تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ب- العقدة (لحظة التأزم):

عرف الدكتور عبد الله خليفة ركيبي(العقدة) بأنها"تشابك الحدث وتتابعه حتى يبلغ الذروة"(1)، أما يوسف الشاروني فقال إنها((تتابع زمني، يربط بينه معنى السببية))(2)، ثم ذكر أن عقدة القصة الجيدة، يجب أن تجيب عن هذين السؤالين: "وماذا بعد، ولماذا؟"(3)، إن الفرق بين الحكاية القصصية البسيطة، وبين القصة القصيرة، أن الأولى تكتفي بالإجابة عن السؤال، وماذا بعد؟ في حين أن عقدة القصة القصيرة تجيب على السؤالين معاً وماذا بعد؟ ولماذا؟ ويشترط في العقدة أن تتضمن صراعاً قدرياً، أو ناتجاً عن ظروف اجتماعية أو صراعاً يقوم بين الشخصيات الموظفة، أو صراعاً نفسياً يدور في داخل الشخصيات.‏

وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن العقدة لم تعد من عناصر القصة الهامة وربما في هذا غلو، فمع تطور فن القصة فإن عنصر العقدة لا يزال أداة قوية لتشكيل لحظة تأزم داخل النص، يتابعها القارئ بشوق من أجل حل الإبهام الذي يحيط بها محققاً بذلك لذة جمالية. ونرى أن في الأعمال القصصية الخالية من العقدة نقصاً كبيراً، يخل بالعمل الأدبي ككيان متكامل.‏

ج- النهاية(لحظة التنوير أو الانفراج):‏

بعد أن تتشابك الأحداث القصصية، وتبلغ ذروة التعقيد تتجه نحو انفراج يتضح من خلاله مصير الشخصيات، وقد اعتاد الدارسون أن يطلقوا على هذه المرحلة اسم النهاية، أو لحظة الانفراج.‏

وهم يعلون شأن النهاية، لكونها جزءاً أساسياً من صلب القصة القصيرة فهي مرتبطة ارتباطاً عضوياً ببدايتها حتى لا يتفكك نسيج القصة ولا بناؤها، لأن تطور الحدث ضروري في دفع مجراها إلى هذه النهاية التي تحدد معنى الحدث، وتكشف عن دوافعه وحوافزه(4). ولأنها تكون مجمعاً للحدث القصصي يتحدد من خلاله المعنى الذي أراد الكاتب أن يعبّر عنه.(5)‏

وليست النهاية عملية ختم لأحداث القصة فحسب بل إن فيها التنوير النهائي للعمل القصصي الواحد المتماسك، ومن خلالها يقع الكشف النهائي عن أدوار الشخصيات(6)، ويطلب إلى الكاتب الابتعاد عن النهايات المفاجئة، أو النهايات المقحمة غير المقنعة، أو التي تشبه جسماً غريباً ألصق بالعمل القصصي لأن الإقناع يعد من العناصر الأساسية في أي عمل فني.‏

والنهاية الجيدة، هي التي تستوعب كل العناصر المتقدمة، من بداية وحدث، وشخصيات، إنها كالبحيرة التي تتجمع فيها مياه الوديان والجداول والشعاب.‏

3- النسيج القصصي:‏

نسيج القصة هو الأداة اللغوية، التي تشمل السرد والوصف والحوار. ووظيفته خدمة الحدث، إذ يسهم في تطويره ونموه إلى أن يصير كالكائن الحيّ المميز، بخصوصيات محددة، وعلى القاص أن يترك الفرصة لشخصيات أعماله القصصية أن تتحدث بلغتها، ومستواها الفكري حتى يمكنها أن تكتسب طبيعة منطقية.(7)‏

ونظراً لاختلاف مستويات شخصيات العمل القصصي، فإنه من العبث أن نرى الشخصيات جميعها تتحدث بمستوى واحد، إذ أن المنطق يحتم اختلاف هذا المستوى بحسب تفاوت الشخصيات الموظفة.‏

وتهدف القصة القصيرة من خلال نسيجها إلى تصوير حدث قصصي، متكامل، وفق عناصر الخبر الثلاثة: البداية والعقدة والنهاية، ولا يجوز للدارسين أن يفصلوا بين نسيج القصة وبنائها، لأنهما تسميتان لشيء واحد، ولأن القصة القصيرة لحمة فنية لا يمكن تجزئتها إلى نسيج وبناء.(8)‏

وفيما يأتي عرض موضوعي لبعض عناصر نسيج القصة، وسنتناول الموضوع من حيث السرد والوصف والحوار.‏

أ- السرد:‏

يعد السرد أحد أركان النسيج القصصي الأساسية، حيث يسهم في الربط بين أجزاء القصة وتتابعها، تتابعاً فنياً متيناً.‏

ويدل المعنى اللغوي لكلمة"سرد"، ((على توالي أشياء كثيرة يتصل بعضها ببعض، من ذلك السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الحلق))(9) .‏

أما اصطلاحاً فالكلمة تعني: التتابع وإجادة السياق(10)، وأما من حيث الاصطلاح الأدبي فإنها تعني((المصطلح الذي يشتمل على قص حدث أو أحداث أو خبر أو أخبار سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أم من ابتكار الخيال.))(11).‏

وليس السرد عنصراً فنياً خاصاً بالقصة القصيرة من دون غيرها، وإنما هو ركن أساسي في الرواية، حيث يتحقق بوساطته ترابط الأحداث وتسلسلها.‏

ب- الوصف:‏

الوصف في المصطلح الأدبي هو: تصوير العالم الخارجي أو العالم الداخلي من خلال الألفاظ، والعبارات، وتقوم فيه التشابيه والاستعارات مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي(12).‏

ووظيفة الوصف هي خلق البيئة التي تجري أحداث القصة فيها وتكوين نسيجها، ولا يحق للقاص أن يتخذ من الوصف مادة للزينة وإنما يوظفه في تأدية دور ما في بناء الحدث. ومن المتفق عليه أن على الكاتب أن يقدّم الأشياء الموصوفة، ليس كما يراها هو، بل كما تراها شخصياته.‏

وأن تكون اللغة قريبة من لغة الشخصية، لكي تحقق شيئاً من المنطقية الفنية، لأن الشخصية هي التي ترى الشيء وتصفه وتتأثر به(13)‏

فإذا توافرت هذه الشروط، فإن الوصف سيكون عنصراً فنياً مع بقية العناصر في تماسك النص القصصي.‏

ج- الحوار:‏

الحوار في المصطلح هو تبادل الحديث بين الشخصيات في قصّة ما(14). ومن وظائفه في العمل الأدبي بعث روح حيوية في الشخصية، ومن شروطه أن يكون مناسباً، وموافقاً للشخصية التي يصدر عنها، إذ لا يعقل أن يورد الكاتب حواراً فلسفياً، عميقاً على لسان شخصية أمية، غير مثقفة(15).‏

ويقوم الحوار في القصة بدور هام، حيث بإمكانه أن يخفف من رتابة السرد الطويل، والذي قد يكون مبعثاً للسأم والملل، وبتدخل الحوار الخفيف السريع يقترب النص من لغة الواقع أكثر.(16)‏

إن اللغة أداة الحوار، ولذلك وجب أن تكون عامل بناء في الفن القصصي وعامل تعبير عن الأفكار والآراء.(17)‏

ومن الشروط الفنية للحوار القصصي أيضاً التركيز والإيجاز والسرعة في التعبير عما في ذهن الشخصية، من أفكار حيوية، أما طول الحوار فإنه يضر بالبناء الفني للقصة القصيرة.(18)‏

وقد أجمعت جل آراء النقاد والدارسين على ضرورة استعمال اللغة العربية الفصحى في الحوار، لأنها اللغة الوحيدة التي يفهمها المثقفون العرب كافة رغم أن قلة منهم يدعون إلى استعمال العامية بدعوى تقريب الشخصية من واقعها الحياتي، إذ ليس من المنطقي-في رأيهم- أن ندير حواراً باللغة الفصحى على لسان فلاح ينتمي إلى الريف السوداني أو الجزائري مثلاً. ولكن هذا مردود في رأينا أضف إلى ذلك أن اللهجات المحلية العربية تقلل من جماهيرية النص الأدبي وتجعله منحصراً في بيئة واحدة من الصعوبة اجتيازها لشدة خصوصيات بعض اللهجات العربية.‏

4- الشخصية:‏

الشخصية القصصية هي أحد الأفراد الخياليين، أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة(19)، ولا يجوز الفصل بينها وبين الحدث، لأن الشخصية هي التي تقوم بهذه الأحداث(20).‏

وقد أكد كثيرون على هذه الصلة، يقول الدكتور رشاد رشدي: ((من الخطأ الفصل أو التفرقة بين الشخصية، وبين الحدث، لأن الحدث هو الشخصية، وهي تعمل، أو هو الفاعل وهو يفعل))(21).‏

وينتقي القاص-في معظم الأحيان- من الشخصيات التي يوظفها للتعبير عن أفكاره وآرائه شخصية محورية تتجه نحوها أنظار بقية الشخصيات، كما أنها تقود مجرى القصة العام.‏

وقد ألف النقاد أن يطلقوا على هذه الشخصية مصطلح"البطل" ويعنون به الشخصية الفنية التي يسند القاص إليها الدور الرئيسي في عمله القصصي.‏

ويعني أحمد منور بشخصية البطل، الشخصية الفنية التي((تستحوذ على اهتمام القاص، وتمثل المكانة الرئيسية في القصة، وقد تكون سلبية، كما تكون إيجابية، أو متذبذبة بين هذه القصة وتلك، قد تكون محبوبة، أو منبوذة من طرف القارئ، المهم أنها تمثل المحور الرئيسي في القصة والقطب الذي يجذب إليه كل العناصر الأخرى ويؤثر فيها))(22).‏

شرعت بعض الدراسات الحديثة تبتعد عن تسمية(البطل) ورأت فيها بطولةٌ طوباويةٌ زائفة، لأنها مقترنة بظهور الأدب الخيالي الذي نشأ في العصور الوسطى، ولهذا استبدلنا بها اسم(الشخصية الرئيسية)، لأنها في رأي أصحاب هذه الدراسات أنسب، كما أنها تتلاءم مع الدور الفني الذي يسند إليها.‏

ويحبذ في الشخصية القصصية أن تكون معبرة عن صورة من صور الحياة البشرية وأن تبتعد قدر المستطاع عن النماذج الأسطورية التي تقوم بأعمال خارقة، لأن عنصر الإقناع يضفي على الشخصية القصصية هيبة، ودوراً متقدماً. وفي هذا الشأن يقول الطاهر وطار: ((أبطالي الرئيسيون أختارهم من الحياة، من معارفي أو أصدقائي، أو من حققت في شأنهم في إطار عملي- كمراقب وطني للحزب- ولكن مهما كانت قيمة البطل الدرامية، فإنني مضطر إلى أن أضفي على الأقل 70 أو 80%، من أبعاد ومعطيات من عندي، وأحياناً أقوم بتركيب عدة شخوص في شخص واحد.(23)وسنعرض فيما يلي لأنواع الشخصيات، كما سنبيّن طرائق عرضها.‏

أ- أنواع الشخصيات الفنية:‏

ففي القصة عدة أنواع من الشخصيات، تختلف أدوارها بحسب ما أراده القاصّ لها، وأهم هذه الشخصيات هي:‏

1- الشخصية الرئيسية:‏

هي الشخصية الفنية التي يصطفيها القاصّ لتمثل ما أراد تصويره أو ما أراد التعبير عنه من أفكار أو أحاسيس. وتتمتع الشخصية الفنية المحكم بناؤها باستقلالية في الرأي، وحرية في الحركة داخل مجال النص القصصي.‏

وتكون هذه الشخصية قوية ذات فاعلية كلما منحها القاص حرية، وجعلها تتحرك وتنمو وفق قدراتها وإرادتها، بينما يختفي هو بعيداً يراقب صراعها، وانتصارها أو إخفاقها وسط المحيط الاجتماعي أو السياسي الذي رمى بها فيه.‏

وأبرز وظيفة تقوم بها هذه الشخصية هي تجسيد معنى الحدث القصصي، لذلك فهي صعبة البناء، وطريقها محفوف بالمخاطر.‏

2- الشخصية المساعدة‏

على الشخصية المساعدة أن تشارك في نمو الحدث القصصي، وبلورة معناه والإسهام في تصوير الحدث. ويلاحظ أن وظيفتها أقل قيمة من وظيفة الشخصية الرئيسية، رغم أنها تقوم بأدوار مصيرية أحياناً في حياة الشخصية الرئيسية.‏

3- الشخصية المعارضة‏

وهي شخصية تمثل القوى المعارضة في النص القصصي، وتقف في طريق الشخصية الرئيسة أو الشخصية المساعدة، وتحاول قدر جهدها عرقلة مساعيها. وتعد أيضاً شخصية قوية، ذات فعالية في القصة، وفي بنية حدثها، الذي يعظم شأنه كلما اشتد الصراع فيه بين الشخصية الرئيسية، والقوى المعارضة، وتظهر هنا قدرة الكاتب الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثل هذا الصراع.‏

ويمكن التمييز بين فئتين من الشخصيات في الأدب القصصي نوردهما فيما يلي(24).‏

أ- الشخصيات البسيطة:‏

وهي الشخصيات الثابتة التي تبقى على حالها من بداية القصة إلى نهايتها فلا تتطور، حيث((تولد مكتملة على الورق لا تغير الأحداث طبائعها، أو ملامحها، ولا تزيد ولا تنقص من مكوناتها الشخصية، وهي تقام عادة حول فكرة، أو صفة كالجشع وحب المال التي تبلغ حد البخل أو الأنانية المفرطة))(25).‏

ب- الشخصية النامية‏

وهي الشخصية التي تتطور من موقف إلى موقف- بحسب تطور الأحداث، ولا يكتمل تكوينها حتى تكتمل القصة(26)، بحيث تتكشف ملامحها شيئاً، فشيئاً خلال الرواية أو السرد، أو الوصف، وتتطور تدريجياً خلال تطور القصة وتأثير الأحداث فيها أو الظروف الاجتماعية(27).‏

2- طرق عرض الشخصيات‏

توجد طريقتان أساسيتان لعرض شخصيات القصة هما:‏

أ- الطريقة التحليلية‏

وهي طريقة مباشرة، يعنى في رسمها من الخارج، حيث يذكر القاص تصرفاتها، ويشرح عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تتكشف فيه شخصيته وتوجيهه لشخصياته وأفكارها وفق حاجته والهدف الذي رسمه كما ترد ملامحها الخارجية على لسانه.‏

ب- الطريقة التمثيلية‏

وهي طريقة غير مباشرة يمنح القاص فيها للشخصية حرية أكثر للتعبير عن نفسها وعن كل ما يختلج بداخلها من أفكار وعواطف وميول. مستخدماً ضمير المتكلم، كما أن شخصيّة القاص تنتحي جانباً لتفسح المجال للشخصية الأدبية لتقوم بوظيفتها الفنية بعيداً عن أية تأثيرات خارجية.‏

إلا أنه أحياناً قد يوظف القاص الطريقتين معاً في قصة واحدة لتصوير الشخصية كلما اقتضت الضرورة الفنية ذلك كما هو الحال في الترجمة الذاتية حيث يفسح الكاتب المجال للشخصية نفسها.(28)‏

إن بناء الشخصية ليُعد من الأمور الصعبة، بحيث تستلزم جهداً فنياً كبيراً، وخبرة عميقة بأساليب الفن القصصي، لعدة أسباب كقصر شكلها، ومحدودية زمنها وبيئتها(29). ولكي تكون الشخصية القصصية عنصراً مقنعاً في القصة، يجب أن تكون متطورة وذات أبعاد تحددها، كالحوافز والدوافع التي تدفعها للقيام بعمل ما، وتتحدد الشخصية أيضاً بملامحها وتصرفاتها والتي تزيدها عمقاً ومتانة، كما يجب أن تكون شديدة الارتباط بالحدث مؤثرة فيه، ومتأثرة به(30).‏

وللشخصية الفنية ثلاثة شروط:‏

1- أن تكون مقنعة معبرة عن نفسها، أي بعيدة عن التناقض.‏

2- أن تكون حيوية فعالة ومتفاعلة مع الأحداث، متطورة بتطورها من أول القصة إلى آخرها.‏

3- أن يتوفر فيها عنصر الصراع، ويقصد به الاحتكاك بينها وبين نفسها، وعواطفها الذاتية أو عقيدتها، أو عقلها، أو بينها وبين شخصيات أخرى، وكلما كان الصراع قوياً واضحاً بين هذه العناصر كانت القصة أنجح وأعمق تأثيراً(31).‏

كما اقترح بعض الدارسين(32) ثلاثة أبعاد يجب على القاص أن يلم بها للإحاطة برسم الشخصية وهذه الأبعاد هي:‏

1- البعد الجسمي:‏

يهتم القاص في هذا البعد برسم شخصيته، من حيث طولها، وقصرها ونحافتها وبدانتها، ولون بشرتها، والملامح الأخرى المميزة.‏

2- البعد الاجتماعي:‏

يهتم بتصوير الشخصية، من حيث مركزها الاجتماعي، وثقافتها، وميولها والوسط الذي تتحرك فيه.‏

3- البعد النفسي:‏

يهتم القاص خلال هذا البعد، بتصوير الشخصية من حيث مشاعرها وعواطفها وطبائعها، وسلوكها، ومواقفها من القضايا المحيطة بها.‏

إن عنصر الشخصية القصصية من أهم العناصر في القصة، ولذا وجب على القاص أن يعتني به عناية شديدة.‏

5- الأسلوب:‏

قد يصعب التحديد اللغوي والأدبي لكلمة(الأسلوب)، ويرجع ذلك لتعدد تعاريفه نظراً لاختلاف البيئات الثقافية، وخبرات الكتاب والنقاد وآرائهم في الإبداع وأساليبه.‏

على أن هناك ملامح عامة مشتركة تساعدنا في مجال بحثنا، وسنورد بعضها فيما يلي:‏

من هذه التعاريف اللغوية ما أوردته المعجمات العربية القديمة والحديثة فقد أورد إسماعيل بن حماد الجوهري لفظ الأسلوب بمعنى الأخذ من فنون القول(33)، وجاء في لسان العرب المحيط حول كلمة(الأسلوب) ما يلي: ((ويقال للسطر من النخيل: أسلوب. وكل طريق ممتد، فهو أسلوب قال: والأسلوب الطريق، والوجه، والمذهب: يقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع أساليب، والأسلوب تأخذ فيه والأسلوب بالضم: الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه، وإن أنفه لفي أسلوب، إذا كان متكبراً، والأسلوب لعبة للأعراب، أو فعلة يفعلونها بينهم.))(34)، كما وردت في القاموس المحيط بمعنى الطريق.(35)‏

أما من حيث دلالة مصطلح كلمة(الأسلوب) الأدبية، فقد أوردها بعض المؤلفين المعاصرين في معان متشابهة، ومن بينها ما أورده جبور عبد النور في((المعجم الأدبي)) من أنه"طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية، تميزه عن سواها، لا سيما في اختيار المفردات، وصياغة العبارات والتشابيه والإيقاع. ويرتكز على أساسين: أحدهما كثافة الأفكار الموضحة وضبطها، وعمقها أو طرافتها، والثاني نخل المفردات، وانتقاء التركيب الموافق لتأدية هذه الخواطر، بحيث تأتي الصياغة محصلاً لتراكم ثقافة الأديب ومعاناته))(36).‏

ويعني الأسلوب عند الروسي خرابيشينكو: ((ذلك التميز في كاتب أو مجموعة من الكتاب.))(37)، ويضم الأٍسلوب الفني الاستيعاب العام للواقع الذي يتميز به الكاتب، وكذلك الطريقة الفنية التي يضعها الكاتب أمامه.(38)‏

ويستوحي الكاتب أسلوبه من مصادر متنوعة، أهمها بيئته، وثقافته وملاحظاته، وأحاسيسه وتجاربه ومواهبه(39). ويذهب الأستاذ: أحمد الشايب إلى أنه يمكن تحليل(الأسلوب) إلى ثلاثة عناصر هي: الأفكار والصور والعبارات.(40) وقد أضافت الدكتورة عزيزة مريدن عناصر أخرى منها: التوافق والانسجام بين المعاني والألفاظ.(41) تختلف الأساليب إذن من أديب لآخر، ومن كاتب لآخر، ولشدة بصمات الكاتب في أسلوبه يتمكن القراء من معرفة معظم الكتاب، كما يختلف الأسلوب الأدبي من لغة لأخرى، وذلك حسب خصائص الجملة لكل لغة وتختلف الأساليب باختلاف الموضوعات، فكل موضوع يلزمه أسلوب، وباختلاف الشخصية المبدعة، من حيث الأذواق والمواهب العقلية والخبرات، ودرجة الانفعال وطريقة العمل(42).‏

وللقصة القصيرة أسلوب يتميز ببعض الملامح الفنية، إذ أن الأسلوب المتبع في بنائها، هو الأسلوب المبني على خطة تعرف بالسياق أو الحبكة، وهذه الخطة تبدأ عادة بمقدمة تنتقل منها إلى الحادثة، حيث تبلغ ذروتها، ثم تصل إلى الحل، وهو النهاية الخاتمة.(43)‏

وتوجد أساليب أخرى إلى جانب هذا الأسلوب المميز لفن القصة القصيرة، يتبعها القاصون في سرد أحداث قصصهم، أشهرها: السرد، والترجمة الذاتية، والرسائل والوثائق، وتيار الوعي، ووجهات نظر الشخصيات.(44)‏

وأخيراً فإن الأسلوب يعد روح العمل الأدبي، ولذلك ينبغي على الأدباء أن يهتموا بتحسين أساليبهم الفنية، وأن يسعوا دوماً نحو الأسلوب الجيد الرصين.‏

6- التركيز:‏

يلح الدكتور عبد الله خليفة ركيبي على ضرورة التركيز، والإيجاز في التعبير القصصي وإلغاء الزوائد التي تضر بالعمل الأدبي، إذ الكلمة في القصة القصيرة لا يقل دورها، وأهميتها عن وجودها في القصيدة الشعرية.‏

فللتركيز مهمة كبيرة في القصة القصيرة، بحكم حجمها ومسوغاتها الفنية التي لا تحتاج إلى أطناب، وتفاصيل(45)، وقد فرق بين التفصيلات الضرورية التي يلح عليها العمل الفني ذاته، وبين التفصيلات الزائدة، التي يقصد بها تضخيم حجم القصة لا غير، وهي تفصيلات، ليست من فنيات القصة وإنما يمكن الاستغناء عنها وحذفها لأن وجودها في الوصف أو في الحوار، يضر أكثر مما ينفع.(46)‏

أما موطن التركيز في القصة، فيكون في الموضوع، وفي الحادثة، وطريقة سردها، أو في الموقف وطريقة تصويره، أو في لغتها، ويبلغ التركيز حده حين لا يمكن الاستغناء عن أي لفظة مستخدمة، أو يمكن أن يستبدل بها غيرها، إن كل لفظة في القصة القصيرة يجب أن تكون موحية ولها دورها، تماماً، كما هو الحال في الشعر.(47)‏

وسبب إلحاح النقاد على عنصر التركيز، والإيجاز يرجع إلى أن طبيعة القصة القصيرة بحجمها وزمانها ومكانها لا تتطلب التفصيل والسعي وراء تكديس الحوادث مثلما يسمح بذلك فن الرواية.‏

7- البيئة الفنية للقصة القصيرة:‏

يعد عنصر البيئة ركناً أساساً في القصة، فهو الحيز الطبيعي الذي يقع الحدث فيه وتتحرك الشخصيات في مجاله. ولذلك فإن صفاته تختلف من نوع قصصي لآخر، من حيث الاتساع والضيق. وذلك بحسب طاقة كل جنس وقدراته الفنية.‏

وأهم خصائص هذا الركن هي: أن تكون البيئة مركزة قدر الإمكان، وأن يتجنب القاص تنوعها قدر استطاعته. فهو كلما فعل ذلك تمت له السيطرة أكثر على تصوير الحدث القصصي ورسم شخصيته. لأن التنوع وكثرة الشخصيات والأحداث ليست من صفات القصة القصيرة التي تعنى أساساً بتصوير اللحظات المنفصلة التي تتكون الحياة منها.(48)‏

نستنتج مما سبق أعلاه أن أركان القصة القصيرة صعبة التحديد، وترجع هذه الصعوبة إلى كونها مادة فنية سريعة التغيير والتطور تتشعب فيها وجهات النظر حسب عوامل متنوعة، إلا أن هذا لا يمنعنا من ضبط ملامح أساسية للقصة القصيرة الفنية، تمكن الباحث من أن يفرز القصص الفنية عن غيرها.‏

ثالثاً: أنـــواع القصـــــة‏

يوجد نوعان أساسيان للقصة القصيرة حالياً في الأدب القصصي الجزائري هما القصة التقليدية(الأصولية)، وقد عرضنا أهم أركانها الفنية، والقصة التجريبية، وهي أحدث شكل قصصي في الأدب الجزائري المعاصر، إذ تعود بدايات ظهورها إلى السنوات الأولى من العقد السابع لهذا القرن(1972- 1975)، وسنقوم بعرض أهم عناصرها الفنية بالاستعانة ببعض الدراسات النظرية، على الرغم من قلتها في المراجع العربية المعاصرة.‏

أ- القصة الأصولية‏

للقصة الأصولية(المبنية على القواعد)، أسس وعناصر فنية واضحة كالحدث والخبر والنسيج والشخصية والأسلوب والتركيز والبيئة...، ويمثل هذا النوع الرصيد الأوفر لنتاج القصة القصيرة في الأدب الجزائري.(49) مما كنا بينا كثيراً منه في الصحفات السابقة الخاصة بالبناء الفني.‏

ب- القصة التجريبية‏

لم يخل الأدب العربي المعاصر من موجات التجديد التي اجتاحت الحياة الفنية والأدبية المعاصرة، ابتداءً من الحرب العالمية الثانية، وذلك بدافع الآثار السيئة للحرب التي خلفت مآسي إنسانية فادحة. فقد كانت الحاجة شديدة لأشكال فنية حديثة تعبر عن الحياة الجديدة ومظاهرها، وهكذا بدأت الثورة على كثير من المفهومات الفكرية والأدبية والأشكال الفنية.‏

فقد شرع بعض الأدباء يهجرون الأشكال الأدبية السابقة بدعوى أنها عاجزة عن تصوير الحياة الإنسانية المعاصرة، وأنه لا يمكنها التغلغل في النفس الإنسانية، ورسم إحساساتها في الظروف الجديدة. فكان أن ظهرت ثورة في الشكل المسرحي، وثورة في الشكل الروائي وظهرت مصطلحات أدبية كالرواية الجديدة، كما ظهرت القصة الجديدة التجريبية التي هي مجال حديثنا.‏

وفيما يلي تحليل لمظاهر هذه الثورة وللعناصر الفنية الأساسية لهذه الدعوة وأفقها الفني.‏

بدأت ملامح الاتجاه الجديد في كتابة القصة في الأدب العربي في نهاية الستينات، بفعل تأثيرات حضارية، أصيب الفرد العربي-خاصة المثقف- خلالها بالقلق، والإحساس بالخيبة، فكان أن تولد في أعماقه شعور عنيف برتابة الحياة، وعدم جدواها، وتكون لديه إحساس بضرورة التخطيط لثورة على الاتجاه الواقعي الذي طبع القصة القصيرة لمدة تزيد عن عشرين عاماً.‏

كما طرحت مصطلحات أدبية جديدة، مثل الرواية الجديدة"اللارواية" والقصة الجديدة"اللاقصة".‏

أما العناصر الفنية الجديدة لفن القصة التجريبية، فتتعلق بالشكل الجديد الذي بني على تداخل الأزمنة وتعدد مستويات الفهم والبناء داخل التجربة الواحدة، واستعمال أسلوب التداعي، والحوار الداخلي. والاتجاه إلى الرمز بدلاً من التصريح والتعبير المباشر.(50)‏

ويمكننا أن نحصر أبرز العناصر الفنية للقصة التجريبية في الأمور التالية:‏

1- عرض لوحات من الحياة البشرية، لا تعتمد في صياغتها على نتاج الأحداث مثلما يفعل كتاب القصة التقليدية.‏

2- إلغاء التتابع الزمني، وذلك بسبب تحطيم عناصر الخبر الثلاثة(المقدمة، والعقدة، والنهاية) للقصة القصيرة.‏

3- عدم وضوح الشخصية الواحدة في القصة التجريبية، وإنما قد تتعدد الشخصيات حسب تعدد المقاطع التي يتشكل منها حجم القصة.‏

4- الاعتماد على تيار الوعي.‏

5- تكثيف التعبير بحيث تقترب لغة القصة التجريبية، من لغة القصيدة في كثافتها، وايماءاتها‏

6- الاهتمام بالتحليل النفسي للشخصية، لسبر أغوارها، وذلك عن طريق الحوار الداخلي.‏

7- عرض الشخصية في موقف متأزم، وذلك من خلال مواجهتها للأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية والفكرية.(51)‏

رغم النماذج الكثيرة للقصّة القصيرة التجريبية، وحماسة كتابها ودعاتها ومحاولاتهم الدائمة لإثبات مسوغات نقدية لها عن طريق الصحافة الأدبية العربية، والتجمعات الثقافية، فإن هذا الشكل لا يزال متردداً في اقتحام عالم القصة القصيرة التي مازالت تحافظ على عناصرها المعروفة. وقد ناهض العديد من كتاب القصة، والنقاد هذا الشكل الجديد وعدّوه تشويهاً للفن، كما رأوا في نماذجه القصصية غلوا في التجديد وتغريباً في الشكل الفني.‏

قال يوسف السباعي عن أصحاب الكتابة الجديدة إنهم((قذفوا في وجه الحياة الأدبية بمجموعات من الأعمال الغامضة المبهمة، وادعوا أن هذا هو الأدب، وإن هذا هو الجانب الجديد في الفن))(52) .‏

تلك هي الملامح الفنية للقصة التجريبية التي ظهرت في الأدب العربي المعاصر في أواخر الستينات، متأثرة بالأشكال الجديدة للفن القصصي الغربي، والذي أفرزته جملة من الظروف الاقتصادية والحضارية والذاتية. وقد اضطرتني نماذج كثيرة في القصة الجزائرية القصيرة، ظهرت بعد الستينات، إلى استعمال مصطلح(المفهوم التجريبي) لهذا النوع من القصة القصيرة خصوصاً عند الأدباء: جروة علاوة وهبي، وحرز الله محمد الصالح، والأعرج واسيني ومحمد الأمين الزاوي وعبد العزيز بوشفيرات، وعبد الحميد بورايو، وإلى الحديث عن الملامح الفنية الأساسية لهذا الشكل الجديد. وعموماً فإنّ الرؤية النظرية لهذه التجربة لم تتبلور بعد في النقد العربي المعاصر، شأنها في ذلك شأن بعض التجارب الأدبية الأخرى، كقصيدة النثر والقصيدة الإلكترونية.‏

ج- الأنواع القصصية الأخرى:‏

سنتناول فيما يلي أهم الفروق الفنية، بين القصة القصيرة التقليدية، والأنواع القصصية الأخرى التي وجدت في الأدب الجزائري المعاصر، وذلك بقصد وضع الحدود الأساسية بين الأجناس الأدبية تسهيلاً لعملية البحث في القسم التطبيقي من هذه الدراسة والذي سيرد في الفصول القادمة.‏

1- الفرق بين القصة القصيرة والحكاية:‏

تعد الحكاية من بين الأشكال النثرية التي مهدت لفن القصة القصيرة الفنية حيث أنها تتوفر على ملامح لعناصر القصة القصيرة(53)، إلاّ أنها ضعيفة وغير واضحة، كما أنها تنزع نحو الخيال والعالم الأسطوري والخرافي، وهذا ما يبعدها عن الفن القصصي الذي يهتم بتصوير الحياة الإنسانية والتعبير عنها.‏

2- المقال القصصي.‏

امتازت الحياة الأدبية والثقافية والفكرية الجزائرية بانتعاش وبتطور ملموس خلال العقد الثالث من هذا القرن، ومع مرور الأيام تطور شكل المقال الإصلاحي في بعض الكتابات إلى مقال قصصي، وبدا أنه يغاير شكله الأول، ولا غرو في ذلك لأن كتابه أعضاء في جمعية العلماء، ومن المتحمسين لأفكارها وكانوا يبحثون عن الطرق الناجعة لإيقاظ الهمم، وإصلاح النفوس، وقد وجد بعضهم في المقال القصصي ضالته(54).‏

3- الصورة القصصية.‏

يعد هذا الشكل الأدبي، أقرب الأشكال إلى القصة القصيرة الفنية: فهو الخطوة الفنية التي سبقت ظهورها، وهذا ما يفسر معاناة التحول في بعض النماذج الأدبية الأخرى لدى محمد بن العابد الجلالي، وأحمد بن عاشور، وأحمد رضا حوحو، وعبد المجيد الشافعي، إذ يمكن عدّ هذا التحول بمنزلة الظروف الصعبة التي ترافق انفصال الجنين عن أمه واستقلاله بكيانه الخاص، وحصوله على حجم مستقل تحدده سمات وعناصر خاصة.‏

وقد استمر هذا التهيؤ الفني، إلى مشارف الخمسينات، حيث اتضحت معالم القصة الفنية، وذلك بتأثير من تطور الحركة الأدبية الجزائرية، وتراكم الخبرات الأدبية لدى الأدباء أنفسهم، واطلاعهم على نماذج القصة الفنية.‏

ويمكن أن نحصر ملامح الصورة القصصية في النقاط التالية:‏

1- تهتم الصورة القصصية، بعنصر القص، وبالحدث، كما هو، وليس بتطوره.‏

2- الشخصية في الصورة القصصية نموذجية، لعيّنة من شرائح المجتمع، ولهذا فهي ثابتة غير نامية، كما أنها لا تتفاعل مع الحدث القصصي.‏

3- الحوار لا تديره الشخصية الأدبية، وإنما تطغى عليه شخصية الكاتب، ويحس القارئ بالتدخل المباشر للكاتب الذي يكشف عن مرداه، وثقافته.‏

4- نقص التركيز، وكثرة الحشو، والاستطراد، والتفاصيل.(55)‏

وأما من حيث المضمون فقد حاولت الصورة القصصية أن تستوعب مضمونات جديدة. فإلى جانب تركيزها على المشاكل الاجتماعية، ومعاناة الإنسان اليومية في ظل سلطة المحتل اهتمت أيضاً بإبراز أعمال المستعمر وآثاره السيئة في المجتمع، وأدانت بعض التقاليد السلبية التي تعرقل التطور الإنساني، وأسهمت إلى جانب المقالة في تقديم المبادئ الإصلاحية والأخلاق الدينية.(56)‏

4- القصة الوسطى.‏

هي شكل أدبي قصصي، يمكن وضعه بين القصة القصيرة والرواية لأنه يتضمن سمات كثيرة من فن الرواية، كتعدد الشخصيات، وتنوع الأحداث وكثرة التفاصيل وتناوله لقطاع حياتي أوسع من القطاع المتاح للقصة القصيرة.‏

ويتراوح عدد كلمات"القصة الوسطى" بين خمسة عشر ألفاً، وثلاثين ألفاً.(57) وقد شاء بعض النقاد أن يطلقوا على هذا الشكل القصصي مصطلح"الميني رواية"(58)، أو الرواية القصيرة، ومن نماذج هذا النوع في أدبنا الجزائري المعاصر"هنا تحترق الأكواخ" 1977 لمحمد زنيلي وحين يبرعم الرفض"1978 لإدريس بوذيبة. و"ناموسة" 1980، لشريف شناتلية، و"لقاء في الريف" 1980 لحسان الجيلاني.‏

5- الفرق بين القصة والرواية.‏

القصة القصيرة تعبير عن موقف واحد لحياة شخصية واحدة وتتميز بوحدة حدثها وزمانها، ومكانها، وتشكيل ما يسمى بوحدة الأثر، أو الانطباع.(59)‏

كما أنها تنتهي بلحظة التنوير، فتجلو كل الغوامض السابقة، أما القصة التي لا تنتهي بلحظة تنوير، فلا تعدو أن تكون رواية قد اختصرت اختصاراً شديداً لأن الرواية يمكن أن تنتهي بأي شيء من الأشكال. ومع ذلك يظل معناها كاملاً، أما القصة القصيرة فيتحدد معناها بنهايتها"(60)، كما أن الرواية تعتمد في تحقيق المعنى على التجميع، بينما القصة القصيرة تعتمد على التركيز والإيجاز"وبوسع الرواية أن تصور حياة الشخصية عبر كل مراحلها، بينما القصة تكتفي بلوحة واحدة من حياة الشخصية،"(61) وقد لخص الدكتور محمد أحمد العزب، أهم الفروق الفنية، بين القصة القصيرة والرواية في النقاط الأربع التالية:‏

1- الطول في الرواية، والقصر في القصة القصيرة.‏

2- وحدة الانطباع. في القصة، وتعدده في الرواية.‏

3- وحدة الشخصية، الزمان والمكان في القصة، وتعدد ذلك في الرواية.‏

4- يمكن أن يكون للرواية تسلسل زمني ويمكن ألا يكون، أما في القصة فلابد من تجميع الحاضر والماضي والمستقبل.(62)‏

تلك حدود رأيناها بين عناصر فن القصة القصيرة، وبين بقية الأنواع القصصية وسنعمد في الفصول اللاحقة إلى إبراز النماذج القصصية وتتبع مسار فن القصة في الأدب الجزائري المعاصر من عام 1947 إلى عام 1985م.‏

خاتمة الفصل‏

لقد عرف التراث الأدبي العربي القديم، أشكالاً قصصية متنوعة طمحت إلى التعبير عن مشاغل الكتاب وآرائهم في شؤون عصورهم، كقصص كليلة ودمنة والنوادر، والمقامات والسير الشعبية.‏

إلا أن هذه الأشكال ظلت حبيسة في أساليبها وطرائقها، ولم يسع الكتاب إلى تطويرها بعد وفاة مبدعيها، فكان أن بقيت على حالها طوال قرون الضعف وكأنها من تحف التراث.‏

ورغم التجارب الجيدة التي قام بها في عصر النهضة بعض الكتاب كناصيف اليازجي، ومحمد المويلحي، وحافظ إبراهيم لإحياء الأشكال القصصية العربية القديمة فإنها لم تستطع التطور والانتشار، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أن أساليبها ومضموناتها أقرب إلى روح التراث الأدبي العربي منهاإلى الحياة المعاصرة وروحها.‏

ولقد ازدهرت حركة الترجمة والنقل من الثقافات والآداب الأجنبية، خصوصاً الأوروبية مع تطور الصحافة العربية بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر.‏

وكان للأشكال القصصية، حظّ حسن من اهتمامات الكتاب والمترجمين، حيث عربوا الكثير من القصص والروايات والمسرحيات، والدراسات الأدبية. وتعد هذه الأعمال والمجهودات، حقولاً خصبة انتعشت فيها القصة العربية الحديثة، بعد صراع، وجدل بين الأساليب الأدبية القديمة، وأسلوب الإنشاء الحديث. والذي ينزع نحو التجديد والانعتاق من القديم. إلا أنه يجب أن نقر بدور التراث القصصي العربي، فهو أحد المؤهبات الرئيسية. ولولاه لما وجدت الفنون الأدبية الجديدة، وأساليبها طريقاً إلى الجمهور، ولما انتشرت بهذه السرعة وبلغت هذه المكانة. ثم إن فن القصة القصيرة أحد الأِشكال الأدبية التي ظهرت حديثاً في الآداب العالمية.‏

وهي تمتاز بحجمها، وعناصرها المحددة، ولا يعني هذا أنها مطية لكل كاتب، إذ تعد كتابتها من أصعب أنواع الكتابة وأعسرها، وذلك لدقة عناصرها وشدة خصوصياتها.‏

وقد تطور شكلها وملامحها الفنية في أدبنا الحديث بعد ازدهار حركة الترجمة والنقل واتخاذ اتصالنا بالثقافات الأجنبية مجرى الحوار والتأثر. كما كان لبعض أعضاء البعثات العلمية دور كبير في إثراء الحركة الأدبية العربية بنماذج قصصية رائدة، من مثل الدكتور محمد حسين هيكل، ومحمد تيمور، ومحمود تيمور وتوفيق الحكيم، والدكتور طه حسين.‏

أما شكل القصة التجريبية، فيعود تاريخ ظهوره إلى أواخر العقد السادس من هذا القرن، متأثراً بالظروف الحضارية والسياسية للإنسان العربي وبالتجارب الأدبية الجديدة في الغرب. خصوصاً التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية.‏

ويجدر بنا أن نلفت الانتباه إلى أن ملامح هذا الشكل لا تزال في بدايتها ولم تتجاوز إطار التجارب الفردية، كما أن النقد الأدبي لا يزال محجماً عن دراسة نصوصها.‏

وخلاصة القول إن القصة فن صعب يحتاج إلى خبرات طويلة وثقافة واسعة آخذة بعيون الآداب التراثية والمعاصرة فضلاً عن الموهبة الأدبية. وهو كغيره من الفنون يتحدد بجملة من العناصر الفنية تميزه عن غيره من أشكال التعبير المتنوعة.‏

وقد خصصنا الفصول التالية لدراسة خصائص فن القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر.‏

(1) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص152 .‏

(2) د. يوسف الشاروني: القصة القصيرة- ص67 .‏

(3) ص 68 .‏

(4) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص149 .‏

(5) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص70 .‏

(6) يوسف الشاروني: القصة القصيرة- ص70- 71 .‏

(7) ص 63- 64 .‏

(8) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص122 .‏

(9) أبو الحسين أحمد بن فارس: مقاييس اللغة- تحقيق عبد السلام محمد هارون دار الفكر، بيروت- بلا تاريخ- 3، ص157 .‏

(10) د. جبور عبد النور: المعجم الأدبي- دار العلم للملايين. بيروت 1979- ص139 .‏

(11) مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ص238 .‏

(12) د. جبور عبد النور: المعجم الأدبي- ص293 .‏

(13) مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب- ص238 .‏

(14) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص99- 100 .‏

(15) مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب- مكتبة لبنان. بيروت 1974/ ص110 .‏

(16) أحمد أبو سعيد: فن القصة. (ط1)- 1959- ص23 .‏

(17) يوسف الشاروني: القصة القصيرة- ص65 .‏

(18) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص152 .‏

(19) المرجع نفسه- ص148 .‏

(20) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب- ص117 .‏

(21) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص37 .‏

(22) أحمد منور: رسالة منه مؤرخة بالجزائر في 20/03/1983م.‏

(23) الطاهر وطار: رسالة منه مؤرخة بالجزائر في 30/03/1980م .‏

(24) د. نسيب نشاوي: محاضرات الأدب العربي المعاصر- 1983- 1984م جامعة عنابة- الجزائر.‏

(25) محسن بن ضياف: يوسف إدريس كاتب القصة القصيرة، دار بوسلامة للطباعة والنشر- تونس 1985- ص89 .‏

(26) أحمد أبو السعود: فن القصة(ط1)- 1959- ص10 .‏

(27) المرجع السابع 90 .‏

(28) ص 86 .‏

(29) ص 86 .‏

(30) حسين القباني: فن القصة القصيرة(ط1)- الدار المصرية للتأليف والترجمة القاهرة 1965- ص69 .‏

(31) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص46 .‏

(32) انظر على سبيل المثال الدكتورة عزيزة مريدن: القصة والرواية ص29 .‏

(33) الجوهري إسماعيل بن حماد: تاج اللغة وصحاح العربية(ط2)- تحقيق أحمد عبد الغفور عطار- دار العلم للملايين، بيروت 1979 مادة(الأسلوب).‏

(34) ابن منظور: لسان العرب المحيط- 2/178(مادة الأسلوب).‏

(35) الفيروز أبادي: القاموس المحيط- دار الجليلي المؤسسة العربية للطباعة والنشر- بيروت- ج1، بلا تاريخ- ص26 .‏

(36) د. جبور عبد النور: المعجم الأدبي- ص20 .‏

(37) م. خرابيشنكو: ذات الكاتب الإبداعية وتطور الأدب، مطبوعات وزارة الثقافة- دمشق 1980- ص39 .‏

(38) المرجع نفسه- 130 .‏

(39) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص39 .‏

(40) أحمد الشايب: الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية(ط6)- دون ذكر لمكان الطبع. 1966م- ص40- 41 .‏

(41) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص39 .‏

(42) أحمد الشايب: الأسلوب0 ص54 .‏

(43) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص 39 .‏

(44) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص76 .‏

(45) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص148 .‏

(46) ص149 .‏

(47) د. محمود السمرة: في النقد الأدبي(ط1)- 1945-ص54 .‏

(48) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص14 .‏

(49) فصلنا الحديث في جانبها النظري سابقاً، انظر أركان القصة القصيرة من هذا البحث:‏

(50) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص39.‏

(51) عبد الرحمن أبو عوف: البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة المصرية(مقال) مجلة الهلال- عدد أغسطس 1969- ص82و 83 .‏

(52) يوسف السباعي: استفتاء حول القصة الجديدة- المرجع السابق- ص128 .‏

(53) انظر د. عبد الله خليفة ركيبي: تطور النثر الجزائري الحديث(فصل القصة الشعبية) الدار العربية للكتاب(ليبيا- تونس، 1978- ص119 وما بعدها.)‏

(54) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص13 .‏

(55) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص35 و 36، وأيضاً الدكتور عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص90 وما بعدها.‏

(56) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص102 .‏

(57) مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان- بيروت. بلا تاريخ- ص356 .‏

(58) أحمد منور: قراءات في القصة الجزائرية. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1981- ص42 .‏

(59) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص147.‏

(60) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص95 .‏

(61) المرجع نفسه- ص96 .‏

(62) د. محمد أحمد العزب: عن اللغة والأدب والنقد، المركز العربي للثقافة والعلوم، بيروت. بلا تاريخ- ص 395 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244