|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:52 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس تمارين في اللاجدوى -1- حين سئل السيد موفق العلاف رئيس الوفد السوري عن نتائج مباحثاته الثنائية في واشنطن مع وفد (الدولة الاستيطانية)، بعد تكرار الذهاب إلى واشنطن والعودة منها تكراراً مكثفاً، قال للصحفيين: (مباحثاتنا معهم هي مجرد تمارين في اللاجدوى). وفي حكايتنا الشعبية ترد قصة طريفة ومعبرة بعمق. فقد زعموا أن قطين وجدا قطعة جبن كبيرة، فاختلفا على قسمتها. وحلاً لهذه المشكلة لجأا إلى قرد يعرفانه كي يقسمها بينهما بالعدل!..ونصب القرد ميزانه، وقسم الجبن إلى قسمين: كبير وصغير، فرجح الأول على الثاني فقضم من الكبير قضمة جعلته أصغر من الأخر الذي رجح بدوره، فقضم منه ثانية بالطريقة ذاتها متعمداً ذلك!.. وراحت العملية تتكرر حتى صار الجبن كله في جوف القرد، وسط نظرات القطين المحملقين فيه بمزيد من الدهشة والحسرة. وحين انصرفا أطلق القرد وراءهما ضحكة واسعة ساخرة، كان- على ما يبدو- يجب أن يطلقها منذ البداية! وقد يتساءل القارئ: ما الذي يجمع دلالة قصتنا الشعبية إلى تلك القولة البليغة للسيد العلاف، في ميدان مجادلتنا لأطروحات السيد بيريس؟.. وتحديداً: في هذا الفصل الذي سنعنى فيه بالتصورات التفصيلية للسيد الجنرال حول آليات إنشاء (البنى الاقتصادية التحتية) وحركتها وغاياتها، في نظامه الإقليمي المقترح؟! إننا، بعد القراءة المتفحصة لذلك كله- من الفصل السادس إلى الثاني عشر من كتابه- سنجد أن بإمكاننا الإجابة المسبقة على تساؤلنا السابق، واستناداً إلى كل ما خلصنا إليه في مجادلاتنا السابقة المتعلقة بأطروحاته: إن أطروحات السيد بيريس هي تكرار ممل لتمارين في اللاجدوى إلا إذا سلمنا له "بالحق" الذي يطلبه، حق أن يمارس "عدالة" ذلك القرد بخصوص "جبنة" ثروات منطقة الشرق الأوسط التي هي ثرواتنا- نحن العرب- في نهاية أي تحليل. إن السيد بيريس يتقدم بأطروحاته جميعاً مفترضاً وجوب تجاوز عدة إشكاليات - معرفية وواقعية- ويمكن تلخيص أبرزها في ماسيلي، علماً بأنها- دون استثناء- تتمحور حول تاريخ الفعالية الابتزازية الكثيفة للرساميل والإمبرياليات في الوطن العربي، وضد أية صيغة لإعادة تحقق الهوية القومية العربية كواقع معاش.. وفي قلب تلك الفعالية : إنشاء الكيان الاستيطاني الاشكنازي، بكل ما ترتب على عدوانية إنشائه من نتائج: - الإشكالية الأولى التي يقفز عليها السيد الجنرال تتلخص في أنه بينما يميل- حضرته- إلى إثبات وجوب تأسيس مستقبل المنطقة على معطيات "الأمر الواقع" متسلحاً بقوة تماسك الذراع الرأسمالي الصهيوني وشبكة تحالفاته الإمبريالية الواسعة.. وبشدة الضعف والتفتت الراهنيين في الأوضاع العربية، فإن العرب- أوقواهم الشعبية الضخمة، على الأقل- يرون وجوب تغيير الأمر الواقع برفع عوامل الابتزاز وأدواته عن حياتهم وتطورهم، وعن حق إنجازهم لهويتهم الحضارية القومية الواحدة التي يجب أن تنتظم وحدة فعاليتهم - كواقع معاش- على سائر الصعد. - ترتدُّ هذه الإشكالية إلى إشكالية أعلى وهي إشكالية الافتراق القطعي بين أسس المنظومة القيمية المعيارية لنمط الوجود الحضاري العربي/ الإسلامي، في حال استقلاليته المبدعة، وبين المنظومة القيمية المعيارية لنمط الوجود الحضاري الرأسمالي الابتزازي- والصهيونية عملية توظيف لليهود في إطار ذلك!- رغم سيادة وهيمنة هذا النمط الأخير حتى هذا التاريخ . ومن الثابت أنه لا يوجد الآن حل لهذا الافتراق القيمي القطعي، مع الأسف! - الإشكالية الثالثة تترتب على سابقتيها، وتتمثل في قفز الجنرال بتصوراته على أهم حقائق (الأمر العالمي الواقع)، حين يوصل "أفكاره ورؤاه" للنظام الإقليمي الذي يقترحه على أنه(شيء) موازٍ للتجمعات الاقتصادية الكبرى في العالم: أوربا- أميريكا- شرق آسيا! إنه ببساطة ينسى، أو يتناسى عمداً، أن تلك التجمعات متكونه من أمم حرة موحدة والكثير منها يسعى لابتزاز سواه.. أما بالنسبة للعرب فوضعهم- داخل الوضع العالمي- معروف . والسيد بيريس، بالتعاون مع حلفائه، يستثمر هذا الوضع ليفرض "نظامه الإقليمي" كإطار لمزيد من الاستئثار بجبنة (ثروات) الشرق الأوسط! إنهم إذاً يؤسسون لتجميع المنطقة وفق ما يخدم مصالحهم هم ، لاوفق ما يخدم مصالح سكانها، وبإعطاء "الدور القيادي المباشر" للدولة الاستيطانية في هذه العملية الجديدة..إذ لم يعرف بتاتاً لا عن أميريكا ولا عن أوربا- على الأقل!- سعيهما وراء أية قضية لغير النهب، أو تصدير أزمة متولدة عن صراعات النهب!.. وسنرى أن السيد الجنرال يعمل فعلاً على تحويل المنطقة إلى "اسفنجة" مجددة لامتصاص أزمات حلفائه! - الإشكالية الرابعة والأخيرة، وهي مترابطة مع سابقاتها رغم أنها محصلة السيرورة الكارثية للنظام الرأسمالي العالمي خلال تاريخه كله، يمكن تلخيصها في أن تصورات السيد الجنرال بيريس تحوّل الوجود الإنساني برمته إلى كينونة أحادية مُسفَّلة اسمها (الاقتصاد.).إنه، وهو يبشر بذلك، يرش كثيراً من البهارات المضللة من نوع: أخلاق.. تطور روحي.. إلى آخره! وسواء كان يعتقد أن الكائن البشري ليس إلا آلة للإنتاج والاستهلاك أم لا، فإن ما يقدمه في الفصول التي نحن بصددها يطرح بوضوح هذا المفهوم في صيغة: أن التاريخ الراهن للوجود البشري قد أصبح محوره الاقتصاد وحده!.. والواقع أننا هنا أمام إشكالية الوجود الإمبريالي الذي امّحقت ذاته في (العجل الذهبي التوراتي)، وفي الوقت ذاته يحاول أن يبرهن- بمختلف أشكال قواه المادية- على حتمية طيّ البشرية بين ذراته اللماعة!! وبالطبع، ليس ثمة كائن عاقل ينكر دور الاقتصاد في عملية نجوع البقاء الإنساني.. ولكن العقل المشوه وحده هو الذي لايرى في وجود الإنسان غير تملك المادة بأية وسيلة، ولنخبة مختارة ليس غير!! إنها إشكاليات لامسناها جميعاً في ماسبق. ومع منطق السيد الجنرال يطول الكلام مادام الدخول في جدال معه هو دخول "التمارين في اللاجدوى". فالجنرال لا يعترف أصلاً إلا بحقه في قضم كامل (جبنة الشرق الأوسط) رغم أنه لا يشير لك إلا إلى "ميزان عدالته!" المنصوب كي لاتراه وهو يقضم، وكي لا تسأله عما وراء ذلك أو بعده! فلنحاول إذاً كشف ذلك كله في "فصوله" التي نحن بصددها هنا! -2- في الخمسينيات، وكنت حتى منتصفها في المدرسة الابتدائية، كان أحد دروس القراءة يحكي قصة ذلك الرجل الذي أراد من حماره أن يسرع وهو ممتطٍ ظهره... فربط له جزرة بعصاه، ومدها بعيداً قليلاً عن بوزه. وكان الحمار جائعاً فراح يجري ظناً منه أنه سيدرك الجزرة، وظل يجري غير عارف أنه لن يستطيع إدراكها إطلاقاً .. لكن الرجل وصل أخيراً إلى مبتغاه! والسيد بيريس- وهو يستمر في تكرار مدائحه "لسلامِهِ الصهيوني" ولعظمة دولته تكنولوجياً قياساً إلى تخلف منطقة الشرق الأوسط و"هدرها!" للثروات فيها بلا طائل، ومدائحه لما سيقدمه"مخططه للنظام الإقليمي" من إنقاذ المنطقة من ذلك الهدر، إذا ما أسلمت قيادها له ولمن خطط معهم لذلك.. إلى آخره- يبدو كأنما هو يرى في أوضاع الشرق الأوسط ذلك الحمار المتعب أصلاً في حكايتنا السابقة، وعليه فإنه يكفيه التلويح له بجزرة وعوده الزاهية- المفخفخة والمفخخّة- كي يصل سريعاً، وقبل فوات (هذه الفرصة التاريخية النادرة) كما يسميها، إلى قيادة هذا"الشرق الأوسط" وإقامة الهيمنة الإمبراطورية الاقتصادية الصهيونية فيه! ولأن الجنرال مصرّ على القفز فوق الإشكاليات التي تضرب "منطقَهُ" في الصميم، وبالتالي: فوق المشكلات التي لامخرج منها -لافي المنطقة ولا في العالم كله- إلا بانهيار النمط الإمبريالي الذي ولدها جميعاً، وبتغير مسار الحضارة البشرية وقيمها وعلاقاتها البراغماتية، واختفاء سعار تملك الثروة من قبل الأوليغارشيات المتخمة في العالم- ومن بينها أوليغارشيته الشايلوكية- حيث تعود أهمية الاقتصاد إلى حجمها الطبيعي كوسيلة لنجوع البقاء البشري، لاكغاية تخدمها حركة البشر بما فيها من تصنيف طبقي حاد: بين ناهبين قلة، وغالبية منهوبة ومجبرة بمختلف وسائل القوة على خدمة نهب الناهبين، الأمر الذي يعبر عن فظاعات ظلم لم يشهد له تاريخ الإنسانية مثيلاً من قبل.. لهذا كله، ولأن الجنرال مدفوع بقوة الحقائق إلى اختبار الاندفاع في الهرب إلى أمام، فإن أفكاره تظل قليلة جداً، وتدور حول نفسها كأنما تريد أن تخلق عاصفة، ولكن في فنجان! ولنلاحظ!.. إن عنوان فصله السادس الذي أفردنا له هذه الفقرة هو: ( من اقتصاد الحروب إلى اقتصاد السلام)! ولاجديد في هذا الفصل عما سبق أن رأيناه في فقرتي"الاقتصاد" و"الاقتصاد الإقليمي" من أحد فصوله السابقة إلا تقديم بعض الإحصائيات الأكثر تفصيلاً وبعض الافتراءات المجدّدة على حقائق الواقع. إنه يبدأ من (حروب العرب وإسرائيل) ومن تلك التي يسميها (حروب الدول العربية في ما بينها: حرب اليمن، حرب لبنان، الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت، حرب الخليج) ويجعلها بذاتها أسباباً للفقر وظهور الأصولية (التي تهدد إلى حد بعيد الاستقرار الإقليمي، والتي تخلق الفوضى السياسية).. إلى آخره! إن الفقر وظهور الأصولية سببهما سباق التسلح الذي أوجبته تلك الحروب.. حسب السيد الجنرال!! إن ثمة ما هو فاضح في كل هذا التزوير الذي سيؤسس عليه " صاحبنا" آراءه في هذا الفصل. ولكن من العبث أن تطالب الصهيوني بأن يكون موضوعياً ولو للحظة! إن الجنرال لا يحب أن يشير إلى التاريخ الابتزازي لحلفائه الإمبرياليين حيث أهلكوا به المنطقة.. وبالطبع، لايمكن له بتاتاً أن يعرض- في إطار ذلك التاريخ- لعوامل إيجاد "دولته!"هنا، ولا للمهمّات العدوانية التي كانت منوطة بها، ولاتزال. مثلما لايمكن له أن يعرض بتاتاً للأسباب الحقيقية لحروب العرب في ما بينهم- على حد تعبيره- أو بين العراق وإيران!.. فالتعرض لأي شيء من هذا سيفضح دور "صهيونيته" وحلفائها الإمبرياليين، ودور "دولته!" أولاً ، في إثارة تلك الحروب: علانية كما في لبنان، أو من وراء الستار كما في كل مشكلة تعرضت لها محاولات التقدم العربية، ناهيك عن الحروب التي كانت تجيء كذروات للمشاكل المثارة، لغاية الإجهاز التام على الهوية الحضارية العربية، والوجود العربي إن أمكن!! وإذا كان هذا هو منطلق الجنرال ، فأية قيمة يمكن أن تحتسب لآرائه واستنتاجاته؟! طبعاً سنرى أرقاماً: الدول العربية تنفق سنوياً على مشترياتها من الأسلحة 60 مليار دولار. ولكن لماذا؟! وكم تنفق "اسرائيله!" التي لا يوازي عدد سكانها 2% من سكان الدول العربية ولاتزيد مساحة الأرض التي استوطنتها على0.1% من مساحة الوطن العربين ناهيك عن إهداءات السلاح التي تتلقاها؟!! وإذا كان الوطن العربي وإيران بين 1973و1991 قد اشتريا أسلحة بما مجموعة 180 مليار دولار(* فهل يتفضل حضرته ويبلغنا رقم كلفة ترسانته النووية وحدها- بمجمعاتها السبعة أو الثمانية- ناهيك عن بقية الأسلحة المتطورة التي دائماً تعلن أميريكا أنها ستبقيها ضامنة للتفوق الاسرائيلي العسكري على العرب برمتهم؟! ولن نتكلم هنا عن أقماره التجسسية! أعتقد أننا لو عرضنا كامل الأرض الفلسطينية المستوطنة من قبل الجيل الاشكنازي وتابعيه، في مزاد علني دولي بالسعر العقاري- لا الوطني أو الديني بالطبع!- لما تحصل لنا من ذلك البيع كلفة تلك الترسانة. فمن أين إذاً حصلت عليها "دولة" الجنرال؟! وكيف؟! ولأية غاية؟! وإذا أراد السيد الجنرال أن "يتلطف!" بالإجابة ، فنرجو ألا يحدثنا عن "ريع حليب أبقاره الصهيونية" التي سيحدثنا في مكان آخر: أنها تنتج ثلاثة أضعاف ما تنتجة " البقرة الروسية" مع أن لها نفس الحجم واللون ونفس القرون! فنحن لانجازف بالمراهنة على الأبقار التي تحقن ضروعها بالأسرار القبالية للتلمود!! إن بيريس لا يحدثنا بشيء عن النفقات الاسرائيلية العسكرية، غير أن نسبة هذه النفقات إلى " الدخل القومي" قد بلغت 26% عام 1982 ، أي عام اجتياح لبنان، والانسحاب من سيناء وإعادة نشر القوات في النقب! راجع ص 95-96، ثم إنه سيخبرنا بعد ذلك بقليل أن تكاليف اجتياحهم للبنان بلغ 4مليارات دولار، بينما بلغت كلفة حرب الخليج ضد العراق 676 مليار دولار، (وهذا المبلغ لا يتضمن التدمير الذي ألحقه الغزو العراقي بالبيئة الكويتية والعراقية، ولا يشمل كذلك فقدان النمو الاقتصادي في الكويت والعراق ودول الخليج الأخرى) ص 96 وبيريس يغرقنا بالأرقام: ثمن كل قطعة سلاح عربية، نسب الاتفاقات العربية قياساً إلى الدخولات الوطنية ، تكاليف الحروب الماضية والقادمة عدا أضرار الدمار.. وبالتالي: مخاطر (استمرار النزاع) -كما يسميه- مثلما إنه يحاول إظهار نفسه بمظهر رجل الاقتصاد الموضوعي والمتمكن (راجع ص 92).. وكل ذلك كي يبعد قارئه عن جوهر المشكلات الحقيقية وأسبابها ، وما صمم وراءها من غايات! فالمهم عند الجنرال هو أن يبرز: أن عناد العرب وإصرارهم -قبلاً!!- على (منازعة!) حق "الشعب المختار في أرض الميعاد!" قد أدى إلى أن تصبح نسبة مديونية الدول العربية قياساً إلى صادراتها 113% وهذا، ومستجراته، مأساة تولد عنها (مستوى معيشة منخفض بصورة مؤلمة) في الدول الفقيرة في الشرق الأوسط (بينما نسب الولادة مرتفعة ، ومتوسط عمر الإنسان قصير.) ص 98- ولأن حضرته (شفوق !!) جداً علينا، فهو ينبهنا إلى أن(هذه الظروف الاقتصادية الفقيرة هي تربة خصبة للأصولية. فهي تشجع على انتشار الديماغوجيين المتطرفين الذي يتكلمون باسم الدين ولكنهم عاجزون عن حل المشاكل الأساسية للبشر. إن الفقر ليس مسألة صدفة، كما إن الضنك ليس عقاباً من السماء، إذ هما نتاج عمل الإنسان) ص 98-99 وعليه، فإن الحل هو في السلام، ولكن على طريقة (صفقاته!) التي سنرى إنها تخدم في النهاية عدم اعترافه بأية شرعية دولية، أو حتى بأية شرعية سوى (شرعية!) ما تصبو إليه صهيونيته من هيمنة اقتصادية على هذا "الشرق الأوسط"! وفي هذا الإطار سنرى لاحقاً كيف يقدم صورة "دولته" على أنها النموذج الأمثل للتقدم العلمي والتكنولوجي والديموقراطي!.. لابل: التقدم الأخلاقي أيضاً!!. ومن منطلق الشفقة على سكان المنطقة، فإن الجنرال"يتبرع" لهم بقيادة النظام الإقليمي الذي يقترحه حيث ستوضع كل تلك (الفضائل!!) التي أنجزها جيله الاشكنازي العبقري المستوطن، خلال أقل من نصف قرن، موضع التشغيل في إطار ذلك النظام الإقليمي!! أو ليست هذه "مأثرة!" صيهونية، إذ "يتفضلون!" بقيادة حركة الحياة في منطقتنا كي يضعوا أيديهم على مصادر ثرواتها ويتركوا لنا منها القليل الذي يساعدنا على البقاء، وعلى النشاط أيضاً لإلغاء هويتنا الحضارية، حسبما رأينا أحد مطالبه منا في تحليل فقرة سابقة؟!! ولأننا نعرف كيف يبعثر الجنرال أفكاره حتى يضيعنا عن الإمساك بالخيوط الأساسة لنسيجها الذي يشف وحده - عند إعادة ربطها: كل فكرة بالأخرى - عن الغايات الحقيقية لهذه الأفكار.. ولأننا نعرف أنه- كمستوطن صهيوني- متخم " بالفضائل الشايلوكية!" للعصر الإمبريالي وقيمه البراغماتية، حيث للحرب والابتزاز آلاف مؤلفة من الطرق والأساليب المعسولة وغير المعسولة، وحيث "لا يتكلم!" أي إمبريالي في أية قضية مالم يكن له مكسب من وراء ذلك- وعلى حساب الآخرين دائماً!- يتناسب حجمه مع حجم القضية التي يتكلّم فيها، ومع أهميتها أيضاً .. نقول: لأننا نعرف ذلك كله مثلما نعرف عمق الترابط الصهيوني/ الإمبريالي كتاريخ وكفعالية وكمصائر، فإن من حقنا أن نعيد تقليب "أطروحات" السيد الجنرال مرة بعد مرة بعد مرة، ودائماً بمزيد في الشكوك في مصداقية أي حرف ينطق به، كيما نستكشف مختلف المقاصد التي يرمي إليها في النهاية من وراء هذه الاستماتة الظاهرية في سبيل ما يطلق عليه هو اسم (السلام!) لقد رأينا قبلاً أن الجنرال يفترض وجوب توفير 30 مليار دولار سنوياً من وراء خفض نفقات التسلح في المنطقة بعد إقرار السلام. ولكن دعونا نناقش ترابط بعض المسائل الأخرى التي يعرضها هو- لاغيره- بقضية هذا الخفض المذكور للنفقات: في مكان سابق كان الجنرال قد قرر أن ما يطرحه من تصورات لن يتحقق دفعة واحدة، بل ربما بدأ بخطوات حابية كحبو الطفل. هذه واحدة . وفي مكان آخر كان قد قرر أيضاً أن الوقت لم يحن بعد لتفكيك الأسلحة وإعادة الجنود إلى ديارهم ، وأن ذلك سيستغرق وقتاً. وفي مكان ثالث- كما في مؤتمر الدار البيضاء- أعلن أن " الأرض" لم تعد مهمة في عصر العلم والتكنولوجيا.. إلى آخره، لكن الاستيطان مازال يتوسع بزخم في أراضي الضفة الغربية- رغم صفقة أوسلو- ولا تزال حكومته تمارس إعاقة ما يسمى "الحكم الذاتي" وتنفيذ "إعلان المبادئ" المعلنة كمادة لنصوص تلك الصفقة ذاتها! وفي الوقت ذاته ترفض "دولته!" أن تعترف بشيء عن ترسانتها النووية، وتزيد في نفقات تسلحها للعام 1995-كما سبق أن ذكرنا قبلاً- مثلما تشن حرباً يومية محدودة على الجنوب اللبناني مع رفض التخلي عن (الحزام الأمني!!)، إضافة إلى أنها تعرقل كل محاولات تقدم المباحثات على المسارين السوري واللبناني، وفي الوقت ذاته تعلن تهديداتها المكررة لإيران بحجة امتلاكها للسلاح النووي مع ثبوت عدم صحة ذلك!.. فإذا ربطنا كل هذه الوقائع واحدتها بالأخرى، وتذكرنا أن كل آلة عسكريتارية ضخمة- كآلة دولته مثلاً!- تحتاج إلى استمرار الصيانة والتحديث بكل نفقاتها المبهظة، مثلما أنها - بطبيعتها- تستدعي الحركة والاستعمال كي لا تصدأ، فأين هي إذاً مصداقية هذا المبشر الصهيوني في ادعاءاته بإمكان خفض القوات ووتيرة التسلح، إلا إذا فسرنا أطروحته على أن "شرطه!" الأول للسلام هو تجريد العرب من السلاح وحدهم، بالإضافة إلى إيران بالطبع؟!. إن المعاظلة التي يحفل بها "فكر!" الجنرال في كتابه هي التي جعلتنا نكرر قولة السيد العلاف بنقلها إلى أطروحاته: إنها تمارين في اللاجدوى! وهنا، وإزاء ما عرضناه، أليس من حقنا أن نفكر بأن هذا الجنرال المبشر- في الوقت الذي يحتفظ فيه لدولته "بحقها!" في الاستمرار بالحرب التي بدأها جيله الاشكنازي منذ عشرينيات هذا القرن- يحاول فتح جبهة أخرى لحرب من نوع آخر: حرب أيديولوجية ومعرفية تحت شعار ما يسميه هو (السلام!)؟! إن كل أطروحاته في هذا الكتاب- وقد غمسها طويلاً بحلوى كلمة "سلام"!- إنما هي في حقيقتها محاولة لإلغاء ما تثبَّتَ، بالتجربة، لدى غالبية المائتي مليون عربي من أفكار حول قضايا الصراع العربي مع الإمبريالية والصهيونية. وهي أفكار تكثفت على امتداد سبعين عاماً من التجربة الحية في مقولة معبرة: (الصراع ضد الكيان الاستيطاني الصهيوني هو صراع وجود لاصراع حدود). إننا حتى لوسلمّنا- فرضاً- بالنوايا الحسنة المستقبلية لـ "دولة!" السيد الجنرال وافترضنا- بكثر من الغباء والسذاجة- إمكانية تخلي هذه "الدولة" عن طبيعتها العدوانية ومطامعها الابتزازية، وسلمنا- جدلاً-بإمكانية نشوء ثقة متبادلة بين العرب وبين "سكان الدولة" الذين تجردوا من "وظيفتهم!!" الإمبريالية/ الشايلوكية.. لو فعلنا كل ذلك، فإن أطروحات السيد الجنرال في هذا الكتاب التنظيري الغريب لتنفيذ (الحلم التلمودي) تصادرناوتعيدنا إلى الحقائق المرة: حقائق تصعيد الحرب علينا بفتح جبهات جديدة في إطار "صراع الوجود"! أو لم يؤكد الجنرال قبلاً على ضرورة إعدام هويتنا القومية الحضارية، وعلى ضرورة النقاء العنصري "لقوميته اليهودية"؟!!. ورغم كل هذه المساجلة الاعتراضية لنتابع الجنرال كي نرى كيف "ينظّرُ" لاقتصاد السلام الذي يدعيه ! يقول الجنرال: (إن المشكلات المالية هي المحفز على هذا النظام الاقتصادي الاقليمي. وإذا فعلت العوامل الرمزية والعاطفية (* فعلها في تأخير إنشاء مثل هذا الكيان في الشرق الأوسط فإننا نستطيع استخدام الأموال العالمية لإقامة صندوق لتنمية الشرق الأوسط بما يسمح لكل بلد فتح حدوده بالتمتع بفوائده. ويمكن للأرصدة- يقصد أرصدة الصندوق- أن تأتي من قناة ائتمان أوربية-أميريكية- يابانية مشتركة تقدم المساعدة على صون السلام من المداخيل المجنية من صناعة النفط، من الأموال المتوفرة عن خفض مستوى الاستثمار المحلي في سباق التسلح، ومن المدخرات الناشئة بفضل خفض القروض والمعونات العسكرية) ص100 ولا ينسى الجنرال أن ينبهنا بعد ذلك إلى أن ذلك الذي يطرحه علينا يتضمن (رسالة أخلاقية ذات أبعاد تاريخية.. إلخ)! ص101- لن نتعمق في تحليل هذه الأطروحة، فنحن قادمون على تفصيلاتها في فصله المخصص لـ (مصادر التمويل). لكننا لانستطيع هنا إلا أن نتوقف بسرعة عند أهم النقاط فيها، وما وراء ذلك باختصار. 1- المشكلات المالية هي المحفز.. إلخ. إننا هنا أمام استنتاج تزويري يختصر كامل مفردات الصراع الطويل بين العرب وبين غزاتهم، صهاينة وإمبرياليين، إلى مجرد (مشكلات مالية) أو لنقل: سوء استثمار اقتصادي من قبل العرب (نفقات تسلح)! 2- استخدام الأموال العالمية لإقامة (صندوقه المقترح): قروض ائتمانية من مداخيل النفط العربي يقدمها رأسماليو أوربا، وأميريكا واليابان!.. وهذا يعني فتح سوق استثمار شرق أوسطية جديدة تخفف، قبل كل شيء، من أحوال التضخم النقدي لدى (المستثمرين)!.. ولنلاحظ أن القروض الائتمانية مستوردة من أصل الأرباح الرأسمالية المتحصلة من نفطنا العربي، لاغيره!!.. ولنتذكر هنا لافشل (المشاريع التنموية) المعتمدة على القروض الرأسمالية في العالم الثالث كله وحسب، بل أيضاً أن كل دولار جرى (استثماره!) في البلدان المنهوبة قد عاد على الرأسماليين بربح صاف يقارب 4دولارات خلال زمن وجيز/ راجع فصلنا الأول. إن هذا كله مؤشر على حدود (التمتع بفوائد هذا الصندوق) من قبل البلدان العربية التي عليها أن تفتح حدودها لحرية حركة الرساميل بلا قيد أو شرط!! 3- إن خفض مستوى نفقات التسلح لا يشمل- كما بينا قبل قليل- إلا الدول العربية. وهذا يعني وضع أمن العرب جميعاً تحت رحمة المصالح الصهيونية، حيث لاترسانة اسرائيل قابلة لأي خفض في المدى المنظور ولا ما تسميه (ضمانات أمنها)- ومنها احتلال قسم من الجنوب اللبناني، وزرع أعداد جديدة من المستوطنات في الضفة الغربية- قابلة لأي تغيير أو تعديل ، حسب تصريحات رابين نفسه، علماً بأن مشروع إقامة (صندوق التنمية) قد طرحه السيد الجنرال المبشر في مؤتمر الدار البيضاء كعمل ضروري وعاجل!.. إن السيد الجنرال بيريس يريد إذاً أن نزيد بعض الصحون البسيطة في وجباتنا المسكينة على حساب أمننا العربي برمته! أليست هذه (الأمثولة) الصهيونية (رسالة أخلاقية رفيعة، وذات أبعاد تاريخية صهيونية عظيمة)؟؟! وكي يثبت لنا السيد الجنرال مقدرته الفائقة على جرنا نحو (تمارين اللاجدوى) فإنه لا يمهلنا لحظة لالتقاط أنفاسنا وإظهار غبطتنا (بأخلاقياته المبهرة!!) ، بل هو ينهال علينا بسيل من الثرثرة الخطابية العاطفية حول أهمية الكتل التجارية / الاقتصادية الكبرى التي أخذت تظهر في العالم منذ عقد ونيف: السوق الأوربية المشتركة- منطقة التجارة الأميريكية الحرة في أميركا الشمالية والمكسيك- الوحدة الاقليمية المحتملة في شرق آسيا. وعلى أي حال فهو قد سبق له أن عرض لهذه الكتل كشاهد مقنع لأمثالنا نحن القراء الذين نحتاج إلى أن نضجر من كثرة اجترار الفكرة الواحدة، ونملّ، فنسلم بها تخلصاً من أن نسمعها من جديد! ويبدو أن هذا الأسلوب المعتمد من قبل السيد الجنرال مصمم هكذا قصداً ، كي يحصل على هذه النتيجة! ومن الأفضل لنا أن نقفز هنا على (تثاقف) السيد الجنرال، إذ يستشهد بهيغل ليقنعنا أنه هو - الجنرال الاشكنازي- رجل دولة عظيم!.. وإذ يحدثنا عن قطبي (الوحدة والتفرد) اللذين أثارهما عصر الأنوار والثورة الفرنسية، ليظهر أنه أيضاً قادر على (التفلسف) المضحك حقاً- راجع ص 103-104- ولكن مالا نستطيع القفز عليه هو النتيجة الغريبة التي يستخلصها من (تثاقفه وتفلسفِهِ). إنه يخلص إلى لون فريد فعلاً من التدجيل المخصص لتفسير حركة التاريخ الحديث ومظاهرها ومعناها إذ يقول: ( في الماضي غير البعيد كان التاريخ مجرد سلسلة من النزاعات العسكرية السياسية. أما اليوم فإن العلاقات الدولية المرتكزة على الاقتصاد تشكل السمة المسيطرة)ص 104 هل يريد السيد الجنرال أن يقنعنا بأن السياسة لم تكن -خلال التاريخ كله- (فناً لإدارة المصالح)، فئوية..وطنية .. قومية، لايهم؟. وهل يريد أن يقنعنا أن المصالح في العصر الحديث برمته كانت شيئاً أكبر من (المرابح) التي هي هدف حركة الاقتصاد الرأسمالي برمته؟. لقد كانت حروب هذا (الماضي غير البعيد) ونزاعاته وصراعاته المسلحة هي تحكيم للقوة بين القوى الرأسمالية حين يفشل حوار (إدارة المصالح) ويتوقف ويتعثر، أو إنها استعمال لأدوات التدمير من قبل إحدى هذه القوى لإخضاع تمرد في إحدى مستعمراتها. وفي فترة الهيمنة الأميريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وما يسمى مرحلة الحرب الباردة، توقفت حروب القوى الكبرى المتبادلة على المستوى العسكري، لكنها صُدِّرّتْ إلى مناطق كثيرة من العالم الثالث حيث كانت التضحية بموارده وبشره وبيئته أسهل (في الأخلاق الإمبريالية!) من التضحية برأس عسكري واحد من أي جيش امبريالي!.. ودائماً كانت الترسانات تعزّز، والأساطيل تتحرك وتنذر وتهدد وتستنفر، وكل ذلك من أجل حماية المصالح الاقتصادية، وعلى حساب المنهوبين الضعفاء! فما الذي تغير إذاً!؟. هل يريد الجنرال إقناعنا أيضاً بأن الترسانات الأميريكية والأوربية والآسيوية ليست جاهزة للتصادم عندما تصل تناحرات أسواقها الاقتصادية المعبرة عن مصالحها إلى درجة معينة من انعدام التفاهم بواسطة (إنذارات الحروب التجارية) وما شابه ذلك؟ أليس حقيقةً أن في أولويات الخيارات الاستراتيجية الأميريكية مثلاً إعادة احتلال اليابان عسكرياً؟!. إن الجنرال إما أنه مستعجل على حرب القوى العظمى، حسبما كان يخرّف ريغان عن قرب نهاية العالم بحرب نووية في (مجدّو)- وفق التأويلات الأسرارية/ القبالية للنص التوراتي- أو إنه يسخدم مع قارئه أسلوب التجديف على حقائق الدنيا، مع الكثير من بهارات التخريف المطمئنه، كي يجعله أكثر تقبلاً لمشروعه المسمى (النظام الإقليمي) بما يتضمنه من سيطرة اقتصادية صهيونية على حركة مستقبل المنطقة كلها! ونحن نميل إلى الأمر الثاني- رغم أنه لامانع لدى الجنرال (حسب أخلاقِهِ الصهيونية الرفيعة!) من أن تهلك القوى العظمى نفسها في الحروب فتفرغ الساحة العالمية للشايلوكيين وحدهم!- فهذا الأمر الثاني يضمن للرساميل الشايلوكيه (كتلتها) الإقليمية الخاصة الغنية بالموارد والفرص، أو ( سوق فعاليتها) الخاص في قلب العالم حيث يمكن للشايلوكيين الذين يملكون أكثر من ربع رساميل الدنيا أن يتحكموا- بقوة الموقع الاستراتيجي وقوة الموارد، الطاقية منها على الأخص- بكل أوضاع بقية القوى الإمبريالية العالمية!.. وبعد إنجازهم لهذا المشروع الإقليمي- إن تمكنوا!- فالبقية تأتي! لكن السيد الجنرال، وهو يدرك تماماً عناصر الضعف الكبرى في الوجود الشايلوكي العالمي العام، لا ينسى بتاتاً أن يدخل بقية (القوى الراسخة) في لعبة إنجاز مشروعه الإقليمي! إنه يقول: ( في عالم قوامه المنافسة المفتوحة ، يصعب على الاقتصاد الصغير، بل يستحيل عليه، حشد الموارد الكافية لبلورة منتجات جديدة أو تحسين القديم منها. لذلك فإن شركات عملاقة متعددة الجنسية تعمل جنباً إلى جنب مع الأسواق الإقليمية المشتركة في مناطق تجارية حرة لضمانِ أن يكون لكل الأطراف مستقبل في العالم المعاصر) ص 104- أما من هي هذه الأطراف، فهي بالتأكيد- وفق المنطق الإمبريالي- أطراف قوى النهب العالمي. فيا لسعادة الشعوب المنهوبة المجوّعة (بفضائل!) عمل الشركات متعددة الجنسية!! إن الجنرال يبني، بعد هذا القول مباشرة، صيغة فهمه للديموقراطية:(ففي الديموقراطية الاقتصادية يختار الناس السلع بمثل ما يختارون القادة في الديموقراطية السياسية: الفوز للمنتوج الأحسن) ص104- لكأن الشركات فوق القومية تغزو مكاناً ما لتوزِّع فيه رساميلها بعدالة، وليس لتحقق المزيد من الأرباح المنهوبة من شعبه!! فماذا نريد إذاً أكثر من هذه (الُّلعَبِ التنظيرية) عن (التمارين في اللاجدوى) أو في عدالة القرد الذي ينصب نفسه قاضياً لاقتسام (جبن) المنطقة، أو ثرواتها، مع الشركات العملاقة فوق القومية؟!! إن الجنرال سيعرض لنا في فصل لاحق نتائج (مباحثاته!) المسبقة مع (حلفائه) بخصوص هذا الاقتسام !ويبدو أنه كان على (حكايتنا الشعبية) أن تضع مزيداً من القردة الذين يقضون في مسألة قسمة الجبنة، حيث يتفقون على أن شراكتهم في أكلها هي النموذج الأمثل للعدالة!! أما المنطقة- منطقة الشرق الأوسط- فلها ، أو لنقل: لشعوبها تلك الجزرة الممدودة على مسافة ثابتة من مناخيرها، مهما أسرعت في الركض تحت ثقل طلاسم خطط الجنرال ووعوده!! ولأن السيد الجنرال لا يمل من الهرف الفارغ والمخادع- حتى بصورة غبية ومكشوفة!- فإنه يتجاوز مرحلة التنظير والتفلسف بخصوص اقتصاديات العالم، ويبدأ فوراً بإظهار نفسه: كفيلسوف استراتيجي/ اقتصادي/ سياسي/ مستقبلي مشترك- على طريقة نظيره الصهيوني المعروف جاك أتّالي- وكل ذلك في صفحة واحدة!! فالصفحة 105 التي لا تحوي إلا أقل من مائة كلمة تبرز هذا كله بنوع من التعالم المهزلي الذي يليق بطالب ثانوية مغرور! والسيد الجنرال يختم هذه الصفحة باستنتاج بالغ الفرادة والظرافة المهزلية إذ يقول: (لقد أعيد تنظيم العالم إلى بنية اقتصادية ذات مستويين : في القاعدة الجماعات الإقليمية، وفوقها تمتد الاتحادات- الكونسرسيومات- العالمية، والمنظمات الدولية)!! ولاأظننا بحاجة للتعليق على هذا الاستنتاج الذي هو صورة الشايلوكي وحده في مرآته الخاصة!... لكن مايستوفقنا للحظة هو مسألة دمج المنظمات الدولية بالكونسرسيومات في إطار واحد. فهذا المجموع- على حد زعمه في الصفحة التالية- يتمتع بسيادة لابد أن يعترف بها القانون الدولي بسرعة ( وفي الوقت ذاته بدأ العالم يعترف بالمنظمات فوق القومية ككيان سياسي قائم بذاته)! طبعاً لن يزعل الحليف الأميريكي من السيد الجنرال بسبب هذا التقويم . فالكلام الذي هو (تمرين في اللاجدوى) يظل كذلك،أياً كان من ينطق به! ومادامت أميريكا هي التي تتحرك الآن باسم (الأمم المتحدة) فماذا يضرها هذا التمويه من حليف؟! بل ماذا يضرها تأكيده اللاحق مباشرة: ( ويشمل ذلك الأمم المتحدة والمنظمات المتفرغة عنها، والمنظمات الإقليمية مثل الجماعة التي تمتاز بهيئة تشريعية عليا منتخبة بصورة مباشرة من مواطني الدول الأعضاء)!؟.. وبالطبع، عبثاً يبحث المرء عن معنى أو (تكوين واقعي) للنصف الثاني من هذا القول- إلا إذا كان يعني التصويت الأوربي على مشاركة كل دولة في الوحدة الأوربية"* !-مالم يكن ضليعاً في الأسرار القبالية لكتب اليهود المقدسه! لكن ما يهمنا نحن من كل هذا الهراء هو أن السيد الجنرال يعرف أن في العالم منظمة تدعى (الأمم المتحدة)! وقد ظلت (دولته) منذ عام 1948 وحتى هذه اللحظة ترفض الاعتراف بقراراتها مالم تكن تخدم أغراضها العدوانية خدمة مباشرة! وحتى رابين- رئيس الوزارة والحزب اللذين يعمل فيها الجنرال كرجل من الصف الأول- أعلن أنه لم يسمع بالقرار425، مثلما أوضح بسلوك حكومته أن كل قرارات (الشرعية الدولية) المتعلقة بنتائج عدوان 1967 لا تعنيه في شيء!! وخلاصة القول أنه لافائدة من المتابعة التفصيلية لكل هرف الجنرال (بتمارين اللاجدوى) في أطروحاته. فالمهم لديه أن على العرب أن يتخلوا عن أمرين اثنين، وبسرعة: 1- عن تسلحهم الضامن لأمنهم دون مقابل من الخصم بتاتاً! 2- عن أفكارهم القومية (الضارة!!)، وخصوصية هويتهم الحضارية! فحتى (في أوربا الغربية- أم القوميات!! - تتضاءل نزعة الخصوصية القومية، فيما تترسخ فكرة "المواطن العالمي") ص 106- أليس من الصواب الصهيوني أن نقتدي نحن بهذه الـ .. أوربا؟!! وبهذا وحده نصل إلى (اقتصاد السلام) على الطريقة الصهيونية (في هذا المنعطف بالغ الحساسية من العلاقة المعقدة بين العرب والإسرائيليين. وستمكننا أيضاً من الاستثمار المشترك لـ "مواردنا"!!"* " الطبيعية لما فيه منفعة الطرفين)!ص107 إنه إذاً الغزو الاستيطاني الاقتصادي الشامل تحت راية (السلام!!) بعد أن تم الاستيطان العادي المحدود، وترسخ حسب قناعة الجنرال! وهذا ليس إلا جزءاً يسيراً من(تمارين اللاجدوى) في نظرية الجنرال حول "اقتصاد السلام" وآفاقه! فلنكمل إذاً!! -3- بما أن الجنرال مغرم- على ما يبدو- بطريقة صاحبه "جاك أتّالي" في الهذر التنظيري: الاقتصادي والمستقبلي، على خلفية راسخة من التفسيرات الأسرارية القبالية، وخلفية أشد رسوخاً، من التعاليم الصهيونية التلمودية المدججة بالقيم الشايلوكية، فإنه- كمبشر ومدبر لمسيرة الشعب المختار إلى غاية الوعد اليهْوِيّ في هذا المنعطف الحاسم، والفرصة التاريخية النادرة!- يستمر في الاندفاع المشوِّش باللغو المكرر، مدخلاً قارئة في متاهة مدوخة لكنها ذات مخرج أحادي: التسليم بوجوب الهيمنة الإمبراطورية الصهيونية على المنطقة عبر (النظام الإقليمي، وسوقه المشتركة)! ولهذا فهو يعقد- من جديد- فصلاً خاصاً عن (مصادر الاستثمار والتمويل) المستقبلية. فلنتأمل قليلاً في ذلك، رغم ما يسببه التكرار الهاذر من إملال! إن الجنرال يبدأ هذا الفصل من إدعاء طالما ردده قبلاً، وهو أن السلام الذي سيبنى "الشرق الأوسط الجديد" على أساسه لا يكفي له الجانب السياسي منه، حيث التغير لن يشمل إلا (وضع علامات جديدة قليلة وفصل حدود قديمة) . لا.. فهذا لن يدوم منه شيء.. والسبب هو: استمرار الاضطراب في المنطقة نتيجة الفقر ونقص إمدادات الغذاء.. إلخ/ راجع ص 111/ و( اسرائيل تدرك بصورة متزايدة فائدة القوة الاقتصادية الحديثة المقترنة بالقوة السياسية والعسكرية،إلا أن الجيران لم يستوعبوا الدرس حتى الآن)ص101 وغالبية الزعماء العرب يخطئون إذ يفترضون (أن الإجلال والاحترام والمكانة الرفيعة يمكن أن تحل محل الطعام والغذاء) ص 112 وهكذا يفقدون تأييد الرأي العامّ، وتبحث الشعوب عن الأجوبة في الدعاية الأصولية!/ راجع الصفحة ذاتها!/ إذاً لابد من الرد على ذلك كله بتنشيط الاقتصاد عبر النظر (إلى الشرق الأوسط كنظام اقتصادي اقليمي). وهذا يحتاج (إلى استثمارات دولية مكثفة.. وحتى الآن لاتزال الاقتصاديات الشرق أوسطية متشبثة بفرضيتين: التكاليف الدفاعية العالية، والحدود المغلقة. والسلام سوف يغير هاتين الفرضيتين ليفتح المجال أمام الفرص الجديدة) ص 114 وما يبدو لنا من كل هذا التقديم هو أن للسيد الجنرال غايتين اثنتين: الأولى: ربط السلام كلياً بقبول أطروحاته عن (النظام الاقتصادي الإقليمي)، بكل غاياته التي بينّاها قبلاً . الثانية: إدخال الاستثمارات الدولية المكثفة. وهذا هو الأهم في العملية كلها!! إنه من هذه النقطة الثانية يدخل إلى (محاولته!) في "إعادة تأهيلنا فكرياً!" بنسف كل ما خبرناه من الولايات المتحدة فكوّن صورتها لدينا .. وبتقديم صورة غريبة ومختلفة كلياً لها: (الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر قوة على الأرض إذ لديها الميل والموجودات والخبرة والثقة والمكانة لتنفيذ سياسة دولية ذات نوعية عالية. وكقوة عظمى فإن الولايات المتحدة هي دولة معطاءة-!!!- وداعمة إزاء الدفاع العسكري وإعادة التأهيل الاقتصادي. وخلال القرن العشرين عبر الجنود الأميريكيون المحيط مرتين ليقاتلوا على التراب الأوربي، وليساعدوا في بناء معيار دولي للحرية والعدالة، دون أن تطلب شيئاً في المقابل) ص115. وإذا كان أشدنا سذاجة سيفغر فمه دهشةً من جرأة هذا الصهيوني على الخلط وتزوير الحقائق والدجل على التاريخ والواقع، فإن السيد الجنرال لن يأبه لكل هذا، بل يمضي في إكمال الصورة، فيذكر بمشروع مارشال الذي أعاد تأهيل أوربا إمبريالياً باعتباره واحداً من أعظم (الأفضال!) الأميريكية على الإنسانية.. مثلما يذكر باستمرار أميريكا في محاربة الشيوعية و (خطرها!!) كأعظم تلك الأفضال كلها!.. حتى إذا سقطت الشيوعية في أوربا الشرقية بادرت هذه الـ (أميريكا) الفاضلة الناسكة والمنذورة لخدمة الإنسانية -على ما يبدو!!- إلى عرض مساعداتها لكل من غورباتشوف ويلتسين ( حتى تستطيع روسيا إيجاد موطئ قدم لها في إقامة سوق حر) ص 115- ولن ينسى الجنرال كيف قامت أميريكا بهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية ثم ساعدتها بعد ذلك على (شفاء اقتصادي مذهل" (* !- راجع ص 115-116 غير أن ما يتألم له السيد الجنرال هو أن هذه الـ (أميريكا المعطاءة!)، والتي يعيد تركيب صورتها على مزاجه، (تواجه.. الآن متاعب اقتصادية جمة، الأمر الذي يجعل قابليتها لتقديم العون المالي المباشر تتناقص بصورة واضحة. وبرغم استمرارها في إنجاز المهمة التي فرضت عليها لتكون أكبر بانية للجسور السياسية في التاريخ، إلا أنها لم تعد تستطيع المساهمة مالياً، بصورة كبيرة، من أجل تطوير الأراضي على جانبي تلك الجسور) ص116. وإذا كان مساعدات هذه الـ (أميريكا) لإسرائيل-رغم ما صارت واقعة فيه من عجز- لم تنقص دولاراً واحداً، بل هي في تزايد مستمر، فإن الجنرال لا يكتفي بتزوير صورة أميريكا الإمبريالية، بل إنه يوحي لقارئه بأن عجزها كان نتيجة كونها (معطاءة!) إلى هذه الدرجة الغريبة الفريدة!.. وبالطبع، لاأحد يطلب من هذا السيد الصهيوني أن يعترف بفشل النمط الحضاري الرأسمالي فشلاً يتناول أساس بُناه وفعاليته وكينونته، وبالتالي: لاأحد يأمل منه أن يقدم تحليلاً موضوعياً- بالحد الأدنى من المصداقية- لأسباب عجز أميريكا ومداه وكيفياته وتشابكاته واحتمالاته.. إضافة إلى احتمالات الانقلاب في المعادلات العالمية حين سيصل هذا العجز إلى مداه، وتأثير ذلك على (صهيونيته) ونوعية ذلك التأثير! أما من جهتنا فبإمكاننا أن نذكر القارئ بتحليلاتنا التي قدمناها في الفصل الأول من هذا الكتاب، فربما وجد في (اعترافات) السيد الجنرال حول الوضع الأميريكي السيء جزءاً من دليل إضافي على صحة ما ذهبنا إليه من أن أميريكا في خطر!! ومن هنا، قدرنا أن مشروع الجنرال حول (النظام الاقتصادي الإقليمي) مهيأ- في أساسه النظري- ليعمل، ولو مؤقتاً، كإسفنجة جديدة مجدّدة لامتصاص جزء من الأزمات الإمبريالية العامة والأزمة الأميريكية على وجه التخصيص.. في أحد جوانبه على الأقل! ولنتجاوز الآن (أميريكا) السيد الجنرال ، لنرى (أوربا) هُ، أي لنرى كيف سيصور لنا أوربا.. ولماذا؟!. يقول الجنرال : (إن أوربا تعاني حالياً هبوطاً في النمو الاقتصادي) ص116 لكنه يمر على هذه (الملاحظة/ الاعتراف) مروراً عابراً.. فهو لا يريد أن يقدم أي تحليل يمكن أن يثير تساؤلاً مهما كان ضئيلاً لدى قارئه حول جبروت النظام الإمبريالي وقدرته الخالدة على البقاء والاستمرار بكل مستجراته!.. ولذلك فهو يقول مباشرة: إن أوربا (مستمرة في كونها أكبر سوق في العالم، بالنسبة التي تمتلكها من إنتاج العالم وهي 35% وكذلك بنسبة التجارة العالمية التي تمتلكها وهي 45%)ص 116-117 ومرة أخرى لا يريد الجنرال أن يقول لنا: إن هذه هي بقايا تاريخ النمط الحضاري الامبريالي المولود في (قارته الأم) تلك ، مثلما لا يحب أن يتطرق إلى ما يتركه-أو سيتركه- هبوط النمو الاقتصادي من آثار على هذه النسبة، كما لا يحب أن يلمح إلى أزمات الكساد والبطالة والمشاكل القومية والعرقية والطبقية الآخذة بالتفجر داخل القارة، وما ينذر به ذلك كله من مزيد في تغيير حقائق عالم الرأسمالية وإمكانيات بقائه. إن السيد الجنرال بعد أن ينعى على أوربا طرائقها القديمة- الأنانية!- في النظر إلى مستعمراتها (كمصدر للدخل، وليس كهدف للاستثمار) ص 117/ ولنلاحظ هنا مدى اللعب بالألفاظ والمصطلحات!!- / فإنه يعود ليؤكد لنا أن (أوربا استعادت وضعها العالمي بعد قيام السوق المشتركة، وذلك عندما بدأت (القارة الأم) بالعمل كقوة عظمى خيرة)ص117. أي نعم!.. خيرّة!! وماذا في ذلك؟!! أما أساليب هذا (الاتجاه الخير!) فهو بالضبط ماكان قد رسمه المغامر الصهيوني الفرنسي (جاك أتاّلي) للسيد ميتيران من مشاريع اقتصادية عالمية: (بنك الاستثمار الأوربي) (* الذي أنشئ أصلاً (لمساعدة!!) أوربا الشرقية كي تجِدَلها موطئ قدم في (سوق الاقتصاد الحر) .. ويالنتائج تلك المساعدة التي (فبرك) أسسها السيد أتالي!! ولايهمنا المزيد من العرض (لاستعراضات الإحسان!) الأوربية حيث بعض دول أوربا قدمت (1.5% من مجمل إنتاجها لمساعدة الدول المحتاجة) ص 118 - فأوربا هذه قامت كل نجاحاتها خلال القرون المنصرمة على نهب ثروات العالم. وفي أكثر من مرة كادت تُفني ذاتها- والعالم معها- في سبيل تقاسم حصص النهب ذاك. وعليه، فإنها مهما دفعت من دخلها القومي وغير القومي للدول التي نهبتها فإن ذلك لايعني شيئاً ، ولم يسمع أحد في العالم أن بلداً فقيراً من عالم الجنوب قد حلّ أزمة واحدة فيه من مساعدة دولة إمبريالية أوربية أو غير أوربية!. فمبدأ الربح، والمزيد من الربح، الكامن وارء حركة الرساميل أياً كان اتجاهها لايمكن إلغاؤها بالكلام الجميل المنمق الدجال!.. والجنرال، إذ يتلاعب بكل هذا الكلام المنمق، يضع في أساس حساباته فكرة: أن النمو الهابط في أوربا، إضافة إلى الكساد والتضخم المفزعين، كل ذلك سيستجر رساميل للاستثمار في (سوقِهِ الشرق أوسطية) التي يبشربها. فتعمل منطقتنا- بالشروط الرأسمالية- كاسفنجة لامتصاص جزء من الأزمات الأوربية، ويفوز- هو وصهيونيته- بالنصيب الوافر من حصيلة تلك الاستثمارات لمواردنا العربية، خصوصاً لموارد النفط الذي كان هو قد صرح قبلاً بضخامته، وبأهميته لمجموع الاقتصاد العالمي الراهن! وليس عرض (الوضع الياباني)- الذي لا يبدو مأزوماً في نظر الجنرال- ذا هدف مختلف. ولكنه يركز على أن اليابان (قد تصرفت بغرور اقتصادي)ص118، الأمر الذي جعل (بضائعهم هدفاً للعداء في جميع أنحاء العالم، مما يعرض للخطر الرفاهية المستمرة في البلاد.. ولهذا السبب بدؤوا، وبصورة دراماتيكية، بزيادة حجم المساعدات الخارجية..) ص119- ونظراً لانخفاض تكاليف الدفاع فإن (القوة الاقتصادية اليابانية يمكن أن تستثمر رأس مال أكبر في الخارج، وإذا لم يكن ذلك لصدِّ الأعداء فإنه سيكون لجلب الأصدقاء)ص119 وإذا كان الجنرال لا يتكلم بارتياح عن اليابانيين-إذ لا يوجد أكثر من ألفي يهودي في اليابان، إضافة إلى أن اليابانيين يبحثون عن مصالحهم في المنطقة عبر العرب لاعبر (الدولة الصهيونية)- فإنه يرى فيهم، رغم مآخذه عليهم، مصدراً للتمويل والاستثمار في (سوقه) التي يخطط لها..آملاً بذلك أن يحقق (لصهيونيته) مزيداً من التشارك المستقبلي مع القوة الاقتصادية اليابانية! وإذا كان الجنرال أيضاً قد أراد في (استعراضاته المنمقه) السابقة أن يقنعنا بانقلاب الذئبية الإمبريالية إلى وداعة ورقّة وحنوِّ كيْ لانشك في معنى (التمويل والاستثمار العالميين) للمنطقة، وإذا كان يخفي دور الرساميل الشايلوكية في خططه لاستثمار المنطقة، فإن النتيجة التي يخرج بها- مع معايرتها على ما بيناه في فصلنا الأول- تفضح طريقته مثلما تفضح نواياه. يقول في الصفحة 120: (إن أوربا واليابان اللتين تنموان اقتصادياً بصورة سريعة يمكن أن تأخذا المثال من الولايات المتحدة في المساعدة لإعادة تأهيل المناطق النامية في العالم، ومن بينها الشرق الأوسط. وعلى المدى الطويل فإن من مصلحة العالم برمته مساعدة الشرق في أن يصبح كياناً اقتصادياً قابلاً للحياة). وليس في هذه النتيجة ما هو مستور سوى أن يقول (مصحلة العالم الرأسمالي).. وأن يضيف في نهاية هذه الفقرة عبارة: (بقيادة الصهيونية العالمية)! إن غايتَيْ الجنرال-كما سبق لنا تحديدهما- لهما أشد بروزاً في هذه (النتيجة) التي تخبئ شيئاً! فالجنرال يفترض-كتحصيل حاصل- أن السلام لابد أن يؤدي، وبالقوة، إلى بناء (النظام الاقتصادي الإقليمي). ومن هنا فهو يحدد للجهات المعنية ، أي لمؤسسات الدول الرأسمالية التي ستستثمر أموالها هنا على طريقته، في أربعة مجالات لسنا بصدد ما هو أكثر من تعدادها: 1-مجال القرار السياسي -2-المجال الإداري -3-المجال المصرفي -4- المجال التشغيلي. والأخير يعني- وراء تضليله اللفظي المتعمد- مبادرة الشركات في المناطق الرأسمالية الكبرى الثلاث: أوربا، أميريكا، اليابان، إلى (الشغل والتشغيل!!) سواء كانت ذات طابع قومي محض أم كانت شركات فوق قومية!! ويطمئن الجنرال الجميع بعد هذا كله إلى أن الأسواق أصبحت اليوم ( أكثر أهيمة تقريباً من السياسات)(* !.. وإلى أن شخصيات سياسية بارزة عالمية ومنظمات تجارية كبرى سترحب وتدعم (شرقه الأوسط الجديد)!! وسيجري الاهتمام البالغ، من قبل تلك الشخصيات والمؤسسات، بالتجارة-أي بفتح الأسواق العربية لما تحتاجه وما لاتحتاجه!- وبطرق المواصلات التي ستؤمن حركة نقل البضائع المستوردة والسواح أيضاً!.. وهذا هو كل شيء!! إنه كل ما يلزم ضد الأسلحة النووية- باستثناء ترسانة دولته طبعاً!- وضد الأصولية!!! ويبدو أن الجنرال قد تعب من المواربة فها هو يصرح للمرة الأولى بكلمة صدق: ( بصورة عملية، إن للدول المتطورة مصلحة سياسية واقتصادية عظيمة في الشرق الأوسط، إذ تستثمر أميريكا حصة الأسد من معونتها الحارجية هنا) ص122 لكن المعول عليه ليس (الاتفاقيات السياسية والقرارات الحكومية)، بل يعتمد النجاح الكامل لخططه كلها(على استجابة الشركات الأميريكية والأوربية والآسيوية الخاصة)ص124 وبعد هذا كله يأتي ما هو الأهم: إنه المشاورات والاتفاقات الشفهية- وربما غير الشفهية، من يدري؟!- التي قام بها، هو الجنرال بيريس، مع (الشخصيات العالمية) بخصوص مساهمات دولها ومنظماتها في مخططاته حول "الشرق الأوسط الجديد" .. وذلك، بالطبع، نيابه عن جميع الأطراف في هذا "الشرق الأوسط!" سواء كانوا راضين أم رافضين! وماذا يهمه هو رضى بقية الأطراف أو رفضها، مادام يعتبر أنه-باسم الدولة الصهيونية التي يمثلها- هو المنتصر، والقادر بقوة ترسانته النووية أن ينصّب نفسه قائداً للعملية يفرض فيها ما يشاء، ويلغي ما يشاء؟!! ولنعدد: 1- ميتران الذي لايفهم شيئاً في الأمور الاقتصادية- ولنقل إذاً: مستشاره الصهيونيّ لشؤون الاقتصاد "جاك أتّالي"- وعده، هو بيريس، بأن يقوم بنك الاشتثمار الأوربي بتوظيف مليار وحدة نقد أوربية (=نحو 1.3 مليار دولار) في مجالات المواصلات وتحلية المياه!.. تم ذلك عند زيارة ميتيران لـ "اسرائيل!"! 2- في محادثة له مع هلموت كول مستشار المانيا، اقترح هو على المستشار (تخفيض البطالة الألمانية) راجع ص 124-125 (بتطوير أسواق جديدة في الشرق الأوسط)، وسرّ المستشار للفكرة!.. وتناقشا معاً في (نموذج المساعدة الأميريكية لامتصاص المهاجرين الروس في أوربا) كمثال تقدم فيه أوربا (ضمانات مماثلة للشركات الأوربية المستثمرة في الشرق الأوسط) وبذلك يتمُّ حل المشكلات الخاصة بأوربا ( في الوقت الذي تستطيع فيه أيضاً مساعدة الشرق الأوسط الجديد). ولانظن نحن أن مثل هذه الأقوال تحتاج إلى أي تعليق! 3-تحدث ، هو الجنرال بيريس، مع جاكسون ديلورز رئيس لجنة المجموعة الأوربية وكان مهتماً أساساً بثلاثة مجالات: إقامة محطة للطاقة، مشاريع تحلية المياه، شن حرب على التصحر. وطلب من مساعديه إعداد مخططات تفصيلية لهذه الأعمال التعاونية! 4- وارن كريستوفر وزير خارجية أميريكا أخبر بيريس بمبادرته الخاصة، وهي أن على الشركات الأميريكية أن تأخذ على عاتقها الجزء الأكبر ( من هذه المهمة العملاقة). ولهذا دعت وزارة الخارجية 50 مديراً من مدراء الشركات الأميريكية الكبرى ليضعوا تصورات تفصيلية ( لاحتياجات الشرق الأوسط) ص126- ولكم أن تتخيلوا: في جيوب من ستصب محصلة هذا الاحتياجات!! ولكن لماذا التخيل؟! لنقرأ فقط هذا التعداد "لمصادر التمويل" في حلم (النظام الشرق أوسطي)، أو لنقل: تعداد الجهات المستثمرة، ومن فم الجنرال نفسه. وليس علينا إلا أن نضع المعدودين على خلفية " معنى الاستثمار" إمبريالياً، ومدى تغلغل الرساميل الشايلوكية في شبكة علاقات الأوليغارشيات المالية العالمية: 1-( تستطيع المؤسسات والشركات الكبرى في العالم أن تساعدنا في تحقيق حلمنا. وبمساعدتها لنا تكون قد ساعدت نفسها أيضاً)!ص127 2- (لا يوجد أدنى شك في أنه سيكون ممكناً الحصول على المساعدة من المصادر الموجودة مثل: البنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنوك الخاصة) ص127 .. والبنك الدولي لايراه الجنرال مصدراً مفيداً في الظروف الراهنة. فهو ( هيئة مرهقة وبطيئة العمل) ص 128- وفوق ذلك لايمكن لا للفلسطينيين ولا لمصر ولا "لإسرائيل" أن يستفيدوا من هذا البنك، ولكلٍّ أسبابه!( ولهذا... يبدو أن إسرائيل مع الأردن والفلسطينيين ومصر، وهم شركاء السلام الرئيسيون، يجب أن يقيموا في القريب العاجل مؤسستهم المالية الخاصة) ص128. 3-( أما الدعم من الدول خارج المنطقة- وهذا يعني ديوناً دولية(* - فيجب أن يأخذ شكلين: أولاً يجب وضع عدة ملايين من الدولارات كرأسمال.. والشكل الثاني سيكون في شكل ضمانات على السندات المدمجة والمباعة في أسواق المال الدولية)ص129. هذه هي المصادر الرئيسية الثلاثة التي سيضيف إليها الجنرال لاحقاً ماسيتوفر- بعد زمنٍ كاف من توقيع اتفاقيات السلام والاتفاقات الثانوية التي "يجب" أن تتصمنها، كما يقول- من توفيرات خفض نفقات التسلح، إضافة إلى مساهمة الدول المنتجة للنفط بنسبة 1% من دخلها للتطوير الإقليمي.. إلى آخره، إلى آخره! ويظل الجنرال يدور في الأفكار ذاتها مضيفاً لمسة هنا ولمسة هناك كي "نقتنع" فقط بأنه لا دور لنا إلا أن نكون "موضوعاً للنهب" من طراز جديد، وبقيادة صهيونية!.. ألم نقل إن كل أقوال الجنرال المكرورة ليست إلا (تمارين في اللاجدوى)؟! -4- في بداية فصله الثامن المعنون بـ (الحزام الأخضر) يؤكد الجنرال على أن(استخدام المياه سوف يكون موضوعاً سياسياً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط) ص133 وهو كان قد أكد مراراً على أن " تحلية المياه" وتكريرها هما من أجل إنتاج غذاء كاف لنا نحن العرب(* . هنا ستدخل "التكنولوجيا الحديثة" (التي توفر تطبيقات عملية للمكتشفات العلمية، تتراوح من الري المنظم بواسطة الكومبيوتر إلى إنتاج الأغذية في مربع لاماء فيه) ص133-134 وهنا يحدثنا الجنرال عن عبقرية "إنتاجهم!" المضاعف ثلاث مرات للحليب من أبقارهم.. إلى آخره!! تلك الأبقار التي قلنا قبلاً: إنها ربما تعامل وتتغذى وفق "تكنولوجيا" الأسرار القبالية التلمودية!! ويضيف الجنرال إلى ذلك أفكاراً- لاتقل عبقرية!- عن تطوير أنواع جديدة من الأغذية البرية والبحرية، لينتقل إلى التوكيد على أنه( في مستهل المرحلة الجديدة من حياتنا ربما يكون أكبر إنجاز علمي واعد هو ميدان البيوتكنولوجي- تكنولوجيا التقنية الحيوية-) ص135 ويستمرئ تعداد أصناف المنتوجات التي يمكن تحقيق الوفرة منها إذا ما استخدم ذلك " الإنجاز العلمي" الذي يكاد يهم بإيهامنا أنه هو وحده من سمع بوجوده في ميدان العلم العالمي الحديث! ويمر بعد ذلك على الإمكانيات المتاحة في استخدام (نظرية الوراثة من أجل إنتاج كميات كافية من النباتات والحيوانات) ص136 كيما يقفز من جديد إلى "الفتوحات!" التي أنجزتها " دولته!" في (استخدام الأبحاث الأساسية والتطبيقية في الزراعة والتصحر. فقد تمكنت من زيادة دخلها الزراعي حوالي اثني عشر ضعفاً خلال خمسة وعشرين عاماً، من 1950-1975، تقريباً دون زيادة الأرض الصالحة للزراعة. والتقدير هو أن 95% من الزيادة تحققت نتيجة العلم، التكنولوجيا ، والتخطيط. وهي - أي دولته!- مستعدة لوضع معرفتها تحت تصرف جيرانها، ليس من قبيل حب الغير، ولكن لأننا نعيش جميعاً في هذه المنطقة ، ويتوجب علينا أن يساعد بعضنا بعضاً من أجل التغلب على الصعوبات التي تفرضها الطبيعة)!ص137 وإذا تذكرنا تهديده السابق بإمكانية تحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة كبرى في أول حرب مقبلة، وقارنا ذلك بمعنى المساعدة هنا- أي بتسليمهم قيادتنا معرفياً وتكنولوجياً ومالياً- مع استمرارهم اليومي في خلق واختلاق مسببات الحرب، وتعطيل حتى (صفقات السلام/ صفقة أوسلو خصوصاً).. فإنه سيتوضح لنا المعنى التهديدي الكامن وراء هذا التبجح بما يدعيه من تقدم تكنولوجي لدولته الاستيطانية!! وخلاصة القول، في كل الصفحتين اللاحقتين اللتين ينهي بهما حديثه عن هذا (الحزام الأخضر) الذي يبدو غريباً جداً على كل من لديه بعض الإلمام بجغرافية الوطن العربي، هو التالي: يستطيع العرب أن يستفيدوا مما تم إنجازه- وفقاً للعلم الصهيوني- في تطوير صحراء النقب ووادي عربة، فيطوروا بذلك (صحراواتهم) والحياة الحيوانية فيها. (والبحث والتطوير يجب أن ينظم على أسس متعددة الأطراف باستخدام ثلاثة مراكز أبحاث: واحد في اسرائيل، وواحد في الولايات المتحدة، وواحد في دولة عربية، كما يتقرر من قبل المؤسسات الأكاديمية وثيقة الصلة) ص138وبذلك يمكن الانتصار على الجفاف والتصحر الذي لايتوقف!! وهكذا يكتسب الشرق الأوسط لونه الأخضر، وتبتعد الصحراء عن الأرض، والملح عن الماء، مثلما يكون قد تمَّ إبعاد العنف عن السكان(؟!!) وتأمن لهم مزيد من الغذاء!! ولنلاحظ هنا: البحث والتطوير في هذه الشؤون هما أيضاً بقيادة (إسرائيلية/ أميريكية مشتركة)!! ولكن، لو أننا سألنا الجنرال: هل بلاد العرب غارقة في مشكلة التصحر فعلاً؟! ثم ما هو دور العلم- في وظائفه الإمبريالية- في تخريب مناخ الكرة الأرضية؟!.. فهل سيجيبنا بأن (العلم الصهيوني!) المشرب بروحية التلمود، هو وحده القادر على تحقيق (نصر كوني!) في قضايا بيئية صارت تهدد بالكارثة الإيكولوجية الشاملة؟! نحن نعرف أنه لافائدة من محاورة الجنرال في أي شيء من هذه القضايا أوسواها . فالمطلوب: استسلام سياسي، وعلمي، وتكنولوجي، ومالي، من قبل العرب للصهاينة وحلفائهم.. استسلام كلي تحت (نمط سلام!) يصير العرب فيه جزءاً من الديكور، ليس أكثر! فوراء أي (جزرة) ستركض المنطقة؟! وهل نرى- فصلاً بعد آخر- غير تلك (التمارين البائخة في اللاجدوى) التي يتعمد أن يغرقنا بها هذا الجنرال المستوطن الذي تحول، هكذا، بسرعة غريبة إلى مبشر يطلب الاقتناع بما يقوله تحت تهديد أنه بإمكانه أن يحول كل المنطقة إلى مقبرة؟!! -5- في سهرة جمعتني مصادفة بعميد كلية الهندسة في جامعة عمان سألني ذلك الرجل الرصين الذي بدالي مستغرقاً في عمله العلمي الأكاديمي وحده- ولم تكن (صفقة سلام العربة) قد وقّعت بعد: -هل تعتقد أن إسرائيل ستشن حروباً على العرب من أجل المياه؟! وقلت وقتها مجيباً على هذا السؤال الذي بدالي جوهرياً رغم (عجقة) غالبية العرب وقتها بمؤتمر الدار البيضاء ورجعة عرفات إلى (مخترته) في أريحا: -إسرائيل ستحارب تحت أية ذريعة، حتى لو تم لها كل ما تريده الآن.. فطبيعة وجودها متأسسة على ذلك، وكل عربي لن ترى فيه الصهيونية إلا خصماً يجب تصفيته، أو (معاوناً) يجب (إخلاؤه!) حين تنتهي مهمته!! والمياه، حيث يدعي الجنرال مقدرة دولته على تحليتها، ستظل موضوع إبتزاز صهيوني لغاية إفقار العرب وإرباكهم وإعاقة مشاريعهم التنموية مادامت (اسرائيل!) متفوقة عسكرياً.. أي مادام النمط الحضاري الرأسمالي سائداً ومهيمناً! لقد قامت تلك الدولة الاستيطانية منذ الخمسينيات بسرقة كل ما استطاعت سرقته من المياه العربية بحجة (أمنها) الذي يبدو أنه مثل أمن حليفتها أميريكا: أمناً لاحدود له!!.. فما الذي يمكن إذاً لقارئ كتاب الجنرال أن يتوقع وجوده من أفكار في فصله الذي يحمل عنوان: (المياه الحية)؟! كعادته، يبدأ الجنرال بكلمات قليلة عامة عن موضوعه: نزاعات العالم حول المياه، مكانة المياه في حضارات الشرق الأوسط القديمة.. ثم يفقز إلى تعداد الأسباب التي أدت إلى افتقار المنطقة للمياه ويحصرها بمايلي: 1- الظواهر الطبيعية (يعني تغيرات المناخ) -2- الزيادة السريعة في عدد السكان (العرب بالطبع)!-3- الاستغلال الخاطئ -4- والسياسة التي تفتقر إلى الترشيد المطلوب (وهاتان النقطتان الأخيرتان يمكن دمجهما في واحدة، ويعني بهما العرب وحدهم ليس غير!). والجنرال غير معني بالأسباب التي ساعدت على تغيرات المناخ عالمياً، فهذا يجعل إعادة النظر في جوهر فعالية الرساميل العالمية، التي دمرت حتى (الغابة الاستوائية)، نوعاً من الضرورة الفاضحة التي يهمه ألا يقاربها! وعليه، فإنه يصب جهده على مسألتي: تزايد السكان، وخطأ استغلال المياه من قبل العرب. والجنرال يرى أن (معدلات التزايد السكاني لاتتناسب مع معدلات الزيادة في الانتاج الغذائي الأمر الذي يزيد من حدّةِ الفقر.. في وقت تتضاءل فيه رقعة المياه.. وتزداد نوعيتها سوءاً) ص142 وذلك قد أوجد (دائرة شريرة) في المنطقة -وبالطبع ليس لعملية استيطانهم وتوابعها أية صلة "بدائرة الشر" هذه، كما يسميها!!- (والطريقة الوحيدة لكسر هذه الدائرة الشريرة تكمن في تغيير القيم الفكرية الأساسية وبناء بنية تحتية اقتصادية.. من خلال التحديث السريع، وعملية الدمقرطة التي تضع مسؤولية الأجيال القادمة في أيدينا لافي علم الغيب)ص 142. وقد رأينا قبلاً ماذا يعني الجنرال بعبارات من نوع (تغيير القيم الفكرية الأساسية.. التحديث.. العملية الديموقراطية) الأمر الذي يجعل شرحها مجدداً نوعاً من اللغو غير المجدي!.. ولكن الملاحظ أن صاحبنا يصر دائماً على استخدام "فهلويته" في خلق مقدمات ناقصة ومزيفة ومطوعة كي يوصل قارئه إلى حيث يريده أن يصل! لقد أبلغنا أن هناك دائرة شر-نحن الذين صنعناها!- وقد حان الوقت لحلها... وعلى طريقته طبعاً!! فلننظر إذاً إلى أين يريد هذا الجنرال المبشر الفهلوي أن يصل! إن الجنرال يضرب مثالين عن مشكلة المياه وعلاقة الزيادة السكانية، وسوء الاستخدام بها.. الأول من مصر، والثاني من سورية. ومشكلة مصر خطرة، فجفاف اثيوبيا والتبخر أضعفا قدرة السد العالي.. وأصبحت الأرض الزراعية، المحدودة أصلاً ، نادرة. وذلك في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد السكان بسرعة ( والمطلوب هو العمل على تطوير البنية التحتية في قطاعات الصناعة والنقل والسياحة، والتحرك باتجاه المكننة الزراعية) لحل المشكلة / ص143/ وفي الوقت ذاته(هناك حاجة..لإقامة طرق ترشيدية في البلدان الثلاثة الأشد تأثراً بالمشكلة وهي مصر والسودان وأثيوبيا) ص143 والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ماالذي يوجب على هذه الدول المتأثرة بالمشكلة أن تدخل (إسرائيل!) في حلها؟!.. وإذا كان (العلم الصهيوني) يمتلك وحده القدرة على هذا الحل، أما كان الجنرال يتباهى، في فصل الحزام الأخضر، بذلك التعاون بين "دولته" ومصر بخصوص "أبحاث التصحر" والمشاريع التعاونية المرتبطة بها؟! فأين هي النتائج إذاً؟!! إن الجنرال يطمح إلى أن يزج أنف"دولته" بعيداً جداً عن "حدودها!" وربما بحجة الحفاظ على " أمنها"، من يدري؟! أما بالنسبة لمشكلة سورية- حسب الجنرال- فهو يقول: (سورية تعاني بدورها من مشكلة مشابهة حيث تعتبر الحلقة الأضعف في المثلث الذي يشكل حوض دجلة والفرات مع كل من العراق وتركيا. والواقع أن البيئة في هذه المنطقة تتعرض لعملية تدمير متواصلة نتيجة التزايد في عدد السكان وسوء استخدام مصادر المياه)ص 143. إن الجنرال هنا لايشير بتاتاً إلى السبب الحقيقي لمشكلة المياه في سورية وهو: إنشاء السدود التركية- ربما بتواطؤ مع دولته!!- حتى كادت الإدارة التركية تسلب الحق الطبيعي التاريخي لسورية في مياه الفرات وللعراق في مياه النهرين، وتخلق مشكلة قد تجر إلى مالاتحمد عقباه بادعائها أن من حقها بيع الماء للعرب كما يبيعون هم نفطهم!! والجنرال سيعود إلى هذه الفكرة ذاتها قريباً، مما يشيرإلى الضلوع الفعلي "لدولته!" في محاولات وعمليات الابتزاز التركية! على أن هدف الجنرال لن يكتمل إظهاره مالم نأخذ بالحسبان ذلك الشاهد الذي سيسوقه مباشرة بعد قولته السابقة. يكمل الجنرال قائلاً: (طبقاً لدراسة قام بها البروفسور أمنون صوفر من جامعة حيفا فإن بلدان المنطقة يسيطر عليها جنون المشاريع التنموية التي تحتاج إلى الاستغلال الكامل لمياه الأنهار والجداول بهدف زيادة الانتاج الغذائي، ولهذا تنتشر عملية إشادة السدود على حساب حقوق واحتياجات الدول المجاورة وعلى حساب نوعية المياه. إضافة إلى ذلك فإنه تم استخدام أكثر مما يجب من المياه الجوفيه من الأراضي الواقعة على طول السواحل السورية والاسرائيلية و المصرية والليبية. والمأساة هنا أن عملية التطوير الزائدة عن الحاجة هذه ، والتي تحمل في طياتها مخاطر المواجهة العسكرية، لاتحل المشكلة إن لم تساعد على زيادة حدتها) ص143-144 ولندقق في هذه الأقوال، مع ملاحظة أنها تأتي في سياق عرض (المشكلة السورية!) إن سياق هذه الأقوال يوحي باستبعاد تركيا كلياً من قصة (جنون المشاريع التنموية!) إلا باعتبار سدودها الاثنين والعشرين وسيلة هامة للضغط على العرب، وهنا: على سورية تحديداً!.. إن السياسات العدوانية الشاملة ضد العرب تتضمن تجويعهم- بكل الوسائل!- لتركيعهم! ولذلك فالسياق يوحي بأن سورية هي المعنية وحدها بعبارة (يسيطر عليها جنون المشاريع التنموية)! فهل هناك عاقل يقتنع بأن (اسرائيل)! مهتمة بألا تحجب تركيا مياه الفرات عن سورية؟!.. لانظن! ولذلك، فسورية هي التي لاتحسب (حساب حقوق واحتياجات الدول المجاورة) في مشروعات سدودها! أما من هي هذه الدول المجاورة، فهي بالطبع: "اسرائيل"ّ!! وهذا يحمل (مخاطر المواجهة العسكرية) في طياته، إذ بعد أسطر قليلة سيشير الجنرال إلى مثل ذلك قائلاً: (مثل هذا الموقف قد يجر البلدان إلى حافة الحرب من جديد كما حصل في قضية محاولة تغيير مجرى نهر الأردن من قبل سورية وكان ذلك أحد أسباب حرب 1967)ص144 إنها نبرة التهديد ونفير الحرب. ولكن، ضد من ؟.. إن خريطة العلاقات السياسية في المنطقة، وقت أن كتب الجنرال كتابه هذا، لا تترك أي خيار سوى خيار الحرب العدوانية على سورية من قبل"دولة!" الجنرال. فسورية هي وحدها المعنية- على مايبدو- بذلك القول الوارد في دراسة أمنون صوفر: (جنون المشاريع التنموية)! والمنطق الصهيوني لدى الجنرال "لايسمح!" لسورية بهذا، بينما يبيح له هو أن يتبجح بأن "إسرائيله العزيزة!!" قد ضاعفت إنتاجها الزراعي اثني عشر ضعفاً خلال ربع قرن! ولابد أنهم قد جلبوا المياه معهم من البلدان التي كانوا فيها قبل بدء عملية الاستيطان!.. إلا إذا كانوا قد اعتدوا على المياه العربية وسرقوها مثلما سلبوا الأرض من سكانها واستوطنوها!!.. والآن، يهددون بالحرب نتيجة التصرف بالمياه بطريقة لاتراعي (حسن الجوار!!) معهم! فما الذي نطلبه إذاً من اعوجاج المنطق الصهيوني أكثر من ذلك؟!! ولكن متى ألفنا من المنطق الصهيوني غير هذا الاعوجاج العدواني القائم على التزوير؟! غير أن الجنرال- إذ يستنفر أبواق الحرب- يقصد في الحقيقة شيئاً آخر: يقصد إبراز ضرورة"التفاهم!" مع دولته على "النظام الاقليمي" وفق شروطها وحدها. يقول صاحبنا: (إن الحروب التي نشبت حول المياه لم تحل أياً من مشاكلها. فما من حرب قادرة على تغيير المعطيات الجغرافية. فالصحراء تغطي 60% من اسرائيل و70%من سورية و85% من الأردن و90% من مصر. وعليه، فإن النقص في المياه يحتاج إلى تغيير جذري في السياسة بين دول المنطقة.. والمياه في الشرق الأوسط هي ملك للمنطقة . ولعل المياه، أكثر من أي قضية أخرى، تعتبر دليلاً على مدى الحاجة لإقامة نظام إقليمي)..الخ- ص145 وبعد ذلك يعرض خططه لتوزيع المياه- بعدالة!- في الشرق الأوسط، واسنتاداً إلى ماتطرحه تركيا عن بيع المياه للعرب- كما يبيعون هم النفط!- وذلك عبر خطوط أنابيب نتقل المياه إلى البلدان العربية التي تعاني من الشح فيها. و(غياب السلام بين اسرائيل وجيرانها(!!) خاصة الفلسطينيين) هو الذي أعاق المشروع الذي قبلته الدول العربية عام 1987.. لكن هذا المشروع لن يكون من الناحية الاقتصادية أفضل من محطات التقطير. وإقامة هذه وذاك متوقفة على الرضا والعلم الصهيوني/ الامبريالي المشترك!! وهكذا، كل شيء يعود بنا إلى نقطة البدء التي هي ملخص مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة: إلى النظام الاقليمي الذي إن لم يوافق العرب على إقامته بالشروط الصهيونية، فإنهم يجازفون بتحويل بلدانهم إلى مقبرة كبرى! والترسانة النووية الصهيونية جاهزة لذلك!! أوليست هذه هي الإجابة على سؤال الصديق عميد كلية الهندسة في جامعة عمان؟!! وتلك هي عدالة القرد في قصة "الجبنة"! فأية تمارين في اللاجدوى تفوق مثل هذه المحاورات الصهيونية التي تحاول أن تتموه جيداً بكلمة "سلام"؟! -6- مع الأسف، ورغم كل شيء، نحن مضطرون لمتابعة (التصميمات) الصهيونية الخاصة بهذا المستوى الجديد من الحرب العدوانية القذرة علينا: حرب إلغائنا- عبر إلغاء هوّيتنا الحضارية- تحت شعار "السلام !" وما "يجب!!" أن يتمخض عنه من تفصيلات النظام الاقليمي ومستجراته. فلننظر إذاً، وسريعاً، في هذا الفصل الذي يعتمده الجنرال حول (البنية التحتية للنقل والمواصلات) في منطقة النظام الإقليميٍّ المقترح، أي في وطننا العربي الذي يريدون أن نتعود مشاركتهم لنا كل شيء فيه، وحسب إملاءاتهم ليس غير!! يفتتح الجنرال هذا الفصل مثلما يفتتح سواه: أي منطلقاً من نقطة البدء التي هي الغاية بالنسبة لخططه ورؤاه وتصميماته المستقبلية! أما نحن فعلينا أن ندور كالخذروف، حول أنفسنا مع هرفه الذي لايتلاءم بتاتاً مع شيء ممايهمنا الآن أو مستقبلاً بصورة صميمية، وخارج نطاق العدوان الذي يحاولون أن يفرضوا صيغته الجديدة علينا تحت شعارهم هم عن "سلام!" لايمتّ إلى منطوقِهِ بصلة! يقول الجنرال المبشر: ( بالنسبة إلى الشرق الأوسط فإن الانتقال من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام سوف يعني حصر المصادر لتطوير بنية تحتية تلائم هذا العصر الجديد من السلام. وهذا يتضمن بالطبع بناء هياكل مساعدة في جميع أنحاء بلدان المنطقة)ص149 ويعدّد الجنرال مفردات تلك الهياكل المساعدة: (طرق.. خطوط حديديّة.. مسارات جوية.. ربط شبكات النقل.. تحديث وسائل الاتصالات.. توفير النفط والماء في كل مكان "وفقاً للاقتصاد وليس للسياسة(* " .. إنتاج البضائع والخدمات عن طريق الكومبيوتر) ص149- ثم، عَبْرَ صفحتين ونيف، يقوم الجنرال بالإيضاح الأكثر تدقيقاً في طبيعة وكيفيات إنجاز تلك الهياكل الاستراتيجية، ومددها، وفوائد إنشائها.. إلى آخره مما لايعنينا التعرض له بأكثر من القول: إن هذا كله أصلاً هو- في جوهره- محتوى الوحدة العربية المتحررة من سائر أشكال الابتزاز والعدوان وأدواتهما. والجنرال لايزيد شيئاً إلا المصادرة على هذه (الوحدة العربية) وتحويلها إلى نظام اقليمي ينصّب "دولته!" قائدة له، بعد استثمار واقع الانهيار العربي الراهن إلى حد التضييع النهائي للهوية القومية الحضارية العربية.. حسبما سبق لنا أن حللنا أحد أركان جهازه المفاهيمي! وتأسيساً على هذا الذي أوردناه هنا، فما معنى أن نتحدث عن (خططه!) لبناء (طرق السكك الحديدية) في الأرض العربية، كالخط الحديدي الحجازي، والخط الموازي للمتوسط حيث(سيصبح بامكان السياح الأوربيين السفر) عبر كل بلداننا العربية( مع احتمال تحقيق أرباح كبرى للمستثمرين"!!!")؟ص 153 ثم مامعنى التحدث عن شبكات الطرق السريعة التي "يتفضل!!" برسم خطوطها واتجاهاتها حيث (ستنفذ هذه المشاريع جزئياً من قبل الدول المشاركة، وفي جزء منها بواسطة تعاونيات دولية تمنح الحق في تحصيل رسوم على استخدام الطرق)؟!!ص154 ولاتبتعد أفكاره عن (الموانئ ومناطق التجارة الحرة) في شيء عن التوجه العام للبندين السابقين. لكن الجنرال يلح، بل يزيد في الإلحاح مرة بعد أخرى، على "فائدة" مدينة غزة وازدهارها الكبير المتوقع من وراء جعلها (منطقة تجارية حرة) ومركزاً سياحياً، في إطار (فعاليات نظامه الاقليمي!). ولعل أهم مافي هذا الفصل هو تلك الفقرة الخاصة بـ (القناة) : قناة البحر الأحمر- البحر الميت. فهذه عدا فوائدها الغريبة العجيبة في النقل والتنمية في وادي عربة، وعدا فائدتها في توليد الطاقة وتحلية المياه.. فإنها تضيف إلى ذلك كله إظهار عبقرية (نبيّ الصهيونية: تيودورهرتزل) ومدى مصداقية نبوءته بهذا الخصوص، حيث (فكرة هرتزل مشابهة بصورة تدعو إلى الدهشة لتلك التي أخذنا ننظر فيها بعد فترة تزيد على تسعين سنة) ص159 أوليست هذه الإضافة إحدى (غرائب) التعاليم الصهيونية "ومآثر!!" هرتزل الفريدة؟!! ألايكفي العرب/ (الدببة، موضوع حملة الصيد الهرتزلية المشهورة) هذه "العجيبة" التي اجترحها هرتزل كي يصدقوا أنهم يجب أن يخضعوا للصهاينة، باعتبار هؤلاء "على حق!" في كل مايريدونه؟!! إن الجنرال بدل أن يقول ببساطة: إن "دولته" مخلصة لتعاليم هرتزل كلها، يخصص صفحات مطولة عن تاريخ المشروع قبلاً وعن تفصيلات إنشائه المستقبلية. ويضيف إلى فوائده التي عددها قبلاً فوائده السياحية والسمكية، ناهيك عن (فائدته على الصعيد السياسي) ص162 حيث سيساعد على حفظ السلام وإقامة مصالح مشتركة بعيدة المدى.. حتى إن فائدته ستعم دولاً لاصلة لها بالمنطقة! أي نعم!!.. وإلا فما معنى (العبقرية الهرتزلية!) إذا كانت محصورة؟! إنها فكرة اكتشفها الايطاليون بعد بدء مباحثات السلام ( عندما بدؤوا يدرسون الجدوى الاقتصادية لمشروع القناة هذه) ص163، ويبدو أن الجنرال قد ( أوكل إليهم أمرها!) في جملة ماكان قد عدده لنا- في فصل سابق- من أعماله لاستجرار المستثمرين الذين سيتولون تشغيل نظامه الإقليمي! لكن الجنرال يرى- الآن!!- في تلك القناة أكثر بكثير مما رآه الإيطاليون: إنه يرى مايملأ صفحتين من المشاهد الرومانسية التي لاينسى أن يرشها ببهارات أملاح البحر الميت ومعادنه الثمينة! ومن هناك- وعبر تلك القناة-يقفز، وبرومانسية أيضاً، إلى صورةٍ (لبحر أحمر) مصوغ على مقاس الحلم الصهيوني!! إن الجنرال (يتمطى على راحته!) كي ينصب نفسه- ولو في حلم- سيداً على كل ثروات الأرض العربية ومداخلها ومخارجها دون أن يكلف نفسه شيئاً.. حتى عناء تنفيذ (المبادئ) في صفقة (سلامه!) المغشوش في اتفاقية أوسلو! والجنرال لايطلق(هديله الذئبي)، في رومانسياته البائخة عن (قناة هرتزل)، إلا وهو مستند إلى جذوع صواريخه النووية الجاهزة التي تعرض علينا خيار: قبول مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة، أو تحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة! فما الذي يمكن قوله إذاً في تلك الرومانسيات- منظوراً إليها من زاوية ما تحقق حتى الآن عبر صفقات السلام المغشوش- أكثر من أنها لون جديد من تمارين اللاجدوى؟! -7- بما أن (نعمتين اثنتين!) من نعم النظام الاقليمي، وسوقه الاقتصادية المفتوحة، هما اللتان(ستهطلان!) على العرب، وفقاً لوعود الجنرال: نعمة أن (نشبع) من الزراعة الصحراوية وما يلحقها من تربية حيوانات مناسبة، ونعمة أن يشتغل البقية منا (خدماً!) للسائحين.. فإن الجنرال لاينسى أن يخصص فصلاً من كتابه بعنوان (تطوير السياحة)، لاسيما وأنه قد جعل (أجداده!)- ولو كانوا خزريين!!- شركاء لأجدادنا في بناء الأهرام والمدن والقلاع وبقية الأوابد الأثرية في المنطقة، إضافة إلى شراكتهم في صنع طبيعتها الجميلة، بالطبع!! ويرى الجنرال أن (هذه الجنة السياحية تعاني من مشكلة أساسية في هذا المضمار وهي: العنف.. النابع من دوافع دينية أو سياسية) ص167 هذا العنف يعود بأضرار كبيرة على موارد السياحة.. والحرب اللبنانية، ومايحدث في مصر الآن دليلان على ذلك. وعليه، فإن (السلام والسياحة صنوان.. في تشكيل الفرص العظيمة في المستقبل) ص168 أما العوامل التي تساعد على اجتذاب السياح إلى الشرق الأوسط فأبرزها، حسب الجنرال: (فتح الحدود، وتوفير بنية تحتية لخدمات متطورة في مجال النقل والاتصالات، وتسويق مشترك للحملات السياحية، وتطوير الصناعة السياحية، بما في ذلك مواقع الجذب السياحي) ص168 وكل ذلك لابد له أن يقوم- بالضرورة!- على أساس (السلام) المنجز وفق المعايير والأهداف الصهيونية ، ليس غير! ولايضيف الجنرال أي شيء مهم حول الحدود المفتوحة، أو حول البنية التحتية، فوق الذي سبق له ذكره قبلاً بهذا الخصوص، لكنه في مجال (الحملات السياحية) يقترح التبكير- قبل إنجاز السلام!- بإقامه(شركة دولية لتسويق الشرق الأوسط سياحياً في أميريكا الشمالية وأوربا والشرق الأقصى) ص170، أما لماذا يحب أن يثق العرب به، وبصهاينته، إلى هذه الدرجة؟! فإننا لانخمن إلا أن ذلك هو ( واجبهم التاريخي!!) وفقاً لمنطقه! وأما بالنسبة (للمواقع السياحية) فالجنرال يرى أن (بعض المشاريع التنموية المحلية ستعمل على اجتذاب السياح بصورة آلية، مثل ميناء صيد السمك في غزة، وميناء السلام في إيلات العقبة، وقناة البحر الميت- الأحمر)ص 170-171 والمهم هو اقرار الهدوء والاستقرار كي تتدفق رؤوس الأموال الأجنبية التي ستجعل من السياحة مجالاً لاستثماراتها! ولايتفق حديثه الباهت جداً عن هذه (السياحة!) هنا، مع أقاويله الحماسية المتدفقة في الفصول السابقة كما لايتفق أيضاً مع ماكان أعطاه للسياحة من دور هام في اقتصاديات (نظامه الاقليمي) الذي يأمل أن يتحول إلى (سوق إقليمية) بقيادة صهيونية مباشرة! وبهذا الفصل يكون الجنرال قد أنهى تمارينه في محاولة تدوير عقل قارئه كالخذروف حول فكرة اقتصادية/ سياسية واحدة ، أظهرتها أقواله عبر مائة وسبعين صفحة سابقة وكأنها بالغة التشعب!أما تلك الفكرة فهي: خضوع المنطقة وهدوءها الكامل بغية استقدام الرساميل لاستثمار الثروات العربية بإشراف صهيوني، يحقق في النهاية أحلام بن غوريون وهرتزل.. وكَتَبَةِ التلمود أيضاً! وتلك هي (وصفة السلام!) الوحيدة المقبولة صهيونياً، باعتبارها تلغينا وتثبتهم!! فهل نكرر القول: إن كل هذا الهذر الذي كان الجنرال يجتره مرة بعد أخرى لم يكن أكثر من إظهار لفهلويته وشطارته في إنجاز (تمارين اللاجدوى)؟! إن فهلوية الجنرال الشاطر لن تكتمل، حسب اعتقاده، مالم يلقّنّا درساً (علمياً!!) عن (عالم الغد) الذي يعقد له فصلاً بالعنوان ذاته. وإذا كنا لن نرهق القارئ بما يُحبُّ هذا المبشر الصهيوني أن يظهر به نفسه من (مقدرة علمية!)، ومن مقدرة على (التنبؤ المستقبلي!) شأن العلماء الكبار.. والفلاسفة الكبار.. ورجال الدولة الكبار، فإنه لايمكننا العبور عن هذا الفصل دون إظهار: محوره، وغايته، والمطبات الفكهة (لتشاطر) الجنرال! أما محور هذا الفصل فهو مقابلته- هو الجنرال بيريس- مع البرفيسور هربرت سايمون من جامعة كارينجي ميلون في بيتسبورغ عام 1987. وهذا البروفيسور هو، كما يعرّفه الجنرال، من نخبة العلماء الذين يدمجون علوم الكومبيوتر بالفلسفة. وقد حاز (على جائزة نوبل في الاقتصاديات عام 1978، وأحد مؤسسي العلوم السياسية، والرجل الذي عمل أكثر من غيره لتطوير حقل الذكاء الاصطناعي الجديد والواعد) ص175 وأما هدف الفصل فهو: إنكار التمركز القديم للسياسات القومية على الرموز والقيم الوطنية، وتزايد اعتماد (الحقبة القادمة) على المبدأ الأساسي المتعلق بالاستغلال الأمثل للمعرفة وصولاً إلى أعظم الأرباح!ص174، وبناء على هذا يخرج الجنرال بفكرة مؤداها أن الثروة المستقبلية ستكون مبنية على المعرفة العلمية المعلوماتية الكومبيوترية الموضوعة تكنولوجياً موضع التطبيق، ولن تعتمد تلك الثروة على الموارد الطبيعية للأمة أو على مساحاتها الشاسعة! وإذا كانت كل هذه الاستنتاجات- التي يدعيها الجنرال لنفسه دون حياء- موجودة، بتفصيل دقيق، في كتابين اثنين من كتب ألفين توفلر:( الموجة الثالثة، وتحول السلطة)، فإن الجنرال يختزل ويحوّر على هواه كي يقول لنا: "فكرتكم حول أمتكم العربية لم تعد ذات قيمة، ورموزكم الوطنية والقيم المتأسسة عليها صارت شيئاً من الماضي، وكذلك أفكاركم عن أن الثروة موجوددة في مواردكم الطبيعية ومساحات أقطاركم الشاسعة فكل هذا لم يعد ذا شأن.. فالمهم هو تكنولوجيا المعلوماتية التي لن تمتلكوها مالم تسيروا في طريق مشروعنا الصهيوني المعدّ لكامل المنطقة"!! وقد يتساءل القارئ: لماذا إذاً يصر- هو الجنرال- على رموز مايسميه (قوميته اليهودية!) وبأعتق الصيغ العنصرية والقبلية الشوفينية التي يدعي أنه عاد ليحييها هنا بعد مايسميه (خمسين جيلاً من الديا سبورا)؟!!.. فإن الإجابة جاهزة، ولاريب، لدى الجنرال: -"القومية اليهودية" هي شيء فوق التاريخ. إنها تصنعه وتستثمره، لكنها لاتتأثر به أو بحركته إطلاقاً"!! ولكن لنختصر مثل هذه التمحلات والتزويرات التي يصطنعها "العقل الصهيوني" لبترير ذاته في تعارضه مع حركة التاريخ، ولنقدم هذا المثل الدال من "المطبات الفكهة" في حوار الجنرال والبروفيسور عالم الكومبيوتر. وإليكم هذا الجزء من الحوار ولو كان مطولاً: بيريز: هل يستطيع الكومبيوتر توقع نتائج قراراته؟ وهل يستطيع أن يتجاوز العقل البشري في هذا الأمر؟! سايمون: يستطيع ذلك في حالة توفر نظرية جيدة وقائمة في القطاع المعني. فعندما يقوم مهندس بتصميم محرك ما فهو يستطيع أن يحدد كيفية عمله تماماً. لكن عندما يطلب منك أحدهم التصرف طبقاً لاستراتيجية اقتصادية خاصة، عندها .. لاالكومبيوتر ولا الاقتصادي يستطيع توقع النتائج بالضبط. وكما تعلم فإنه ليس هناك من نظرية مرضية بهذا الشأن. بيريز: لعل السبب أن الاقتصاد يعتمد، وإلى حد كبير، على السيكولوجيا. فما من كومبيوتر قادر على التنبؤ بردود الفعل النفسية المتراكمة للرأي العام، لأن السلوك الاقتصادي يعتمد وإلى حد كبير على التوقعات؟ سايمون: التطورات الحديثة في الرياضيات جعلتنا متشائمين إلى حد كبير حيال قدرتنا على التنبؤ حتى على مستوى المنطق المجرد. واليوم هناك نظرية رياضية تدعى ( نظرية الفوضى) تبرهن أنه حتى الأنظمة الرياضية يمكن أن تتصرف بطرق يصعب التنبؤ بها% ص 177-178 ولكم أن تقرؤوا جيداً وتتمعنوا وتقارنوا مدى فكاهة التعارض بين محتويات هذا الجزء من الحوار وبين ماسبقه من تقديم الجنرال، ومالحقه من استنتاجاته! بل حتى من تمحلات عقل الجنرال على منطوق علم العالم الذي لايحتمل التأويل!! أما نحن ، إذ نستند بشهادة هذا الجزء من الحوار لإعادة توكيد أطروحتنا حول "حركة التاريخ" وفواعلها التي لاتقبل البرمجة مهما كمانت محكمة، فإننا سنتجه رأساً إلى القضية الجوهرية التي تهمنا في الفصل المخصص لها: "قضية اللاجئين"! (* وسياق النص لايدل على ذلك! لكن تصورات الجنرال هذه تصب كلها في نطاق مايسمى العولمة. (* هذه الإضافة بين المعترضتين هي ملاحظة منا. (* مرة أخرى، تلك المناورة الماكرة للفصل بين الاقتصاد والسياسة! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |