تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول القصة القصيرة: المصطلح والبناء والأنواع

مقدمة الفصل الأول في هذا الفصل الأول:‏

في هذا الفصل عرض للمسائل النظرية الفنية لعناصر القصة القصيرة، فقد حان الوقت لوضع حد للمناقشات بعد أن انطلق الفن القصصي العربي بصورة جدية نحو فن رفيع انتقل به المبدع العربي من طور الانجذاب إلى آثار غيره إلى طور جذب اهتمام الآخرين إليه، وبتعبير آخر إلى مرحلة صار فيها الإبداع العربي نموذجاً عالمياً ورفيعاً، وأملنا في هذا الفصل أن نحقق فائدة نقدية نظرية في مصطلح القصة وأسس بنائها، وليس همنا رسم حدود صارمة أمام المبدع وإنما نحاول ألاّ نفسح المجال للفوضى التي تشوّه الجمال الفني، ذلك أن كثيراً مما تنشره الصحافة الأدبية العربية لا ينتمي إلى عالم الكتابة الفنية مهما ادعى أصحابه الفضل والسبق والريادة. وإن هذا الفصل ليعد أساساً ينقلنا فيما بعد إلى عالم النصوص الإبداعية التي سندرسها في الفصول التالية.‏

وقصدنا بهذا العمل رسم تطور حركتنا الأدبية في الجزائر التي تعد جزءاً من حركة الأدب العربي، وقد أوجزنا الحديث عن الأشكال القصصية التي مهدت لظهور القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة، فقد كان للدكتور: عبد الله خليفة ركيبي في كتابه"القصة الجزائرية القصيرة" فضل كبير في جلاء ملامح هذا التطور منذ العقد الثالث من هذا القرن إلى أواخر خمسيناته(1). كما أخذنا منه ومن كتابات الدكتور محمد مصايف وسائر النقاد العرب والغربيين في تحديد المصطلحات والأسس.‏

أولاً: المصطلح‏

إن لفظة قصة ليست من الألفاظ الجديدة التي دخلت اللغة العربية حديثاً، وإنما ورد ذكرها في التراث الأدبي والعلمي القديم، وإن كنا نؤكد أن مدلولها المعنوي والفني قد طرأ عليه تغييرات كثيرة نتيجة للاتصال بالثقافات الأجنبية.‏

فمادة(قصص): في لسان العرب المحيط تعني تتبع أثر الشيء، شيئاً بعد شيء وإيراد الخبر ونقله للغير، وتعني أيضاً الجملة من الكلام(2) وفي القاموس المحيط للفيروز أبادي معان كثيرة لكلمة"قصَّ" متفقة في معظمها مع ما ورد في لسان العرب المحيط، ومنها:( قصّ أثره قصاً وقصيصاً تتبعه، والخبر أعلمه، [فارتدا على آثارهما، قصصاً] أي رجعا من الطريق الذي سلكاه).(3)‏

وجاءت لفظة"قص" في دائرة المعارف لفؤاد أفرام البستاني بهذا المعنى:‏

((تتبع وتقصي أخبار الناس وفعالهم شيئاً بعد شيء، أو حادثة بعد حادثة)).(4)‏

والقصة لغة: ((أحدوثة شائقة. مروية أو مكتوبة يقصد بها الإقناع أو الإفادة"(5) وبهذا المفهوم الدلالي، فإن القصة تروي حدثاً بلغة أدبية راقية عن طريق الرواية، أو الكتابة، ويقصد بها الإفادة، أو خلق متعة ما في نفس القارئ عن طريق أسلوبها، وتضافر أحداثها وأجوائها التخييلية والواقعية.‏

والقصة عند الكاتب الإنجليزي: هـ. تشارلتون H.B. TCHARLETON إن لم تصور الواقع فإنه لا يمكن أن تعد من الفن.(6)‏

أما الناقد الإنجليزي: والترألن WALTER ALLEN فيراها أكثر الأنواع الأدبية فعالية في عصرنا الحديث بالنسبة للوعي الأخلاقي، فهي عن طريق فكرتها وفنياتها تتمكن من جذب القارئ إلى عالمها، فتبسط الحياة الإنسانية أمامه بعد أن أعادت صياغتها من جديد. وهي في صورتها العامة عند فورستر- حكاية فحسب تتتابع أحداثها في حلقات مثلما تتسلسل فقرات الإنسان.(7)‏

إن القصة بمفهومها العام شديدة الصلة بحياة الإنسان اليومية منذ فجر التاريخ. فلا تكاد تخلو منها حياة أي شعب من الشعوب سواء كانت مدونة أم مروية شفاها.‏

إلا أن المفهوم الحديث للقصة يختلف عما كانت عليه في القديم من حيث دورها وتقنياتها، فليست القصة الحديثة حكاية تسرد حوادث معينة أوحياة شخص كيفما اتفق، ولكنها محددة بأطر فنية عامة تميزها عن بقية الفنون التعبيرية الأخرى كالمسرحية والقصيدة الشعرية، وقد توضح شكلها الجديد بعد"نشأة القوميات الحديثة، وتحرر عبيد الأرض وانتشار الطباعة انتشاراً كاملاً، وظهور الصحافة".(8)‏

ولابد لنجاحها الفني من تماسك عناصرها: الأحداث، والشخصيات والنسيج والأسلوب والتركيز والبيئة. بحيث يكون كل عنصر كاللبنة في البناء القوي يؤدي وظيفته في اكتمال العمل الفني، وإن ضعف أي عنصر يؤدي إلى اهتزاز بقية العناصر وبالتالي العمل الأدبي ككل(9). والكاتب القصصي المعاصر ينظر إلى كل عنصر من عناصر عمله الفني نظرة واحدة، سمتها الاهتمام بكل عنصر، وكأنه هو الأساس في بنائه ويسعى إلى إتقان أدواته الفنية وتطويرها دائماً. ويعد النص القصصي اليوم أساساً في كل حركة أدبية تقوم داخل أي مجتمع، ويعود تقدم فن القصة على معظم الفنون"الكتابية" الأخرى إلى قدرتها الكبيرة على استيعاب الحياة الإنسانية بأحداثها الأليمة والمفرحة وبتطلعاتها إلى تصوير حياة الإنسان في أدق تصرفاته وأرق أحاسيسه.‏

2- مبدأ القص عند العرب.‏

نورد فيما يلي موجزاً عن مبدأ"القص" عند العرب من خلال رؤيتين: الأولى ذاتية يمثلها اهتمام قادة المسلمين الأوائل بالقصص، وتوجيه الناس إلى الإفادة مما يرويه اختصاصيون انتدبوا لذلك، بينما الثانية حديثه استلهمت أبعادها الفنية مما بلغه تطور الأدب القصصي، وإليها يعود الفضل في إرساء ملامح الفن القصصي في الأدب العربي الحديث.‏

أ- المبدأ الذاتي:‏

إن مبدأ القص، لا تختص به أمة دون غيرها من الأمم منذ اتضاح ملامحه الأولى إلى اليوم، لأن تداول الأخبار يكاد يكون غريزة في الإنسان جبل عليها.‏

والأمة العربية مثل غيرها من الأمم عرفت منذ القدم تداول الأخبار بين أطراف بيئتها، كما نقلت أخبار غيرها من الأمم المجاورة، وقد حفظ لنا التراث الأدبي الذي وصلنا شؤوناً كثيرة عن حياة الأمم الأخرى.‏

وفي القرآن الكريم، كثير من القصص الديني الراقي، فالأنبياء والرسل والأمم الغابرة وما تقلبت به الأحداث معروض في نسق قصصي شائق كقصة نوح عليه السلام وقومه، وقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقصة يوسف، وقصة موسى وفرعون، حتى إن سورة كريمة تحمل هذا العنوان"القصص". وإنَّ ما يميز قصص القرآن الكريم أنه لا يقصد الجانب الفني لذاته، وإنما جيء به لغرض ديني محض، هدفه الوعظ والاعتبار.(10)‏

ولم يخل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الجانب القصصي، إذ يروى عنه أنه كان يروي لنسائه بعض القصص، كقصتي: حديث خرافة وقصة أهل الكهف، كما كان يحبذ الاستماع لبعض القصص، ومنها قصة الجساسة والدجال.(11)‏

ثم حرص الخلفاء الراشدون على الاهتمام بالقصص، فعمر بن الخطّاب أذن لقاص بأن يقص على الناس يوماً في الأسبوع، وأمر بترجمة قصص العدل والسياسة، وأذن عثمان لقاص بأن يقص على الناس يومين في الأسبوع، وأجاز علي بن أبي طالب للحسن البصري أن يقص في المسجد. وفي عهد الدولة الأموية أجاز معاوية القص لجماعة من القصاصين، كما أنه اصطفى شيخاً من شيوخ القصص وأمره بتدوين ما يرويه، ثم اتخذه قاصّاً له(12).‏

ولقد تطور المبدأ القصصي في عهد بني أميّة على يد الكاتب الكبير عبد الله بن المقفع، فقد نقل نصوصاً من اللغة الفارسية ذات أصول هندية، تتمحور حول السلطان والرعية والعدل والظلم نشرها بين الناس تحت عنوان: "كليلة ودمنة"(13) ومن بعده تشعبت القصة شكلاً ومضموناً بين النوادر والحكايات والأخبار والسير والمقامات.‏

وأوحى هذا التراث القصصي لبعض الدارسين العرب المحدثين بأن يعدوه أصولاً فنية ومصادر للفن القصصي العربي الحديث، ورفعوا مكانته الأدبية والفنية في بعض الأحيان على كثير من الأعمال القصصية المعاصرة. يقول يوسف الشاروني: ((لقد عرف التراث العربي المجموعات القصصية التي تمتاز عن كثير من مجموعاتنا المعاصرة، بأنها كانت تندرج تحت موضوع واحد، مثل: كتاب البخلاء للجاحظ(160- 255هـ) و"المكافأة وحسن العتبى" للتنوخي(337- 384هـ)"(14).‏

وكان الشكل"المقامي" أحد الأشكال القصصية العربية القديمة التي حاول العرب إحياءها في بداية عصر النهضة، وهو شكل قصصي ظهر في القرن الرابع الهجري على يد بديع الزمان الهمذاني، وكان يتوجه إلى المتعلمين، ويدور حول موضوعات معينة شائقة سهلة الفهم، كما أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى جوانب تعليمية. فلما ظهرت فكرة إحياء التراث الأدبي مع فجر النهضة الحديثة حاول بعض الأدباء تطوير شكله، ومن هؤلاء الشيخ ناصيف اليازجي الذي سعى إلى إحياء فن المقامة وكان من ثمار جهوده كتابه: "مجمع البحرين" الذي نشره عام 1856م، وحافظ فيه على الخصائص الفنية للمقامة: غريب اللفظ، ومهمله إلى موضوعاتها كالنصب والاحتيال.‏

ثم بذلت بعض الجهود من قبل مجموعة من الكتاب العرب في محاولة لخلق مدرسة عربية نثرية تعتمد على قص غرائب الصدف وعجائب الأحداث على نمط المقامات مع مراعاة الأسس الفنية للإنشاء العربي القديم، وأبرز هؤلاء الكتاب في رأينا: محمد المويلحي صاحب كتاب"حديث عيسى بن هشام"، والشاعر حافظ إبراهيم الذي ألف كتاب"ليالي سطيح". فهذه المؤلفات النثرية العربية: القديمة والحديثة يعدها بعض النقاد والكتاب أصولاً للفن القصصي في الأدب العربي الحديث.‏

ب- الرؤية الحديثة:‏

يذهب بعض الباحثين، والمهتمين بتاريخ الأدب العرب الحديث إلى أن جذور القصة العربية الحديثة لا ترجع إلى التراث العربي القديم وإنما تعود إلى الأدب القصصي الغربي الحديث، يقول الدكتور محمد طه الحاجري: "فالقصة في الأدب العربي الحديث عند هؤلاء النقاد أمر بدع، لا ميراث له يمت إليه. ولا أصل له في الأدب العربي القديم يمكن أن ينتسب إليه بصورة ما، وإنما هو تقليد محض لذلك الفن عند الأوروبيين صدرنا به عنهم، كما صدرنا بكثير من علمهم، وأنماط فنونهم.(15)‏

وهو رأي بعض الأدباء والنقاد كمحمود تيمور ومحمد طاهر لاشين والدكتور محمد حسين هيكل والدكتور طه حسين والدكتور محمد زغلول سلام.. فهؤلاء يرون أن فن القصة في الأدب العربي الحديث تعود أصوله إلى فن القصة في الأدب الغربي وأننا أخذنا فنيات هذا الشكل الأدبي من الغرب عبر مراحل، ثم انطلق الفن القصصي في الأدب العربي يستلهم معالم القصة وقواعدها، وبتطور الحياة الأدبية وإطلاع الرواد على النماذج القصصية الغربية بدأت تتكون لدى المبدعين العرب رؤية واضحة عن قواعد هذا الفن، فكان أن ألفوا قصصاً متقدمة على النماذج السابقة لهم، وأكثر وعياً بعناصر الفن الأدبي وتقنياته.‏

ويذهب بعض النقاد إلى أن القصة العربية في موضوعاتها، ومضامينها واحتوائها على السير والتاريخ ترجع بأصول ثابتة إلى الأدب العربي دون نزاع، ولكنها كشكل أدبي محدد المعالم واضح القسمات لديه منهجه وأصوله، فإنها تعود إلى التراث القصصي الغربي الحديث.(16)‏

ونحن نقف إلى جانب هذا الرأي المنطقي، إذ لو لم تكن الطرق الفنية ممهدة، والأذواق مستعدة لقراءة هذا الفن، لما عرفت القصة العربية الحديثة هذا التطور السريع، ولما انتشرت بهذه السرعة بين مختلف البيئات الأدبية العربية.‏

فلا عيب-أبداً- إذا أقررنا باستفادتنا من فن القصص الغربي، وأخذنا بعناصر فنه القصصي إذا استجابت بيئاتنا إليها، واتسعت للتعبير عن آمالنا ورغباتنا وصراعنا الحضاري. أو لم يستفد الغرب نفسه من التراث اليوناني القديم، ومن التراث العربي العلمي والأدبي في عصور نهضته؟‏

وأهم نص أدبي عربي نضجت فيه ملامح التقنيات الغربية، هو رواية زينب(1912) للدكتور محمد حسين هيكل، التي عدها الدكتور شوقي ضيف أول عمل فني متكامل أفاد من فنيات القصة الغربية الحديثة(17) وتأتي تجربة توفيق الحكيم الرائدة"عودة الروح" بعد تجربة الدكتور هيكل.‏

وقد وقع خلاف بين مؤرخي الحركة الأدبية العربية الحديثة حول أول قصة قصيرة، فنية ظهرت في الأدب العربي((فالمستشرق الروسي(كراتشوفسكي). والألماني(بروكلمان) والفرنسي(هنري بيرس) يرون أن قصة"في القطار" لمحمد تيمور التي نشرت عام 1917 في جريدة"السفور" هي أول قصة تحمل المعنى الفني، ويخالف هذا الرأي الأستاذ عباس خضر في كتابه الأقصوصة في الأدب العربي الحديث، فيذهب إلى أن قصة"سنتها الجديدة" التي نشرت عام 1914 للكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة هي أول قصة فنية في الأدب العربي، أما الدكتور محمد يوسف نجم فيرى أنها قصة"العاقر" لميخائيل نعيمة أيضاً التي نشرها عام 1915.))(18)‏

ونخرج من هذا الإشكال بالقول: إن نعيمة هو أول من كتب القصة القصيرة وأن محمد تيمور هو رائد فن القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث. ويظهر ذلك واضحاً من خلال مجموعته القصصية"ما تراه العيون" فقد برع في رسم شخصياتها وتصوير أحداثها. كما أولى اهتماماً كبيراً ببقية العناصر الفنية كالمقدمة والعقدة والنهاية والأسلوب والحوار، والتشويق خصوصاً في قصته"في القطار". ((فإذا ما قرأت له عن شخص من أشخاص قصصه أمكنك أن تتصوره في ذهنك بصورته ونفسه وأخلاقه))(19) وقد أسهمت جملة من العوامل الموضوعية في توصيل الفن القصصي الغربي إلى بيئاتنا الأدبية. نحاول فيما يلي أن نعرض أهمها بإيجاز:‏

1- الترجمة:‏

تعد الترجمة من أهم القنوات الفنية التي وصلت من خلالها عناصر الفن القصصي الغربي إلى الأدب العربي الحديث، فكان أن تأثر الأدباء العرب بها، وما لبثوا أن أخذوا بها في كتاباتهم، وأول قصة غربية نقلت إلى اللغة العربية حديثاً هي قصة: "تليماك" أشهر أعمال الكاتب الفرنسي فينلون FENELON والتي عربها رفاعة الطهطاوي بعنوان: مواقع الأفلاك في وقائع تلماك عام 1867م.(20) كما كان لمجلة"الجنان" التي أصدرها المعلم بطرس البستاني ببيروت عام 1870، دور ريادي في نقل الأدب الغربي إلى اللغة العربية، وهي التي فتحت صفحاتها للمحاولات القصصية الأولى، التي كان يكتبها سليم البستاني، كما ترجم نجيب الحداد مسرحية: "السيد" LE CID" لبيار كورني Corneille Pievre (1606- 1684م). بعنوان: "غرام وانتقام"، والفرسان الثلاثة للكاتب الفرنسي: ألكسندر دوماس ALLEXANDRE DUMAS و"هرناني" للكاتب الشهير فيكتور هيجو VICTOR- HUGO بعنوان"حمدان" و"روميو وجوليت" للكاتب الإنجليزي شكسبير SHAKESPEARE (1564- 1616) بعنوان: "شهداء الغرام."(21) ومن رواد ترجمة القصص الغربي بمصر محمد عثمان جلال الذي عرب بعض الأعمال الأدبية الغربية كطرطوف للكاتب المسرحي الفرنسي موليير MOLIERE، وقصة بول وفرجينيا لبرناردي سان بيير BERNARD DE SAINT PIERRE ، بعنوان الأماني والمنة.(22)‏

2- الصحافة:‏

قامت الصحافة بدور كبير في نشر الفنون الأدبية بين مختلف البيئات الأدبية العربية منذ ظهورها في ربوع الشام، ومصر وبقية الأقطار العربية الأخرى.‏

ومن المجلات التي يدين لها الفن القصصي في تطوره، وذيوعه، مجلة الجنان بلبنان، وكذلك الصحف والدوريات المصرية التي ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر كالهلال والمقتطف، واللطائف، والأهرام، والضياء، والمشرق، حيث خصصت هذه المنابر في أعدادها أبواباً ثابتة للقصة.(23) لقد كانت الصحافة وما تزال من أهم الوسائل المساعدة على انتشار فن القصة والتعريف بالعمل الأدبي وبصاحبه خارج بيئته، لذلك فإننا نحث على ضرورة الحفاظ على هذه الوسيلة، والعمل على تطويرها، وإنها مظهر من المظاهر المنعشة لحضارة الإنسان ورقيه.‏

3- أصول القصة القصيرة في الأدب الغربي:‏

يرجع النقاد الغربيون أصول القصة القصيرة في الأدب الغربي الحديث إلى النماذج القصصية الأولى التي ظهرت في القرن الرابع عشر بعنوان الديكامرون DECAMERON على يد الكاتب الإيطالي بوكاشيو جيوفياني GIO - VANI BAUCCION(1313-1375م). فقد كان يروي خبراً، ثم يشرع في تفصيله إلى أن يشد انتباه القارئ أو السامع إليه. وبعده صار الكتاب يركزون اهتماماتهم على واقعة مثيرة إلى أن ينهوا قصصهم، بحالة واحدة من الحالات الثلاث: الموت أو الفراق أو الزواج.‏

وظلت هذه العناصر تمثل ملامح القصة القصيرة إلى أن جاء الكاتب الفرنسي غي دي موبسان GUY DE MAUPASSANT (1850- 1893) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وأعطى مفهوماً أدبياً للفن القصصي يغاير الواقع الحياتي الذي اهتمت القصة قبله بتصويره.(24) ولهذا يعد موبسان رائد القصة القصيرة إبداعاً وتنظيراً.‏

ويرجع سبب كنهه لأسرار القصة القصيرة إلى إيمانه الشديد بالواقعية الجديدة التي ترى أن الحياة تتكون من لحظات منفصلة، وأن دور القصة يقتصر على تصوير حدث، من دون الاهتمام بما قبله أو بعده. وهذا هو الشكل الذي استقرت القصة القصيرة عليه، واعتمد ركيزة لها، كما حافظ عليه كتاب القصة بعد موت موبسان. ويمكن للباحث أن يلاحظ أثره في كتابات: كاترين مانسفيلد KATRIN MANSFIELD ، وارنست همنجواي HERNEST HEMINGWAY ولويجي براند للو.(25)‏

وتعد الظروف السياسية والاجتماعية للقرن التاسع عشر إحدى العوامل الأساسية في بروز الخصائص الفنية للقصة القصيرة، فالحياة الصناعية الجديدة وتوق الإنسان للمزيد من الاكتشاف والاختراع أدى إلى تقلص الوقت الذي كانت تتميز به حياة الفرد، وتبدل الظروف وتغير مفاهيم كثيرة، كان من الضروري أن يصاحب هذا التحول تغير في معمارية الفن القصصي.(26)‏

ويؤيد الأستاذ أحمد المديني هذا الرأي فيعزو تطور فن القصة القصيرة في الأدب الغربي إلى التطور الصناعي الهائل الذي قلص حجم الوقت، فصار الناس يفرون من الأعمال الأدبية الطويلة إلى القصيرة، وهكذا جاءت القصة القصيرة لتسد هذه الحاجة.(27)‏

نخلص من التحليل السابق إلى أن شكل القصة القصيرة لم يتبلور بعناصره الفنية إلا في القرن التاسع عشر(28)، ومن الذين أسهموا في توضيح مفهومها النقدي الحديث القاص والشاعر الأميريكي: أدغار آلان بو‏

ADGAR ALLAN POE -(1809- 1849م) وغي دي موبسان الفرنسي‏

GUY DE MAUPASSANT‏

4- تحديد مصطلح القصة القصيرة:‏

يثير مصطلح"القصة القصيرة" جدلاً كبيراً بين النقاد والمبدعين في الدراسات النظرية، وسبب هذا الاختلاف راجع إلى تشعب منابع الثقافة الأجنبية التي أخذ عنها الأدباء والنقاد العرب مصطلحاتهم، وهذا ما سأعرض له بإيجاز فيما يلي، بقصد الاقتراب-وإن كان صعباً- من روح القصة القصيرة ودلالة مصطلحها.‏

أصل المصطلح:‏

يعثر الباحث في اللغتين الإيطالية والألمانية على التعبيرين: نوفيللا(NOUVILIA) ونوفلين(NOUVELLDN)، ويقابل هذين المصطلحين في اللغة الإنجليزية كلمة(NEWS)، وتعني الأخبار الحديثة.(29)‏

وتعني كلمة(NOUVELLE) في اللغة الفرنسية قصة، فإذا علمنا أن هذه المصطلحات: كلمة(حكاية العربية)، وكلمة(CONTE) الفرنسية، وكلمة(TALE) الإنجليزية تعني جميعها سرد مغامرات لا تستند على الواقع الحياتي للإنسان، وإنما على الخيال والأساطير وتهدف إلى التسلية.)(30)‏

فإن الذي نخلص إليه، هو أن مصطلح القصة القصيرة، نقل عن المصطلح الإنجليزي(SHORT STORY)، وعن المصطلح الفرنسي(NOUVELLE) وهما -في رأينا- اسمان لمصطلح واحد ومدلول واحد. (31)‏

وسنعمد فيما يلي إلى تعريف هذا الفن وبيان عناصره، التي جعلت منه فناً أدبياً مختلفاً عن سائر الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والرواية والمسرحية.‏

أ- تعريف القصة القصيرة في النقد الأجنبي:‏

يرى أدجار ألان بو أن أساس القصة القصيرة هو تميزها بوحدة الانطباع، وأحادية الحدث والزمن والشخصية.(32) أما الناقد الإنجليزي ألان فورستر فيرى الحكاية(TALE- CONTE) أساساً للقصة القصيرة(33) وفي رأي القاص الإنجليزي: سومرست موم أن القصة قطعة من الخيال لها وحدة في التأثير، وتقرأ في جلسة واحدة"(34). إن معظم هذه الآراء النقدية، تلح على ضرورة توفير وحدة الانطباع ووحدة الشخصية والتركيز.‏

ويعلي الناقد الإرلندي فرانك ألافور شأن القصة، فيرفعها من الحالات النثرية إلى الحالات الشعرية، فهي تعبر عن موقف الفنان من محيطه ولذا فهي تقترب من التجربة الفردية التي تمتاز بها القصيدة الغنائية وأن أبرز خصائصها هو وعيها الشديد بالتفرد الإنساني.(35) وهكذا تنوعت تعاريف القصة القصيرة بين النقاد الغربيين، كما اختلفوا حول طولها وقصرها، والمدة الزمنية التي يجب أن تقرأ خلالها. فالناقد الإنجليزي ويلز يحدد زمن قراءة القصة بنصف ساعة فقط، بينما القاص الأمريكي أدجار ألان بو يحدد زمن القراءة بساعتين.(36)‏

وللناقد موزلي رأي في عدد كلمات القصة القصيرة، فهو عنده ألف وخمس مائة كلمة أو عشرة آلاف.(37)‏

وبعد: فإن هذه الآراء الكثيرة لتدل على أن القصة القصيرة جنس أدبي يتميز عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى.‏

ب- تعريف القصة القصيرة في النقد العربي الحديث:‏

يعد الدكتور عز الدين إسماعيل القصة القصيرة صورة من صور التعبير الأدبي التي نشأت في الآداب الأوروبية، ثم انتقلت إلى الأدب العربي الحديث، وبرغم حداثة نشأتها فإنها استطاعت أن تكون جمهوراً واسعاً من الكتاب والقراء.(38)‏

ولهذا الانتشار السريع أسباب تعود إلى خصائصها الفنية وقضاياها الإنسانية التي تطرحها وحاجة الإنسان للوصول إلى هدفه بسرعة. وفي رأي الباحث الجزائري الدكتور عبد الله خليفة ركيبي، أن القصة القصيرة هي التي"تعبر عن موقف، أو لحظة معينة، من الزمن في حياة الإنسان، ويكون الهدف هو التعبير عن تجربة إنسانية تقنعنا بإمكان وقوعها."(39)‏

إن القصة كغيرها من بقية الفنون التعبيرية، تخضع لعوامل التطور، وهي توازي الرواية في تطورها، وتشعب نظرياتها، وتنزع نحو الإقلاع عن عنصر"الحداثة" كما أنها تستفيد من أسلوب الشعر بأخذها الانفعال والوصف بديلاً، كما تتجه نحو تعميق وقع الأثر في نفس القارئ دون أن يتمكن من تلخيصها في كلمات محددة.‏

والقصة عند الدكتور سيد حامد النساج هي((الفن الذي يعطينا الواقع في نسيجه الدقيق))(40)، وهي عند يوسف الشاروني تحقيق حدث((ينشأ بالضرورة عن موقف معين ويتطور بالضرورة إلى نقط معينة يكتمل عندها الحدث.))(41)‏

ويعدها عبد الحميد بواريو((فناً يتناول بالتشريح لحظة شعورية أو تجربة معاشة مكثفة لأقصى درجة ممكنة يعتمد أساساً على اللغة المحلية بالرموز والإيحاءات والفعل المحدود في المكان والزمان.))(42) وهي عند القاص الجزائري مصطفى فاسي((عمل أدبي مركز مكثف، يصور حياة شخصية، أو أكثر، في مرحلة حماسة من حياتها))(43).‏

لقد ركزت التعاريف السابقة للقصة القصيرة على الملامح الفنية التي جاءت في القصة الغربية، وهذا من شأنه أن يعمق اعتقادنا بأن منبع هذا النوع الأدبي غربي المنشأ، وقد ظل النقاد منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، يبحثون عن شكل أدبي نهائي له، إلا أن جميع المحاولات والاجتهادات.(44) أخفقت، والسر في هذا الإخفاق الدائم يعود إلى كون القصة القصيرة مادة فنية، والفن لا يمكن أن نجعل له حدوداً وقواعد نهائية، بل متجدد ومتطور بتجدد الحياة وتبدل ظروفها. ولكنه سيظل مقيداً بالعناصر الأساسية للفن القصصي، لأنه مهما حدث من تطور، فإن الأصول لا تتغير.‏

ونحاول بعد عرض هذه الآراء أن نعرف فن القصة القصيرة بأنه جنس أدبي حديث النشأة يرتكز على صفات وخصائص فنية كوحدة الحدث والشخصية وقصر المدة الزمنية: يعتمد على تكثيف العبارة واللغة الإيحائية وهو لا يعدو أن يكون ومضة مشعة من الحياة.‏

وفي الصفحات التالية محاولة لتحديد أهم عناصر فن القصة القصيرة من خلال ما يدعو إليه النقاد، ومن خلال بعض ما اجتهدنا فيه.‏

ثانياً: أركان القصة القصيرة‏

(البنيــــــة الفنيـــــــــة)‏

يختلف منظرو القصة القصيرة، اختلافاً كبيراً حول طبيعة أركانها وعددها حسب فهم كل منهم لماهية القصة القصيرة، وقد اعترضتنا هذه الخلافات، وبعد مطالعة عدد كبير منها ومقارنة بعضها ببعض انتهينا إلى ضبط بضعة أركان أساسية تكاد تتفق معظم الآراء على أهميتها ولزومها في أية قصة قصيرة فنية.‏

وفيما يلي عرض لهذه الأركان وبيان لعناصرها:‏

1- الحدث وطرق بنائه:‏

يعد الحدث أهم عنصر في القصة القصيرة، ففيه تنمو المواقف، وتتحرك الشخصيات، وهو الموضوع الذي تدور القصة حوله.(45) يعتني الحدث بتصوير الشخصية في أثناء عملها، ولا تتحقق وحدته إلا إذا أوفى ببيان كيفية وقوعه والمكان والزمان، والسبب الذي قام من أجله. كما يتطلب من الكاتب اهتماماً كبيراً بالفاعل والفعل لأن الحدث هو خلاصة هذين العنصرين.(46)‏

لقد اتضحت ملامح الحدث القصصي على يد الكاتب الفرنسي"موبسان" بتأثير من الاتجاه الواقعي الجديد، والذي يرى أن الحياة تتشكل من لحظات منفصلة، ومن هنا كانت القصة عنده تصوّر حدثاً واحداً وفي زمن واحد لا يفصّل فيما قبله، أو فيما بعده، ومنذ دعوة"موبسان" سار جل الكتاب على نهجه وعدوا ركن الحدث عنصراً مميزاً للقصة، وحافظوا عليه كأساس فني لا ينبغي تجاوزه. ومن أشهر كتاب القصة الذين تتضح في كتاباتهم هذه الخاصية: أنطوان تشيكوف، وكاتريل ما نسفيلد ولويجي براندللو.(47)‏

وأهم العناصر التي يجب توفيرها في الحدث القصصي هو عنصر التشويق، وفائدة هذا العنصر تكمن في إثارة اهتمام المتلقي وشده من بداية العمل القصصي إلى نهايته وبه تسري في القصة روح نابضة بالحياة والعاطفة.(48)‏

ويعد كذلك زمن الحدث أهم هذه العناصر، وهو ينطوي على مجموعة من الأزمنة، وهي((زمن الحبكة وزمن القصة وزمن العمل القصصي نفسه ثم زمن قراءته))(49)، كما أن للحدث مجموعة من الخصائص من شأنها أن تزيده قوة وتماسكاً كالتعبير عن نفوس الشخصيات، وحسن التوقيع والانتظام في حبكة شديدة الترابط وأن يكتسب صفة السببية والتلاحق.(50)‏

وحتى يبلغ الحدث درجة الاكتمال، فإنه يجب أن يتوفر على معنى.(51) وإلا ظل ناقصاً. كما أنه توجد طرق فنية لبناء الحدث القصصي وطرائق لصوغه نعرض لأهمها بإيجاز فيما يلي:‏

أ- طرق بناء الحدث:‏

يستعمل كتاب القصة القصيرة ثلاث طرق لبناء أحداث قصصهم، خصوصاً كتاب القصة التقليدية وتتضح كل طريقة من خلال الحديث التالي:‏

1- الطريقة التقليدية:‏

وهي أقدم طريقة، وتمتاز باتباعها التطور السببي المنطقي، حيث يتدرج القاص بحدثه من المقدمة إلى العقدة فالنهاية.‏

2- الطريقة الحديثة:‏

يشرع القاص فيها بعرض حدث قصته من لحظة التأزم، أو كما يسميها بعضهم"العقدة"، ثم يعود إلى الماضي أو إلى الخلف ليروي بداية حدث قصته. مستعيناً في ذلك ببعض الفنيات والأساليب كتيار اللاشعور والمناجاة والذكريات.(52)‏

3- طريقة الارتجاع الفني (الخطف خلفاً)‏

يبدأ الكاتب فيها بعرض الحدث في نهايته ثم يرجع إلى الماضي ليسرد القصة كاملة، وقد استعملت هذه الطريقة قبل أن تنتقل إلى الأدب القصصي في مجالات تعبيرية أخرى كالسينما. وهي اليوم موجودة في الرواية"البوليسية" أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية.(53)‏

ب- طرق صوغ الحدث:‏

هناك طرق عديدة يستخدمها كتاب القصة لعرض الأحداث نكتفي بالحديث عن أهمها وهي:‏

1- طريقة الترجمة الذاتية:‏

يلجأ القاص فيه إلى سرد الأحداث بلسان شخصية، من شخصيات قصته، مستخدماً ضمير المتكلم، ويقدم الشخصيات من خلال وجهة نظره الخاصة، فيحللها تحليلاً نفسياً، متقمصاً شخصية البطل. ولهذه الطريقة عدة عيوب، من بينها أن الأحداث ترد على لسان القاص الذي يتحكم أيضاً في مسار نمو الشخصيات، ومنها أنها تجعل القراء يعتقدون أن الأحداث المروية، قد وقعت للقاص، وأنها تمثل تجارب حياته حقاً، خصوصاً إذا وفق في إقناع القراء بذلك عن طريق وسائله الفنية.‏

2- طريقة السَّرد المباشر:‏

تبدو هذه الطريقة أرحب وأنجع من الطريقة السابقة، وفيها يقدم الكاتب الأحداث في صيغة ضمير الغائب، وتتيح هذه الطريقة الحرية للكاتب، لكي يحلل شخصياته، وأفعالها تحليلاً دقيقاً وعميقاً، ثم إنها لا توهم القارئ بأن أحداثها عبارة عن تجارب ذاتية وحياتية، وإنما هي من صميم الإنشاء الفني.‏

3- الطريقة الثالثة:‏

يعتمد القاص في هذه الطريقة على الوثائق والرسائل والمذكرات في أثناء معالجته الموضوع الذي يدير قصته حوله.(54)‏

- عناصر الحدث:‏

يوجد للحدث القصصي عنصران أساسيان، هما المعنى والحبكة وسنعرض لهما بإيجاز:‏

أ- المعنى:‏

للمعنى في القصة القصيرة، أهمية كبرى. فهو عنصر أساسي، بل يعده بعض الدارسين أساس القصة، وجزءاً لا ينفصل عن الحدث، ولذلك فإن الفعل والفاعل، أو الحوادث والشخصيات يجب أن تعمل على خدمة المعنى من أول القصة إلى آخرها، فإن لم تفعل ذلك، كان المعنى دخيلاً على الحدث، وكانت القصة بالتالي مختلفة البناء.(55) فالقصة الفنية تكتمل بالمعنى الجيد الذي يخدم الإنسان ويطوره. وما كل معنى يلقى الترحيب عند المتلقين أو النقاد. وبلا ريب فإن المعنى الجيد يشارك في انتشار النص القصصي، ومن ثمة فإن دوره يكون أعمق أثراً وأكثر عملاً على تغيير الظواهر المدانة من طرف النص الأدبي.‏

ب- الحبكة:‏

نعني بالحبكة تسلسل حوادث القصة الذي يؤدي إلى نتيجة، ويتم ذلك إما عن طريق الصراع الوجداني بين الشخصيات، وإمّا بتأثير الأحداث الخارجية.(56)‏

ومن وظائف الحبكة إثارة الدهشة في نفس القارئ في حين أن الحكاية لا تعدو أن تكون إثارة لحب الاستطلاع لديه، وبين حب الاستطلاع وإثارة الغرابة أو الدهشة فرق كبير، من حيث التأثير الفني.‏

والحبكة هي المجرى العام الذي تجري فيه القصة وتتسلسل بأحداثها على هيئة متنامية، متسارعة، ويتم هذا بتضافر كل عناصر القصة جميعاً.‏

فالأحداث يجب أن تكون مرتبطة بمبدأ السببية بالرغم من أن بعض القاصين يعتمدون على عناصر أخرى في رسم الأحداث المفاجئة، كاستلهام تدخلات عامل الصدفة، وهذه وسائل يمجها الذوق الفني الرفيع، ويلجأ إليها القاصون السطحيون ذوو الضعف الفني.(57)‏

والحبكة نوعان:‏

1- يعتمد فيها تسلسل الأحداث.‏

2- يعتمد فيها على الشخصيات. وما ينشأ عنها من أفعال، وما يدور في صدورها من عواطف، ولا يجيء الحدث هنا لذاته، بل لتفسير الشخصيات التي تسيطر على الأحداث، حسب رغبتها، وطاقتها.(58)‏

هذا فيما يخص الحدث وعنصريه الأساسيين، وفيما يلي حديث عن الخبر وعناصره في العمل القصصي.‏

2- الخبر القصصي(الموضوع)‏

الخبر في الأصل اللغوي يعني نقل معنى(59)، ولهذا النقل وسائل عديدة، أخذت في التطور منذ طفولة الإنسان الأولى إلى أن بلغت الآن آفاقاً واسعة بفضل وسائل الإعلام العصرية.‏

وليست كل الأخبار التي نسمعها، أو نقرأها يومياً أخباراً فنية إذ للخبر الفني القصصي شروط أولها أن يحدث أثراً كلياً، ولا يتحقق هذا الأثر إلا إذا صور حدثاً متنامياً من خلال المقدمة، والعقدة والخاتمة.(60) وبهذا يتميز الخبر الفني، عن الخبر الذي يصلنا عن طريق وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية أو المقروءة.‏

وأورد فيما يلي نموذجاً إخبارياً يحقق أثراً كلياً، ولكنه يفتقر إلى الصفة الفنية لأنه لا يحقق الحدث القصصي الذي يعد ركيزة أساسية في القصة، بحيث لا يمكن الاستغناء عنها((من المحقق أن سيدة تسمى مادونا بياتريس عاشت فعلاً في فلورنس في عصر دانتي، وكانت تنتمي إلى أسرة فلورنسية تدعى أسرة بوتيناري، وقد عرف عن هذه السيدة الجمال وحسن الخلق، وأعجب بها دانتي وأحبها، ونظم الأغاني في مدحها. وبعد موتها أراد أن يعلي اسمها، ومن ثمة ظهرت عدة [كذا] مرات في قصيدته الكبيرة الكوميديا الإلهية.)(61)‏

وعلى هذا فإن للخبر القصصي شروطاً منها:‏

1- أن يكون ذا أثر وانطباع كلي.‏

2- أن تتصل تفاصيله، وأجزاؤه وتتماسك تماسكاً عضوياً، فنياً لتوافر الوحدة الفنية في العمل القصصي.‏

3- أن يكون ذا بداية، ووسط أو عقدة، ونهاية أو لحظة تنوير.(62) فإذا كانت. كل كتابة، تنقل خبراً فليس شرطاً، أن كل كتابة فنية. فللكتابة الفنية شروط ينبغي توفرها، وإلا كان الخبر عادياً، وخاصة حين لا يتوفر على عنصري الأثر الكلي، أو الحدث القصصي، وهما الشرطان المهمان في أية قصة فنية، ومن دونهما تظل القصة مبتورة، وعلى القاص أن ينتبه لهذين العنصرين، وأن يعي جيداً الحدود الفاصلة بين الفن واللافن. هذا ما كان من شأن الخبر ودوره في القصة القصيرة الفنية، ونعرض فيما يلي لعناصر الخبر الأساسية.‏

أ- المقدمة(البداية)‏

يتفق نقاد القصة القصيرة في معظمهم على أهمية مقدمتها، وقد شدّد: يوسف الشاروني على أهمية التشويق والإثارة في مطالع القصة الفنية.(63) ذلك أن براعة الاستهلال تشد القارئ إلى متابعة الأحداث التالية، وليس كل كاتب بقادر على شد القارئ، وتشويقه لمتابعة القراءة، وإنما يوفق إلى هذا الموهوبون من الكتاب أوذوو الخبرة الطويلة في الكتابة القصصية.‏

وقد يقوم عنوان القصة بدور المقدمة، فيكون مثيراً للانتباه، وبذلك يستحث القارئ على المتابعة، فعلى القاص أن يعتني عناية فائقة، في اختيار عناوين قصصه، وإن أي خلل في العنوان ينعكس أثره في القصة، ويعد النقاد ذلك عيباً يشوه النص القصصي.‏

وعلى القاص في المقدمة أن يعرف بشخوصه وبعض ملامحهم وصفاتهم، وذلك بطريقة فنية تثير اهتمام مشاعر القارئ وتدفعه إلى متابعة قراءة النص(64)، ولا تعدو المعلومات التي يقدمها القاص في مقدمة قصته أن تكون مجرد أضواء خافتة تنير الطريق إلى"مجهول" يكتشفه القارئ كلما تقدم في القراءة، وما يزال كذلك يتلذذ بهذا الاكتشاف حتى النهاية.‏

إن في تشديد النقاد على المقدمة القصصية كل الصواب، ولا ينبغي للمقدمة أن تطول، فحجم العمل الأدبي لا يحتمل المقدمات الطوال، ولا كثرة التفاصيل لأنه متى اكتشف القارئ بقية الحوادث، عدّ الوقت الذي يقضيه في إتمام قراءة النص القصصي ضائعاً.‏

بينت فيما سبق أهمية المقدمة في القصة القصيرة، وبعض صفاتها الفنية، ودورها في نجاح العمل أو إخفاقه، وسأتحدث فيما يلي عن عنصر عقدة القصة التي تعد أحد أركان الخبر الفني الهامة.‏

(1) نشرته دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة 1969.‏

(2) ابن منظور: لسان العرب المحيط- إعداد وتصنيف يوسف خياط، دار العرب، بيروت، بلا تاريخ- مادة(قص).‏

(3) الفيروز أبادي مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط. (ط2)- شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي- مصر 1952. مادة(قص).‏

(4) فؤاد أفرام البستاني: دائرة المعارف، بيروت -1969. مادة(قص).‏

(5) د. جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين- بيروت 1979. مادة(قص).‏

(6) هـ. ب تشار لتن: فنون الأدب- تعريب الدكتور زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والنشر والترجمة- مصر- 1959- ص160 .‏

(7) أنظر د. محمد زغلول سلام: دراسات في القصة العربية الحديثة- أصولها اتجاهاتها، إعلامها. منشأة المعارف الإسكندرية. بلا تاريخ- ص3.‏

(8) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب الأقصى- في النشأة والتطور والاتجاهات- دار العودة- بيروت- بلا تاريخ- ص71.‏

(9) يوسف الشاروني: دراسات في الرواية والقصة القصيرة- مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1967- ص294.‏

(10) د. محمد سعيد رمضان البوطي: من روائع القرآن، مكتبة الفارابي(ط5)- دمشق 1977- ص232.‏

(11) د. محمد زغلول سلام: دراسات في القصة العربية الحديثة- ص 65.‏

(12) المرجع السابق- ص65.‏

(13) المرجع السابق- ص66.‏

(14) يوسف الشاروني: القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً- سلسلة الهلال عدد 316- القاهرة 1977- ص38.‏

(15) د. محمد طه: الحاجري: نشوء فن القصة في الأدب العربي الحديث(مقال) مجلة الثقافة- مصر. ع 28 يناير 1976- ص7.‏

(16) حسني نصار: جذور القصة الحديثة في الأدب العربي القديم(مقال)- مجلة الكاتب. القاهرة- عدد 188. عام 1976- ص24.‏

(17) د. شوقي ضيف: الأدب العربي المعاصر في مصر(ط2)- دار المعارف، القاهرة بلا تاريخ- ص209 و 210 .‏

(18) يوسف الشاروني: القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً، ص35 .‏

(19) حسني نصار: جذور القصة الحديثة في الأدب العربي القديم- ص24 .‏

(20) د. محمد طه الحاجري: نشوء فن القصة في الأدب العربي الحديث- ص9.‏

(21) د. محمد زغلول سلام: دراسات في القصة العربية الحديثة- ص79.‏

(22) المرجع نفسه- ص80 .‏

(23) د. محمد يوسف نجم: خواطر حول نشأة القصة في الأدب العربي الحديث(مقال) مجلة الآداب- السنة الخامسة والعشرون عدد 10- بيروت 1977- ص79 و 80.‏

(24) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- (ط2) دار العودة بيروت 1975- ص12- 13 .‏

(25) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص14 .‏

(26) أنيس المقدسي: الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة- (ط3) دار العلم للملايين- بيروت 1978- ص40 .‏

(27) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص32 .‏

(28) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة(ط3)- الدار العربية للكتاب(ليبيا- تونس)- 1977- ص142 .‏

(29) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص32 .‏

(30) د. جبور عبد النور والدكتور سهيل إدريس: المنهل- (ط5)- دار الآداب ودار العلم للملايين- بيروت 1979- ص704 .‏

(31) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص32.‏

(32) د. محمود السمرة: في النقد الأدبي(ط1)- 1974- ص32 .‏

(33) هـ. ب تشارلتن: فنون الأدب- ص161 .‏

(34) سومرست موم: القصة القصيرة. (مقال) -تعريب الدكتور عباس من الذي سرق النار؟ (ط1)- المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1980- ص158 .‏

(35) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص34.‏

(36) انظر الدكتور محمود السمرة: مقالات في النقد والأدب- ص33 .‏

(37) د. عز الدين إسماعيل: روح العصر- دراسات نقدية في الشعر والمسرح والقصة- دار الرائد العربي- بيروت 1978- ص346 .‏

(38) د. علي جواد الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي- ص252- 253 .‏

(39) د.. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص152 .‏

(40) د. سيد حامد النساج: اتجاهات القصة المصرية القصيرة- دار المعارف القاهرة 1978- ص32.‏

(41) يوسف الشاروني: القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً- ص66- 67 .‏

(42) عبد الحميد بورايو: رسالة منه مؤرخة بتزي وزو في 28/02/1983 .‏

(43) مصطفى فاسي: رسالة منه مؤرخة بالجزائر العاصمة في 12/02/1983 .‏

(44) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص31 .‏

(45) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- نشر دار الفكر- دمشق 1980م- ص25 .‏

(46) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة(ط2)- ص30 .‏

(47) ص 14 .‏

(48) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص35 .‏

(49) صبري حافظ: الخصائص البنائية للأقصوصة. مجلة فصول(مقال) عدد4- القاهرة سنة 1982- ص28.‏

(50) إيليا الحاوي: في النقد والأدب -دار الكتاب اللبناني- بيروت- ص85 .‏

(51) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص 50.‏

(52) د. نسيب نشاوي: محاضرات الأدب العربي المعاصر- ألقاها على طلبة الماجستير في جامعة عنابة، عام 1983- 1984 .‏

(53) مجدي وهبة، وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب- مكتبة الحياة، بيروت 1979- ص90 .‏

(54) د. عزيزة مريدين: القصة والرواية- ص43 إلى 45 .‏

(55) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص51، وانظر أيضاً أحمد المديني فن القصة بالمغرب- ص37 .‏

(56) مجدي وهبة: وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربي- ص81 .‏

(57) د. علي شلق: نجيب محفوظ في مجهوله المعلوم(ط1)- دار المسيرة بيروت 1974- ص18.‏

(58) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص42.‏

(59) جاء في لسان العرب المحيط لابن منظور حول كلمة الخبر: ((وخبرت بالأمر أي علمته. وخبرت الأمر أخبره إذا عرفته على حقيقته، والخبر بالتحريك واحد الأخبار)).‏

(60) رشاد رشدي: فن القصة القصيرة- ص20 .‏

(61) المرجع نفسه- ص16.‏

(62) أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب- ص37 .‏

(63) يوسف الشاروني: القصة القصيرة- ص70 .‏

(64) د. عزيزة مريدن: القصة والرواية- ص41 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244