولية": 242، 338، 425.. حيث صار بإمكان السيد رابين أن يصرح بثقة: "إنه لم يسمع بها!". ولماذا "سيسمع"، مادام هو ومفاوضوه كانوا: (كأنما نتفاوض مع أنفسنا) على حد تعبير بيريس بخصوص المفاوضات التي أنتجت الصفقتين؟؟! ثم متى كانت (الدولة الصهيونية) "تسمع!" أصلاً بقرارات الأمم المتحدة منذ البداية؟!! إن تعطيل ما سمي (قرارات الشرعية الدولية) التي على أساسها أقيم مؤتمر مدريد- وقد صار الآن يمكن وصفه بالحفل الكرنفالي الاستعراضي لدهاقين "مخرجي!" النظام العالمي- هو في ذاته تعطيل لسائر ألوان الدعاية الدجالة حول "الأخلاق!" التي ينسبها النظام العالمي/ الأميركي لنفسه في مجالات العلاقات الدولية: في المنطقة، أو في سواها! وعلى أي حال، فهذه ليست أولى "فضائح" البيت الأبيض ولن تكون آخرها! وما هو مهم لنا هنا هو أن نتساءل- أو أن نسأل الجنرال المبشر، لا فرق!- عن مدى قدرة عرفات/ الحسين.. وأضرابهما على إلغاء المخاوف الآنية والاستراتيجية للسيد الجنرال المبشر ومن وراءه. أي: هل ستستطيع الشرطة العرفاتية وقف فاعلية (الذخيرة الحية والنضال الحاد اللذين يحملهما شباب الانتفاضة كدليل على عقم الأمر الواقع- الجديد- الذي يُصمَّم لفرض أمن إسرائيل)، على حساب حياة وهوية وبقاء العرب: فلسطينيين وغير فلسطينيين؟!.. وهل سيستطيع: لا جلالة الحسين والحسن فقط بل سائر أصحاب "المقامات" من الملهوفين على إبراز أدوارهم في خدمة المشروع الصهيوني- أن يجعلوا هذه الـ(إسرائيل!) مقبولة لدى المائتي مليون عربي، والمليار مسلم، أياً كانت السبل القمعية المسلوكة من أجل ذلك، وأياً كانت حجوم ونصوص الأوراق الممهورة بأختام أمثال هؤلاء؟! إن ما يبدو واضحاً هو أن الجنرال وحزبه و"دولته!" وحليفهم الأميركي أيضاً- بعد كل الذي عرضناه، وبعد حساب كل ما يجري فعلياً على أرض الواقع- لا يبحثون عن أي فرصة "سلام!" تعطي العرب حقَّ أكثر من أن يكونوا: ضحايا قبلاً، وعبيداً مستقبلاً!.. لكن أوهام شايلوك شيء، وحقائق إنسانية البشر شيء آخر، وهذا بالضبط ما سيبقي "جنرالنا" المبشر وجماعته غارقين في مخاوفهم باضطراد قاتل، رغم كل ما يبدو أنهم حققوه ويحققونه من انتصارات! إن الجنرال المبشر لا يطلق إذاً صرخته أنْ (لا منتصرون في الحرب) لأنه قد أصيب بالتغير والتحول من "ذئب" غازٍ إلى "إنسان" ذي ضمير يتحسس آلام بقية البشر ويندم على ما سببه هو نفسه منها!.. وإنما هو يطلق هذه الصرخة المضللة لأنه مرعوب من أية حرب فعلية، حربٍ غير رسمية وغير مصممة بصورة مسبقة- من قبل أطراف النظام العالمي السائد وتوابعه- لتحقق "هزيمتنا" و"انتصارهم" بالسهولة التي تناسبهم!.. لقد فتحت الانتفاضة عينيه لا ليرى فقط (عمق الهوة التي تفصل بيننا وبينهم) حسب تعبيره، وإنما ليرى أيضاً- وأساساً- عمق الهوة التي ستسقط فيها دولته حين تتعرض لمواجهة عربية شعبية شاملة، وغير ملجومة بقمع الأنظمة التي "فبركت" تاريخياً لحضانة وجودهم في المنطقة! إنه يعرف أن هذا "الوجود" مرفوض شعبياً- (وَبكُرْة) يضارع في قوته تلك الشراسة الدموية التي تأسس عليها وفيها- من قبل مائتي مليون عربي ومليار مسلم. وهو فوق ذلك يدرك أن أي شعب من شعوب هذا المجموع البشري الضخم لا يطيق "نظامه الحاكم" إلا إذا كان خصماً فعلياً لوجودهم العدواني، بل هو يتربص به لإسقاطه في أولى الفرص المواتية إن لم يكن كذلك. ومن جهة أخرى فالجنرال يدرك مدى ما صارت إليه أوضاع "الأنظمة الحاضنة" في ظل عواصف التقلبات الدولية الأخيرة من هشاشة وتردٍ "واضحين، وكل ذلك في الوقت الذي يدخل فيه (النظام الإمبريالي العالمي) طوراً غير مطمئن من الأزمات البنيوية التي عرضنا لمظاهرها في الفصل الأول. ولكل هذه الأسباب مجتمعة فإن السيد الجنرال بيريس يبدو كأنه يريد أن تكون صرخته (لا منتصرون في الحرب) مقدمة للانطلاق السهل في عملية (هروب إلى الأمام): عملية الاندفاعة السريعة نحن تحقيق الإمبراطورية الصهيونية الشرق أوسطية كما سلف توصيفها، باعتبار أن هذا "المهرب"- إن كان ممكن التحقيق!!- هو الوسيلة الوحيدة للتغلب على المخاوف التي تمزق وتؤرق: - المخاوف الآنية التي جسدتها معطيات انتفاضة فلسطينيّي الداخل، حيث أولئك "الفتيان الملثمون" قد حولوا "جيش الدفاع/ الأسطورة" بكثير من الحجارة وقليل من السكاكين والمولوتوف إلى مسخرة عالمية. - المخاوف الاستراتيجية التي تكمن في احتمال انفلات روح الانتفاضة إلى "داخل النظم الحاضنة" للمشروع الصهيوني في المنطقة بسبب هشاشة (كل شيء) تحت ثقل التقلبات العالمية العاصفة والمأزومة. وبالطبع، يستطيع الجنرال الإرهابي العريق أن (يغني لنفسه!) من أجل إثارة الطمأنينة الذاتية وسط هذه الظلمة الكثيفة والموحشة: (نحن شعب ذو حزم، وما من قوّةٍ على وجه البسيطة تستطيع أن تحملنا على مغادرة هذه الأرض بعد خمسين جيلاً من العيش في الدياسبورا- الشتات- خمسين جيلاً من الاضطهاد والعذاب والإبادة. لن نتزحزح من المكان الوحيد في هذه الدنيا الذي نستطيع فيه أن نجدد استقلالنا ونكفل سلامتنا، ونعيش باحترام وشرف مع جيراننا. إننا نريد إقامة جيرة صادقة مع جيراننا) ص59- 60. ومن جهتنا فإننا نقول للسيد الجنرال: مرحى.. فها هو يعود إلى المنطق الصهيوني العام ليقيم هذا (الغناء المسكين!) على قوعده الصحيحة: 1- التهديد: حتى ليحس المرء أن أصابع هذا الجنرال الغريب/ بهلوان الكلام، يكاد يضغط بأصابعه على الأزرار النووية (نحن شعب ذو حزم.. ما من قوة على وجه البسيطة.. لن نتزحزح..الخ). 2- العودة إلى إبراهيم النبي وقصة ترك المنطقة لفراغ الزلازل والكوارث والفيضانات وسفك الدماء.. أي إلى سائر أسس التزوير: المعرفي العام، والتاريخي الخاص، والتي عليها أنشئت جملة المفهومات الصهيونية وبرامجها التنظيمية المترابطة في صيغة "مشروع غزو استيطاني" تلحقه تتماته: (خمسين جيلاً من العيش في الدياسبورا).. ويتناسى من جديد أنه خزري الأصل- هو ودولته!- ولم يكن لسائر اشكنازيّتها أية علاقة بذلك السيد المخترع المدعو سام بن نوح، بل إن كل علاقات جيله و"معلميهم!" هي مع الخداع البيوريتاني، وكاوبوية "العم سام"، التي توصلت أخيراً إلى استبدال المسدس بالرأس النووي! 3- الاستدرار المخاتل للشفقة التي يستثمرها كشايلوكي أصيل: (خمسين جيلاً من الاضطهاد والعذاب والإبادة) وهنا يتناسى أيضاً أن من كان قد سماهم حلفاءه في الفصل الأول، وبدأ السمسرة معهم على مشروعات "استثمارنا"- أي الأوربيين الذين عدّ منهم الألمان والطليان أولاً- هم الذين اضطهدوهم وحاولوا إبادتهم، إن صحت ادعاءاته، ولسنا نحن العرب من حاول يوماً فعل أي شيء من ذلك. 4- الكذب الصريح الخسيس حول ما سيقيمه معنا- نحن جيرانه العرب!!- من علاقات (احترام وشرف!).. أي نعم، احترام وشرف صهونيين كاملين!!.. هذه العلاقات هي "إضافةٌ!" لما أهدونا إياه على امتداد ثلاثة أرباع القرن من مجازر وحمامات دم ومذابح وخراب وتهجير وتخريب! ونحن -في نهاية الذبح والخراب- جيرانه!!.. ولوْ!! ومن أقدر من الصهيوني على حفظ حقوق الجيرة؟! أليست آثار هذه "المآثر الصهيونية!" ماثلة في كل بيت فلسطيني أو عربي تمكنت (الذراع الإسرائيلية الطويلة) من أن تصل إليه ذات يوم، خصوصاً في لبنان؟!.. ثم أليست بداية هذه (الجيرة الجديدة الصادقة) واضحة تمام الوضوح من النتائج الأولى لصفقة أوسلو مع عرفات؟!! إن الجنرال وهو يستعيد "منطقه الصهيوني" كي يقنعنا بألا حروب بعد الآن "لأنها عقيمة" ينسى أن أي (جهاز مفاهيمي) هو منظومة منطقية ومعرفية تترتب عليها نتائج عملية محددة بالضرورة، والمنظومة "كلٌّ" لا يقبل التجزئة إلا بفَرطِهِ وتدميره. والجهاز المفاهيمي للمنطق والفعالية الصهيونيين لم يعد فيهما أي سر يمكن تخبئته إلا على المغفلين والمعمية قلوبهم. فما الذي يريد منا أن نصدقه عنده إن هو تحدث بنصف هذا المنطق ومستلزماته، وخبأ النصف الآخر في نفسه أو في "مجمعاته" النووية السبعة، التكتيكية منها والاستراتيجية؟! وإذا كانت نبرة التهديد صريحة وواضحة في الفقرة السابقة المقتبسة فعلى الجنرال أن يسأل نفسه بلا مواربة: - إذا كانت أميركا قد (أدبت!) اليابانيين قبل نصف قرن بأول قنبلتين ذريتين خلال التاريخ كله، فهل هي اليوم قادرة على إعادة مثل تلك اللعبة القذرة، رغم كل جبروت آلتها الحربية وسفالة مهماتها العالمية؟! إن رهان السلام الحقيقي ليس رهاناً على وثائق الصفقات وأختامها وعراضاتها، ولا على تحديد آليات النهب للمنطقة تحت طائلة التهديد بالترسانات النووية وغير النووية، بل هو رهان على الحركة التاريخية لمائتي مليون عربي بعمق مليار مسلم.. يطلبون- مع مليارات البشر الآخرين، والذين يتفاعلون معهم على أسس قيمية إنسانية، لا براغماتية فيها إطلاقاً- أن يسقط العصر الإمبريالي/ الصهيوني المشترك سقوطاً شاملاً على المستوى الوظيفي الابتزازي قبل كل شيء! لكن هذا السلام الحقيقي لم تحن ساعته بعد، مع بالغ الأسف.. فهو سلام الإنقاذ الحضاري الشامل للبشرية، لا سلام مشاريع الهيمنة المجددة تلمودياً- أو شايلوكياً، لا فرق- والمطوقة بالتهديد النووي على طريقة الرئيس الأميركي الأسبق ريغان وما كان يهرف به من اقتراب لنهاية العالم في حرب نووية في (مجدو).. كي يتم "صدق!" ما فبركه كَتَبةُ التوراة في التوراة! إنّ تبجُّحات الجنرال بنتائج (سلام كامب ديفيد) مع مصر العربية، وتقديمها كمثال على ما يمكن أن يؤدي إليه (سلام الصفات الرخيصة) من "ثمار عظيمة!" لهي تبجحات مردودة بالبرود المصري: الرسمي والشعبي، تجاه جميع الآمال الصهيونية التي عُلِّقت على تلك الصفقة، حتى صارت اتفاقيات كامب ديفيد توصف عالمياً بـ(السلام البارد مع مصر). وبالمناسبة، نسجل هنا لمصر ولقلة من الدول العربية مطلبها المتشدد بخصوص أول الشروط الصميمية لأي سلام حقيقي ممكن: - مطلب تجريد المنطقة من الأسلحة النووية، التي لا تملكها في المنطقة- حتى الآن- إلا (دولة) سعادة الجنرال، كأبرز مقوم من مقومات وجودها العدواني. وهو لم يتورع- كما رأينا- بأن يهدد ضمنياً باستعمالها عند اللزوم، بينما كان في الفصل السابق يتهم (آخرين) ممّنْ لا يعجبونه في المنطقة بامتلاكها، ويتباكى منذراً بخطورتهم على السلام العالمي كله!. تماماً كما الذئب في قفطان الواعظ أو خرقة الزاهد!! على أي حال، إن السيد الجنرال بيريس قد أطلعنا في فصله (لا منتصرون في الحرب)- وفيما هو يلمّح إلى أسباب مخاوفه المؤرقة- على مدى (فكاهة سلام صفقاته) التي يأمل أن يجني منها فواكه الاستسلام له والتسليم النهائي بأطماعه! ولكن، هل ستتمكن فعلاً شرطة (المخترة العرفاتية) من قص الأيدي التي حولت بالحجارة والسكاكين "أسطورة جيش الدفاع" إلى مسخرة عالمية، أم إنها ستكون (فرصة فلسطينية إضافية) للتنقية الذاتية وللمزيد من تمريغ سمعة "الدولة" في وحول أزقة المخيمات وحواري المدن العربية هناك؟!.. وهل سيكون الأردن (سوقاً صالحة!) لحركة الرساميل وبرامج تكنولوجيا الابتزاز، باتجاه "الغاز العُماني" ونفط الجزيرة.. كما لتصدير برامج الحلم الصهيوني ومفاهيم (الأمة اليهودية!) النقية عرقياً والتي لا تستطيع بتاتاً أن "تقبل التلوث!!" بشوائب الغوييم؟!! مفارقة حادة في فكر الجنرال وتصوراته وطموحاته!.. وهي مفارقة تعيدنا إلى التساؤل الأهم الذي ينبغي طرحه دائماً: - هل تسمح الطبيعة العدوانية للدولة الاشكنازية الاستيطانية بأن يعيش "سكانها!" فعلاً بلا حروب.. وحمامات ودماء.. وإبادات.. وتقديم ضحايا (محرقات/ رائحة سرور لرب الجنود) وفق التعابير التوراتية؟! ورغم كل شيء، دعونا نتجاوز كل دوافع الخوف المؤرق وراء صرخة الجنرال (لا منتصرون في الحرب). ولنتجاهل اعتراضاتنا عليه أيضاً.. ولنقل- لحظةً- "بحسن نواياه!" رغم ثقتنا المطلقة بأن جهنم ذاتها مبلطة بالنوايا الحسنة. ولننظر: ما الذي يقترحه علينا هذا المبشر الظريف بخصوص (الأمن الإقليمي) المتبادل، أو- حسب عبارته- (النظام الإقليمي). -3- كنا قد رأينا قبلاً أن الجنرال قد طلب منا ، في سياق حديثه عن (التحديث والعصرنة والديمقراطية)، وجوب إلغاء مقومات هويتنا الحضارية والقومية، بينما شدد في الفصل السابق على ضرورة (الهوية القومية النقية لسائر يهود العالم) باعتبار أن التسليم بهذه "الهوية" الغرائبية هو نوع من التسليم ببديهيةٍ كتلك المعتمدة في الهندسة الاقليدية! وما لم نضع في حسابنا دائماً هذين المطلبين على تناقضهما الحدي القطعي، فإننا لن نصل بتاتاً إلى عمق حقيقة الأفكار والغايات التي يريدها الجنرال المتدروش، ويديرها في خلائط لاحدود لاتساعها من الهرف والتزوير وسيول الكلام المنمّق الجميل! ويعرِّف الجنرال (النظام الإقليمي) بأنه (التنظيم الإقليمي).. وهذا الأخير يعرفه تعريفاً أولياً ببعض ما يُقدره له من وظائف. فهو (المفتاح إلى السلام والأمن، ولسوف يعزز إشاعة الديموقراطية، والتنمية الاقتصادية، والنمو القومي، والازدهار الفردي).. لكن هذا كله يقتضي (ثورة في المفاهيم).. فالهدف النهائي هو (خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة، على غرار الجماعة الأوربية) ص61 و62. وبالطبع، ما عدنا بحاجة لمناقشة ما يعينه السيد الجنرال بكلمات: سلام، أمن، ديموقراطية، تنمية، نمو قومي.. الخ.فما قدمناه حتى الآن قد وضع نوعاً من الحدود الفاصلة بين ما يعنيه الجنرال بالضبط من هذه "الكلمات/ المصطلحات/ المفهومات" كصهيوني عريق، وبين ما قد يدور في أذهاننا- نحن الغوييم- من أوهام تنسجم مع تطلعاتنا لدى سماعها! على أن ثمة شيئاً ربما كان جديداً لذلك لابد من الإشارة إليه، وهو يتعلق (بأسرة الأمم الإقليمية). فهل يخطط الجنرال لأن يصير العرب "مجموعة أمم!" أم إنه "سيرضى!" بأن يصيروا أمة واحدة ذات يوم؟!. الواقع أن الجهاز المفاهيمي الذي يتحرك وفقه عقل الجنرال وتفكيره لا يمكن إلا أن يفرض عليه الخيار الأول. وهذا ما سيؤكده لنا بنفسه لاحقاً، وكما أشرنا قبلاً! ولكن لنتجاوز هذا الأمر الآن.. ولننظر في ما يحدده صاحبنا لهذا (الإطار الإقليمي) "* من عوامل جوهرية يحصرها في أربعة: (الاستقرار السياسي- الاقتصاد- الأمن القومي- إشاعة الديموقراطية)، ولنتأمل في المضمونات التي يضعها تحت كل بند من هذه العوامل الجوهرية، قبل أن ينتقل إلى معنى كل من الأمن الإقليمي، والاقتصاد الإقليمي، بما هما أساس بنية النظام المطلوبة إقامته في المنطقة ومحركات عناصره الفعالة. أ- في الاستقرار السياسي: يقول الجنرال تحت هذا البند- الجوهري فيما يخص البنية المقبلة للنظام الإقليمي، حسبما سبق أن صنف-: (إن الأصولية تشق طريقها عميقاً وسريعاً في كل بلد عربي في الشرق الأوسط (كذا!!) مهددة بذلك السلام الإقليمي ناهيك عن استقرار حكومات بعينها. وإن وسائل الإعلام الغربية واحدة من الأطراف المسؤولة عن هذا النمو، ويتوفر للمتطرفين شبكة اتصالات فوق قومية.. وحملاتهم تستخدم الرموز الشعبية والدعاية ذات المستوى الرفيع.. وثمة ضرورة للتصدي لهذا الخطر على نحو منظم بغية صون الحرية والسلام والاستقرار السياسي. والجواب على ذلك إذاً، هو أن قيام هيكل إقليمي منظم سيخلق أطراً جديدة للمنطقة ويوفر القدرة على النمو الاقتصادي والاجتماعي وإطفاء نيران التطرف الديني وتبريد رياح الثورة الساخنة) ص62- 63. هذه هي كل "رؤى!!" السيد الجنرال تحت هذا العنوان الذي يعتبره هو "جوهرياً"، ونضيف نحن أنه بالغ الأهمية! ولم نفعل شيئاً بالنص الكامل إلا حذف بعض الجمل الخطابية القليلة بخصوص عمل المتطرفين الدعائي والإعلامي. وبالطبع، كنا نعتقد أن الجنرال سيقول في هذا "العامل الجوهري" ما هو أشد اتساعاً وأهمية.. لكنه لا يرى من العرب إلا النظم الحاكمة والأصوليين المتطرفين في مواجهة بعضهما للبعض الآخر، ووجوب الإبقاء على النظم المساندة له تحت شعار "الاستقرار السياسي"، وذلك بالعمل السريع على إطفاء نيران (التطرف الديني وتبريد رياح الثورة الساخنة)!! أي أن السيد الجنرال لا يريد أن يرى القطاعات الشعبية العربية الواسعة، بل إنه يتمنى- ربما- لو كانت غير موجودة أصلاً!! إننا، بالتأكيد، لن نلعب مع الجنرال لعبة الدوران في "حلقته المفرغة". فقد سبق لنا أن عرضنا إيجازاً للأصوليات، وأشرنا إلى الأدوار المباشرة وغير المباشرة لكل من الإمبريالية النهابة، والصهيونية الطامعة بالهيمنة على المنطقة، في تكريس الظاهرة ودفعها إلى الصيغة التي صارت إليها بعض اتجاهاتها. إن الجنرال يبدو- حسب الفقرة السابقة، ومع ربطها بإجمالي ما سبقها من تنظيرات- كأنما هو مرعوب من "الأصولية الإسلامية" حتى ليكاد يحبِّبنا بها، لا بل بمتطرفيها أيضاً، نكاية به وبدولته على ما فعلوه ويفعلونه بنا كعرب!! لقد كان الجنرال قبل قليل يتبجح إلى حد التهديد "بالهوية اليهودية النقيةِ" لدولته، مثلما تبجح قبلها بنجاح تجربة جيله في إقامة تلك الـ"اسرائيل الحديثة" أي تجديد إسرائيل التوراتية على أسس مفهومية مستقاة جميعها من أساطير التوراة العرقية وتطويراتها التلمودية، ومغلفة بألوان من الدجل المعرفي والتزوير التاريخي يترفع حتى أجهل الجَهَلَة عن النطق بها: (تاريخ المنطقة بلا يهود= كوارث، فيضانات، زلازل، سفك دماء.. ليس غير!) فهل يريد السيد الجنرال أن نصدق أن "اليهودية" مفهوم قومي وليست ديناً؟! أم إن لليهود وحدهم في العالم حق الخلط الذي لا شبيه له بين القومية والدين؟!.. ثم هل من مقتضيات "ديموقراطية" الدولة اليهودية، النقية عرقياً، أن تسمح بإقامة المجازر للمسلمين في قلب أماكنهم المقدسة كمجزرة المسجد الأقصى ثم مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994.. وغيرهما من المجازر؟! أم إن هذه "العمليات المقرفة"، المنظمة لنا- بإشراف مباشر من أجهزة دولته- هي لون من (المعارضة المشروعة!) حسب النمط الديموقراطي جداً "لإسرائيلهِ الحديثة"؟! طبعاً، لا يحب الجنرال بيريس لعقله أن يتطرق إلى ذكر تلك المجازر، أو إلى طبيعة الهوية الخاصة "بدولته" في سياق حديثه عن الأصولية الخطرة في المنطقة، وفي الوطن العربي بوجه خاص. فالرجل (قلبه علينا!!) كما يقال.. وهو- كما يبدو- مشغول بمشاكلنا، ومنصرف كلياً إلى "مساعدتنا!" كيما نتمكن من مساعدته في إقرار مشروع السيطرة الصهيونية على المنطقة. ولكن لنلاحظ ولنحلل قراءَةَ سعادتِهِ "للمشهد الأصولي المتطرف"، ولنحاول استكشاف ما يريده فعلياً في عمق تفكيره ورؤاه وخططه. هناك أولاً بالنسبة له كل من تنظيمي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في الأرض المحتلة، و"حزب الله" في لبنان. ثم هناك ثانياً "أصوليّو مصر" و"أصوليو الجزائر".. ووراء الجميع- وعلى ذمته هو!- كل من إيران وليبيا!! ولنلاحظ مدى الخلط الذي يتعمده الجنرال "الطيب!" هنا حين يصل كل هؤلاء "بالإرهاب". إنه يضع في سلة واحدة: من يجاهدون ضد احتلال "دولته" هو لأراضيهم، وإرهابها العلني المنظم لمجتمعاتهم ومواطنيهم، ومن يرتبكون أبشع المجازر ضد مواطنيهم تحت شعار "الإسلام" الذي لا يخفى على أي مطلع منصف أنه -أي الإسلام- ضد تلك الارتكابات بإطلاق.. ولكنه مع الجهاد ضد العدوان والقهر والظلم بمختلف الوسائل المناسبة. ومع أنه من المنطق العلمي- والجنرال يدعي أنه يستخدمه!- أن تدرس كل "حالة" على حدة، وأن تعرف جيداً أسبابها وخلفياتها وواقعها وتطوراتها وغاياتها، فإن "صاحبنا" لا يحب مثل هذا الغوص وراء الظواهر، وإلا فإنه سيجد نفسه يدين- بنفسه!- أساس وجود دولته، مثلما يدين كلياً عصر الرق الإمبريالي الجديد الذي خلق تلك الدولة، وأفقر العالم روحياً ومعرفياً إلى حد محاصرة البشر جميعاً بالبحث عن (خلاص في الموتى) وبالغرق في الحروب والتحاربات المحلية التي يصدر الإمبرياليون- بمن فيهم الصهاينة- أزماتهم عبرها إلى خارج حدود الحصن الإمبريالي الواحد. لكن الجنرال، بذلك الخلط المشار إليه، يكسب- أو يعتقد أنه يكسب- في أكثر من اتجاه: + فهو أولاً يوحي للقارىء، مفترضاً غفلته، بأن شأن "دولته" مع التنظيمات الأصولية التي يخصها بالذكر في فلسطين ولبنان هو شأن كل من مصر والجزائر مع المتطرفين من أصوليّيهما.. وبالتالي فإن "دولته" تتمتع بمصداقية الوجود التاريخي الاجتماعي لكل من الدولتين العربيتين المذكورتين، وبحقهما في الاستقرار داخل المجال الحيوي الجغرافي لشعبيهما! + وهو ثانياً- وأساساً- يريد أن يرمي "الإسلام" كلّه، كدين وكمرتكز للثقافة العربية ولبقية الثقافات الإسلامية الأخرى، بتهمة (الإرهاب).. أي بالشوفينية والعنصرية واللاإنسانية، كما في المثل العربي: (رمتني بدائها وانسلّت). والجنرال، بذلك، كأنما يوجه دعوة غير مباشرة لكنها واضحة إلى "الغرب الإمبريالي"- الأميركي على وجه الخصوص- للاستعجال في الأخذ بأطروحات صموئيل هينتنغتون حول (صراع الحضارات) التي على رأسها: صراع الغرب ضد الإسلام. وما من شك في أن السيد بيريس يعرف بوجود أنظمة عديدة في "النطاق الإسلامي" تطبّق صيغاً مختلفة من الاجتهادات في التشريع الإسلامي، أو تضع هذا التشريع- دستورياً- كمصدر رئيس لتشريعاتها الراهنة، لكن كثيراً منها قد استبعد الجهاد العدوان الصهيوني الاستيطاني على "ديار الإسلام" وعلى المقدسات الإسلامية في فلسطين من حسابه. وهذا هو ما جعل الجنرال يغفل الإشارة إلى هذه الأنظمة بخير أو شر رغم مسارعة عدد منها إلى (الاحتفاء)- كل نظام على طريقته!- بالانضمام إلى جوقة "المهللين!" لسلام هو صيغة استسلام، وإلى جوقة المتعاونين مع "دولته الغيتويّة!" دون أي شرط عملي منجز على أرض الواقع فيما يخص تخليها عن نزوعها العدواني كدولة استيطانية ملفقة التكوين، وذات أهداف غير خافية على أحد. ولكن هل ستفيد هذه الأنظمة المهللة والمتعاونة من "مواقفها!" هذه تجاه "دولة" صاحبنا الجنرال حينما يصير الوضع مهيأً لتصفيتها؟! جوابنا هو: لا، بالتأكيد. فالمسألة هي أن العروبة والإسلام يجب أن تتم تصفيتهما تصفية كلية، سواء كانا "هادئَيْن مدجَّنين!" أم كانا مقاومين مجاهدين. ومسألة "مسايرة" الهادئين من العرب والمسلمين، في الوقت ذاته الذي يُشنَّع فيه على المجاهدين ضد العدوان بأنهم إرهابيون، كل ذلك إنما هو جملة من الإجراءات التكتيكية تصب كلها في خانة استراتيجية كبرى وأخيرة: تدمير العرب والإسلام! إنها أطروحة الصهيوني هنتنغتون التي يرى الصهاينة- ومعهم أميركا المتصهينة- أنه قد آن الأوان لوضعها موضع التنفيذ في هذه "الفرصة الذهبية!" العالمية النادرة السانحة!.. وبقية أطروحات ذلك الصهيوني المخاتل حول تدمير أرثوذكسية أوربا الشرقية وهندوسية الهند وبوذية اليابان وملحقاتها وكونفوشية الصين.. تأتي، أو إن (مقدماتها) تهيَّأُ!.. ثم لابد- حسب تقديرنا- من أن يأتي تدمير الغرب ذاته: كاثوليكياً كان أم بروتستانتياً أم أنغليكانياً، وعلى أيدي الصهاينة أنفسهم في المرحلة الأخيرة من إنجاز (العولمة).. ولكن، بعد أن يكتمل استخدام هذا (الغرب) كأداة لتدمير سواه. ومن المثير الجميل- وهذا استطراد للتوضيح- أن أوربا عموماً: غربية وشرقية، تتفهم الآن هذا بصورة مقبولة، وتحاول مقاومته بالقدر المتاح، ووفقاً لمتطلبات مصالحها بالطبع، حسبما يتجسد ذلك في سلوك فرنسا بشكل خاص- وروسيا إلى حد ما- ونحن هنا نستثني من ذلك: الإنكليز الأنغليكان وبعض حلفائهم الصغار في أوربا، ممن يلتحقون مباشرة بالحلف الصهيوني/ الأميركي دون تردد أو شروط. وإذاً فإن الإرهابي العريق، الجنرال بيريس، (يتفضل!!) علينا بالتنظير لنا عن (الإرهاب الإسلامي، أو عن الإسلام الإرهابي!!) لغايات وغايات. إنه "يتموه"- بالمعنى العسكري للكلمة- كي يخفي أصوله وحقيقته وواقع "دولته" وحقيقتها بإثارة جعجعة حيث لا يجري الطحن الفعليّ.. من جهة، وهو من جهة أخرى يُظهر المسكنة و"البهللة" والشفقة المضحكة، مع تظاهر بالرعب الكاذب، كيما يوفر المقدمات لدى الرأي العام العالمي من أجل قبول تدخله- وتدخل الحلف الإمبريالي الصهيوني/ الأمريكي- في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، وبالقوة العسكرية حين يلزم الأمر. وهو من جهة ثالثة- وفي الوقت ذاته- يخلط بصفاقة بين فعالية المجاهدين في لبنان وفلسطين ضد عدوانات دولته العنصرية وبين أعمال مرتكبي المجازر في الجزائر ومصر، وذلك كيما ينسف الأسس المفهومية التي أقرها العالم حول التفريق بين الإرهاب الحقيقي وبين ما تمارسه الشعوب من حق مشروع في مقاومة ما يقع عليها من ظلم وعدوان.. وبهذا يصِمُ الإسلام كله بما يجب أن تُوصَمَ "صهيونيتُه" كلها به، أو بما هو "طبيعتها" فعلاً حسبما يُظهر البحث المنصف والتمحيص الدقيق. وكل هذا يمهد لضرب الإسلام والمسلمين- عرباً وغير عرب- ضرباً تدميرياً نهائياً كخطوة أولى لابد منها- حسب هنتنغتون- للوصول إلى العولمة الكاملة التي ليست، في جوهرها، إلا تسمية معدلة للإمبراطورية التلمودية العالمية في صيغتها الخرافية النهائية. والجنرال/ الحمامة الفكه، إذ يسند تهمة مساندة "الإرهاب!" إلى ليبيا وإيران، ويسكت عن حاكم كأنور السادات الذي صار "مؤمناً جداً" عقب (فعلته!) المشهورة: زيارة "الدولة الاستيطانية" وما أدت إليه من انهيارات في الأوضاع العربية وأوضاع المنطقة بعد توقيعه اتفاقيات كامب ديفيد التي مهدت السبل لعرفات وحكام المغرب والأردن وقطر وغيرهم كي يوسعوا رقعة اختراقات الصهيونية في المجال العربي، والمجالين الإقليمي والدولي، لصالح العدوان وضد العدل وقرارات الشرعية الدولية.. نقول: جنرالنا/ الحمامة الفكِه، إذ يفعل هذا وذاك، فإنه لا يفعل سوى تكرار المبدأ الاستعماري القديم حول (التفرقة) والانفراد بالخصوم، حيث تتراكم (الانتصارات!) الجزئية لتصبح انتصاراً تدميرياً كاملاً على الشعوب المستهدفة. وبعبارة أخرى: إن الجنرال بيريز، إذ يوجّه أصابع اتهامه إلى دولة عربية مسلمة وأخرى مسلمة غير عربية، فإنه - في نهاية المطاف- لا يستثني دولة أو نظاماً في النطاقين العربيّ والإسلامي من استهدافاته العدوانية عندما يحين الوقت المناسب لذلك. وبالطبع، لسنا هنا بصدد دراسة الظاهرات الأصولية في الوطن العربي، كلٍّ على حدة، كي نراها على حقيقتها ونستقرىء دوافع نشوئها وسيرورة فعاليتها ومصائرها، فنسوّغ ما يجب تسويغه ونرفض ما ينبغي رفضه في هذه الظاهرات ونساجل (سعادة الجنرال الصهيوني) في هذه القضايا- بصرف النظر عن فعالية صهاينته ومتصهينيه في صُنع "قتلة إرهابيين حقيقيين" أُلبسوا "قناع الإسلام" وهم: إما جهلة دفعهم الفقر إلى أن يصيروا مرتزقة كأولئك الذين شاعت الآن تسميتهم (بالأفغان) وإما متهودون أو يهود في زي إسلامي- غير أننا لن نتردد في الإشارة إلى أن فشل الحضارة الإمبريالية، وثقل وطأة دوسها للبشر وللقيم الإنسانية، وثقل طغيانها العالمي المدمر، قد أيقظ النزوع النوستالجي(* الأصولي لدى سائر الشعوب والأمم والقوميات في العالم بهذا القدر من الحدة أو ذاك. وليس ثمة شك لدينا في أن هذا هو أحد أفظع الإنجازات الصهيونية/ الإمبريالية وأكثرها فظاظة ورجعية واستهتاراً بالتقدم البشري الناجع. ومن الطريف أن الجنرال بيريز، الذي رأينا وسنرى أنه يريد "لدولته" أن تكون (غيتو) كبيراً لا يحق لغير اليهود الإقامة فيها، ناهيك عن التدخل بشؤونها الداخلية، يبيح لنفسه التدخل في شؤون الجزائر مثلاً. فهو ينعى عليها أنها لم تعرف كيف تمارس الديموقراطية فانتخبت الأصوليين!.. ولسنا ندري من قال للسيد الجنرال أن "ما يناسبه" يناسب الجزائر! ثم من الذي اعترف له بأن "ديموقراطيته العنصرية النهابة" بما وراءها من ثقافة غربية موظفة إمبريالياً في الحدود القصوى، هي مطمح فعلي للشعوب المنهوبة؟! وبالمقابل، ألم يكن للصهيونية يدٌ في دخول (الأفغان) على المشهد الأصولي الجزائري، كما على المشهد الأصولي المصري؟! إننا نترك الإجابة معلقة. غير أنه يهمنا أن نستنتج: أنه- رغم كل الغايات التي سبق ذكرها من وراء حديثه عن الأصولية و"الإسلام الإرهابي!"- ثمة رعبٌ داخليٌ مكتومٌ من الظاهرة، وله مرتكزات تاريخية في اللاشعور اليهودي المتصهين. فكيف نشخِّص أسباب رعبه، بصرف النظر عن المظاهر التي تتخذها الظواهر؟! إن هذا التساؤل يقودنا-بدايةً- إلى استنباط ما يريده الجنرال فعلياً من ذلك (العامل الجوهري) من عوامل بناء (نظامه الإقليمي).. ذلك العامل الذي سماه: الاستقرار السياسي. أما عناصر هدم هذا الاستقرار فتتلخص الآن، لدى صاحبنا في (الأصولية) التي توازي الإرهاب عنده. والجنرال، كما رأينا في فصلٍ سابق، ينعى على (بعض الزعماء العرب) أنهم انخرطوا في (الصراع ضد إسرائيل!) وأهملوا بذلك قضية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوبهم (كذا!!!) مستبدلين تلك التنمية بما سيسميه لاحقاً: (اقتصاد الحرب)! وإذا تحرينا تاريخ منطقتنا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن فقط، فسنجد أن القوى الإمبريالية العالمية- والصهيونية في مقدمتها: ممثلةً بتنظيماتها السرية وقواها الضاغطة في أبرز مراكز صنع القرار العالمي، أو ممثلة "بدولتها" مباشرة- كانت وراء مصادرة كل تطلع تغييري تقدمي في الوطن العربي وتعطيله وخنقه، سواء اتخذ ذلك التطلع شكل حزب أو حركة أو برنامج تنمويّ أو مبادرة سياسية.. أو حتى مبادرة فكرية فرديةّ! أما حين يتعلق الأمر بأية إجراءات تخص الحد الأدنى من التضامن العربي بشأن أية قضية من القضايا الماسة للمصلحة العربية المشتركة، ناهيك أن أية خطوة نحو الوحدة العربية أو ما في وارد ذلك، فإن (قيامة) الصهيونية ودولتها تقوم، ثم لا تقعد إلا بعد إزاحة هذا (الخطر!!) وتصفيته! إذاً، الاستقرار السياسي في المنطقة- حسب السيد الجنرال- يعني مبدئياً: الحفاظ على التفتت السياسي العربي القائم، بل الإمعان في زيادته ما أمكن، كما في مشروع تجزئة العراق وتفتيت الجزائر والسودان.. إلى آخره. وبعبارة موجزة، يعني الاستقرار السياسي- حسب الجنرال-: تصفية كل ما يعارض المشروع الصهيوني، وتثبيت ما يسانده. ولكن لماذا يلح الجنرال على محاربة (الأصولية)، في سياق المشروع الصهيوني العالمي، ما دام كثير من عواصم الملوك والسلاطين قد أخذ ينفتح لدولته وعليها باستعجال، علماً بأنه لم يتم- حتى كتابة هذه الكلمات- تقديم أي (تنازل إسرائيلي!!) عن أي شيء، حتى لعرفات و"مخترتِهِ" ذات الوظيفة التي ما عاد يختلف عليها مراقبان حياديان؟! وبعبارة أخرى: ما المخيف للجنرال وصهاينته في ما ينطوي عليه هذا المصطلح: (أصولية) من قوى دافعة ثقافية/ اجتماعية/ قيمية، بصرف النظر عن المعنى السيء الذي جرى تعميمه لهذه الكلمة؟! إننا نكاد نزعم أن السيد الجنرال، ومن وراءه، مصدقون- إلى درجة عليا من الاقتناع- بوصول كل العرب إلى حالٍ من اليأس والإحباط- والكلمتان للسيد الجنرال في فصل سابق- كافية لدفعهم ببساطة شديدة في طريق قبول الهيمنة الصهيونية الكاملة على المنطقة دون أية (أوهام أيديولوجية أو علمانية!!) يمكنهم تحقيق شيء منها إلا بسلوك تلك الطريق.. لكن هذا الاقتناع لديهم مشوب ببعض المنغصات: نمطها الأول، بقايا ما تخلف في (العقل العربي)- المثقف منه على وجه الخصوص- من أفكار تعود إلى ما قبل مرحلة "مظاهرة مدريد!" سواء ما اتخذ منها صيغة "التبنين في تنظيم" أو ما اتخذ صيغة "مشروع بحث" تنويري جديد. لكن هذا النمط لا يبدو مثيراً لاهتمام مبرمجي "ما يجري!" أو منفذيه. فالتنظيمات قابلة للضرب والاختراق والتفتيت، مباشرة أو بالواسطة، والمثقفون الأفراد أغلبهم قابل للاحتواء سواء في (مؤسسة الاستغراب) (* حيث يصبح همهم الحصول على "منافعها!" والتنافس- بالاستناد إليها- على جائزة نوبل!.. مع كل التطبيل الدعائي لهم من قبل (نظام التضليل الإعلامي العالمي) (** ).. أما "العنيدون" منهم فإن إفقارهم إلى حد التجويع، والتعتيم عليهم إلى حد المحق الإعلامي، كافيان لإسكاتهم كلياً. وفي "الحالات" المستعصية يمكن الاعتماد على التصفيات الجسدية مباشرة أو بالواسطة! (* مسخ الكائنات: عنوان كتاب مشهور للشاعر الروماني أوفيد، وقد استعرناه هنا لعمق دلالته. (* سوف يكشف الجنرال، لاحقاً- وبنفسه!- عن كذبه في ما يخص مسألة الضفة الغربية! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |