رقصة الشيطان برنامج العمل الصهيوني لنصف القرن المقبل 1994-1995 - أحمد يوسف داود

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل السادس العجة التلمودية والبيض الفاسد ‏

الفصل السادس العجة التلمودية والبيض الفاسد

-1-

كي يدخل صاحبنا الجنرال إلى القضية المحورية التي يسميها (مشكلة اللاجئين)، فإنه يعقد فصلاً تمهيدياً يعطيه عنوان (الكونفدرالية). أما هذا الفصل فيرمي إلى تقرير حقائق "الأمر الصهيوني الواقع" كثوابت نهائية لحركة حياة المنطقة، وإلى حشر ذلك في أذهاننا كقناعات نهائية لا مرد لها بحجة "ضرورة الانسجام مع حركة الامبرياليين العالمية لبناء مستقبل أفضل لنا" -وأي مستقبل!!!- فكأن أي "أمر واقع" لا يمكن استبداله بأمر واقع مضاد أو مختلف! ويعبر الجنرال المبشر عن ذلك كله بالطريقة التالية:

(الجانب المأساوي في السياسة، يشبه ماهو في المطبخ: فإن من السهل كسر البيض لإعداد العجة، إلا أنه يستحيل تحويل العجة إلى بيض من جديد) ص187، فالحروب قادت إلى ديموغرافيا جديدة، كما جلبت "نسيجاً وطنياً" جديداً لمناطق صغيرة مزدحمة بالسكان، وأكسبت المواطنين "جنسيات!" جديدة. (فهذه الحروب لم تعمل إلا على مزيد من التعقيد لوضع عدائي موجود... والصراعات تركت أفكاراً وانطباعات خاصة في الوجدان الوطني لكل فرد، وهي انطباعات على درجة من السوء بحيث يصعب الآن تغييرها) ص 187 لكن الجنرال يطلب منا قبول "العجة كما أعدت!" والتوقف عن الصراع ريثما ينضجون هم المزيد منها للمنطقة بحجة أنهم يريدون إطعامها وإنقاذها!!...

لقد كان الجنرال على حق في نصف قولة له في مكان آخر : (أنا شخصياً لا أتوقع من العرب أن يقبلوا بموقفنا من الأمور التاريخية)، وهذا هو نصف "القولة" الصادق. أما النصف الآخر فهو :(دعنا نترك الجدل التاريخي للمؤرخين، بينما يعمل السياسيون من أجل أهداف الوقت الحاضر، ولصياغة الحاضر والمستقبل) ص207 فكأنما هذا (التاريخ) الذي مازال صراعاً محتدماً بيننا وبينهم، قد دُفعت كل مستحقاته!... وصار بالتالي "حكاية" تهم أولئك المؤرخين (فارغي الأشغال!) وحدهم! وعليه، فإنه يدعو السياسيين للعمل المشترك من أجل صياغة الحاضر والمستقبل، "ولفلفة" قضية اللاجئين نهائياً، وعلى طريقته!! فإذا تذكرنا ماكان قد صوّره في فصل سابق عن "فقدان السياسيين العرب لدعم الرأي العام لدى شعوبهم" -وهذه هي فكرته بالضبط!- وقارّنا كل هذا بما يستشف من أقوال البروفيسور سايمون له في الجزء الذي أوردناه من حواره معه، فإننا سندرك أن السيد الجنرال لا يتخبط وحسب، بل هو يلفق ويزور ويدجّل ويناور بالقدر الذي يلائمه كصهيوني عريق، كان شديد القرب من بن غوريون-ص205- كيما يصل إلى (الوضع الهادئ) الذي يمكن صهاينته من التهام "عجتهم!" وصنع المزيد منها حسبما يشتهون!...

والسؤال الاعتراضي الذي يفرض نفسه علينا هنا فرضاً هو: هل تعلم الجنرال الدرس الحقيقي الذي كان يجب أن يتعلمه من حواره مع البرفسور سايمون حول: السيكولوجيا الجمعية، والاقتصاد، ونظرية الفوضى.... ونحن نضيف أيضاً: وحركة التاريخ والنظام العالمي برمته؟!!

ونحن نجيب: نعم، ولم يكن الدرس في صالح "صهيونيته" ومستقبلها... ولذلك فهو قد "بادر" إلى استغلال هذه البرهة الفريدة من تردي الوضع العربي العام، واضطراب معادلات التوازن في الوضع الدولي، كيما يصادر على سائر قناعات وتوجهات الرأي العام العربي -والحال حال يأس وإحباط شاملين، حسبما يعتقد ويرى! -فيلغي من تلك القناعات مايريد ويثبت بدلها مايريد كي يغير -نهائياً- توجهات ذلك الرأي. وبذلك (يكسر مزيداً من البيض لصنع العجة التلمودية المؤبدة)!!.. ويستريح!!!...

إن الجهاز المفاهيمي العام للصهيونية يعمل بكل طاقته في أطروحات الجنرال!.. والمكر والدهاء والتلفيق والتزوير هي قواعد أساسية في عمل ذلك الجهاز المفاهيمي. فلنتأمل إذاً كيف يتم تطبيق ذلك في لعبة (الكونفدرالية) ثم في (مشكلة اللاجئين)!

-2-

(تضافرت جغرافية المنطقة مع الحروب التي شهدتها -!!- وما تلا ذلك من تطورات، لتضعَ المشكلة الفلسطينية في مصاف القضايا التي تبدو مستحيلة الحل. غير أنني كنت من الرافضين لهذا الرأي لأنه يستبدل المحاولات والجهود الخلاّقة بحالة من الفتور والإهمال، ويضع العراقيل في طريق التقدم). ص183.

هكذا يبدأ الجنرال فصل (الكونفدرالية) مستعيناً بثلاث كلمات، يعوّمها في هواء "التزوير المعرفي" الطلق: جغرافية، وحروب، تطورات. ثم يتابع إنشاءه المختزل لحقائق التاريخ وحقائق الواقع... وصولاً إلى "الهيكلة" الكاملة لأطروحته بخصوص مايدل عليه عنوان الفصل.

وما إن يفرغ الجنرال من هذا التقديم المعوَّم حتى يباشر فوراً معالجة مايؤرقه: مسألة الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني. (فحتى عام 1948 لم يكن الشعب الفلسطيني موجوداً ككيان مستقل سواء في وجدان الفلسطينيين أنفسهم أو في نظر الشعوب الأخرى بما في ذلك البلدان العربية) ص183، ولنعترف هنا بأن هذا صحيحٌ تاريخياً، فالتسميات الجغرافية العربية ماكانت لتدل إلا على أقسام متصلة من أمة واحدة، رغم تمزيقها سياسياً هي: الأمة العربية.

وهذه المسألة ليست هي موضع خلافنا مع الجنرال المبشر الصهيوني، بل إن تبريراته التاريخية اللاحقة، واستنتاجاته الخاصة من تلك التبريرات -أو التفسيرات، لا فرق!- هي موضع التناقض بين ثقافتين: صهيونية غازية، وعربية مغزّوة، حيث الصدام في الواقع مستمر بأعنف مظاهره الصراعية، القائمة بالفعل أو بالإمكان.

إنَّ الجنرال يفسر ذلك بقوله: (لأنه خلال فترة حكم الامبراطورية العثمانية لم يكن للهوية الوطنية سوى اعتبار ثانوي)ص184، وهذا التفسير ليس فقط مجرد اختزال غير دقيق لوضع تاريخي متقلب امتد أكثر من أربعة قرون، بل إنه أيضاً يحمل في أساسه وضع فكرة (الهوية الوطنية) للبلدان العربية في مواجهة فكرة الهوية القومية كنقيض لها، وهو ماسيعمل على إبرازه لاحقاً بطريقته، ووفق منهجه وجهازه المفاهيمي الصهيوني!...

إنه سيقول تواً: إن فكرة القومية ظهرت في الشرق عقب الحرب العالمية الأولى، أي منذ أقل من قرن. وهذا كذب صريح! (*) ...ولكن هذا ليس مهماً، فالمهم هنا هو قوله: (عايشت المنطقة نزعتين متوازيتين:

 

الأولى  : هي حركة الوحدة العربية التي اعتبرت العرقية العربية هوية قومية...

الثانية            : تمثل ميلاً باتجاه الخصوصية، أي الاعتراف بأن لكل بلد عربي تاريخه وحضارته وفكره الخاص به، وقتها كان الفلسطينيون ينظرون إلى أنفسهم كعرب).ص184.

وإذا كان مصطلح (العرقية العربية) -مع أن العرب لم يقولوا يوماً بأنهم عرق أو جنس بل هذان مصطلحان أوروبيان محضان!- يضغط على فكر الجنرال كيما يبيح له حق القول "بعرقية يهودية" فإن تشخيصه للنزعتين المتوازنتين بالغ التزوير! إذ: أولاً : لم تكن هناك أقطار عربية غير مستعمرة باستثناء السعودية الآن، واليمن)، وهذا ماحال دون توحيد النضال التحرري العربي، ضد مستعمرين أوروبيين متنوعين، على أساس الهوية القومية/ الوطنية العربية، فبدت النضالات ذات طابع قطري، دون أن يلغي ذلك شيئاً من سائر العناصر التي تتكون على أساسها الأمم في مختلف النظريات الأوروبية المتعلقة بهذا الموضوع...

وثانياً: إن دعوتين اثنتين ظهرتا من عدد من المثقفين المعروفين بممالآتهم للغرب في قطرين عربيين اثنين: (مصر، ولبنان) ولهما أسبابهما. فالدعوة للفرعونية في مصر جاءت رداً استعمارياً بيوريتانياً، وبصورة غير مباشرة، على حركة التنوير التي أسسها رفاعة الطهطاوي، وعلى محاولة محمد علي باشا توحيد مصر والشام وشبه الجزيرة العربية لتجديد الدولة العربية/ الإسلامية على أساس التنوير السابق وضد العثمانيين المتخلفين الطغاة، وضد المطامع الاستعمارية الأوروبية... ويعرف الجنرال مثلنا -وأكثر- حدود انتشار فكرة (الفرعونية) ومصيرها! أما الدعوة الفينيقية في لبنان فهي من ثمار علاقات التصارع الاستعماري الأوروبي شرقي المتوسط، خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث استطاع المبشرون الجزويت، العاملون لصالح فرنسا، خلق هذه الفكرة وجعل عدد محدود جداً من مثقفي إحدى الطوائف يعتنقونها لوهلة لم تطل، بل إنها تكاد لا تكون منظورة!

فالجنرال إذاً يزور حقائق تاريخية بيّنة ليقيم تعارضاً بين (الهوية الوطنية) لكل قطر عربي وبين كون هذه الهوية تعبيراً عن الانتماء إلى الهوية الحقيقية الأعلى: الهوية القومية العربية، وسنرى لاحقاً هدفه من ذلك!...

وعليه، فقد كان منطقياً ألا يرى الفلسطينيون أنفسهم إلا عرباً حتى بعد الانتداب البريطاني، وفي ميثاق منظمة التحرير أيضاً! وبهذه المناسبة فإن شعار (القرار الفلسطيني المستقل) الذي طرحه عرفات وجماعته في أواسط الثمانينات لم يكن إلاّ "مقدمة" (للصفقة اللاحقة: صفقة أوسلو) مع كل مافيها وماسبقها من تضييع لحقوق العرب الفلسطينيين ولجوهر القضية برمتها! ولا بد أن دور الجنرال ذاته كان كبيراً جداً في هذه "اللعبة!" المحكومة سلفاً بالسقوط!!

على أن أبرع تزوير للجنرال هنا، يقع في قوله: (خلال فترة الانتداب البريطاني تم تعريف الوجدان القومي الفلسطيني كجزء من الأمة العربية الأكبر مسبغاً على الفلسطينيين هوية مختلفة مستقلة عن اليهود الذين يعيشون في المنطقة، ولهذا لم يكن محض صدفة أن يختار الفلسطينيون شعار "فلسطين عربية" وبدلاً من المطالبة بالأرض باسم القومية الخصوصية، فعلوا ذلك باسم القومية العربية)ص184.

إن التزوير هنا يتناول مسألتين اثنتين:

1- اليهود الذين يعيشون في المنطقة.

2- القومية الخصوصية للفلسطينيين.

وفي المسألة الأولى نجد أن اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين (أباً عن جد، كما يقال) لم يكونوا يزيدون عقب الحرب العالمية الأولى عن عشرين ألف نسمة من أصل نحو مليون نسمة أو أكثر(*) أما الأعداد الكبيرة التي أخذت تتوافد بمختلف الطرائق والوسائل، وتؤسس المنظمات الإرهابية (الهاغاناه، شتيرن، الأرغون).... إلى آخره... فهؤلاء ينتمون إلى (الأشكنازيم) من جيل الجنرال "ذي التجربة الاستيطانية" التي سبق أن ذكرها بتباهٍ، وعرضنا لها بالتحليل المبسط في حينها!...

ومن المعروف هنا أن الصياغة الأولى لاتفاقية سايكس- بيكو قد عدلت لاحقاً بحيث تصبح أرض فلسطين تحت الانتداب البريطاني بدل الفرنسي لأن بريطانيا هي التي أخذت على عاتقها ضمان إنشاء (الوطن القومي لليهود!) حسب وعد بلفور، وانسجاماً مع مقتضيات تقرير كامبل بنرمان الشهير.. ومع العلاقة التاريخية الخاصة بين بريطانيا وبين الصهيونية. وهكذا لم يكن تدفق المستوطنين الصهانية إلى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني ليتم لولا رضا بريطانيا، وبإشرافها، أو بالتعاون معها تعاوناً كاملاً على الأقل. أما القلة من السكان الأصليين من اليهود فلم يكن بينهم وبين العرب في فلسطين أية مشكلات ذات قيمة قبل الانتداب وتدفق المستوطنين الأشكنازيم! والدراسات في جميع هذه الجوانب المتعلقة بهذه المسألة أكثر من أن تحصى!

أما المسألة الثانية: فتتمثل في النقلة المفهومية الخبيثة التي يجريها الجنرال: من الهوية الوطنية الفلسطينية التي هي -كما سبق أن قلنا - جزء من الهوية القومية العربية، إلى مايسميه هو "القومية الخصوصية" التي يفصلها تماماً عن القومية العربية، ويعارض هذه بتلك... وسيستغل لاحقاً فكرة (القومية الفلسطينية) في تضليل قارئه عندما يعرض أطروحاته اللاحقة بخصوص الكونفدرالية، وقضية اللاجئين.

وصحيح أن (تعبير فلسطين يدل على مكان وليس على شعب، والدولة الفلسطينية في الواقع لم يكن لها وجود في يوم من الأيام) ص185.ولكن هذا لا يدل على مايريده هو منه، بل يدل على أن الشعب كان عربياً، وجزءاً من هذه الدولة العربية الإسلامية أو تلك، مثلما كانت ولاية أو أكثر في زمن الحكم العثماني، أي جزءاً من التقسيمات الإدارية المعتادة في سائر الدول، حسب أنظمة كل منها، وحسب الظروف التي تفرضها! وعلى العموم فإن فلسطين -تاريخياً- هي الجزء الجنوبي الغربي من "بلاد الشام" العربية، ليس غير!...

وعليه فإن الانتداب -أو بالأحرى الظاهرة الاستعمارية الأوروبية- كان السبب الفعلي لخلق ظاهرة "القطرية" في الوطن العربي حسبما يفهم منها اليوم. وبالتالي فقد كان طبيعياً تماماً ألاّ يبدأ الحديث (في الأوساط الايديولوجية الفلسطينية عن الروابط التاريخية للفلسطينيين بأرض فلسطين... إلا في معركة الصراع الأيديولوجي- والعسكري أيضاً!- مع إسرائيل والحركة الصهيونية) ص185. إذ ماالذي كان يدعو إلى مثل هذا الحديث لو أن الاستيطان لم يقع، ولم يقم الصهاينة بإعداد "عجتهم!" بكل هذا البيض التلمودي الفاسد؟!

وسواء اعترف السيد الجنرال بيريس وصهاينته بالشعب الفلسطيني "كشعب" أم لم يعترفوا، فإن أحداً لن يستطيع إجبارهم وإجبار بقية العرب على النظر إليهم (كجماعة قومية) "*" مستقلة عن الأجزاء القومية العربية الأخرى. وهذه "التمريرة" المفهومية، التي يظن الجنرال أن "فهلويته وشطارته" قد نفذتاها بإحكام، لن تكون مقبولة إلا من قبل القلة المستعدة للتعاون مع الصهيونية ودولتها الاستيطانية، بهذا الشكل أو ذاك!!.... وهذه "التمريرة" المفهومية المثيرة للسخرية ما هي إلا الأصل الذي سيعتمده الجنرال صراحة - بعد أن كان قد اعتمده ضمنياً حتى الآن - كي يقنعنا بأننا مجموعة من الأمم: مصرية، وسودانية، ولبنانية، وسورية، وأردنية، وكويتية، وسعودية، وأماراتية، وعمُانية، ويمنية، وليبية، وتونسية، وجزائرية، ومغربية، وموريتانية وعراقية.... الخ، الأمر الذي يشكل أساساً وغاية في "الجهاز المفاهيمي" الصهيوني/ الامبريالي المشترك... بينما سائر اليهود في العالم هم مجرد "متغربين!" في الدياسبورا -أي الشتات!!- وينتمون جميعاً إلى "أمة يهودية واحدة، موحدة!" ولم تكن موجودة إطلاقاً إلا في حكايات التوراة التي بدئ بكتابتها قبل ألفين وخمسمائة عام وانتهت تلك الكتابة قبل نحو من ألف عام ونيف! وسنرى مايحاول الجنرال "ترتيبه" على ذلك الأساس من "جهازه المفاهيمي" حيث يكون بالامكان في المطبخ التلمودي وحده -مع افتراض تصديقنا لحكايات التوراة!- إعادة العجة إلى بيض، وفق منطق الجنرال ومثاله المتظارف، بينما يستحيل ذلك في المطبخ السياسي العربي، تبعاً لأقواله أيضاً!! إن السيد الجنرال الذي لا يتورع عن أي تزوير أو تدجيل: تاريخي، أو سياسي، أو معرفي عام، من أجل الوصول إلى الغاية التي يقصدها، يكون قد أسس حتى الآن أولى أكاذيبه المعرفية الكبيرة بخصوص ماسيطرحه من حلول لقضية اللاجئين -وبالتالي لقضية فلسطين برمتها- أكذوبة "الهوية القومية الفلسطينية" المستقلة تماماًعن أصلها العربي ومرجعيتها العربية.

أما الأكذوبة الكبرى الثانية فستكون متعلقة "بالمكان" الذي (كان يسمى فلسطين!) فلنقرأ مايقوله في هذا الصدد: (المعروف أن البريطانيين استولوا على البلد الذي كان يسمى فلسطين من الأتراك عام 1917، وبعد خمسة أعوام تمّ تقسيمه إلى جزئين، حيث أقيمت المملكة الأردنية الهاشمية في شرقي الأردن وأقيمت فلسطين غربه). ص 186.

والجنرال، الذي لا يهمه هنا أن يكذّب حتى ماتقوله توراته إذ تسمى شرقي النهر: بلاد مؤاب... وبلاد العمونيين، يعرف جيداً أن اسم فلسطين لم يشمل شرقي نهر الأردن خلال التاريخ كله، لكنه هنا يخترع هذه الكذبة اختراعاً سمجاً كي تنسجم أطروحته عن "هوية المكان" مع أطروحته السابقة حول "الهوية القومية الخصوصية للسكان"‍! وهو -شخصياً- يدرك بوضوح بالغ أن (الصحراء التي تشغل 85% من مساحة الأردن- ص 145 من كتابه) ليست إلا جزءاً من البادية الشهيرة طيلة التاريخ: ببادية الشام، حيث لم تعرف إلا بهذا الاسم حتى مجيء الاستعمار الأوروبي ومستجراته.

إن الجنرال الذي طالبنا قبلاً بنسيان التاريخ، ويطالب في الفصل الأخير بترك (الجدل التاريخي للمؤرخين)، لا يمنع نفسه من اصطناع تاريخ مزور يسيره، ويجادل فيه، على مزاجه! وإذا كان يرى أن إلحاق الضفة الغربية بالأردن بعد قرار التقسيم- وربما بالاتفاق مع أصدقاء الصهاينة من حكام "النظم الحاضنة" يومئذ -دليلاً مقنعاً على صحة أكذوبته بخصوص اسم فلسطين ومدلوله الجغرافي... فإنه يعرف أكثر من سواه تلك البواعث الخفية للضم والإلحاق. وسنذكره بأن "صهاينته" لم يكونوا يعترفون يومها بوجود شعب في "أرض الميعاد" -ويبدو أنها كانت بانتظار "تُشريفهم!!" طيلة آلاف الأعوام!!- وكانت الفكرة المصدرة إلى العالم من قبل جميع الدوائر العاملة لخدمة الاستيطان الصهيونيّ تنص على أن: فلسطين أرض بلا شعب، واليهود شعب بلا أرض، فلماذا إذاً لا تكون تلك الأرض لذلك الشعب؟!

إن السيد الجنرال يعيد الآن برمجة تلك الأكذوبة الفظة بإعادة ترتيبها وصياغتها حسبما يقتضيه المستوى الجديد من الحرب العدوانية الصهيونية على الهوية القومية العربية، وعلى ثروات الأرض العربية... تلك الحرب التي تلبس لبوس "سلام!" مغشوش، لا يقيم وزناً لأي من قرارات الشرعية الدولية، والتي هي قرارات جائرة على الحق العربي في الأصل!!

أما الأكذوبة الثالثة فهي تتعلق بما يسميه الجنرال (التغيرات الديموغرافية) المترتبة على حروب الشرق الأوسط، حسب تعبيراته. لقد رأينا قبلاً كيف يحاول إقناعنا بأن "الأمر الواقع" (الديموغرافيات الجديدة... جنسيات المواطنين الجديدة... النسيج الوطني الجديد في مناطق صغيرة مزدحمة بالسكان(*) ص 187، هو أمر لامجال أمامنا غير الاعتراف به كحقائق دائمة ثابتة، ومن المستحيل علينا تغييره: (مثال العجة والبيض)... (أما التغييرات الأكبر أهمية -أي على الصعيد الديموغرافي- فحصل بعد حرب 1967 باستيلاء إسرائيل على الضفة الغربية. فقد نتج عن حربي 48 و 1967 تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين حيث غادر اللاجئون العرب بيوتهم، وفروا من القتال منذ عام 1948، أما اللاجئون الذين بقوا في الضفة الغربية أو عبروا نهر الأردن، فأصبحوا مواطنين أردنيين، إلا أن أكثرهم استمر في العيش في المخيمات التي أقامتها الأمم المتحدة) ص187.

إن الكذبة هنا تعتمد على تناسي عدد من الحقائق، واللعب الخبيث ببعضها الآخر. فمّما يتجاهله الجنرال تلك الأعمال الإرهابية التي استهدفت إبادة العرب من قبل المنظمات الثلاث المشهورة (الهاغاناه، شتيرن، الأرغون) قبل "الحرب الرسمية" عام 1948 بوقت طويل جداً من زمن عملية الاستيطان. لقد كان إمداد تلك المنظمات الإرهابية بالسلاح يأتي من المصادر الأمبريالية والصهيونية العالمية كلها، وبرضى ومشاركة بريطانيين كافيين، وكانت طريقة تعامل يشوع التوراتي مع أريحا هي طريقة تلك المنظمات التي شكلت فيما بعد ماسيسمى (جيش الدفاع)!

ومما يتجاهله الجنرال أيضاً مجموعة المذابح التي نظمها (جيش الدفاع!) للعرب بعد توقيع اتفاقيات الهدنة، وكان الهدف إرهاب من بقي في أرضه من الفلسطينيين الذين أصبحوا ضمن منطقة دولة الاستيطان، ودفعهم -بالتالي- إلى الهجرة واللجوء. فهل نعدد للجنرال تلك المذابح التي تمّ أغلبها في زمن حكم (معلمه وصديقه) بن غوريون؟!

أما اللعب الخبيث ببعض الحقائق عن طريقة "شقلبة" التعبير فيظهر في قوله: (اللاجئون الذين بقوا في الضفة الغربية....) إنه هنا يعتبر سكان الضفة لاجئين أصلاً، مثلهم مثل الذين عبروا الأردن! ثم يزيد في ذلك اللعب الخبيث إذ يقول: إن الجميع صاروا مواطنين أردنيين! فالواقع هو أن "المواطنية الأردنية" لم تعطَ رسمياً وعلنياً وبمرسوم ملكي عام إلا في وقت متأخر من الثمانينات، والجنرال يعرف الملابسات والأسرار الخفية وراء ذلك المرسوم الذي تزامن مع لقائه في العقبة بكل من صديقيه: الملك حسين وياسر عرفات، قبيل الانتخابات التي فاز فيها حزب الليكود آخر مرة!

إن "المواطنية الأردنية" ربما مُنحت لبعض طالبيها ممن لهم صلات قرابية عشائرية مع العشائر الأردنية، أو لأسباب أخرى خاصة، أما الأغلبية ففضلت البقاء في المخيمات -على بؤسها!- توكيداً منها على هويتها الوطنية الفلسطينية كإجراء حافز على خوض الصراع الاستيطاني ومحصلاته إلى النهاية. وهكذا كذّب الجنرال نفسه بنفسه في هذه المسألة!! ولكن لماذا يلعب الجنرال بفكرة (اللاجئين الذين بقوا في الضفة الغربية)؟!

إن القارئ قد يفكر بأولئك الذين فروا من منطقة الاستيطان إلى الضفة بعد حرب 1948، وحدهم. غير أننا نخمن أن السيد الجنرال هنا يستعمل هذه العبارة المواربة قصد تعميمها على جميع سكان الضفة. أما الدليل على ذلك فيأتي من تفصيلات الجهاز المفاهيمي الصهيوني حيث صارت هذه الضفة تسمى (يهودا والسامرة) توكيداً على أنها جزء لا يتجزأ من (أرض الميعاد!)، ويتدعم هذا الدليل بملامسة واقع الاستيطان في الضفة بعد احتلالها في حرب الـ 67.

ففي منتصف الشهر الأول من هذا العام الجديد 1995، تفجرت قصة المستوطنات هناك وبدأت تتضح صورتها الكاملة. وإذا كان الجنرال -إياه!- سيعزو مايسميه (الهجمة الاستيطانية)، في الفصل الأخير إلى سياسة حزب الليكود فإن الإحصائيات التي أذيعت يومي 16 و 17/1/1995 تفضح دجله في هذه المسألة.

لقد بينت تلك الإحصائيات أن مجموع الأراضي المصادرة من الضفة لصالح المستوطنات بلغ / 4800/ كم2 يضاف إلى ذلك أمكنة الطرقات والمقالع، وماهو تحت الأرض المصادرة ذاتها كاحتياطي لأمور كثيرة. وخلال عامي 93-94 / أي خلال العامين اللذين انصرما من مدة حكم حزب العمل برئاسة رابين-الجنرال من هذا الحزب، وكان رئيساً له قبل رابين، وهو وزير الخارجية في الحكومة الحالية كما هو معروف-/ خلال هذين العامين تضاعف حجم الاستيطان: مساحةً، وعددَ مستوطنين! ولدى وزارة الإسكان مشروع أوسع بكثير مما ذكرته هذه الإحصائيات حول مايخص الاستيطان في الضفة. وهكذا فإن اللاجئين "يجب" أن يكونوا كل عرب فلسطين تقريباً، وباستثناء سكان القطاع الذي مرغوا "السمعة الرفيعة!!" (لجيش الدفاع) في أوحال المخيمات هناك!

وهذا كله يجري -طبعاً- بعد صفقة أوسلو، ورغم ثلث جائزة نوبل للسلام الذي قبضه السيد عرفات لقاءها!!!

إن المهم في كل هذه الكذبة الثالثة هي مسألة منح (المواطنية الأردنية) لسكان الضفة واللاجئين في الأردن، باعتبار هذا المنح عاملاً حاسماً في صياغة "الديموغرافيات الجديدة" والهويات الوطنية الجديدة... الخ. أما ماهو أكثر عمقاً في الكذبة، إياها، فما يؤجله الجنرال عن قضية اللاجئين ذاتها حيث سينص صراحة على مسؤولية الحكام العرب حين طلبوا من اللاجئين أن (يفروا) وأن يظلوا لاجئين... وعلى مسؤولية اللاجئين عن أوضاعهم بسبب تصديقهم لأولئك الحكام!! وهذا ماسنعرض له في حينه!

أما الكذبة الرابعة -ودائماً وفقاً للجهاز المفاهيمي الصهيوني ومقتضياته- فتتلخص في أسلوب تعبير الجنرال عما يسمى في البروبوغندا الصهيونية (نظرية الأمن الإسرائيلي). إن الجنرال يمعن في "تشاطره" فيخلط الأمور خلطاً مضحكاً بالفعل، بل لنقل: خلطاً مهزلياً إذا شئنا الدقة!

يقول الجنرال في بداية تعرضه لهذه المسألة: (الحروب المستمرة، والأعمال العدائية، والضحايا، والاستعداد للهجمات المضادة، جعلت من الأمن القومي العامل الحاسم. وطوال نصف القرن والقادة الإسرائيليون لا يسيرهم سوى الخوف من هجوم وشيك، في حين أن الفلسطينيين ظلوا يعيشون اللجوء من جديد والهرب بأرواحهم والانتقال من مكان إلى آخر. وعليه، فهل من العجب أن يكون حلم تحرير الأرض المغتصبة يمثل الهدف القومي المركزي بالنسبة لهم؟!) ص 188.

طبعاً، إذا سألت هذا الصهيوني العتيق عن تفصيلات الأسباب التي يقدمها للخوف من (الهجوم الوشيك) فستجد مثل تلك الكلمات المخاتلة: حروب مستمرة، أعمال عدائية، ضحايا (؟!!) استعداد لهجمات مضادة... الخ! وإذا سألته عما إذا كان الغازي الذي (يفتح عالماً جديداً) ليستوطنه على دماء سكانه يجب أن يقابل من قبل أولئك السكان بالزهور، أم إنه يجب أن يتوقع الرد على عدوانه بالدفاع المشروع عن النفس والمصير، فسيجيبك بأنه ليس معتدياً ولا مستوطناً، بل هو (عائد!) إلى "أرض الأجداد!" الذين عاشوا -إذا كانوا قد وجدوا أصلاً!!! -في هذه الأرض قبل خمسة وعشرين قرناً فقط، ولديهم ميثاق من (الرب!) شخصياً بأن تكون لهم، بصرف النظر عن وجود أي منطق معقول في هذا الذي يقوله!!

وإذاً لا فائدة من مجادلة أي صهيوني في مثل هذه المسائل. لكن السيد الجنرال المبشر الصهيوني يناقض أقواله مناقضة فاضحة. فالخوف من هجوم وشيك -مجرد الخوف- يقابله ذلك اللجوء المستمر من قبل الفلسطينيين للهرب أرواحهم والتنقل الدائم من مكان إلى آخر! أي عنف إذاً، وأية دموية مرعبة، تعرض لهما إذاً هؤلاء اللاجئون بحجة أن (القادة الإسرائيليين) خائفون من (هجوم وشيك)؟! أم إن المسألة برمتها كانت تطبيقاً ناقصاً لنظرية (التحريم) التوراتية، ونظرية (صيد الدببة جماعياً) كما صاغها هرتزل؟!!

رغم كل شيء، لنحاول متابعة الجنرال الذي يلح على فساد أسلوب استعمال القوة لحل المشاكل في فقرة تالية للفقرة السابقة بينما لا تزال ترن في أذهاننا أصوات خطا (الهاربين بأرواحهم)، مثلما ترن في آذاننا يومياً أنباء المجازر المدبرة لعرب الأرض المحتلة... وفي ظل حكومة رابين/ بيريس ذاتها!

يقول الجنرال مكملاً أفكاره، التي يبعثرها عمداً، حول (نظرية الأمن الإسرائيلي) الذي لا حدود له على مايبدو:

(إن التناقض بين تطلعات إسرائيل للأمن، وأمل الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه المغتصبة، لا يمكن حله من خلال المعادلة الجغرافية). لماذا؟!... لأن (إسرائيل بحاجة إلى العمق الاستراتيجي، والفلسطينيين يطالبون بنفس الأرض التي تمثل هذا العمق) ص188.

وتكمن الروح المهزلية المرحة في قول الجنرال هذا بتعارضِ مايقوله هنا مع أفكار سابقة كان قد صرح بها في فصول أخرى - وفي مؤتمر الدار البيضاء أيضاً- ولكنه هنا ينساها، أو يتناساها إذا أردنا الحقيقة!

لقد أعلن قبلاً، وبمنتهى الوضوح، أن (الأرض لم تعد مهمة في عصر العلم والتكنولوجيا). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو قد صدع أدمغتنا -كقراء- بأقواله عن تغيير مفهوم (العمق الاستراتيجي) في عصر الصواريخ البالستية وتكنولوجيا الحرب الحديثة التي لا تعترف بالمسافات ولا بطبيعة الأرض...ولا.... حتى إنه يلح على قارئه أن يفهم أن مفهوم (العمق الاستراتيجي) وضرورته صار شيئاً في ذمة الماضي!..

أما هنا فالأمر ينقلب رأساً على عقب. إن أمن إسرائيل، يتطلب (العمق الاستراتيجي) الذي يبدو أنه لم يعد ملعوناً في الاستراتيجية التي صنعتها التكنولوجيا العسكرية الحديثة!... إسرائيل تريد.. إسرائيل... خائفة.. إسرائيل....إسرا... هاتوا أرضكم التي لم تعد ذات قيمة، فالنزاع لا يمكن حله بالمعادلة الجغرافية! ومادام هناك "نزاع!" فلابد أن تكون هذه الـ (إسرائيل العجيبة!) على حق دائماً، ويجب أن تحصل على ماتريد!!

أليس هذا (الأمن الإسرائيلي) مهزلياً إلى درجة الوقاحة؟!!

تخيلوا جيداً مع السيد الجنرال: (في أعين الإسرائيليين، فإن خريطة بلادهم غير طبيعية، الأمر الذي يرفضون معه إقامة الدولة الفلسطينية لأسباب أمنية حتى وإن كانت الدولة المفترضة ستكون منزوعة السلاح) ص 188

أما كيف تكون خريطة بلد ما طبيعية أو غير طبيعية - وفي عصر تكنولوجيا الحرب الحديثة!- فهذه قضية كبرى لا تحلها سوى (الوصفة) المكتوبة في أشد (العيادات التلمودية) تخصصاً ومهارة!

وفي المفاوضات حول (إعلان المبادئ) في صفقة أوسلو ربح "الإسرائيليون!" حقهم بالخريطة الطبيعية!! ومثل العرفاتيون دور المستاء قليلاً حين تم شطب عبارة (مقايضة الأرض بالسلام)، وتمّ "عصر!" القرار 242 فلم تبق فيه قطرة ولو للتعبير عن الخجل من (الشرعية الدولية)!... ثم أنهى أبو العلاء فصل الاستياء المسرحي، وبدأ فصلاً آخر: قدم المعاهدة هدية للجنرال في عيد ميلاده! واختزل فلسطين كلها في "مخترة" تتسع لوجود فرقة موسيقية تعزف النشيد أمام عرفات، مع مخزن صغير لكامل نياشينه!!(*)

وإذاً فعلى أساس من نظرية (الأمن الإسرائيلي) ومن الأكاذيب الكبرى الثلاث الأخرى بخصوص: القومية الفلسطينية المستقلة كلياً عن الهوية القومية العربية -وهذه الأخرى هي: عرقية عربية، حسب تعبير الجنرال- وبخصوص (المكان الفلسطيني) الذي يرى الجنرال أنه (الأردن + بعض البقايا من الضفة) وبخصوص معنى اللجوء و"مواطنيات" اللاجئين: أردنية، وغير أردنية... من هذه الأكاذيب المعرفية والتاريخية المتكاملة، وعلى أساسها، سيقيم الجنرال الصهيوني المبشر مخططه في حل (مشكلة اللاجئين) و (المشكلة الفلسطينية) -حسب تسمياته هو- باعتبار ذلك كله بداية ضرورية وملحة للانطلاق السريع نحو إقامة (النظام الأقليمي). يقول الجنرال:

(أعتقد أنه بدون حدوث تقدم في حل المشكلة الفلسطينية -وعلى أساس صفقة أوسلو بالطبع! -فلن نستطيع حل الصراع العربي الإسرائيلي.... ومالم يتمّ حل الصراع فإنه سيكون من الصعب إن لم يكن مستحيلاً، بناء شرق أوسط جديد) ص189-190.

ويتساءل الجنرال بنبرة ممثل رديء في (الكوميديا المرتجلة) صهيونياً للحل:

(ألم يحن الوقت لإيجاد حل للقضية الفلسطينية؟! الجواب: نعم. وقد بدأنا هذه العملية تواً) ص190، ويقصد أنه أنجز صفقة أوسلو، أو اتفاقية "إعلان المبادئ" أو اتفاقية "غزة-أريحا أولاً" أو مايسمونه- بكثير من التساهل والاستخفاف -"الحكم الذاتي الفلسطيني"...- إلى آخره من التسميات التي تدل جميعاً على معنى واحد: هو تغييب فلسطين نهائياً وكلياً من خريطة العمل السياسي الفعلي، ومعها جميع قرارات مايسمى "الشرعية الدولية" التي عقد على أساسها مؤتمر مدريد... باستثناء التسمية اللفظية الفارغة، ليس غير!

ولكن، بما أن الجنرال قد بدأ تواً حل خيوط المكونات العربية الفلسطينية -لا حل قضية فلسطين!- بالتعاون الكامل مع صديقيه القديمين: جلالة الملك الحسين وفخامة "الرئيس!!.." عرفات، وبدعم من بقية الأصدقاء القدامى أيضاً، والمخلصين جداً: جلالة الملك الحسن في المغرب، وسلطان عمان، ورئيس دولة قطر، وشيخ إمارة البحرين في المشرق... فإنه يحدد مايجب البدء بالتصارع معه من (العناصر الأساسية المكونة للمشكلة الفلسطينية وهي: الحدود، التنظيم، والحكومة) ص 190.

أ- في الحدود:

بقدر مايبدو الجنرال صارماً في مايخص المتطلبات الصهيونية التي لا نقاش فيها، فإنه يبدو فكهاً بل مثيراً للسخرية حين يدعي "مراعاة مصالح الفلسطينيين وحقوقهم!!".. وفي البداية يقرر الجنرال: (إن الحدود- ولنتذكر هنا ودائماً أنه يتكلم على أساس ما اصطاده في صفقة أوسلو!-يجب أن تعكس التوزيع السكاني كما هو الوضع القائم حالياً. ولسوء الحظ-لا ندري هنا حظّ من؟!- فإن الصورة معقدة) ص190.

هل هناك صرامة أكثر من هذه في تقرير "إرادة إسرائيل!" بتثبيت الديموغرافيا والجغرافيا والسياسة عند النقاط التي تحصلت من مجمل تاريخ العدوان والاستيطان؟! وبالمقابل هل هناك ماهو أكثر مهزلية من قوله: (ولسوء الحظ فإن الصورة معقدة)، وذلك لغاية إلهاء قارئه عما "قرره" في الكلمات السابقة لهذه الأخيرة، عن طريق إدخال هذا القارئ في متاهة نقاش فارغ حول تعقيدات الصورة؟!

لاحظوا جيداً: (بعيداً عن الشكوك المتبادلة علينا، أن نتذكر أنّ كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين يعتبرون الأرض الواقعة بين النهر والبحر هي الوطن التاريخي لهم. وكلتا الأمتين تنظر إلى الهوية القومية والشخصية على أنها مرتبطة تماماً بالأهمية التاريخية)ص190 . حسناً!... رغم صحة هذا القول إجمالاً فإن الجنرال قد بدأ بتسخير أكذوباته المعرفية التاريخية ومجموع "الجهاز المفاهيمي الصهيوني" وراءها- لدفع أفكار(الخصم- نحن العرب) إلى التبني التلقائي لتلك الأكاذيب وبالتالي للجهاز المفاهيمي الذي ولدها.... حيث ما إن يبدأ ذلك التبني حتى ينزاح جهازنا المفاهيمي المضاد جانباً ثم يُرمي في سلة النسيان!!.. إن المساواة النظرية التامة في كلام الجنرال بين اعتبارات الإسرائيليين والفلسطينيين بخصوص الأرض والارتباط التاريخي بها -وضمناً: بالحق المتوازي فيها! - لم يكن لمجرد وصف الحقيقة القائمة وإنما لتمرير مفهومين مشكوك في صدق وجودهما الموضوعي كمعطيين ثابتين فعلياً:

- كلتا (الأمتين): أمّة فلسطينية بدل شعب عربي فلسطيني، وأمة يهودية لا تؤسسها إلا أصوليتها الدينية المبنية على مجموع مفهومي /طقوسي في التوراة والتلمود- حكايات مؤلفة بعنصرية فظة+ شروحها المختلفة-، وإلا تجمعها الاستيطاني ذو الأصول والفصول المعروفة!

- الهوية القومية لكلتا الأمتين: قومية فلسطينية مستقلة كلياً عن (العرقية العربية!!) التي انحدرت منها، وقومية يهودية سبق أن رأينا ماقاله الجنرال في وجوب نقائها العرقي ونظافتها العنصرية!!

هكذا إذاً يدير الجنرال نقاشه في المتاهة التي يخلقها عمداً لقارئه.. وبالتأكيد، هو لا يريد أن يتوقف هنا بل يكمل قافزاً إلى مايهمه:

(وهكذا فإن أي محاولة لترسيم الحدود ستثير المعارضة الشديدة... لدرجة أن أي معادلة بسيطة قد تتحول إلى سبب وجيه لتجدد الصراع) ص 190-191.

ولكن، بما أن "إسرائيل" هذه هي التي تحتل كل أرض فلسطين فإن "عدم ترسيم الحدود" - ووفقاً لقرارات "الشرعية الدولية" التي ألغيت بموجب صفقة أوسلو- يعني أن مجموع الخطط الصهيونية السابقة مستمر. وماسبق أن ذكرناه عن حجم الاستيطان في الضفة: قديمهِ وجديدهِ، هو أبرز الأدلة على صحة ذلك.. مع ملاحظة أن خطته المستقبلية لم تنكشف بالكامل!

والجنرال هنا لا يتركنا وحيدين في هذا الجزء من متاهته بل هو يقرر فوراً:

( من الناحية الاستراتيجية، فإن إسرائيل مهتمة بخط الدفاع المتقدم، والذي يبدأ بنهر الأردن) ص191.

وهذه الـ (مهتمة!) تفسر لنا أن انعدام أهمية (العمق الاستراتيجي) -ولو كنا نكرر الأقوال- إنما هو شيء يخص العرب وحدهم! أما (الدولة الصهيونية) فلا بد لها من (خط دفاع متقدم!) وهو -حصراً- نهر الأردن!!

وقد يفسر لنا هذا، بدوره، حدود خطط الاستيطان المستقبلية، سواء في سياسات الليكود التي يندد بها الجنرال... أم في سياسات حزبه هو: حزب العمل، والائتلاف الحاكم الآن بقيادته!... أما المعاظلات المفهومية، والتي يبعثر عناصر تناقضاتها الداخلية الحادة بين أجزاء كتابه ظناً منه بأنه يحكم إغلاق المتاهة على قارئه، فهي معاظلات يختارها العقل الصهيوني عمداً لتمرير مايريد. إنها إذاً جزء من "أسلوب العمل!" الذي يعبر به "الجهاز المفاهيمي" الصهيوني عن عبقريته في التزوير والمخاتلة!

ولنأخذ مثلاُ آخر شديد الأهمية على طريقة الجنرال في تمرير مايستهدف تمريره، يقول صاحبنا:

(أنا لا أؤمن بالشعار الفارغ الذي يقول: "الأردن هو فلسطين" والذي يتجنب الاعتراف بالمشكلة الفلسطينية كمشكلة قومية - المقصود: قومية فلسطينية، لا عربية! - رافضاً الحل السلمي، غير أنه، ومن زاوية قومية بحتة، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن الأغلبية من سكان الأردن من أصل فلسطيني(*) ) ص191.

وإذا جمعنا حجم الاستيطان إلى خط الدفاع المتقدم (الضروري جداً- بالطبع!- لأمن إسرائيل!!) ثم تذكرنا أكذوبة الجنرال عن أن اسم فلسطين كان يشمل الأردن الآن والأراضي المحتلة... إذا جمعنا كل هذه الأطروحات بعضها إلى بعض فكيف سنصدق أن الجنرال لا يؤمن بذلك الشعار الفارغ "الأردن هو فلسطين"؟! بل كيف نصدق أن الجنرال لا يعمل فعلاً لتحقيق هذا الشعار؟! وأن أكذوبته حول عدم إيمانه به هو مجرد جدار آخر في متاهة أطروحاته؟!!

على أي حال، لننتظر، فلم يتبقَّ لدى الجنرال الكثير كي يكشف لنا -بنفسه!! - عن كل شيء نخمنه نحن!!

ولكن هل إن الجنرال لا يطرح موضوع "خط الدفاع المتقدم" والذي "يجب!!" أن يبدأ من نهر الأردن، إلا لغاية استيطان مايريدون استيطانه من الضفة الغربية؟! أم إن هناك -في أمن إسرائيل العزيزة!!- ماهو أهم؟!

الجنرال، رغم تبشيره المستميت بنظامه الإقليمي الذي "سيرعى فيه الذئب والغنم معاً" كما يقول أحد أمثالنا الشعبية، لا يتركنا نفكر كثيراً في الإجابة. إنه يقول مباشرة: المسألة هي "مشكلة المياه" -راجع ص191- وببساطة، هو يريد صراحة مياه نهر الأردن، ولهذا (فالخطوط الحدودية- مع دولة فلسطين: أي ماسيتبقى من الضفة الغربية بعد تمام خطة الاستيطان- لا يمكن أن ترسم بدون الاتفاق على طبيعة الحدود. نحن بحاجة إلى حدود مرنة وليست صلبة يستحيل النفاذ منها. فالحدود ليست جدراناً) ص191-192 وهذه الحدود التي ليست جدراناً هي (حدود العرب) أما حدود الكيان الاستيطاني فهي من نوع الصّوان، وإلا فكيف يمكن أن يصمد مفهومه عن (النقاء العرقي للدولة القومية اليهودية) كما سبق أن رأينا؟! وهو على أي حال، يفصح عما يريد ولوبصورة مواربة إذ يقول: (ليست بنا حاجة لإحاطة أنفسنا بجدران لن تعزز سيادتنا القومية)ص 192.

وبصرف النظر عماسيقوله حول مايعنيه (بالحدود المرنة) فإنه يفكر أصلاً بالمياه الجوفية في الضفة، فلقد قال عندما طرح (مشكلة المياه) وصلتها بالحدود هذه العبارة ذات الدلالة العميقة: (المياه تجري في الأعماق دون أن تكشف أماكن وجودها لواضعي الخرائط، في الماضي والمستقبل). وهكذا. فاحتياطي المياه الجوفية في الضفة مطلوب أولاً "لدولته! " ، وعلى أساس ذلك ترسم الحدود المرنة. والجنرال لا يريد أن يخوض مقامرة ليست رابحة سلفاً! وذلك أيضاً أحد الأسس التي يتحرك عليها الجهاز المفاهيمي الصهيوني!!..

ولن نلتفت هنا إلى "مكروراته" عن المردود الاجتماعي/ الاقتصادي/ الديني لما يعنيه -حسب قوله أو ادعائه- من أن الحدود المرنة هي "حدود مفتوحة للحركة الحرة" فهذا مللنا من اجتراره... لكننا سنتوقف عند عبارته التي يوردها في سياق مفعم بنزعة "إنسانوية" تظهر سمجة جداً خلال حديثه الابتزازي الواضح. إنه يقول: (إنها -أي الحدود المرنة- الطريقة الأمثل لحل مشكلة المياه) ص192، وبالطبع، فإن المغفلين وحدهم يمكن أن يفكروا بأن (الطريقة الأمثل) التي يعنيها قد تخدم أحداً غير (دولته الاستيطانية)!

لكن الحدود المرنة ستنقلنا إلى مشكلة أخرى لا تقل أهمية -من الوجهة المعنوية والاعتقادية- عن أهمية مشكلة المياه من الوجهة النفعية المعاشية.... إنها "مشكلة القدس". وبمنتهى الصراحة الصفيقة يقول الجنرال: (في الوقت الذي نصر فيه على الحفاظ على وضع القدس كمدينة موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، فإن إسرائيل تفهم تماماً أهمية المدينة المقدسة لدى المسيحيين والمسلمين وكذلك اليهود) ص192، وفي صفقة أوسلو لا نعتقد أن الجنرال قد تنازل عن هذا الإصرار، الأمر الذي يجعل السيد عرفات مجرد كذاب مخادع حين يدلي بتصريحات مناقضة تماماً لقولة الجنرال السابقة بخصوص مدينة القدس!

على أن الجنرال لايجعل الأمر يتوقف على القدس بل هو أيضاً يشمل كل مدينة أو بلدة فيها مكان مقدس: إسلامي، أو مسيحي، أو يهودي.

يقول الجنرال لاحقاً: (ليس هناك بلد مثل إسرائيل يضم مثل هذا العدد من الأماكن المقدسة)ص193. وهكذا تكون الضفة قد "ابتُلعت" مفهومياً -على الأقل!- في تصورات الجنرال وخططه، ولعل هذا يفسر لنا معنى "تخلي! " دولة الكيان الصهيوني عن (غزة وأريحا) ليس غير، في صفقة أوسلو... فكلتا المنطقتين "ملعونة توراتياً"، ومن لا يصدق فليقرأ سفر يشوع، وسفر القضاة، والملوك الأوَّل، بشيء من التمعن والتعمق!

وفي نهاية الأمر فإن الجنرال "ينعم!" على الفلسطينيين ببضع عشرات أو مئات من الكيلومترات المربعة تتوزع كالفسيفساء على خريطة الضفة، مطوقة بالصهاينة ومستوطناتهم... ومجردة من السلاح، إلا إذا اعتبرنا مسدسات شرطة عرفات، البنادق المخصصة لقمع المعادين من الفلسطينيين سلاحاً!... وهذا هو كل مايسميه الجنرال (الكيان الفلسطيني)، وتلك هي حدوده المرنة المفتوحة!!

ب- في الهيكلية:

إذا كانت تلك هي الحدود المرنة المفتوحة، وإذا كان ذلك هو (الكيان الفلسطيني)- وهذه التسمية هي للجنرال ذاته- فإن "الهيكلية" تفرض نفسها تبعاً لذلك. فما هي هذه الهيكلية، وكيف، وفق منطق الجنرال؟!

يقول صاحبنا المبشر في مستهل هذه الفقرة: (توجب طبيعة الحدود المرنة أن نوافق -لاحظوا الكلمة جيداً!- ليس على المتطلبات الأمنية الأساسية فحسب، بل أيضاً على الهيكل السياسي الذي يتناسب تماماً مع إمكانيات وأوجه القصور في المنطقة، وهو الكونفدرالية السياسية الأردنية الفلسطينية، مع ترتيب "بناء" أردني فلسطيني إسرائيلي خاص بالعلاقات الاقتصادية حيث سيكون المثلث الاقتصادي يمثل السقف، والإطار الثنائي يمثل الأرضية). ص 194

هل الكلام واضح؟!... حسناً.. إن البقايا الفسيفسائية من فلسطين المحتلة ستكوّن مايسميه الجنرال (الكيان الفلسطيني)... وهذا الكيان المبعثر المبدد ليس مهماً إن كانت (خريطته غير طبيعية) في نظر سكانه-على نقيض مايجب أن تكون عليه خريطة الدولة الاستيطانية! -وليس مهماً أن يكون له أي عمق استراتيجي أو تكتيكي مادام سيكوم مجرداً من السلاح!! فالحلول لمثل هذه المتطلبات ستكون في الكونفدرالية مع الأردن الذي (أغلبية سكانه فلسطينيون!) كما قال الجنرال. وفوق هذا فإن (الكونفدرالية هي الهيكل الذيسيسمح للمملكة الهاشمية والكيان الفلسطيني بالعيش معاً بسلام)!! ص 195- وبصرف النظر هذه الدسة الخبيثة التي تفترض وجوب الحرب بين الفلسطينيين والأردنيين بدون كونفدرالية، فإن هذه الأخيرة ستشكل (مثلثاً اقتصادياً) مع "إسرائيل!"حيث ستقوده هذه بالضرورة، وبحكم سائر الشروط السياسية والمالية والتكنولوجية لأطراف هذا المثلث! وبه تكون (الدول الاستيطانية) قد ضربت -في هذه الضربة الأولية - مجموعة عصافير بحجر واحد: إقرار مشروعية وجودها الاستيطاني، وتصفية قضية فلسطين- بل فلسطين ذاتها- نهائياً، ثم افتتاح "مجال حيوي" أولي لاستثمارات الرساميل الصهيونية التي تصبح عبر مؤسسات الكونفدرالية" قادرة على الغزو الفعّال لجميع أنحاء الوطن العربي، سواء نجحت فكرة النظام الإقليمي أم لم تنجح(*) !!

ولا ينسى هذا المبشر الصهيوني "الورع!" أن يلعب على حبل تعميق الاختلاف بين الفلسطينيين والأردنيين إلى حد جعلهما من (قوميتين متمايزتين!) يقول معلقاً على إمكانية التعايش بين "الشعبين" متناسياً ماكان قد قاله من أن "غالبية سكان الأردن من الفلسطينيين" -اللاجئين بالطبع!-:

(الفروقات بين الشعبين الأردني والفلسطيني لا تستند إلى خلافات ثقافية أو دينية أو تقاليدية أو عرقية، بل لعبت الظروف والأحداث السياسية، على إبراز مثل هذه الخلافات. وباستثناء الهوية القومية الخاصة لكل من الفلسطينيين والأردنيين، والتي تميزهما عن بعض، فإن الشعبين من أصل واحد، الأمر الذي يعكس السمة التي توحدهما)!! ص 195.

ومثل هذه التوكيدات التي تصب جميعاً في نفي القومية العربية -حيث الحرب الصهيونية عليها معلنة ومستمرة بسائر الأشكال والأساليب- هي جزء من تعبيرات الجهاز المفاهيمي الصهيوني عن نفسه، وهي منطلق أساسي وجوهري في فكر الجنرال وخططه وتصوراته كلها!

ولكن لنتابع هيكلةَ هذه الكونفدرالية في أحلام الجنرال: (إن الجيش الكونفدرالي سيتركز شرقي النهر، وهذا مع نزع سلاح الضفة الغربية.. سيؤمن لإسرائيل العمق الاسترتيجي)ص 196.وبالتأكيد، ليست لهذه التصورات جميعاً أية غاية سوى انتزاع المزيد من حقوق العرب وإضعافهم لمصلحة "إسرائيل" وتعزيز قوتها. ولا حاجة لمزيد من التعليق على فكرة الجنرال السابقة. أما المغفلون فهم وحدهم من يتصورون أن الخصم يمكن أن يعطي خصمه الحبل الذي سيشنقه به!

جـ- في الحكومة:

في الفقرة التي أفردها الجنرال للكونفدرالية ميَّز لنا بين كل من الدولة العادية، والفيدرالية، والكونفدرالية. فالفيدرالية هي مفهوم (يستند فيه الهيكل السياسي على المركزية الجغرافية للسلطة السياسية وأنشطتها... ويمكن التفريق بين الدولة الفيدرالية والدولة العادية من خلال ثلاثة أمور هي: تمتع المناطق بدرجة عالية من صلاحيات الحكم الذاتي، وتوزيع الصلاحيات على هذه المناطق بالتساوي، وتشكيل حكومة مركزية تمثل فيها المناطق بصورة عادلة. والفرق بين الفيدرالية والكونفدرالية مرتبط بالوضع القانوني للحكم المحلي. ففي حالة الفيدرالية يكون للقانون الفيدرالي الأولوية في التطبيق على القانون المحلي، أما في حالة الكونفيدرالية فالعكس هو الصحيح)ص 197.

ويضيف الجنرال على ذلك في هذه الفقرة الجديدة -فقرة: الحكومة- قوله: (إن لشكل الحكومة أهمية في مايتعلق بخيار الكونفدرالية. فهناك رابطة داخلية بين الكونفدرالية والنظام الديمقراطي علىاعتبار أن السلطة في النظام غير الديمقراطي تكون مركّزة في يد رأس النظام مما يفرض قيوداً كبيرة على الحكومة المحلية وممثليها) ص 198 وشرح تلك الرابطة هنا، يقوم على أنه في الأردن (نظام دستوري ملكي شهد مؤخراً انتخابات ديمقراطية وتعدد الأحزاب الأمر الذي يجعل من البلاد تربة خصبة لتطوير فيدرالي"؟؟!")، إذاً فالأردن صار ديمقراطياً!.... وشهادة الجنرال الصهيوني هذه في صديقهم القديم/ الجديد-جلالة الملك حسين- ليست غير ذات شأن أو أهمية هنا!! بل لعل الصهاينة أنفسهم هم من أوحوا لذلك "الصديق" بعملية "تغيير القناع" تلك!

ويعرج الجنرال - بعد أن يوحي بضرورة وضع الكونفدرالية "أمانة" في عنق الملك الديمقراطي، استعداداً للفدرالية اللاحقة والإلغاء التاريخي الكامل لفلسطين وشعبها(*)- على تعقيدات الوضع الفلسطيني، حيث المنظمة -يقصد عرفات وزمرته- تقود تحالفاً (دون اختيار حر) وهذا التحالف مضطر للصراع ضد عدد من (منظمات الرفض التي يتخذ بعضها من دمشق مركزاً له، في حين يتلقى البعض الآخر -يقصد حماس والجهاد الإسلامي في الداخل الفلسطيني- أوامره من القيادة الروحية في طهران) ص198 . وهذا الوضع -إضافة إلى الصعوبات المالية التي صار يعانيها العرفاتيون بعد انقطاع (أموال النفط عنهم، بعد حرب الخليج)ص199 - يحيل إلى "الملك الديمقراطي الصديق" واجب المساهمة الفعالة الأولى المباشرة في المشروع الصهيوني : (مثلث الكونفدرالية وإسرائيل!) ليس في الصراع فقط ضد منظمات الرفض، وإنما: ضد دمشق وطهران أولاً بأول.ولم يتأخر الملك - الديمقراطي والصديق القديم للصهيونية- بل بادر فوراً إلى توقيع "صفقة وادي العربة" كي ينجز عملية (عزل دمشق) وإضعاف موقفها في المفاوضات الجارية، ثم عمد فوراً إلى إثارة زوبعة غبار (ديمقراطية جداً!!) حول أحقيته في "الإشراف! " على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس!!

وقد يبدو كل هذا غير ذي صلة بفكرة الجنرال المبشر عن (الحكومة)، لكن.. لو تأملنا ملياً ماسبق قوله لوجدنا روح المطالب الصهيونية حول أية حكومة "ستدير الكونفدرالية" موجودة بقوة!!

على أن الجنرال لا يترك فصله هذا قبل أن يتحدث عن (وجوب الانتخابات) داخل "المخترة العرفاتية" حيث على عرفات (خلق سلطة الأغلبية المنتخِبة في وجه أقلية مسلحة متعصبة) ص199. ويبدو أن حكومة الجنرال قد رأت أخيراً أن "هذه الأغلبية" غير موجودة ولا ملتفة حول عرفات، ولا مهتمة بصفقته في أوسلو!... فراحت تعيق كل ماكان قد تقرر في (مبادئ) الصفقة، حتى إنها أوقفت فعلياً كل "تقدم" في ذلك الطريق غير السالك!!

ولكن ماذا لو حدثت الانتخابات التي يريدها الجنرال المبشر؟!

يجيب الجنرال: (الانتخابات في الأردن، وبين الفلسطينيين، ستخلق القاعدة الديمقراطية لكونفدرالية أردنية- فلسطينية، ومثل هذا التطور سيقود إلى تقاسُمِ سلطة قائمة على الأيديولوجية، والمتطلبات الحالية، بدلاً من القضايا التاريخية والحقائق التي عفا عليها الدهر.). ص199.

أما ماهي تلك (القضايا.. والحقائق التي عفا عليها الدهر)؟! فهي بالطبع، قضية فلسطين وانعكاساتها العربية.. برمتها!! وهذا ما سيظهر تفصيله في معالجتنا للفصل الأخير من كتاب الجنرال، حيث ستتضح أمامنا صورة "السلام!!" المعروضة على العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً، اتضاحاً كاملاً ونهائياً!

-3-

وإذاً هانحن أخيراً أمام جوهر القضية التي خلقها العدوان الاستيطاني الصهيوني عبر نحو من سبعين عاماً.. أمام قضية اللاجئين التي يحيلها الجنرال، لغوياً، إلى مجرد "مشكلة" بسيطة!

ولنوضح بهذه المناسبة أن كلمة (قضية) تحمل في دلالاتها السياسية جانباً مصيرياً إذ ترتبط، في الوعي السياسي العربي، بفكرة أن (الصراع صراع وجود) بينما تحيل كلمة "مشكلة" إلى فكرة أن (الصراع صراع حدود) وهي مايريد الجهاز المفاهيمي الصهيوني أن يعممه: وعياً واستعمالاً دلالياً في التعبير السياسي العربي. "*".

ولن نتوقف لحظة عند (الزعبرات) الإنسانوية التي يتشدق بها الجنرال المبشر، فهي ليست مجرد (زعبرات) لا يعنينا أن نناقشها لعموميتها، بل أيضاً لأننا قد خبرنا طويلاً مثل هذا "الدجل المعد للتصدير" من قبل الصهاينة، والذي يعتمد على التباكي بدموع التماسيح على مآسٍ عالمية، لو أنها درست موضوعياً وبدقة لوجد الدارسون أن "الأيدي الصهيونية" ضالعة فيها جميعاً إلى الكتف، إن لم تكن من "الصناعة المحضة" لتلك الأيدي القذرة‍‍! باختصار، نحن لا نصدق هذا الجنرال الصهيوني بتاتاً.. لأن الواقع العملي ذاته يكذبه دائماً، ويومياً، ودون توقف!!

فلننظر إذاً في مايهمنا: في طريقة النظر الصهيونية لقضية اللاجئين، وفي "أطروحات" الجنرال لحل هذه القضية، داخل (الصيغة الجديدة) من الحرب التي سبق أن حللنا كيف يعلنها على (الهوية القومية العربية)، وعلى المصير العربي العام برمته.

مبدئياً يدخل الجنرال إلى فكرة تبدو أشبه بالدعابة السمجة، وإن كانت تخفي خبثاً لا يمكن تجاهله، يقول الجنرال المبشر: (لاجئو حرب 1948 ليسوا فقط من اليهود، فمعظمهم من العرب الذين كانوا يعيشون في المناطق التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية، وفروا من ديارهم حتى قبل قيام مختلف المؤسسات الحكومية وقوات الدفاع الإسرائيلية) ص203 و 204- ولابد أن القارئ -حتى اليهودي!- الذين يملك قليلاً من الحس الموضوعي والإخلاص للحقيقة، سيرفع حاجبيه متسائلاً باستغراب: لاجئون يهود نتيجة حرب 1948؟!! كيف؟! وأين؟!! إن الدعابة السمجة تكمن هنا. وإذا كان الجنرال يعني بهم "الموسويين العرب" الذين هربوا إلى فلسطين للمساهمة بإنشاء (الدولة القومية اليهودية العرقية النقية سواء بتحريض صهيوني مباشر، أو بدفع من (النظم العربية الحاضنة) آنذاك للمشروع الاستيطاني الصهيوني، مثل نظام العراق الملكي وأشباهه، فكيف يمكن إدخال هؤلاء في التسمية: "لاجئين" حسب منطقه -وحسب الجهاز المفاهيمي الصهيوني أصلاً -الذي يصر على أنه من "حق!" بل من واجب، كل يهودي في العالم أن يعود إلى (أرض الميعاد!!) بعد خمسين جيلاً من الشتات ويساهم في إعادة (إنشاء الدولة!) تنفيذاً لوعد الرب؟!!...

وأما إذا كان يعني بهم أولئك "الموسويين" -ولنقل اليهود- الذين مازالوا يعيشون في أقطار عربية عديدة منذ ألفي عام دون أن يفكروا بالتجمع في فلسطين مرة واحدة خلال كل هذا التاريخ الطويل، (*) فإن الجنرال إنما يقدم لقارئه بصفاقة إحدى كذباته الخرقاء الكبيرة، إذ لا صلة لأحد من هؤلاء بحرب 1948 لا من قريب ولا من بعيد!

غير أننا، في الحقيقة، سنجد أن الجنرال يعني (باللاجئين اليهود) القسم الأول، وسنرى بعد قليل عنصر الخبث الكامن وراء تلك الأطروحة المنافقة‍‍!

إذاً هناك -في واقع الحال- لاجئون عرب! وهم لم يفروا قبل قيام دولة الكيان الاستيطاني إلا تحت تأثير الضربات الإرهابية الفظيعة للعصابات الثلاث المشهورة التي شكلت نواة (جيش الدفاع) بعد إعلان "الدولة!": عصابات الهاغاناه، وشتيرن، والأرغون، التي لا يمكن -ولا يحق- لأي عربي أو إنسان يمتلك ذرة ضمير نسيان "تاريخها" الدموي الأسود!

وإذا كانت الكذبة الخرقاء الأولى هي إدخال مقولة (اللاجئين اليهود) إلى أساس البحث في (قضية اللاجئين) عموماً فإن الكذبة الثانية -وهي لا تقل خراقة وابتذالاً وتزويراً للحقائق التاريخية عن سابقتها- فهي افتراؤه على أسباب اللجوء، إذ يطمس الأسباب الحقيقية ويهيل عليها "تراب دجله الصهيوني" فيزعم أن العرب الفلسطينيين (فروا من ديارهم.. من المناطق التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية) ص203، هكذا دون أن يكون للمستوطنيين القادمين من سائر جهات أوروبا، وفق تخطيط مسبق محكم، أي دور في ذلك!!

ولكن الجنرال لن يكتفي بهاتين الكذبتين قبل أن يطرح حلوله لما يسميه (مشكلة اللاجئين)، بل هو سيمهد "أرضاً واسعة" من الأكاذيب كيما يتمكن من طرح تلك الحلول في صيغتها النهائية، رغم معرفته -باعتباره على مايبدو خبيراً في الطبخ!- أن أحداً (لا يستطيع أن يعد العجة ببيض فاسد)... مع ملاحظة أن (عجة الاستيطان) أخذت تتكشف للعالم عن "شويط" قذر!

إن الكذبة الكبرى الثالثة التي يفرشها الجنرال كجزء من "أرض الأكاذيب الواسعة" التي سينصب "خيمة" حلوله عليها هي ادعاؤه بأن جوهر الخلاف المستمر بين (كيانه الاستيطاني) وبين الدول العربية منذ عام 1948 كان حول من يتحمل المسؤولية عن خلق "مشكلة اللاجئين" الفلسطينيين! (فالجانب العربي يقول إن إسرائيل هي المسؤولة نظراً لأنها تحتل الأراضي التي كان يعيش فيها هؤلاء اللاجئون قبل الحرب، ونظراً لأن القوات الإسرائيلية رحّلت هؤلاء الناس من بيوتهم... ومن جانبها، ترفض إسرائيل هذه الاتهامات، ويضع الناطقون باسمها المسؤولية على الزعماء العرب نظراً لأنهم طلبوا من السكان مغادرة مناطق المعارك، وكان أملهم العقيم هو أنهم سيكسبون المعركة بسرعة)ص204، وقبل أن نفصل في هذه الكذبة يجب أن نوضح أنها كذبة مرتجلة من سلسلة من الأكاذيب التي يدير فيها الجنرال "مؤخرته" الصهيونية لكل الحقائق التاريخية التي مازالت تتفاعل حتى الآن دون أن يكون أحدٌ أو شيء قادراً على إيقاف هذا التفاعل. وهنا يجب أن نلفت الانتباه إلى أن صاحبنا يشرح مضمون الكذبة الثانية حين يدعي أن الزعماء العرب إبان حرب الـ 48 قد طلبوا من السكان (مغادرة مناطق المعارك)، وهكذا تكونت "حالة اللجوء" ليس غير!

حسناً. الجنرال وجيله الأشكنازي (خاضوا تجربة إقامة إسرائيل الحديثة في "العالم الجديد! " الذي فتحوه) هنا في فلسطين حسبما كان هو نفسه قد أخبرنا في أحد فصوله السابقة، فهل كانت (الأرض المفتوحة!) خربة وخالية أم كانت عامرة بسكان عرب، قتلت المنظمات الإرهابية الصهيونية الثلاث من قتلته منهم، وأجبرت الباقين على التشرد واللجوء؟! وبالتالي، كيف أمكن للامبرياليين أن يساعدوا على قيام (الكيان الاستيطاني الصهيوني)، إن لم يكن على حساب العرب سكان الأرض؟!

الأجوبة أشد وضوحاً من أن نجادل فيها. فالعشرون ألف يهودي من السكان الأصليين في فلسطين ليسوا هم من (حقق الرب معجزة وعده التوراتي على أيديهم!!) فأقاموا "الدولة! ".

ثم، من جهة أخرى، من هم أولئك الزعماء العرب الذين قادوا حرب 1948 أو ساهموا في قيادتها؟! لنعددهم:

الملك فاروق ملك مصر، الأمير عبد الله جد الملك حسين صاحب إمارة شرقي الأردن آنذاك، نوري السعيد الذي كان يحكم العراق هو والأمير عبد الإله باسم الملك.. أما سورية ولبنان فكانتا قد استقلتا حديثاً جداً ولم يكن لديهما زعامات قوية أو معروفة، ولاحتى قوات حقيقية، بل كان منهما " متطوعون" ووحدات عسكرية بدائية صغيرة جداً . فما هي صلة تلك الزعامات بالمشروع الصهيوني، علماً بأن كلاً من فاروق وعبد الله وعبد الإله كانوا يحكمون أقطاراً عربية تحت سيطرة الإنكليز الذين هم منشئو الصهيونية، ورعاة مشروعها الاستيطاني، والعاملون على تنفيذه حتى اللحظة الأخيرة، مثلما كانوا هم "المنتدبين" على فلسطين/ أرض المشروع المعتمد؟!! هل سيدعي الجنرال أن أولئك الزعماء لم يكونوا عملاء للامبرياليين الذين نصّبوهم حكاماً، وأجراء للصهيونية بالتالي؟! ثم من هو القائد العسكرية الفعلي لحرب 1948 في الجانب العربي؟! أليس ذلك الانكليزي / الصهيوني: غلوب باشا؟!!

إن الجنرال بيريس يعرف جيداً أن (عجته التلمودية الصهيونية قد أعدت سلفاً وببيض فاسد)، وأن حرب 1948 لم تكن إلا الغطاء المسرحي التراجيكوميدي لكل مآسي العرب اللاحقة على أيدي "صهاينته الأفاضل!!"...

ولنسلّم -جدلاً- مع الجنرال بأن "إسرائيل" التي أنشئت بموجب قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في ذلك العام قد صارت (أمراً واقعاً!) لا تستطيع قوة على وجه الأرض -حسب تعبير سابق له- أن تنهي وجودها "كوطن قومي لليهود! "... فما الذي دفعها بعد "اتفاقيات الهدنة" إلى أن تتمطى -عبر مجازر لا حصر لها، وعبر حربين كبيرتين اثنتين شاركت في أولاهما كطرف رئيسي عام 1956 وشنت الثانية "بمفردها! " عام 1967 حتى تبتلع كامل فلسطين، وتحاول أن تبتلع معها أرض الجولان السورية، مع كل ماترتب على ذلك من عمليات لجوء جديدة؟!

إن الجنرال إذا كان يدير "مؤخرته الصهيونية" لحقائق التاريخ القريب المستمرة في التفاعل، فإن حركة التاريخ لا تدير ظهرها لحقائقها إلا بعد استيفاء مستحقاتها كاملة، شئنا ذلك أم أبيناه!

 

وعلى أي حال، فإن الجنرال الذي مهّد -حسب اعتقاده- هذا الجزء من "أرض دجلِهِ" على الحقيقة، حتى الآن، إنما هو يبغي إطلاق السؤال الخبيث التالي:

(هل يجب أن تعتبر إسرائيل مسؤولة عن حقيقة أن البلدان العربية لم تستوعب اللاجئين العرب بنفس روح التضحية والأخوة التي أبدتها إسرائيل تجاه لاجئي الحرب من اليهود؟) ص204.

إذاً.. هل نحن هنا أمام مطلب راهن -رغم إظهاره في لباس عتيق- هو: على الدول العربية أن تستوعب اللاجئين الفلسطينيين فيها، لأنهم لم يعد لهم حق في (ماتخلوا عنه بفرارهم عند إخلاء أرض المعارك!!).. ونحن هنا أيضاً أمام الكذبة الأولى، ولكن بإخراج جديد: فحرب 1948 سببت "اللجوء!" لأعداد كبيرة من اليهود(؟!) واستوعبتهم "إسرائيل!" بروح تضحية وأخوة (؟!).. وهذه أمثولة يجب أن يقتدي بها العرب وزعماؤهم!!

والجنرال يدعي أنه إذا ظلت المجادلة قائمة في مثل هذه "الأمور!" (فلا شيء سيحل هذا الجدل) ص204. وهو بذلك يطلب أن "نبصم" له موافقين ونمضي وراءه! غير أن الحقائق المستمرة لا تسمح -مع الأسف!! - بتلبية مثل هذا الطلب للسيد الجنرال/ الذئب الدموي الصهيوني الذي تعهد بأن يصير (جاراً طيباً، وصادقاً!!!) - أي نعم: طيباً وصادقاً- كما رأينا من قبل!...

سنصرف النظر عن كذبه الفاضح بخصوص أن بن غوريون- الذي كان رئيس الوزراء ووزير الدفاع في حرب الـ 48-(لم يصدر أبداً أمراً بطرد الناس من أراضيهم وبيوتهم... وأن قوات الدفاع الإسرائيلية لم يكن لديها أبداً استراتيجية التهجير، وما حدث كان نتيجة غير مخطط لها للظروف المأساوية للحرب في غمرة دعوات من الزعماء العرب للهرب)ص205 وسنصدق أن "الزعماء" الذين عددناهم قبلاً تولوا أمر التهجير نيابة عن الصهيونية بحكم ضلوعهم في المخطط، بعد أن وضعوا في مراتب القيادة (للنظم الحاضنة للمشروع الاستيطاني).

غير أننا لا نستطيع إلا أن نخالف الجنرال ونجادله في قضية (لاجئي الحرب اليهود) -والذين دفعهم أولئك الزعماء دفعاً للذهاب إلى فلسطين كجزء من دورهم في المخطط - وسيكون جدالنا له من فمه هو! يقول الجنرال:

 

 

(لقد فر نحو ستمائة ألف فلسطيني من إسرائيل خلال حرب الاستقلال في عام 1948، بينما استوعبنا عدداً مساوياً من اللاجئين اليهود الذين فروا من البلاد العربية. حوالي ستمائة ألف يهودي من مجموع عدد السكان البالغ حوالي 940 ألف شخص، واللاجئون اليهود من البلاد العربية جرى استيعابهم على الفور في إسرائيل وأصبحوا مواطنين كاملين يتمتعون بحقوق متساوية) ص205.

ستمائة ألف مهجر عربي مقابل ستمائة ألف يهودي (فارّ!!) - وبتأثير الحرب!! - من البلاد العربية.. وفوراً أخذوا أمكنة المهجرين الفلسطينيين وبيوتهم وأراضيهم وصاروا (مواطنين إسرائيليين!!) كاملي الحقوق، فوراً!!....

لاحظوا تطابق الأعداد. واضحكوا -وإن بمرارة!- من (روح التضحية الإسرائيلية!) حين يعطي قادة الكيان الاستيطاني أملاك الفلسطينيين المهجرين وبيوتهم وأراضيهم "للفارّين السفارديم" ليتحول (اللجوء اليهودي!!) إلى استيطان يدعم "دولة إسرائيل الحديثة!" في وقت لم تكن غالبية يهود العالم العاديين تصدق شيئاً مما يعلن عن "المشروع" المبرمج الخفي!!

إنها حقاً "تضحية اشكنازية" هائلة! لكن الجنرال يكذب في نقطة هامة هي: أن اليهود الشرقيين (السفارديم) قد تمتعوا بحقوق متساوية مع (الأشكنازيم) الأوروبيين داخل الكيان الاستيطاني! فالشوفينية العنصرية التي تشبع بها (لخزر الأشكنازيم) في أوروبا أظهرت نفسها بفظاظة على (السفارديم) في الداخل.. وهذه القضية التي هي محصلة (تلفيق مجتمع إسرائيلي!) من أخلاط غريبة من البشر تجمعهم الطقوس الدينية وحدها، معروفة لنا كعرب، ولغيرنا في العالم، معرفة أوسع بكثير مما يتخيله السيد الجنرال!!

ألم نقل إن الجنرال وصديقه بن غوريون، وجيله كله، قد (أعد عجته التلمودية ببيض فاسد) أكثر مما يقدّر هو ذاته؟!

وهكذا، فبعد أن ظن الجنرال أنه قد أعد "أرضاً راسخة" من تزويراته وأكاذيبه، ينتقل إلى طرح "الحلول" لقضية اللاجئين العرب. ويعيد مجدداً -كمنطلق له- لومه لزعماء الدول العربية (بصرف النظر عن الأردن بقيادة الملك حسين) (*) ص206، على أنهم (أطالوا مشكلة اللاجئين في أماكن سكنهم المؤقت... خشية الفوضى وإدخال الأفكار الثورية... كما إنهم كانوا يسعون أيضاً إلى استخدام مشكلة اللاجئين كعنصر سياسي رئيسي في صراعهم ضد إسرائيل) ص206.

ولن نتساءل لماذا استمر جيل جديد من الزعماء العرب، في مصر وسورية على وجه الحصر تقريباً، في الصراع ضد إسرائيل لو لم تكن هناك أسباب جوهرية تخلقها السياسيات الصهيونية: التوسعية على الأرض، والابتزازية في مجال الاقتصاد شراكةً مع الامبرياليين، والحضارية التي تستهدف إلغاء الهوية القومية العربية التي هي -معبراً عنها بالوحدة العربية- الشرط الرئيسي لبقاء العرب أحراراً وأقوياء، ومبدعين في السياق الحضاري الإنساني للبشرية المنكوبة ببراغماتية عصر الرأسمال!...

على أن ماهو ملفت للنظر هو أن السيد الجنرال المبشر لا يفوِّت فرصةً ليوجد تبريراً لتصرفات إسرائيل العدوانية المتجددة بصورة مستمرة تجاه العرب. ودائماً: الاستيطان، والمزيد من الاستيطان، هو المنطلق!

فبعد لوم الزعماء العرب على أنهم لم يخلصوه وكيانه الاستيطاني من (مشكلة اللاجئين!!) -باستثناء الحسين الذي لم يقصّر، حقاً!! -وفيما هو يلوِّح لنا بحل: (متفق عليه، وعادل، ومعقول) ص206- نجده يسرع إلى تبرير استقدام (المليون مستوطن يهودي) من الاتحاد السوفييتي- ولنفكر جيداً كيف سيمكن استيعابهم في الكيان الاستيطاني دون توسع عدواني جديد في الأرض العربية!- ولكنه يُخرج ذلك التبرير بأسلوب النفاق الصهيوني المألوف المعتمد على التمويه والمواربة؛ ودون أن يفوته الغمز من (قلة إنسانية العرب!!): (اليوم توجد مرة أخرى أعداد ضخمة من اللاجئين في أوروبا نتيجة صراعات عرقية اندلعت في غمرة انهيار الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفياتي. فهل يعقل أن يظل هؤلاء الناس التعساء لاجئين طوال ست وأربعين سنة من الآن؟! ألا يبدو أكثر عقلانية الافتراض بأنهم قد استوعبوا وحصلوا على جنسية جديدة قبل أن يمضوا هذه الفترة الطويلة) ص206 لاحظوا مدى (إنسانية كيانه!!) إذ ساهم بطلب ملح لتسهيل هجرة مليون مستوطن يهودي شرق أوروبي- حتى قبل تفكك الاتحاد السوفياتي- و(قلة إنسانيتنا !!) إذ لم نساعده في إعطاء المزيد من الأرض العربية وندفع "بلاجئينا" الذين حل اليهود -وسيحلون- محلهم فيها، إلى حيث يرغب هو: ربما إلى صحراء الربع الخالي! من يدري؟!!

طبعاً، لاحدّ لسفالات الدجل الصهيوني. ويحتاج المرء إلى أعمار كثيرة كي يحيط ببعضه. فلننتقل إذاً مع الجنرال إلى هذا الذي يسميه (الحل المتفق عليه، والعادل، والمعقول)، ودون الدخول في سفسطاته حول شرحه الشخصي لمعاني هذه الأوصاف التي ستحدد بالتفاوض السياسي، حسب وجهة نظره.

يقول الجنرال: ( من الصعب فصل مأساة اللاجئين الفلسطينيين عن المطالبة "بحق العودة". وبالنسبة للجيل الأول من اللاجئين فإن تجربة اللجوء والمرحلة التي نموا خلالها قد شكلتا أساساً للشعور بالنفي من مسقط رؤوسهم.. وقد ورث الجيلان الثاني والثالث هذه التجربة. حملٌ من المشاعر القوية نما بقوة متزايدة لم يسبق لها مثيل وسط فقر مدقع وظروف قاسية في مخيمات اللاجئين) ص209.

ومع قراءة هذه الفقرة قد يظن المرء أن الجنرال سيدخل هذا الحق، حق العودة، في عملية التفاوض السياسي حول الحل (المتفق عليه، العادل، المعقول)، غير أن مثل هذا الظن لن يعبر إلا عن سذاجة صاحبه. فالجنرال لم يمهد "أرض أكاذيبه الواسعة" فيحمل زعامات العرب عام 1948 مسؤولية تشريد الفلسطينيين ولجوئهم، ويبرئ بالتالي ساحة صهيونيته ودولتها الاستيطانية من كل مسؤولية.. كي يوقع نفسه في مثل هذا المطب الذي يخرجه من إطار التفكير صهيونياً إلى إطار التفكير بالعدل الفعلي! إنه -وكي لا يساء فهمه- يعقب مباشرة على ماسبق بقوله: (المطالبة بحق العودة يجب أن ينظر إليها مقابل هذه الخلفية التاريخية المعقدة... وإذا قُبلت فإنها ستمسح الوجه القومي لدولة إسرائيل، محوِّلةً الأغلبية اليهودية إلى أقلية، وبالتالي،’ فليست هناك أية فرصة لقبولها سواء الآن أم في المستقبل. فلا توجد حكومة إسرائيلية واحدة توافق على استراتيجية من شأنها أن تدمر كياننا الوطني) ص 209.

هل نشكر الجنرال، هنا، على صراحته رغم تقاطعها -المتناقض على طول الخطّ- مع الحقوق الوطنية والقومية والإنسانية لعرب فلسطين؟! ربما يجب ذلك! لأنه -وبلسانه! -يريحنا من غباء جميع الادعاءات أو التخرصات التي قد نسمعها من هذه الجهة العربية أو تلك، بهذا الخصوص.

والجنرال هنا يعيد توكيد الكشف عن الوجه العنصري "لدولته!" رغم أنه -في جملة أكاذيبه وتزويراته المتواصلة- سيحاول في خطابه الذي ألقاه في الأمم المتحدة يوم 28 أيلول 1993 أن يسوّق كذبة أخرى رخيصة، مفادها أن ماجرى مؤخراً من مصالحة بين السود والبيض في جنوب افريقيا هو "إحدى الأمثولات" التي يجب أن تحتذى للخلاص من الصراع في (الشرق الأوسط(*)).

ولكن أين إصراره على النقاء العنصري الشوفيني، "لدولته!" من ذلك الحدث المثير الذي شهدته جنوب إفريقيا، على حد تعبيره هو نفسه في الخطاب المذكور؟!

بالتأكيد -وللمرة الألف!- لا جدوى مع الصهيوني من أن تكشف له مغالطاته في أية مسألة تخص أبسط مصالحه... فكيف إذاً في مثل هذه القضية الكبرى والحال على ماهي عليه: صهيونياً وعربياً ودولياً؟!... وفيما هذا الأرنب المتنمر يسند ظهره على جذوع أسلحته النووية ويهدد بتحويل المنطقة كلها إلى مقبرة؟!!

ولكن، لنقفز فوق هذا ولننظر في مايقترح الجنرال -أو يطلب!- عمله بخصوص "مشكلة اللاجئين!" وباعتبار أن العرب هم وحدهم سبب حدوث اللجوء وسبب استمراره.. وباعتبار أن "دولته الاستيطانية" بريئة من مسؤولية ذلك... وباعتبار أن "حق العودة" مرفوض إطلاقاً من سائر الصهاينة: الآن، وفي المستقبل!

كلامياً: يقترح الجنرال خطة للحل من ثلاث مراحل يسميها كالتالي: مرحلة المفاوضات-المرحلة الانتقالية- مرحلة التسوية الدائمة. لكنّ من يتوقع أن يجد في هذه (الخطة للحل!) شيئاً غير الإمعان في محاولات تمزيق العرب وقضم المزيد من حقوقهم التي تمسُّ مصائرهم مساً جذرياً، فإنه إذاً يوقع نفسه في خطأ فادح!..

إن خطة الجنرال (للحل!) إنما تعني "خطة تصفية" تمتد على أمد متطاول بالقدر الكافي لإنساء عرب فلسطين كل شيء عن هويتهم الوطنية التي لا يمكن أن يستعاد تحقيقها إلا على الأرض الفلسطينية، وباعتبارها جزءاً من الهوية القومية العربية... أما شرط ذلك "الإنساء" -في تقدير الجنرال- فهو مساندة الأطراف العربية له، ومساندة عرفات وجماعته خصوصاً وأساساً: بالتعاون مع ملك الأردن، وفي إطار الكونفدرالية التي سبق لنا جلاء أبعادها ومكوناتها الجغرافية والسياسية والقانونية...الخ.

ومبدئياً - وفي إطار من اللغو الهاذر الذي يحاول الجنرال جعله جذاباً ومعسولاً -يعمد إلى اختلاق فصل قطعي بين "فلسطينيّي الداخل" و "فلسطينيّي الخارج"... وباعتبار الجميع لاجئين!

وتعني مرحلة المفاوضات، بالنسبة له، مجموع اللقاءات والمباحثات الطويلة الأجل بين الصهاينة والعرب.. من أجل الخروج أخيراً (بصكوك الاتفاقيات) المناسبة صهيونياً لتجريد الفلسطينيين من فلسطينيتهم نهائياً، وفي إطار استحالة أية مطالبة لهم بحق العودة!!

وبالطبع، لن يقتصر الابتزاز بخصوص الفلسطينيين في مرحلة المفاوضات على مجرد الخروج بصكوك الاتفاقيات تلك... بل إن الصكوك يجب -حسب الجنرال -أن تترافق بالبدء بمشاريع مناسبة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم!.. أو بمايسميه الجنرال: إعادة التأهيل!! وفي مرحلة المفاوضات (يمكن تحسين أحوال مخيمات اللاجئين تحسيناً كبيراً. وفي المخيمات الواقعة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش فإن إسرائيل مستعدة للإسهام في التحسين على أساس التعاون من جانب السكان المحليين والدول المعينة بالمفاوضات متعددة الأطراف... مثل تحسين الطرق، وترميم المباني، وتركيب إضاءة جيدة للشوارع، والصرف الصحي، وإمدادات المياه....)ص210.

نعم!... "إسرائيل!" مستعدة للمساهمة.. شرط: التعاون!! وهذا يعني -بديهياً- تصفية معارضي الداخل والخارج (الإرهابيين، في المصطلح الصهيوني)، كشرط مسبق!! (والواقع إن إسرائيل تعتقد أن.. نظرية الإغاثة يجب أن تفسح المجال أمام نظرية إعادة التأهيل، كما إن استراتيجية المساعدات ينبغي أن تستبدل باستراتيجية إنشاء بنية تحتية اقتصادية) ص 210- وهذا يعني بدوره الاشتراط الصهيوني المسبق لإلغاء الاعتراف العالمي المعلن في قرارات الأمم المتحدة حول: "حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم"... مع العلم أن حق تقرير المصير هذا لايمكن أن يتم إلا على الأرض الفلسطينية-المعترف بها على أنها كذلك، في قرار التقسيم على الأقل!!- الأمر الذي يعني منطقياً: حق العودة لمن يريدها، وحق التعويض عن الممتلكات لمن لا يريد ذلك! لكن (أية حكومة إسرائيلية لا يمكنها أبداً أن توافق على تنفيذ هذا الحق الذي يتعارض مع حق إسرائيل في تقرير المصير!)ص213 حقان متناقضان جذرياً إذاً!... والكيان الاستيطاني يفرض (حقه!!) بالقوة التدميرية... أما أصحاب الحق الفعلي /ضحايا الاستيطان فإنهم هم (الإرهابيون!!) إذا ماحاولوا الدفاع عن هذا الحق في مواجهة العدوان الاستيطاني المستمر!!

ماهو المخرج الصهيوني المقترح -عملياً- على لسان الجنرال، للخروج من هذا المأزق؟!

يبدو أن الصهيوني اليوم يستسهل كل شيء، بدافع شوفينيته العنصرية على مستوى التفكير، وبدافع عنجهيته التي يحفزها امتلاكه لآلة الحرب النووية! وعليه، يقول الجنرال: (الواقع أنه لم تعد هناك حاجة لإبقاء وضع "لاجئ" حسب وثائق الأمم المتحدة. وبدلاً من ذلك فإن بطاقة الهوية التي ستصدرها سلطة الحكم المستقلة- يقصد سلطة مخترة: غزة/ أريحا... وبقية الرقع الفسيفسائية التي قد تترك بلا استيطان في الضفة الغربية! -سوف تصبح هي الوثيقة التي ستعبر عن الهوية الشخصية والقومية للفلسطينيين. وهذا يشمل اللاجئين الذين يعيشون في مناطق تسيطر عليها قوات الدفاع الإسرائيلية) ص212- وقد يظن القارئ، بسبب هذا اللعب الكلامي الرديء من سعادة الجنرال، أن بطاقة الهوية تلك ستشمل ملايين اللاجئين في الشتات الفلسطيني، لكن ذلك ليس أكثر من "غلط!" في فهم مايريده الجنرال!... إن (قوات الدفاع!) لن تنسحب من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، فخط الدفاع المتقدم الذي يضمن العمق الاستراتيجي للدولة الاستيطانية هو نهر الأردن، حسب الجنرال ذاته!.. وهكذا، فما يقصده الجنرال هو أن "سلطة المخترة العرفاتية" يمكنها أن تمنح بطاقاتالهوية للعرب الذين سيظلون يعيشون في مناطق سيطرة (قوات الدفاع!) تلك، وهذا ماسيمكن الدولة الاستيطانية من ترحيلهم -لاحقاً- إلى الكونفدرالية، أي إلى الأردن في الحقيقة، ساعةَ تشاء.. وكيفما تشاء!... أما فلسطينيو الخارج-أي اللاجئون في الدول العربية- فلهم شأن آخر! (فاللاجئون الذين يعيشون في مخيمات البلدان العربية ستكون لديهم الفرصة للانتقال إلى بيوت جديدة، بينما أولئك الذين سيقيمون هناك سيكون لهم الخيار في امتلاك الأرض التي سيقيمون عليها بيوتهم) ص214 فالهدف الحقيقي إذاً هو: (إدماج اللاجئين في المجتمع المحلي) ص215.

وإذا حاولنا تفسير هذا القول، آخذين بعين الاعتبار تلك البقايا الفسيفسائية للجغرافية الفعلية التي ستتحرك عليها سلطة "مخترة الحكم الذاتي"، فإننا سنجد أن البيوت الجديدة المذكورة أعلاه ستكون في "صحراء الأردن"... بينما -إن صدقت أوهام الجنرال- ستظل أغلبية لا جئي الدول العربية حيث هي!... وبالتأكيد، فإن الجنرال "يخطط!!" للدول العربية كي (ترتقي إلى مستوى الأريحية الصهيونية!!) عندما قامت الدولة الاستيطانية بتوطين المهاجرين من يهود الوطن العربي محل الفلسطينيين المهجَّرين بالقوة آنذاك!!

وحسب الجنرال، فإن اللاجئين -من العرب الفلسطينيين بالطبع- ستكون لهم "مدن" بدل مخيّماتهم المحسنة، حيث هم.

لكن هذا سيكون في المرحلة الانتقالية، أي بعد تأكد الصهاينة من أن خطة تصفية فلسطين (من الجغرافيا ومن التاريخ معاً!) تسير: فلسطينياً وعربياً ودولياً "على مايرام! "... (إن معظم أعمال إعادة التأهيل وإنشاء بنية تحتية اقتصادية سوف تنتقل إلى المرحلة الانتقالية) ص211 - ولن يكون "لمخترة الحكم الذاتي" أي محتوى حقيقي، أو قيمة تساعدها على البقاء إلا إذا (وظفت الجهد والطاقة في التخطيط وتنفيذ سياسة التأهيل) ص211- أي: تنفيذ سياسة تصفية أي معارض فلسطيني للسياسات الصهيونية!!

وبعد هذا كله، هل تكون التسوية الدائمة قد تمت، وحصل الجنرال وصهاينته على مايسميه بصفاقة (طهارة روحية)(*))؟! إنه لأمر متعب قليلاً أن يلاحق المرء جوهر مايريده الجنرال فعلياً، فيما هو يخلط الكلام في مثل هذه "القضية الجوهرية" كل هذا الخلط الماكر كي يمرّر علينا (حلّه!!) الذي لم يفاجئنا... في الحقيقة!!

ولنوضح أن معنى إنشاء بنية تحتية اقتصادية في مخيمات اللاجئين -حيث تتم إعادة التأهيل: فكرياً وسيكولوجياً وانتماء، قبل كل شيء آخر- إنما هو معنى يتضمن ربط الفلسطينيين بمصالح مادية تافهة لغاية "تثبيتهم!" حيث يقيمون... وحيث يخمن الجنرال أنه "ستقوم" تلك المصالح!.. وإذا كان هذا يصادر- في حال تحققه!- على أية فكرة لتغيير مكان الإقامة إلا في القليل النادر، فإن جنرالنا المبشر يرفض ضمنياً أن تتكلف "دولته!" إلا أقل الأعباء في ذلك التثبيت! إن (الاتحادات المالية الدولية ستتولى معالجة تمويل وإنشاء البنية التحتية) ص214 -ومن الضروري أن نؤكد على أن أحداً من كل الشايلوكيين وبقية امبرياليي العالم لن يستطيع أبداً أن يفهم الروحية الحقيقية التي تسيّر حياة الإنسان العربي- والشرقي عموماً- في نهاية المطاف!... إنهم يعتقدون- وفقاً لعقليتهم المادية وقيمهم البراغماتية- إنه يمكن بالمال والمصالح النفعية تغيير ما يحبون تغييره، وإلغاء ما يتمنون إلغاءه، كما لو أنهم في سوق أو بورصة! وقد تقدم لهم الحركة الظاهرية لسيرورات الحياة- والتي هم الذين فرضوها بآليات نظامهم الحضاري الراهن- أدلة كافية على ذلك. لكن الدوافع الراسخة الكامنة تحت ماهو سطحي في مسيرة الواقع... الدوافع التي بها وفيها تتشكل حركة التاريخ ويتحقق التطور، تحيل إلى عكس ذلك تماماً: خصوصاً عندما يصل الإحباط واليأس إلى ذروتهما الفاصلة!... ونحن نخمن أن الجنرال يدرك -وإن بصورة مشوشة- مدى قسوة هذه الحقيقة عليه، في أساس سجل فسيح من الحقائق الأخرى القاسية عليه، أو المرعبة له بالأحرى!... ولعل في هذا الأمر يكمن سر ما ينطوي كتابه عليه من لهفة على قسر وإخضاع طبيعة الأشياء لما يستحيل إخضاعها له! إنه- وبكامل جاهزية الصهيونية وراءه كما نعتقد- يريد أن يخلق بسرعة، واستناداً إلى مستوى تردي الوضع العربي، وإلى تخبط الوضع الإقليمي، وإلى اضطراب الوضع العالمي المقلق، مقدماتٍ لواقع جديد يزيد فيه من "تدويخ الخصم العربي!" محققاً بذلك أشكالاً ومستويات جديدة من الابتزاز، وصانعاً في الوقت ذاته مدخلاً إلى "صمام أمان مستقبلي" في عالم لا يوحي مستقبله القريب بأي أمان!

إن الجنرال -وربما هو في هذا الكتاب يعلن عن أهم معالم برنامج الصهيونية لنصف القرن المقبل- إذ يطلق "خططه ورؤاه وتصوراته" حول (شرقه الأوسط الجديد) على المستوى المفهومي، ويعقد صفقة أوسلو، وصفقة وادي عربة، ويحضر مع نصف حكومة دولته مؤتمر الدار البيضاء، ويزور رئيسه رابين عدداً من دول الخليج وتونس- إلى آخر قائمة التحركات والأعمال المحمومة على المستوى الإجرائي، فاتحاً بذلك مزيداً من الخروقات في الوضع العربي المتهافت أصلاً.- فإنه إنما يتصرف طبقاً لسيكولوجية الصهيوني النمطي..المذعور تاريخياً، الحذر، الماكر، المضارب في "بورصة السلام!".ولكن، الذي تقمص فجأة جسد نمر نووي بينما لا يزال قلبه قلب أرنب، فيده دائماً على الزناد، ويتوعد فيما هو يعد، ويهدد فيما هو يرحب!!

وهو- تأسيساً على هذه السيكولوجية التي لا تستطيع أن تجد أماناً لصاحبها إلا في إبادة كاملة للبشرية- إنما يطلق في ممارساته الإجرائية سابقة الذكر، كما في "ادعاءاته السلامية!" الكذابة، أنواعاً من (بالونات الاختبار) لطبيعة ردود الفعل العربية... ولكن: في المستوى الشعبي أولاً بأول، فالأرنب النووي لن يوقّع أي (سلام حقيقي) - إذا كان مثل هذا السلام ممكن الوجود أصلاً!- مالم يضمن تصفية كل معارضة شعبية لخططه الابتزازية، ومالم يضمن -قبل كل شيء- تصفية "اسم" فلسطين، وتحويله إلى الأردن عبر الكونفدرالية!.. والآتي أعظم!!

ألم نقل إن الجنرال الصهيوني لا يستطيع أن يُعدّ (عجته التلمودية) إلا بالمزيد من البيض الفاسد؟!

ولعله من المفيد أن نختم هذه الفقرة حول اللاجئين و(الحل!!) المستحيل الذي يقترحه الجنرال لإلغاء فلسطين، بالتصور "الظريف!!" التالي الذي يقدمه "سعادته!" كاستكمال أخير لما كان قد قدمه بهذا الخصوص. يقول الجنرال: (بالنسبة للفلسطينيين في الشتات فإن أياً من الفلسطينيين لن يُحرم من حق دخول منطقة الكونفدرالية، مثلما إنه لا يوجد عدل أدبي في إنكار حق أي يهودي في القدوم إلى إسرائيل) ص214 ربما إن هذه الفقرة لا تحتاج إلى تعليق نظراً لشدة وضوحها الصهيوني المتميز! لكن فكرة (العدل الأدبي) المذكورة ترغمنا على ذلك!!

إن أحداً في العالم باستنثاء الصهيوني أو المتصهين لا يمكن له أن يجد سبباً فعلياً للربط بين (حق أي مهجر فلسطيني) في أن "يدخل!" منطقة الكونفدرالية- التي رأينا كيف صارت مقصورة على الأردن بالفعل!- وبين (حق أي يهودي، في العالم كله طبعاً) أن يأتي (ليستوطن!!) في هذه الـ"إسرائيل!" العجيبة! مساواة غريبة فعلاً بين وضعين: كل منهما متناقض مع الآخر جذرياً، وثانيهما هو إدخال على "قضية" لها طابع المعضلة... مع أنه كان سببها في الأصل!!... ورغم كل شيء فلنلاحظ أن الحديث يجري عن ذلك (العدل الأدبي.... والحق الاستيطاني الصهيوني التالي) باعتباره أحد متحصلات (التسوية الدائمة) حيث: الحدود مفتوحة، والأرض فقدت قيمتها... إلى آخره من تصورات الجنرال التي يعتبرها خططاً واجبة التنفيذ!... إن هذا يعني ببساطة إن (استيطاناً سلمياً واسعاً!) لنحو عشرين مليون يهودي عالمي يجري الإعداد له في إطار المشروع الصهيوني الكبير: مشروع الشرق الأوسط الجديد، حسبما رسم الجنرال "صورته" في كتابه.

وإذا لم نرد أن نذهب بعيداً في تخيل الأعداد الجديدة من المستوطنين وفق "مخطط الجنرال بيريس" فإن علينا أن نتذكر الأمور التالية على الأقل:

- إن بيريس كان مقرباً جداً من بن غوريون، وهو لا يخفي غبطته بأن يحقق -هو أو من سيليه من صهاينةٍ مسؤولين- أحلام "معلِّمِهِ" وصديقه المذكور.

- إن أبرز أحلام بن غوريون كانت خطته المشهورة جداً، والقاضية باستقدام عشرة ملايين يهودي إلى "أرض الميعاد!" على وجه السرعة في الخمسينيات. وهو قد مات دون أن يرى هذه الملايين العشرة تصل لتستوطن المزيد من أرضنا العربية، تحت الشعار الشهير (إسرائيل: من الفرات إلى النيل).

إن هذا كله يردنا إلى أن مخطط بيريس مازال يمشي على هدي خطة صديقه ومعلمه بن غوريون، على الأقل!...

وسواء كان عدد من سيشملهم ذلك (الحق الأدبي، الصهيوني... بالقدوم....) عشرة ملايين أو عشرين فإن سؤالاً لابد أن يثار:

- أين سيجري توطين هؤلاء؟!... أعلى رقعة فلسطين الضيقة أصلاً، والمستوطنة قبلاً، فيشكلون بذلك حالة "تفجر سكاني" لا حق، لابد له من أن يستجر احتمال الحرب نظراً لوجود "آلة القوة" لدى الدولة الاستيطانية؟!!..أم إن توطينهم سيتم -عبر الحدود المرنة المفتوحة- في أرضٍ عربية جديدة مجاورة، يزاح سكانها إلى كونفدراليات جديدة، كيما يبقى "النقاء العرقي للدولة!" مصوناً محفوظاً، وكيما يتم تمددها "سلمياً!!" باتجاه الفرات على الأقل، إذا كانت سيناء حائلاً جغرافياً دون التمدد باتجاه النيل؟!

لا أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى شيء من كدّ الذهن!... لكن ماهو أشد وضوحاً من تلك الإجابة هو أن الجنرال الذي نراه مستمراً في الاهتمام البالغ- وأحياناً: بتصويرات شعرية مدوخة!-بأن ينفذ أحلام سيده هرتزل ومعلمه وصديقه بن غوريون، إنما يصر عبر هذا الكتاب على أن يُعد (المزيد من العجة التلمودية العفنة) بمزيد من البيض شديد الفساد!!

إن الجنرال يقول صراحة بخصوص قضية اللاجئين التي لا يمكن أن ينبني شيء في منطقتنا إلا على أساس حلها "العادل، والمقبول، والمنطقي":

- تريدون حلاً لهذه "المشكلة" التي تعتبرونها "قضية"؟!...حسناً. فلنلغِ من الأذهان فكرة اللجوء و "قصة!" وجود لاجئين... ولينسَ الجميع أن على الأرض مكاناً اسمه فلسطين، أو لتطلقوه -أنتم العرب- على الأردن أو على أي مكان مشابه تختارونه!... إننا نبدأ "السلام!" معكم بأن تأخذوا أنتم "فلسطينييكم" كي لا يلوثوا نقاءنا العنصري كشعب مختار... وسنأتي نحن ببقية يهود العالم إلى المنطقة، إذ لابد أن تعطونا مانريد وحسبما نريد، وإلا فبإمكاننا أن نحول بلدانكم كلها إلى مجرد مقبرة وسيعة"!...

وهذا هو تلخيص حقيقة الحقائق وراء كل مايهرف به السيد الجنرال حول القضية المحورية: فلسطين واللاجئين!!

وإذا أضفنا إلى هذا التلخيص خططه المتعلقة بالهيمنة الاقتصادية الصهيونية في إطار (نظامه الإقليمي)، المعروض كمطلب مستعجل منا، حيث ستصوغ حرية حركة الرساميل/ عبر الحدود المفتوحة، والأرض التي فقدت أهميتها!/ ذلك الحلم القوي بامبراطورية اقتصادية شايلوكية تستثمر فيها كافة الموارد العربية... وكامل طاقات العمالة البشرية "كخُدم في هذا الهيكل الجديد للعجل الذهبي الجديد!"... فإنّنا إذاً نكون قد أدركنا فحوى "السلام!" الذي يريد هذا الجنرال الصهيوني أن "يتفضل!" به على "الأمم العربية!!". ولنلاحظ أن "دولة الكيان الاستيطاني" تعتمد خطط الجنرال، جملة وتفصيلاً، في سلوكها السياسي الإجرائي! والسؤال الذي يفرض نفسه هنا- والحال كذلك-هو:

- هل هذه هي حقاً صيغة للسلام بأي معنى من معانيه المقبولة ولو في الحدود الدنيا.. أم إنه برنامج للاستسلام العربي الشامل: حضارياً، واحتماعياً، واقتصادياً، وجغرافياً، وسياسياً؟!! وبالتالي: أليست هذه هي الصيغة التي تُمكِّن الحلف الامبريالي / الصهيوني الشايلوكي من "الحصاد الهيّن" لثمار الهزائم التي تمّ لهم أن يوقعوها بالعرب خلال القرنين المنصرمين على الأقل؟!

أما السؤال الذي يترتب على سابقه، بما يتضمنه من حقائق مريرة، فهو:

- إلى أي مدى يمكن للصفقات من نوع (كامب ديفيد-أوسلو-العربة) أن تستمر لدى اختبارها العملي، مهما جرى تثبيتها بالصكوك.. والأختام.. والشهود المبرمجين... وبرامج الاحتفالات الكرنفالية المعدة برخص لاستهلاك الرأي العام العالمي وتضليله إعلامياً عما يجري حقيقة فوق هذه البقعة بالغة الحيوية من كوكبنا الأرضي؟!!

إن السبب الأولي والبسيط لعدم إمكانية قيام سلام حقيقي في هذه المنطقة يجب أن يُبحث عنه في طبيعة الصهيونية، وفي آليات عملها الواقعية عبر تحالفاتها الامبريالية، مثلما يجب أن يبحث عنه في تطلعاتها المستقبلية عبر تطبيقاتها لمجموع جهازها المفاهيمي في إطار واقع المنطقة والعالم!

وإذا كانت (إسرائيل الحديثة!!) هي الكيان التأسيسي -على أرض الواقع- حيث من هذا الكيان وبه سيجري الانطلاق لإنجاز المشروع الأعلى: التوراتي/ التلمودي/ الصهيوني، ولتحقيق سائر الأحلام والأوهام المرتبطة به... وإذا كان السيد الجنرال بيريس هو أقل (الحمائم الذئبية) تطرفاً في إدارات ذلك "الكيان" - كما يقدم لنا إعلامياً، مع ثقتنا التامة بأنه لا يزيد عن كونه الوجه الآخر الأكثر خبثاً للعملة!! -ثم نراه لا يُقدم "لسلام المنطقة!" غير هذا المشروع الذي ليس، حسبما بيّنا، أكثر من مشروع للاستسلام العربي دون قيد أو شرط... نقول: إذا كان ذلك كذلك، فأي سلام إذاً هو ذاك الذي يمكن أن يقوم على إلغاء (موضوع الصراع) وأصحابه من خريطة التاريخ كما من خرائط الجغرافيا؟!

حقاً، إن أحداً لايستطيع إعادة العجة إلى بيض، حسب قولة الجنرال الذي يبدو مهتماً "بفن الطبخ"!.. لكن أحداً، بالمقابل، لا يمكنه إعداد العجة -عجة السلام- بمثل هذا البيض الفاسد الذي تفوح منه كل هذه الروائح القذرة!

وإذا كان على الجنرال -وأصحابه!- أن يتعلموا شيئاً، مثلما على بعض العرب من المغفلين أو المتورطين أن يتعلموه أيضاً، فهو: إن المخبول وحده هو من يقدم لخصمه الحبل الذي يعرف أنه سيشنقه به!

فلا العرب -أعني المجموع الشعبي العربي- بإمكانهم أن يقبلوا صيغة الاستسلام التي "أملاها" الجنرال في كتابه إملاءً كمطالب مستعجلة... والتي تساوي في نهاية التحليل: إعدامهم على مستوى الهوية الحضارية المخصوصة، كما على مستويات القيم... والثقافة... والاقتصاد... وحرية "تحقيق الذات" المبدعة والفاعلة إيجابياً في مستقبلها ومستقبل الوجود الإنساني عموماً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحلف الامبريالي / الصهيوني لن يقدم -في إطار ماسبق لنا جلاؤه- لا التكنولوجيا المتقدمة، ولا حتى أدنى حدود الرفاه، أو الديمقراطية-بأي معنى لهما- أو شيء مما يشابه ذلك للعرب!!

إن الحالين مستحيلتان. وإن طرفي العملية التاريخية الضخمة التي تجري في المنطقة منذ قرون هما في وضع تناقضي حاد إلى درجة تستحيل معها أية مصالحة!...

هل نقول : إن شرط المصالحة الأولي -والوحيد- هو أن يتخلى الحلف الامبريالي / الصهيوني عن "وظائفه" العداونية اللا إنسانية على العرب بمختلف السبل والوسائل، بدل مطالبة العرب بالتخلي عن وجودهم ذاته لصالح العدوان ومصالحه؟!! حسناً!... قلناها!! ولكن هل بإمكان ذلك الحلف أن يتخلى عن تلك "الوظائف" التي هي جوهر وجوده، ومبرره؟!!

حقاً، إن الحلف الصهيوني قد حقق -بالتظاهرة الكرنفالية للسلام المغشوش- جملة اختراقات "مثالية!!" في التماسك العربي الهش عبر أنظمة معينة... وخصوصاً عبر "عرفات وزمرته" مع تحويلهم بسرعة إلى (مايشبه النظام!)، وكل هذا أدى بدوره إلى مزيد من التهافت والتشويش في الأوضاع العربية المتردية أصلاً ولكن دعونا نتساءل:

متى لم تكن الأوضاع العربية مخترقة كلياً بأولئك السادة من قادة الأنظمة المعينة أعلاه؟!

إن مايبدو كأنه انتصار (بالضربة القاضية) للصهيونية على العرب من خلال ماتم حتى كتابة هذه السطور يجب أن ينظر إليه في "جبهته الأخرى" أيضاً!... فذلك الذي تم قد كشف "المواقع العربية" بسائر مستوياتها، وصنفها في موقعيها الحقيقيين المتناقضين، لأول مرة في التاريخ العربي الحديث:

- معسكر المتواطئين مع الحلف الامبريالي/ الصهيوني، أياً كانت التسويغات والتفسيرات.. وحتى حسن النية!!

 

- معسكر الرافضين لهذا الحلف وفعاليته ووظائفه العدوانية اللا إنسانية.

وهذا التصنيف، بدوره، يتمخض - وبسرعة، لمن يتأمل المشهد ملياً -عن تيقظ جديد في "التساؤل" الشعبي العربي، وعن تقطع في التراخي المغيظ الذي ساد الذهن العربي العام وبدا "كحالة يأس شامل" منذ اجتياح بيروت عام 1982، على الأقل! لقد بدأ تيقظ "التساؤل" يكشف بشيء من الوضوح عن ميل عارم لتكوين وعي جديد للظاهرة التاريخية المختبئة: وراء قلق المعادلات الدولية واضطرابها.. ووراء التزويرات المقصودة لانعكاسات ذلك القلق فعلياً -أو كما يجب أن تكون- على الأوضاع العربية المتردية...الأمر الذي لا بد أن يحفز صيغاً جديدة للعمل النضالي المضاد لفعالية الحلف الامبريالي/ الصهيوني في المنطقة، وهي صيغ سنجازف بالقول: إنها ستجد أمثولتها الحقيقية أخيراً في أساليب انتفاضة الأرض المحتلة!

إنه -بالتأكيد- وضع المخاض" الذي قد يكون عسيراً جداً! فنحن لا نزال في عصر الهيمنة الامبريالية في نهاية الأمر.

غير أنه -وبحكم كل مايجري عربياً ودولياً، وبحكم سائر النظريات المستمدة من دراسة قوانين حركة التاريخ وفلسفته: من ماركس... إلى توينبي.. رجوعاً إلى آلية الدفاع الغريزي عن الوجود عند أبسط الكائنات الحية- يبدو أنه من الحتمي أن يتم الخروج الشعبي العربي من حالة "الاستنقاع" بالسرعة الكافية، وبصور وأشكال متفاوتة ومختلفة، مما سيدفع بالصراع العربي الصهيوني إلى مستوى جديد، في نقلة غير مألوفة!...

ولعل هذا هو ماكان يطلق مخاوف الجنرال دون إرادة منه، حسبما حللنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب.

-4-

إذا كانت قضية فلسطين، وقضية أصحاب فلسطين: اللاجئين أساساً، هي القضية المحورية في كل صراع المنطقة، بمختلف صيغه الراهنة(*) ، فهل كان الجنرال المبشر الصهيوني مصراً على أن (يقرأ الصحيفة بالمقلوب)، كما يقال... حين تعمد أن يضع تصوره (لحل المشكلة!) في نهاية كتابه؟! وإذا كان الأمر كذلك فما هو السبب؟!

تساؤل نفترض أنه لابد أن يستثار في ذهن قارئنا، رغم أن هناك إجابة جاهزة معروفة... وهي في رأينا غير كافية، وربما غير دقيقة. إنها: رغبة التزوير وخلط الحقائق المجتزأة بالأكاذيب من كل صنف ولون، على الطريقة الصهيونية المألوفة، لغايات بينة ماعادت سراً على أحد.

والواقع أن الجنرال -إياه- قد سلك إلى غاياته نهجاً تأليفياً حاذقاً حين عمد -في معالجة تلك القضية المحورية- لتجزئتها إلى جزأين اثنين، حشر بينهما تصوره لما تعنيه كلمة "سلام" بالنسبة لعقله الصهيوني، ويما يقتضيه ذلك- حسب البرنامج الصهيوني المستقبلي الخاص بنصف القرن القادم، كما خمنّا سابقاً -من ترتيبات اقتصادية وأمنية.. إلى آخره مما يؤدي إلى تحقيق الحلم الامبراطوري الشرق أوسطي في النتيجة.

فهو في الجزء الأول من مقاربته لتلك القضية المحورية ابتدأ كتابه بالإعلان عما تم له (ربحه!) في صفقة أوسلو من (جماعة عرفات)، وتعمد أن يزف ذلك كبشرى للعالم بقرب تصفية القضية نهائياً... ولكن، حسبما هو مبرمج له في الدوائر العليا الصهيونية!

وبدلاً من أن يكمل "تصوراته" لجملة الحل النهائي الذي خصص له آخر فصلين في كتابه، فإنه -وقد توهم إقناع العالم برمته، بمن فيهم العرب، أن "الطرف الفلسطيني" ممثلاً بعرفات قد رضي... وأن السلام قد بدأ -ادعى أنه قد استغرق في (التأمل الروحي!) الذي "سيقوده!" إلى تصورات إجرائية واسعة لإنجاز بنيان كامل متكامل اسمه (النظام الإقليمي) الذي "سيحقق!!" فيه (شرق أوسط جديد)... فراح يعرض -مستغفلاً قرّاءه!- مجموع البرنامج الصهيوني، باعتباره "تصورات شخصية" مغلفة "بحلوى الادعاءات الإنسانوية" عبر سموم كل مارأيناه من خلط وتزوير فاضحين.

وهكذا، وبعد توهمه "ربح المعركة المفهومية" ضد المنطق والتاريخ والواقع.. وضد "السلام العادل" ذاته -إن كان ممكناً لمثل هذا السلام أن يوجد!- فإنه يختم كتابه بالفصلين التخطيطيين المستقبليين عن (الحل!) حيث الجزء الثاني، المكمل بالطبع للجزء الأول. وهكذا، فإن الجنرال المبشر لم يكن (يقرأ الصحيفة بالمقلوب)... وإنما كان يقدم (المخطط الصهيوني) المرشوش بسائر أنواع "بهارات اللغو الماكر المخاتل" محققاً لهذا التقديم نوعاً من التناغم الهارموني في التأليف: إذ ابتدأ (بالقرار) -منجزات صفقة أوسلو- وانتهى (بالجواب) كما يقال في لغة الموسيقا!.. أي انتهى بتصورات النتائج الفعلية الممكنة "لوظائف المخترة العرفاتية" فيما لو كان ممكناً لعرفات وزمرته أن ينجحوا حقاً في (السير على الصراط الصهيوني المستقيم)!!..

وإذا كان كتاب الجنرال يشكل في مجموعه العام -خارج حدود بهارات اللغو الفارغ- شبكة من السيرورات الإجرائية المفترضة، والمطلوب تحققها وتحقيقها صهيونياً، فإن تلك "الشبكة" تستند إلى "جهاز مفاهيمي" سبق لنا أن قلنا عنه: إنه الجهاز المفاهيمي العام للصهيونية العالمية.. الأمر الذي يشير إلى أن الجنرال المبشر (باللبوس الجديد) - أي المتكيف مع الظروف المستجدة -للمشروع الصهيوني العام المعروف، ماكان يمكنه أن يقدم أي جديد بخصوص العلاقات الصهيونية/ العربية المقامة أساساً على بحر من الدم العربي المغدور، والحقوق العربية المسلوبة.

فما هو إذاً ، باختصار، هذا " الجهاز المفاهيمي " في مقولاته النظرية العامة؟!.. إجابةً على ذلك، نخلص بالتالي:

* - نظرية "أرض الميعاد" والحق "الرباني!" لليهود في "العودة!!" إليها. إنها المقولة الأساسية في الجهاز المفاهيمي الصهيوني العام، وقد استخدمها الجنرال بدقة كاملة!....وهذه النظرية -أو المقولة الأساسية- يترتب عليها نفي عملية الاستيطان، وعدم الاعتراف بأي من مستجراتها أو بالمسؤولية عما ترتب عليها!

            وكأحد الأمثلة لاستخدام الجنرال لهذه "النظرية"، لنتذكر ماهرف به عن (تجربة جيلِهِ في العودة من الدياسبورا بعد خمسين جيلاً... إلى آخره)..

* -نظرية الفراغ السكاني في "أرض الميعاد" والفراغ الحضاري في المنطقة بحكم تشتت اليهود خارجها!!.. إذ بين (النبي إبراهيم) ثم قيام (إسرائيل القديمة؟؟!!) وبين تجربة جيل الجنرال الجديد في (فتح العالم الجديد= فلسطين) ثم إنشاء (إسرائيل الحديثة!!)... لم تعرف المنطقة غير الكوارث: زلازل.. براكين.. فيضانات... وسفك دماء!!!

*- نظرية "الشعب المختار" في مقابل "الغوييم". فالعنصر اليهودي هو عنصر فوق إنساني، أو لنقل: إنه في الاعتبارات التلمودية/ الصهيونية هو "العنصر البشري الوحيد" أما "الغوييم" فقد خلقوا "بصورة بشرية" ليخدموا ذلك "العنصر الأرقى المختار!" فهم بالنسبة إليه كالبهائم، ومباح مالديهم لليهود، على حد تعبيرات هرتزل.

            وتستلزم هذه النظرية بقاء "العنصر اليهودي" نقياً من التداخلات الملوثة له مع الغوييم. والجنرال قد أورد هذا كله بعبارات واضحة، ولكن معصرنة! إننا هنا أمام فكرة (الغيتو)، والجنرال قد عبّر أيضاً بما لا يقبل النقاش عن أن (دولة إسرائيل الحديثة!) يجب أن تظل "غيتو كبيراً" ونقياً عرقياً: (النقاء القومي اليهودي!) مثلما يجب أن تكون "قائدة!" لحركة النظام الإقليمي الشرق أوسطي المرتقب باعتبارها "دولة الشعب المختار"...."العائد"، بعد خمسين جيلاً، من الدياسبورا!!"... مع كامل مايترتب على ذلك من (استحقاقات!!) واجبة الدفع -في المنطق الصهيوني- من قبل الغوييم/ العرب الذين كانوا (يغتصبون؟!!!) أرض الميعاد.. لابل (يدنسونها؟!!!) أيضاً.

* بما أن "أرض الميعاد" لا تقتصر على فلسطين، بل تشمل "مابين الفرات والنيل" كمنطلق لسيطرة "الشعب المختار" على "غوييم" العالم جميعاً، فإن عملية (العودة!) لابد أن تحمل معها الاصطدام الخطر بالوجود العربي. وقد سبق لكامبل بنرمان أن وصف هذا الوجود بأنه الكتلة البشرية الأكبر في حوض المتوسط، والتي تتمتع بوحدة اللغة.. والدين.. والثقافة.. والعادات.. والتاريخ... والأصول..والمجال الجغرافي القومي المتنوع.. ثم تبين لاحقاً -وسريعاً- أن هذا المجال الجغرافي يحتوي على النسبة الكبرى من الموارد والاحتياطات النفطية التي هي "نسغ الحياة" لماكينة الحضارة الحديثة.

            إن حتمية اصطدام المشروع الصهيوني -المتأسس على النظريات أو المقولات الصهيونية الثلاث السابقة- بهذا الوجود العربي الموحد في كل شيء، إلا في هكيليتِهِ الإدارية السياسية القومية، قد اقتضت من الصهيونية إنشاء نظرية عن (العرقية العربية!) بدل القومية العربية، وبالتالي: العمل على إعدام أية فرصة أو إمكانية للتوحيد السياسي القومي العربي، مع العمل على تفتيت فكرة الوحدة القومية مفهومياً- ثم إجرائياً بواسطة الفعالية الرأسمالية الاستعمارية الحليفة- وتحويلها في النهاية، إلى (قوميات قطرية) إذا صح التعبير.

            فمن الخطر بمكان على (القومية اليهودية المطلوبة!)- وهي قد أُنجزت بدايتها "بإسرائيل" لا أكثر!- أن تتحقق وتستمر في أرض قومية كبرى كالقومية العربية، خصوصاً إذا ماتمت لها أية صيغة من صيغ الوحدة السياسية المطلوبة شعبياً بقوة!... وإذا حدث أن تحققت تلك (القومية اليهودية!!) حتى بكامل آفاقها الممكنة، فإنه من المستحيل أن تبقى مع تحقيق الوحدة السياسية للعرب!...

            ونحن هنا لا ندعي للسيد الجنرال شيئاً لم يقله في كتابه، فكل ذلك مثبت فيه: تصريحاً أو تلميحاً!

*- تقتضي نظرية (العرقية العربية!!)، وتفتيت مفهوم القومية العربية إلى (قوميات قطرية مخصوصة) ومتمايزة، إنشاء نظرية فرعية... خاصة بماسماه الجنرال: (القومية الفلسطينية). لكن ذلك يقتضي، بدوره، الاعتراف بوجود "شعب فلسطيني"... وهو أمر يتناقض كلياً مع نظرية "أرض الميعاد" ونظرية "الفراغ السكاني" بينما يتماشى مع "واقع الحال" القائم فعلياً، ويثير مسألة النظر في حقيقة قضية اللاجئين وأسباب اللجوء... أي: إنه يعيد الصراع المفهومي والعملي إلى نقطة البداية، خارج أطر الجهاز المفاهيمي الصهيوني برمته!... وأكثر من ذلك: إنه يقتضي الاعتراف (بالمكان الفلسطيني) الخاص بهذه القومية الفرعية المخصوصة المدعاة!!

            ولحل هذه المفارقة المفهومية المتولدة عن الخاصية التلفيقية لمجموع مكونات الجهاز المفاهيمي الصهيوني، فإن الجنرال - والإدارة الصهيونية العليا من ورائه، بالتأكيد! - يخترع "فلسطيناً" ممطوطة لتشمل شرقي الأردن إضافة إلى "المكان التاريخي" الذي كان يعرف وحده باسم فلسطين.. (*) ثم يزعم أن هذه الـ "فلسطين الممطوطة " جرى تقسيمها في عهد الانتداب البريطاني!.. وعليه، فالآن يمكن -حسب تنظيراته!!- تصحيح ما فعله ذلك الانتداب: فتصبح المنطقة شرقيَّ الأردن هي (فلسطين العرب)، أما من النهر إلى البحر فتلك هي (فلسطين اليهود=أرض الميعاد المؤقتة!).. إذا إن ماحدث قد حدث، (وإذا كان إعداد العجة من البيض سهلاً فإنه من المستحيل إعادة العجة إلى بيض) وفقاً لمثاله المطبخي الذي ذكرناه في حينه! وهكذا، يمكن إعادة اللاجئين جزئياً إلى "فلسطينهم! " عبر صيغة (الكونفدرالية) من جهة.. ومن الجهة الأخرى يثبت (الأمر الاستيطاني الواقع) حسب مزاعمه وأوهامه!!

* غير أن الرضا الصهيوني بهذه (القسمة!) يتعارض بدوره مع الأطروحة العليا: (إسرائيل من الفرات إلى النيل) ، وإن لم يكن يتفق مع حقائق "الكم العددي الضئيل" لليهود في العالم، حيث لا تكفي ملايينهم العشرون لملء هذه المساحات الشاسعة من الأرض العربية، ناهيك عن عدم قدرتهم على إخراج سكانها منها الآن بالطرق التي أخرجوا بها الفلسطينيين قبلاً من فلسطين!...

            وبالمقابل فإن الأطروحة الصهيونية العليا المذكورة عن (حجم الدولة وحدودها!!) والتي بها يجب أن تتحقق أوهام الهيمنة التلمودية المقدسة على العالم، هي أطروحة غير قابلة للنقض أو الانتقاص... أي إنه لا مجال فيها بتاتاً لاجتهاد المجتهدين!.. ومن حيث العلاقة البنيوية للصهيونية بمجموع التركيبة الامبريالية وفعاليتها العالمية، حسبما سبق أن بيّنا، فإن الأحلام الجشعة للشايلوكيين تجعل أعينهم جاحظة بقوة نحو منابع النفط العربي: في الخليج شرقاً، كما في ليبيا والجزائر غرباً!

            وإذاً فما هو المخرج من هذا المأزق الذي تثيره تلفيقية الجهاز المفاهيمي الصهيوني؟!!

            الجواب هو: إنشاء مظلة (النظام الإقليمي)، أو بناء (الشرق الأوسط الجديد) الذي تتسلم فيه الصهيونية -ممثلة بدولتها الاستيطانية- أمر قيادته، اقتصادياً.. وسياساً.. وثقافياً.. وعسكرياً قبل كل شيء، ووفق قواعد (الاستسلام العربي!!) الذي أطلق الجنرال عليه اسم "سلام!". أي إن الدولة الاستيطانية الصهيونية ستلعب في ذلك (النظام الإقليمي) -إن أمكن- دور السيد الإقطاعي/ الامبريالي تجاه (أقنانه العرب) بعد إقناعهم بتصفية كل مقاومة لديهم، وتحوّلهم سيكولوجياً باتجاه إعدام هويتهم القومية وثقافتهم، ثم قبولهم بتحولهم إلى منتجي غذاء يكفيهم.. وخدم للسياحة والسواح من المجتمعات الراسمالية في منطقتهم!!... وهذا الأمر لا يتطلب من الصهيونية أكثر من إجراء تعديل طفيف وغير جوهري في مفهومها العام "لدولتها!!".. من حيث الاتساع الجغرافي الشكلي لامتداد سلطتها الإدارية، لا من حيث الهيمنة المطلوبة في جميع المجالات سابقة الذكر!... لابل إنّ التصور الصهيوني الجديد، والمقدم بلسان الجنرال بيريس في كتابه، يختصر الزمن بالنسبة للحلم الصهيوني الأعلى إذ يقفز به من إطار "تفوق الدولة الاستيطانية في حدودها الراهنة" إلى إطار هيمنتها الامبراطورية الشرق أوسطية تحت شعار: (في عصر العلم والتكنولوجيا فائقة التطور تفقد الأرض أهميتها ويصبح المهم تحقيق رفاه الإنسان: بحرية حركة الرساميل عبر الحدود المفتوحة من أجل استثمار الموارد العربية الضخمة، واقتناص فرص الربح الهائلة في المنطقة)... إلى آخره، وكل ذلك "بضمانة أمنية!" تستند أساساً إلى آلة الحرب الصهيونية، وإلى "عمقها!" الامبريالي... الأمريكي، راهنياً، على وجه الدقة!

وهكذا - كما نلاحظ- يكون الجهاز المفاهيمي الصهيوني ، بأصوله وفصوله، مُشغَّلاً تمام التشغيل ومستكمَلاً غاية الاستكمال الاستعمالي في كتاب حضرة الجنرال المبشر. أما (خلطة الكلام المعسول) الذي يغدقه الجنرال علينا بين فصل وآخر من فصول ذلك الكتاب فهي (الوسيلة التمويهية) التي يغطي بها على الحركية الاستعمالية لذاك الجهاز المفاهيمي الثابت في جوهره، حيث إن الجنرال لم يزد - في استعماله- شيئاً غير بعض التعديلات الطفيفة على البرامج المشتقة منه والمستندة إليه. وهي تعديلات تجعله منسجماً مع متحصلات الظروف العربية.. والإقليمية.. والدولية الراهنة!

ولنلقِ الآن نظرة موجزة ومُجَدْوَلة على أهم أطروحات الكتاب لنرى حقيقة هذا "السلام!" المغشوش الذي يتشدق به الجنرال المبشر، ويحوِّله إجرائياً إلى (صفقات استسلامية منفردة) مع حكام وزعماء (عرب!!) معنيين وغير معنيين أصلاً بالمستجرات المباشرة لعملية الاستيطان، والدولة الاستيطانية والمواجهة المباشرة مع المشروع الصهيوني برمته.. وكل تلك (الصفقات) لم تُلتزم فيها حتى قرارات مايسمى (الشرعية الدولية)، رغم إنها قرارات جائرة على الحقوق العربية الأساسية في الأصل.

 

 

 

صهيونياً

عربياً

1- الجانب الثقافي والهوية الحضارية

تثبيت الثقافة الصهيونية التوراتية/ التلمودية/ الامبريالية ونظامها القيمي البراغماتي الشايلوكي، بتثبيت الرؤية الصهيونية للتاريخ، وتثبيت (هوية قومية يهودية) أو إسناد فكرة القومية إلى الدين-

نفي الثقافة العربية، وإعدام أسس نظامها القيمي- نفي التاريخ العربي (مطلب نسيانه)- نفي القومية العربية واستبدالها (بقوميات قطرية) على أساس "العرقية العربية؟!" -الإسلام المقاوم للغزو هو إسلام "إرهابي!" يجب استئصاله-

2-الأرض والحدود

"أرض الميعاد" حدودها مرنة للاستيطان الصهيوني لكنها مغلقة على غير الصهاينة -حل القضية الفلسطينية وفقاً لذلك- نفي حق العودة.

الأرض العربية لم تعد مهمة -مباحة- حدودها يجب أن تكون مفتوحة كلياً لحركة الرساميل- توطين الفلسطينيين حيث هم الآن!

3- الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا

الرساميل الصهيونية والامبريالية حرة الحركة في الاستثمار- سوق مفتوحة للتنافس حيث المنتجات الرأسمالية هي المتفوقة كماً ونوعاً- فرص الربح الهائلة- محطات تحلية المياه لإعمار النقب- استثمار الموارد النفطية مباشرة- مؤسسات سياحية استثمارية عالمية- مؤسسات مواصلات استثمارية عالمية... إلى آخره -فكرة المثلث الاقتصادي من إسرائيل والكونفدرالية مجرد مقدمة أولية للسوق المفتوحة-

رساميل عربية ضعيفة وتابعة- تشغيل الأيدي العاملة في الزراعة والرعي (تربية الحيوانات الصحراوية) لتأمين غذاء كاف، ليس غير -تخديم السياحة- استجرار آلية استهلاك أعلى للمنتجات الرأسمالية عبر السوق المفتوحة- الفقدان التاريخي لأية سلطة لهم على مواردهم وثرواتهم: النفطية خصوصاً... إلى آخره- يُلحظ هنا عدم إدخال أي تكنولوجيا إلى نظم الإنتاج العربي!

4- العسكرة والأمن الإقليمي-

الحفاظ على الترسانة الصهيونية النووية وغير النووية- إشراك أمريكا في ضمان الأمن الإقليمي، أو بالأحرى وضعه تحت إشرافها أو سيطرتها المباشرة.. راهنياً على الأقل- ضرب كل معارضة عربية بحجة: الأصولية الخطرة، والإرهاب، رسمية كانت تلك المعارضة أو شعبية-

تجريد العرب تدريجياً من السلاح، وتخفيض أعداد الجيوش ونوعية تسليحها- إحالة أية مشكلة أمنية عربية إلى مرجعية أميريكية/ صهيونية مشتركة- تشغيل الإدارات الحكومية العربية في مهمة ضرب المعارضين لهذا المشروع الابتزازي.

 

إن تأمل الجدول يجعلنا نتساءل فوراً، بدهشة ومراراة:

- أهذه هي صيغة "السلام!" المطروحة علينا لقبولها باعتبارها الحد الأعلى "للسلام العادل!"؟!

أما السؤال الأهم فهو:

- هل حقاً يمكن لعربي "نظيف!" قبول هذه الصيغة من "السلام!"؟!

لقد افتتحنا فصول مناقشتنا لكتاب الجنرال بالقول:

السلام؟!... حسناً... ولكن، بالمقابل: كيف؟! ومتى؟! ولمن؟! ولأية غاية أو وظيفة في سياق زمنه وحدود اشتراطاته؟! ‍

وإذا كانت الإجابة قد أصبحت جلية، في اعتقادنا، على هذه التساؤلات بعد مناقشتنا لكل ماورد في كتاب الجنرال (طائر الليل)(*) - كما لقب منذ أيام بن غوريون- فإننا نرى استحالة قيام أي سلام حقيقي مع الصهيونية وممثليها في نهاية الأمر!

إن حركة التاريخ في منطقة ما أوفي العالم، لا يمكن تدويرها بالرغبات أو الخطط والبرامج الابتزازية، وصناعة (ظاهرة تاريخية) ليست عملية تشبه صناعة سلعة ما. ونحن نؤكد من جديد على أننا نرى- تحت سطح كل مايجري عالمياً- أننا في اللحظة المفصلية لانهيار نظام حضاري كامل وولادة آخر تتلاشى فيه حدة الابتزاز وتنهار مؤسسات النهب والتدمير العالمية... وعند ذلك تكون حركة التاريخ قد استوفت مستحقاتها كاملة ودفعت بالظاهرة التاريخية الجديدة إلى حيز الفعل المعلن!...

عندها -وكما نقدر- لن تبقى في العالم منظمة اسمها الصهيونية.. وبالتالي: لن يكون هناك جنرالات كالسيد بيريس، يهددون بتحويل (الشرق الأوسط)، أو سواه، إلى مقبرة فسيحة إن لم تتم الاستجابة لمطالبهم الابتزازية الصفيقة!

وماهو آتٍ، قد اصبح قريباً، بالتأكيد!!

***

لقد قال الجنرال الصهيوني المبشر في خطابه أمام "الأمم المتحدة" والمنشور كملحق لكتابه:

(أعلم أن الشكوك تظهر عندما نتحدث عن السوق المشتركة في الشرق الأوسط، أو عند الإعلان عن استعداد إسرائيل لذلك بعلمائها ومهندسيها، حيث يفسر ذلك على أنه محاولة إسرائيلية للهيمنة أو لأن تتبوأ الصدارة، هنا اسمحوا لي أن أقول بصدق وبصوت عالٍ أننا لم نقدم تنازلات إقليمية لنحقق التفوق الاقتصادي)ص224.

وإذا تأملنا جيداً أية "تنازلات!!" قد قدمها -هو وحكومته!- إجرائياً كما يحدث في السياسة اليومية، أو برنامجياً كما تفضل حضرته فأفهمنا ذلك في كتابه، فإننا سنرى الجنرال مخطئاً تماماً في قوله: (أعلم أن الشكوك تظهر)... فالحقيقة أكبر من ذلك بكثير، إذ أن المسألة ليست مسألة شكوك وحسب، بل هي مسألة انعدام المصداقية لدى السيد الجنرال بخصوص مايدعيه لمصلحتنا في برنامجه!.. إن الجنرال ببساطة: مزور وكذاب من طراز فريد!

ولأن حبل الكذب قصير، كما يقال، فإن مايجري في الواقع العملي يدل بقوة على أن السحر قد أخذ ينقلب على الساحر... وعلى مريديه أيضاً!!...

1(*) لنتذكر مفهوم الأمة - الذي يتضمن فكرة القومية والشعور القومي - سواء في النص القرآني الكريم : (كنتم خير أمة أخرجت للناس...) مع التوكيد مراراً على عروبة هذا النص... إضافة إلى سائر ما حفل به التاريخ العربي الإسلامي من مظاهر الانتماء القومي، ومحاربة الشعوبية مثل على ذلك!

(*) الإحصائيات تقريبية عموماً، بسبب انعدام عمليات الإحصاء آنذاك، كما هو معروف هذه الأيام!... والجنرال نفسه يقر بعدم توفر الإحصائيات الدقيقة دائماً، وذلك في معرض حديثة عن أعداد الفلسطينيين اللاجئين خارج الأرض المحتلة.

(*) انظر بقية الصفحة 185 والصفحة 186 حيث يستخدم إضافة إلى عبارة (جماعة قومية) عبارات: (صحوة قومية) (القومية الفلسطينية) و(الهوية القومية الفلسطينية) وبالمعنى المنفصل تماماً عن القومية العربية، بل والمتعارض معها أيضاً!

(*) حين تكلم الجنرال عن قطاع غزة في أكثر من فصل سابق كانت إشاراته تتضمن معنى هذا التعبير الأخير، وهكذا، وبالقرينة نستنتج هنا أن المقصود بهذه العبارة الغامضة الماكرة "النسيج الوطني الجديد في مناطق صغيرة مزدحمة بالسكان" هو القطاع تحديداً فلنتأمل العبارة جيداً إذاً!

(*) بخصوص شطب عبارة "الأرض مقابل السلام" ورفض إسرائيل تطبيق القرار 242، راجع ص 189 أما قصة المعاهدة /الهدية فهي بداية الكتاب.

(*) يكمل الجنرال هنا قائلاً: (وأن هذا قد يثير مشاكل لاستقرار المنطقة) وهذه العبارة التي تعمدنا اختصارها أعلاه لا تعني أكثر من ضرورة حث (أصدقائه!) لإقناع الفلسطينيين بأن الأردن هو (وطنهم القومي!!!) كما سنبين في المناقشات لأطروحاته اللاحقة!

(*) بعض النظم العربية، كالمغرب وعدد من دول الخليج لم تستطع كبح لهفتها وتهافتها على التعامل مع دولة الكيان الاستيطاني الصهيوني، ولم تنتظر تحقيق أي شيء من (تهيؤات) الجنرال، كما هو معروف!

(*) إن التوكيد هنا على: "فلسطين وشعبها" لا يعني بتاتاً عدم ربطهما جغرافياً وقومياً بالكل العربي الذي يحتويهما، وإنما هو إجراء على المستوى المفهومي في مواجهة "إلغائهما صهيونياً" على المستوى ذاته.

(*) من المؤسف أنه أخذ يتم بسرعة استبدال المصطلحات العربية الدالة سياسياً على وعي محدد للغزو الاستيطاني، بالمصطلحات الدالة سياسياً ومفهومياً على ما يناسب الصهانية، مثل (العالم العربي، والشرق الأوسط) بدل الوطن العربي، ومثل (إسرائيل) بدل (الكيان الصهيوني) وذلك في مختلف وسائل الإعلام العربية، وحتى في كتابات غالبية الكتاب العرب.

(*) إن وضع اليهود العرب -الذين صاروا جزءاً من "السفارديم" في دولة الكيان الاستيطاني -خلال عصر السيادة العالمي للحضارة العربية الإسلامية هو دليل قاطع على أن أولئك اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم أتباعاً لدين مختلف عن الدين الإسلامي الرسمي للدولة، تماماً كالمسيحيين العرب، ولم يخطر لهم إطلاقاً أنهم من "قومية مغايرة".... خلافاً للمسلمين الفرس مثلاً!!

(*) دائماً كان الملك حسين، أهم "الاستثناءات" في العمل لصالح أصدقائه الصهانية، وهذا ليس سراً على أحد منذ زمن طويل!

(*) راجع نص الخطاب المنشور كملحق لكتابه -خصوصاً ص 221

(*)  راجع ص 211

(*) نحن نعتقد بأن أهم مايطفو على سطح العلاقات بين دول المنطقة، وأهم المشكلات التي تعاني منها هذه الدول داخلياً وخارجياً مرتبطة أوثق ارتباط بوجود الكيان الاستيطاني الصهيوني، إن لم نقل إنها ناجمة -مباشرة - عنه! وبالطبع، كانت ستوجد المشكلات والصراعات لو أن هذا الكيان لم يكن موجوداً... ولكننا نعتقد أنها كانت ستكون أقل حدة، بل أقرب إلى الخلافات البسيطة القابلة للحل بسهولة، في نهاية الأمر!

(*) معروف تاريخياً أن اسم فلسطين منسوب إلى (الشعب الفلسطيّ) ذي الأصل المجهول، إذ ربما كان إحدى القبائل العربية القديمة مثله مثل الكنعانيين والعموريين والآراميين وسواهم... ويزعم بعض المؤرخين الأوربيين أن هذا الشعب هو أحد شعوب البحر التي غزت المنطقة قادمة من أوروبا، وهزمها رعمسيس الثاني نهائياً في القرن 11ق.م وأنه عفا عن هذا الشعب وأسكنه القسم الأوسط والجنوبي من السهل الساحلي في فلسطين اليوم. وفي أسفار التوراة أن هذا الشعب كان الأعنف مقاومة للاستيطان اليهودي الأول في فلسطين ثم ذاب لاحقاً في المجموعات الشعبية العربية الأخرى هناك، والوثائق التاريخية لا تذكر أي شيء عن (دولة يهودية أو عبرية) في فلسطين، بل إن وثائق الأشوريين تسمى القسم الشمالي من فلسطين باسم (بيت عمري، أو عموري). أما الأردن اليوم -أي ماهو شرقي النهر فكان (بلاد موآب) في قسمه الغربي والباقي جزء من بادية الشام.. ليس غير! ولم يحدث طيلة التاريخ اللاحق أن شمل اسم (فلسطين) ماهو شرقي النهر. لكن، منذا الذي يستطيع أن يحصر كل "عجائب!" الدجل الصهيوني الذي يجترحه سعادة الجنرال؟!!..

(*) أطلق عليه هذا اللقب منذ اضطلع بعبء التفاوض السري بين حكومة دولته برئاسة بن غوريون وبين غي موليه الفرنسي لإنشاء أسس ماسيصير (ا