تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني القصة الإصلاحية(النشأة والتطور: 1925- 1956م)

نعالج في هذا الفصل المرحلة الأولى لظهور القصة الجزائرية حسب المفهوم الحديث للفن القصصي، وقد قسمناه إلى ثلاثة أقسام:

1- ركزنا على دراسة نشأة القصة الإصلاحية، وتطورها، سواء من حيث الشكل الفني، أم من حيث الموضوعات التي عالجتها، ولم نعرض للعوامل التاريخية والسياسية والأدبية، لأن من فصل الحديث فيها قبلنا قد وفاها حقها، فليرجع إليه()، وبهذا آثرنا تجنب التكرار.

2- أبرزنا تجارب بعض الكتاب، ممن بدأوا المسير في إرساء فن القصة في الأدب الجزائري الحديث المكتوب بالعربية ولا سيما بعض الأعلام الذين كان تأثيرهم ضئيلاً في مسيرة القصة الجزائرية المعاصرة-خصوصاً- التي ظهرت بعد عام 1956.

وقد اعترضت سبيلنا صعوبات جمة في هذا الجزء لندرة الجرائد والمجلات التي نشرت قصص هذه المرحلة، وكثرة الأسماء التي جربت الكتابة القصصية، وتوقف بعضها بعد المحاولة الأولى أو الثانية()، وذلك ما قاد البحث إلى التركيز على ثلاثة أعلام من هذه المرحلة، فلم ندرس نتاج: محمد العريبي، وعبد المجيد الشافعي، وابن واضح محي الدين.

3- أما القسم الثالث فقد فصلنا الحديث فيه عن أحمد رضا حوحو، وهوأهم كاتب جزائري للقصة القصيرة التي ظهرت خلال هذه المرحلة(1925- 1956م) ونأمل أن نوفيه بعض ما يستحق من الدرس والاهتمام.

أولاً: نشأة القصة الإصلاحية الجزائرية وتطورها.

1- نشأة القصة الإصلاحية.

اختلفت آراء الدارسين حول أول محاولة قصصية ظهرت في الأدب الجزائري الحديث، فقد ذهب الدكتور عبد الملك مرتاض إلى أن قصة المساواة- فرانسوا والرشيد" التي نشرت في العدد الثاني من جريدة"الجزائر"، في يوم الإثنين 20 محرم 1344 هـ الموافق لـ 10 أوت 1925 هي أول قصة جزائرية وقد أكد ذلك بقوله"إن أول محاولة قصصية عرفها النثر الحديث في الجزائر، تلك القصة المثيرة التي نشرت في جريدة الجزائر"().

وذهبت الدكتورة عايدة أديب بامية إلى أن أول قصة منشورة هي قصة: "دمعة على البؤساء" التي نشرتها جريدة"الشهاب"()، في عدديها الصادرين يومي 18 و 28 من شهر أكتوبر عام 1926.()

أما الدكتور عبد الله خليفة ركيبي، فإنه ذهب إلى أن بداية القصة ترجع إلى أواخر العقد الثالث من هذا القرن، وأنها ظهرت أولاً في شكل المقال القصصي"الذي هو مزيج" من المقامة والرواية والمقالة الأدبية()"

وقد عدّ الدكتور صالح خرفي محمد بن العابد الجلالي رائداً للقصة الجزائرية القصيرة، وأنه أول من كتب القصة العربية في الجزائر()، مع أن الجلالي شرع ينشر قصصه في جريدة الشهاب منذ عام 1935م .

وبعد، فإنه يمكننا بعد عرض هذه الآراء أن نتلمس تاريخاً محدداً لميلاد القصة الجزائرية، وهو التاريخ الذي نشرت فيه قصة"المساواة- فرانسوا والرشيد" لمحمد السعيد الزاهري، ويمكننا أيضاً أن نعده أول من بذر بذرة القصة الجزائرية العربية الحديثة، وذلك بتأليفه مجموعة من القصص تمحورت كلها حول موضوع الإصلاح الديني وقضاياه. وهو أول كاتب جزائري تطبع له مجموعة قصصية، وكان عنوانها"الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير"، وذلك عام 1347هـ / 1928م ().

2- تطور القصة الإصلاحية:

قبل أن تبلغ القصة الجزائرية مرحلة نضجها الفني في أثناء الثورة التحريرية، مرت بمرحلتين فنيتين يصعب الفصل بينهما فصلاً تامّاً، فالمقال القصصي والصورة القصصية ظهرا تقريباً()، في آن واحد، واهتما بمعالجة موضوعات تكاد تكون واحدة، وهي الموضوعات المتأثرة بالمنهج الإصلاحي الذي تجلى في كتاب"الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير"() ورغم هذه الصعوبة للفصل بينهما، فإنه يمكن تمييز بعض الفروق الفنية بينهما.

أ-المقال القصصي.

تميز المقال القصصي لدى ظهوره. بكونه مزيجاً من عدة أنواع أدبية كالمقامة والرواية والمقالة الأدبية. وبأنه تأثر بشكل مباشر بالمقال الديني الذي عرف ازدهاراً كبيراً على يد رجال الحركة الإصلاحية مثل: ابن باديس والبشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، ومبارك الميلي وغيرهم.

فالشكل الذي جاء عليه(المقال القصصي) لا يعدو أن يكون"صورة بدائية" للقصة ذلك أن العناصر الفنية فيه غير منضبطة بقواعد هذا الفن تماماً كطول الزمن فيه والذي قد يمتد شهوراً عديدة، وتنوع عنصر البيئة وحشد الأفكار الكثيرة والاستشهادات العديدة وبث الحكم والإقناع في النص.

وكانت القصة بهذه الصفات مجرد"ثوب" ارتدته الأفكار الإصلاحية خلال مرحلة امتدت من 1925 إلى عام 1947م(). وفي هذه المرحلة كانت الشخصيات القصصية تأخذ بعداً واحداً فحسب، فإن كانت تنتمي إلى بيئة إصلاحية، فهي شخصية خيرة، وفاضلة، أما إذا كانت تنتسب إلى بيئة أخرى، خصوصاً بيئة رجال الطرق فهي شخصية شريرة وشيطانية().

والسبب في هذا أن كتاب المقال القصصي هم أعضاء بارزون في الحركة الإصلاحية، وهم أولى من غيرهم بالدفاع عن أفكارهم والتصدي للسموم الاستعمارية التي كانت تفحّ وسط الشعب الجزائري الأعزل.

إلا أن المقال القصصي أخذ يتطور فنياً كلما مرت الأعوام، إذ حدث أن كثرت تجاربه وكثر كتابه وازداد تمكناً واطلاعاً على ثقافة العصر، وأهم خصائصه الفنية في أواخر هذه المرحلة أي منذ عام 1947م، هي أن عنصر الحوار تركز حول موضوعات جديدة في السياسة والثقافة والفكر بالإضافة إلى الدين.()

وبعد: فإنه يمكننا القول إن القصة الجزائرية ظهرت في صورتها الأولى على شكل مقال قصصي امتزجت فيه الأنواع الأدبية الأخرى كالمقامة والرواية والمقالة، وإنه نشأ في بدايته الأولى متأثراً-خصوصاً في موضوعاته- بالمقال الديني الإصلاحي ولكنه ما لبث أن طور عنصر السرد والموضوعات الإصلاحية، فاعتنى كثيراً في مرحلته الثانية بالحوار حتى يستجيب لكثرة الآراء واختلافها، والتي نشأت متأثرة بفضل عوامل عديدة شهدها المجتمع الجزائري بعد الحرب العالمية الثانية كتطور الوعي الوطني وتفتح الكتاب الجزائريين على ثقافات غيرهم().

ب-الصورة القصصية.

ظهرت الصورة القصصية في المرحلة التي نشأ فيها المقال القصصي. وذلك في كتاب"الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير" لمحمد السعيد الزاهري وأول صورة قصصية ظهرت خلال المرحلة الأولى، هي صورة"عائشة" التي تصدرت مواد ذلك الكتاب.()

كما تناولت الصورة القصصية في هذه المرحلة الموضوعات الإصلاحية التي عالجها المقال القصصي، ولم تختلف عنه كثيراً من حيث الجانب الفني سواء في تنوع الأحداث، أم من حيث الشخصيات، وقد اتسمت عموماً بقصر الحجم الذي هو أحد خصائص القصة القصيرة.

ويلاحظ عليها ضعف الحوار. فهو لا يناسب شخصياتها الرئيسية. حيث تطغى عليها شخصية المؤلف، خصوصاً الثقافية. وينطبق هذا بالخصوص على شخصيات الزاهري، وكذلك بعض شخصيات الجلالي. وهي غالباً ما تنتهي بخاتمة وعظية مباشرة، وغير مناسبة يعلق فيها الكاتب"موضحاً أو داعياً إلى فكرة أو رافضاً لها.()

بعد الحرب العالمية الثانية تطورت الصورة القصصية تطوراً كبيراً في الشكل أو المضمون، وعني الكتاب برسم شخصياتهم الفنية، كما أولوا عناصر السرد والحوار اهتماماً حسناً، وتناولوا قضايا جديدة كحرية المرأة والحب والزواج بالأجنبيات، وكذلك الشخصية المنحرفة التي تتاجر بالدين وتستغله للحصول على المال دون عناء، وقد تركزت الصورة القصصية حول ثلاثة محاور:

1- رسم الشخصية"الكاريكاتورية"، ويتضح ذلك من خلال وصفها وتحديد تصرفاتها وإشاراتها الظاهرة بغرض السخرية من مواقفها وأعمالها.

2- الإلحاح على فكرة نقد المجتمع وعاداته وتقاليده ونقد الاستعمار ومخلفاته وتكاد الشخصية في هذا المحور تختفي بسبب التركيز على تصوير الحدث القصصي وقد نشأ عن هذا انفصال بين الشخصية وبين الحدث.

3- وصف الطبيعة والحب وغيرهما من الموضوعات الرومانسية، وهنا تنعدم الشخصية بسبب التركيز الشديد على وصف الطبيعة ومظاهرها.()

ويمكن ملاحظة أن الصورة القصصية شهدت خلال هذه المرحلة الممتدة إلى غاية 1956، تطوراً في عناصر فنية أخرى، كالعناية باللغة، بحيث صارت أكثر إيحاء ورمزية، وكالاهتمام برسم(الحدث الواحد) والتركيز عليه لتصويره من جميع نواحيه.()

ومع ما يلاحظ من بساطة الشكل الفني الذي ظهر به كل من المقال القصصي والصورة القصصية، فقد أدى هذا الشكل دوراً مهماً في نشوء القصة الفنية الجزائرية فيما بعد، ثم إن هذا الشكل القصصي قام ولمدة غير قصيرة بالتعبير عن أفكار الأدباء واهتماماتهم الإصلاحية خير قام.

ولإيضاح ذلك نعرض فيما يلي إنتاج بعض أعلام هذه المرحلة
(1925- 1956)، والخصائص الفنية لهذين الشكلين القصصيين ودورهما في نشأة القصة الجزائرية المعاصرة.

ثانياً: كتاب القصة الإصلاحية.

يصعب إحصاء التجارب القصصية في هذا الميدان فالأسماء كثيرة والنتاج غزير متناثر في الصحافة الجزائرية والعربية، ولهذا قصرنا الكلام على أهم كتاب القصة الإصلاحية.

1- محمد بن العابد الجلالي.

بذل محمد بن العابد الجلاّلي جهوداً طيبة في سبيل إرساء تقاليد الفن القصصي في الأدب الجزائري المعاصر، فقد شرع ابتداء من شهر يناير عام 1935 بنشر قصصه بمجلة"الشهاب"، حتى إذا كان عام 1937 بلغ عدد قصصه المنشورة سبعاً حملتها جريدة"الشهاب" حسب الترتيب التالي:

1- في القطار، عدد يناير 1935

2- السعادة البتراء، عدد يونيو 1935

3- الصائد في الفخ، يونيو 1935

4- أعني على الهدم أعنك على البناء، يوليو 1935

5- تموز، غشت 1935

6- بعد الملاقاة، فبراير 1936

7- على صوت البدال، يناير 1937.()

عالج في هذه القصص موضوعات جديدة تعد في عهده محظورة على الأدباء والكتاب-كموضوع عاطفة الحب- وذلك بسبب هيمنة الموضوعات الإصلاحية التي كانت تخوض حرباً ضروساً على الأفكار الاستعمارية من جهة وعلى الأفكار الطرقية من جهة ثانية.

ويكاد النقاد يجمعون على تميزه بموضوعاته وبأسلوبه الفني الجديد، وهو ما دفع بالعديد منهم إلى أن يعده رائداً للفن القصصي في الأدب الجزائري الحديث، على نحو ما ذهبت إليه الدكتورة عايدة أديب بامية التي نوهت بـ"جودة كتابته، وعمق تفكيره، وروحه النقدية، ومرحه، وموقفه الجريء إزاء السلطات الفرنسية والمجتمع الجزائري التقليدي"().

وحظي أسلوبه الفني بإعجاب العديد ممن درسوا قصصه، قال الدكتور صالح خرفي في مقالة له بعنوان"محمد بن العابد الجلالي: هل هو رائد القصة القصيرة في الجزائر؟: "ذاك هو رشيد() في أسلوبه القصصي الرصين وفي نقاء عبارته وصفائها، وذلك هو رشيد في أفكاره الجريئة في تغنّيه بالحرية والاستقلال، في تنويهه بالجبال الشامخة وأبطالها المغاوير، والإشادة بدورهم الاشتراكي السامي الذي لعبوه".()

ووصف أحمد ابن ذياب قصصه بأنها نموذج متكامل للقصة"من حيث الأسلوب ومن حيث الروعة في العرض، ومن حيث الاتصال، ومعالجة المشاكل، معالجة حكيمة بثقة تستهوي القارئ، وتمتلك عليه لبه، فيظل مشدوداً بسياقها، يتابعه وتشتد الحبكة أو يتفاقم المشكل. فيأخذ ينتظر المصير متسائلاً عن أي المفاجآت يتجلى الموقف؟".()

استخدم محمد بن العابد الجلالي الطريقة التقليدية في سرد حدث قصته"أعني على الهدم أعنك على البناء"، 1935م، فقد ركز في بدايتها على تصوير البيئة التي جرى فيها الحدث، فطال الكلام على سهول متيجة، وخصبها واتساعها وشخصية المعمر الإقطاعي الفرنسي وقصره والنعيم الذي يعيش فيه هو وأفراد أسرته"يرقصون ويطربون على عزف الآلة، وأحياناً يستنطقون الراديو فينقل إليهم على متن الأثير ما في أنحاء العالم من حركات في المسارح ومناقشات في المجالس وأحاديث في المنتديات".()

بعد ذلك بدأ الحدث القصصي يتطور وينمو من خلال الحوار الطويل() والعنيف الذي دار بين الأب وابنته وهما فرنسيان، حول موضوعات شتى، أهمها مفهوم الإنسانية ونظرة كل منهما إلى المواطنين الجزائريين، حيث عدهم الوالد خدماً لا وعي لهم بشؤون الحياة الحضرية، وأنه ليس من حقهم أن يفيدوا من منجزات العلم والتكنولوجيا المعاصرة، كالاختراعات العلمية وغيرها بينما ترى ابنته البالغة من العمر خمس عشرة سنة أنهم مثلهم يحسون ويتألمون، ولهم عقول يفكرون بها، إنما ينقصهم التعليم وتوافر شروط الحياة المدنية الجديدة، وأن لهم فضلاً كبيراً على فرنسا أكبر من فضله وفضل أسرته، إذ اعترفت بفضلهم حين دافعوا عن الشعب الفرنسي وكرامته وحريته في أثناء الحرب العالمية الأولى.()

وهذان الرأيان يرمزان إلى جيلين: الأول هو جيل المعمرين الفرنسيين الموالين للإدارة الاستعمارية، ويمثله الأب بمركزه الاجتماعي الإقطاعي وبأفكاره العنصرية الحاقدة على الأهالي الجزائريين. بينما يرمز الجيل الثاني إلى جيل الشباب من أبناء المعمرين، الذين تختلف نظرتهم عن نظرة آبائهم فهي تتحلى بالعطف والاعتراف للجزائريين بفضلهم وجميلهم. وتعترف لهم بحقوقهم في العيش الطيب والحياة الكريمة- ولا تخلو هذه النظرة من غرابة، فكيف يمكن تصور صدق هذا الشعور من جيل تعلم في المدارس الاستعمارية، ونشأ في محيط اجتماعي استعماري، وتكون فكره بين أحضان الفكر الاستعماري الفرنسي الذي لم يعرف طوال حياته إلا القهر والاضطهاد، وسفك دماء أبناء الجزائر؟.

ولعله يمكننا أن نرد هذه الأفكار التي جاءت على لسان ابنة الإقطاعي والتي لم تتجاوز سن الخامسة عشرة من عمرها- وهو سن لا يسمح لها بأن تتبنى هذه الأفكار- إلى تأثر الكاتب نفسه بالأفكار الاشتراكية، وببعض أفكار حركة دعاة الادماج"().

إلا أن الكاتب لم يلبث أن استدراك، فعدّل موقفه قبيل نهاية الحدث، حيث سرد قصة أخرى شديدة القصر، تتلخص في خصام وقع بين عاملين يشتغلان عند المعمر، اختلفا حول بناء سور مأوى الحيوانات، إذ رأى أحدهما وهو الخادم"التواتي أن يتعاون هو ورفيقه" التهامي" على هدم السور وبنائه، بينما رأى"التهامي" أن يقوم رفيقه بهدمه، ويقوم هو ببنائه.()

وعلى هذا فقصة"أعني على الهدم أعنك على البناء" شملت حدثين: الأول تناول موضوع الإنسانية، وبطريقة لا تخلو من مبالغة، وتدخل فيه "القاص" لتلقين شخصية ابنة المعمر أفكاره وآراءه. وتناول الحدث الثاني: موضوع"التعاون" الذي يجب أن يسود بين العمال الجزائريين، حتى يتمكنوا من التغلب والانتصار على ظروفهم الصعبة، وهنا لم يعتن القاص بتصوير الحدثين قدر عنايته بسرد أفكاره، وآرائه حول موضوعات شتى: كالإنسانية والتعاون وإعجابه بسهول(متّيجة)، وكذلك بإبرازه شخصيته المطلعة على بعض المخترعات العلمية الحديثة، ومتابعة الأخبار العالمية.

وتبدو في هذه الصورة قدرات فنية كثيرة يمتلكها الجلالي، وخاصة إدارة عنصر الحوار حول موضوعات شتى، وكذلك حسن اختياره لشخصيات تعبر في معظم الأوقات عن مواقف فئات متباينة في الرأي.

2- محمد السعيد الزاهري.

يعد محمد السعيد الزاهري أول كاتب جزائري حاول كتابة"القصة القصيرة" باللغة العربية، فقد نشر في العدد الثاني من جريدته"الجزائر"()، التي أصدرها عام 1925 محاولة قصصية بعنوان: "فرانسوا والرشيد".

يدور حدثها حول طفلين: أحدهما(الرشيد جزائري الأصل مسلم العقيدة، بينما الثاني(فرانسوا) إسباني الأصل، فرنسي الجنسية، وقد نشأا نشأة واحدة، حيث ولدا في حيّ واحد، ودرسا في مدرسة واحدة، وتعلما مبادئ الثورة الفرنسية التي تدعو إلى المساواة والحرية والعدالة تعلماً متكافئاً. فآمن(الرشيد) بها ووضع ثقته كلها في الإدارة الفرنسية، إلا أنه أصيب بخيبة أمل كبرى بعدما استدعي هو و(فرانسوا) إلى الجندية الفرنسية وبدأ زميله يرتقي بسرعة مدهشة ويحصل على الرتب العسكرية الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصل إلى رتبة"كولونيل جنرال"، بينما بقي هو جندياً بسيطاً وقد ترك هذا في نفسه ألماً شديداً أودى به إلى القنوط فاليأس فالانتحار. وقد أحدثت هذه القصة أثراً بليغاً في المثقفين والقراء حين نشرها، فتعاطفوا وتضامنوا مع بطلها(الرشيد) إلى درجة أن جريدة"المنتقد"() نظمت سنة 1925م مسابقة أدبية لرثاء شخصيتها المحورية(الرشيد) شارك فيها العديد من الشعراء البارزين من مثل: محمد العيد آل خليفة الذي نظم قصيدة بعنوان: "رثاء رشيد" جاء فيها:

"نعم لك في العلى عمل مجيد

 

ولكن ما جزاؤك يا رشيد؟

أمتَ على الصبا أسفاً وحزناً

 

كذلك ينتج الضغط الشديد

علام"فرانسوا" يعلوك كعبا

 

وأنت لمثله الكفؤ الوحيد

ألم تك يا رشيد له شقيقا

 

زمان أبوكما العلم المفيد

وكنت بجنبه في الحرب لما

 

أمض قواكما الجهد الجهيد

حياتك كلها مأساة حزن

 

يشيب لهول منظرها الوليد" ()

عد بعض الباحثين نشر قصته"فرانسوا والرشيد" في منتصف العشرينات شجاعة سياسية كبيرة تبينوا منها مدى انتشار الوعي السياسي الوطني بين الكتاب والأدباء الجزائريين()، في تلك المرحلة الزمنية العسيرة، حيث كانت الإدارة الاستعمارية تتربص بكل وطني، وتترصد خطواته وتحركاته.

وقد اتبع محمد السعيد الزاهري هذه القصة بمحاولات قصصية أخرى نشر معظمها في مجلة"الفتح" الإسلامية بالقاهرة، ثم جمعها أحد أعلام ذلك الوقت العلاّمة الشيخ محب الدين الخطيب في كتاب مستقل صدر في سنة 1347هـ/ 1928م، وحظيت قصص هذا الكتاب بصدى واسع في الأوساط الثقافية الجزائرية والعربية، فقد نوه به أمير البيان شكيب أرسلان وعدّ محمد السعيد الزاهري أحد أركان الأدب العربي الأربعة في الجزائر وهم: "الزاهري وابن باديس والعقبي والميلي"().

وعبر الشيخ عبد الحميد بن باديس عن إعجابه بأسلوب القصص، وبموضوعاتها الإصلاحية، فنشر مقالاً عنها في مجلة(الشهاب) في شعبان 1350هـ، جاء فيه"عرفنا شاعر الجزائر الشيخ السعيد الزاهري شاعراً خنديداً، وعرفناه كاتباً رحب البيان بليغاً، وعرفناه في هذا الكتاب داعية إسلامياً كبيراً، وقد خاض مسألة الحجاب، والمرأة الجزائرية ومسألة الإسلام، والتغرب والشبيبة المتعلمة فأبان من الحقائق، وأقام من الحجج مالا يلقاه أشد الخصوم-إذا أنصف- إلا بالإكبار والتسليم وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة الشبيه بالروائي. سهل جذاب لا تستطيع إذا تناولت أوله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره..."().

وأهم مواد الكتاب التي توفرت فيها عناصر القصة كالحوار والشخصيات والأحداث قصص"عائشة"، و"الكتاب الممزق"، و"صديقي عمار"، و"أحد منتزهات وهران".()

وتكاد قصة"عائشة" تتوافر على معظم خصائص تجربته في مجال الكتابة القصصية. حيث توفرت فيها عدة أركان للقصة سنعرض لبعضها بإيجاز فيما يلي:

 

أ- البيئة القصصية.

في قصة(عائشة) تبدو البيئة القصصية واضحة تماماً، ويمكن تصنيفها: بيئة جزائرية وأخرى فرنسية.

فالبيئة الجزائرية تمتاز(قصصياً) بالتنوع مع أن الوسط الاجتماعي الذي جرى فيه الحدث وسط"ثقافي" وقد تعمد القاص ذكر اسم البيئة وتاريخ وقوع الحدث على لسان شخصية الراوي الذي يوجد شبه كبير بين سيرته وسيرة محمد السعيد الزاهري نفسه، واستهلها بقوله: "كنت بعاصمة الجزائر سنة 1344هـ، وصمت بها رمضان ذلك العام، وكنا رفقة نجتمع كل ليلة من ليالي رمضان"().

ثم يذكر الراوي تاريخ تنقله داخل الجزائر بالتفصيل، والمكان الذي سافر إليه وما حدث له().

والملاحظ أنها بيئة علمية إصلاحية، ومع، ذلك فإن وظيفتها في بناء القصة ضعيفة، تفتقر إلى التركيز والإيحاء، كما أن تنوعها يقربها من روح البيئة الروائية.

ولتصوير البيئة الفرنسية استعمل الزاهري أسلوب"الرسالة" لتصويرها فقد وصلت إلى الراوي رسالة من صديقه المحامي بفرنسا يخبره فيها بحياة أسرته في فرنسا، وإعلان زوجته إسلامها، وتشتمل الرسالة على حاشية بخطها بينت له فيها فضله عليها، واقتناعها بسعة علمه وقوة حججه التي كان يحاور بها زوجه().

وروت له في رسائلها إليه-بعد أن اختار لها اسم(عائشة) لتعوض به اسمها المسيحي- إعجاب زميلاتها الفرنسيات باسمها الجديد، وبسيرة(عائشة) زوج الرسول صلى الله عليه وسلم().

إنها بيئة علمية ، إصلاحية، ولكنها تفتقر إلى التركيز والإيحاء.

ب- الشخصيات

في قصة(عائشة): ثلاث شخصيات(الراوي) وصديقه(المحامي الجزائري) و(زوجته الفرنسية) المسيحية، وهناك شخصيات ثانوية ذكر اسم بعضها كاسم الشيخ العلامة(مبارك الميلي)، وترك الشخصيات الأخرى مجهولة، جاء الحديث عنها على لسان زوجة المحامي.

وقد سلك الزاهري الطريقة التحليلية في عرض هذه الشخصيات حيث جاءت شخصية المحامي على لسان الراوي في بداية القصة، حيث وصف سوء فهمه للإسلام، وعدم قيامه بالواجبات الدينية: كالصلاة والصوم().

إلا أن القاص سرعان ما ركز على(زوجة المحامي) التي تعد الشخصية المحورية في القصة، فقد تابع سيرتها منذ أن كانت في الجزائر تحضر إلى جلسات زوجها مع الراوي وتستمع باهتمام إلى مناقشاتهما حول المبادئ الإسلامية والتبشير بها في كل بيئة ووسط، واستخدم أسلوب"الرسائل" لمتابعة تطور شخصية الزوجة في فرنسا-وهي وسيلة وفق في توظيفها للتعبير عن فكرته الإصلاحية، حيث تبودلت رسائل عديدة بينها وبين الراوي، فكتبت إليه عن اقتناعها وإعجابها بالمبادئ الإسلامية، واعتناقها الدين الإسلامي عن رغبة وحب، واختار لها هو بدوره اسماً إسلامياً هو اسم"عائشة" قدوة بسيرة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم().

وهكذا أفاد الزاهري من الموضوع الإصلاحي فسخر كل إمكانياته المعرفية لصبه في قالب قصصي جاء في شكل الصورة، وأدى هذا إلى بروز شخصيته وطغيانها على الشخصيات وامتداد عنصر الزمن.

إن في قصصه بذوراً أولية لفن القصة وخصوصاً قدرته على إدارة عنصر السرد، وتركيز الفكرة وتنويع البيئات.

3- أحمد بن عاشور

تركزت موضوعات قصص أحمد بن عاشور الأولى حول الموضوعات الإصلاحية كخطر الزواج بالأجنبيات، والانحراف الديني، وتقليد المرأة الجزائرية للعادات الفرنسية، والشعوذة وغيرها من الموضوعات الاجتماعية، فقد بلغ عدد قصصه التي كتبها من سنة 1940 إلى سنة 1956م زهاء مائة()، ثم غير اتجاهه، وتخصص في كتابة القصص التي تصور المعارك بين المجاهدين وقوات الجيش الفرنسي، فعبر عن بطولاتهم، سواء في الجبال أو في المراكز العسكرية التي حشدت الإدارة الاستعمارية الأهالي فيها بهدف عزل الثورة عن الشعب.

وأهم قصصه التي صورت أبطال هذه المرحلة(1940-1956)، قصصه: "صالح وخطيبته"، و"من حديث الحجاج في الدكاكين" و"الرجلان والدب الأبيض".

وصف الدكتور: أبو القاسم سعد الله أبطال قصص أحمد بن عاشور التي كتبها في هذه المرحلة بأنها مثال للبطل الأرضي الذي لا يهمه إلاَّ إشباع غرائزه الدنيا بما فيها من أنانية، وجبن وبشاعة، ولو أدّى به ذلك إلى التضحية بوطنه أو مبدئه أو دينه وجميع مقدساته"() في مجموعته"طلقات البنادق" تتوافر قصة"كابتان"()، على خصائص فنية عديدة تسم هذه المرحلة، فبطلها ضابط فرنسي شاب قدم إلى الجزائر من أجل القضاء على جنود الثورة الجزائرية، وقد عرضه الكاتب من خلال الطريقة التحليلية، فوصفه على لسان فرنسيتين عانسين رمز بهما القاص إلى عقم المجتمع الفرنسي، فقد ركزت كل منهما حديثها حول إبراز"حذلقة" الضابط للإيقاع بالفتيات الفرنسيات، وخيانته مهنته ونهبه أموال المواطنين الجزائريين في أثناء دورياته مع بعض جنوده، وقد جاءت نهاية الحدث القصصي لتؤكد ظنهما به في أن مصير فرنسا في الجزائر يدنو بسرعة نحو أجله، فبينما هما ترسمان توقعهما في فرنسا تفاجآن بجنديين جزائريين يسوقان الضابط الفرنسي نحو الغابة.

إن البناء الفني لهذه القصة بسيط، وقد بدا اهتمام الكاتب بالتعبير عن الحدث الثوري أقوى من اهتمامه بالجوانب الفنية، رغم أنه يؤرخ لبطولات المجاهدين ويفضح جرائم الاستعمار.

ويمكن القول في نهاية هذا الجزء: إن تجارب كتاب هذه المرحلة"كالزاهري" و"الجلالي" و"ابن عاشور" لم ترق فنياً إلى مستوى القصة القصيرة الفنية رغم المحاولات الكثيرة التي كتبها بعضهم، خصوصاً أحمد بن عاشور.

ويدل قصور بعض هذه التجارب على ضعف اطلاع الكتاب على أصول هذا الفن القصصي العالمي.

وهي أمور لا نجدها في تجربة أحمد رضا حوحو الأدبية، فقد شهدت القصة الجزائرية على يده تطوراً ملموساً سواءً من حيث البناء الفني، أو من حيث الموضوعات.

ثالثاً: أحمد رضا حوحو رائد القصة الجزائرية القصيرة.

سنتوقف عند تجربة أحمد رضا حوحو() القصصية بشيء من التركيز والتفصيل لما فيها من ثراء وطرافة. سواء من حيث الموضوعات القصصية، أو من حيث تنوع الأشكال الفنية التي استعملها.

وسنقصر الحديث على العناصر البارزة في تجربته القصصية. وقد مهدنا لذلك بكلمة موجزة عن وعيه الأدبي، وصدى تجربته بين الباحثين. فقد كان له أثر كبير في تطور القصة الجزائرية الحديثة، وفي إرساء قواعدها الفنية.

أولاً: تمهيد: في مصادر ثقافته واهتماماته الأدبية.

1- الوعي الأدبي لدى أحمد رضا حوحو.

بذل أحمد رضا حوحو جهوداً جبارة من أجل تكوين شخصيته الأدبية، والثقافية فكان يطالع الثقافة العربية الإسلامية، ويجهد نفسه للإلمام بخصائص الثقافة المعاصرة، خصوصاً معالمها وآدابها المدونة باللغة الفرنسية التي يتقنها إتقاناً جيداً.

وقد أهلته مؤهلاته العلمية، وإمكاناته الأدبية والفنية لأن يتبوأ منزلة الصدارة بين المثقفين والأدباء الجزائريين باللغة الوطنية طيلة عشر سنوات(1946- 1956م)، ولو امتد به العمر، لكان له اليوم فتح عظيم، وشأن كبير لا في الأدب الجزائري المعاصر فحسب، بل في الأدب العربي عموماً.

وقد عملت الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها، والمراحل التي مر بها في حياته على تنويع مشارب ثقافته، وتعد مدة إقامته في الحجاز(1935- 1945) من أهم عوامل تكوينه الشخصي وأهمها تأثيراً وأخصبها في إغناء فكره الأدبي.

كما جعلته هذه الظروف ينظر إلى الأدب خصوصاً، والفن عموماً نظرة مثالية مطلقة()، هذا مع أنه ألح في مقدمات قصصه، وفي مقالاته على واقعية الأدب، وضرورة استلهام روحه الاجتماعية.

وإحساساً منه بقيمة الأديب وبدوره في تطور مجتمعه، فقد أهدى مجموعته القصصية الأولى صاحبة الوحي وقصص أخرى()، إلى كل أديب إذ قال((إلى من يفني نفسه في ملاذه الفكرية. ويعيش في متعة الحيرة والألم.. إلى الأديب))()

وفي كتابه "مع حمار الحكيم" فصول خصصها لإبراز رأيه في قضايا أدبية وفنية واجتماعية، وذلك من خلال اصطناع حوار بينه وبين شخصية(الحمار) المتخيلة أبان فيه مفهوم الأدب ورأيه في وضعية الأدب الجزائري في عهده.

فقد أجاب الحمار عن سؤال وجهه إليه صاحبه حول رأيه في الآداب والفنون بقوله((الآداب والفنون هي المقياس الصادق لأحوال الأمم، وهي الميزان الصحيح لقوة إنسانيتها، وشرف عاطفتها، وسمو روحها، فهي ليست من الكماليات وليست طلاء خارجياً كما يتوهم، بل إنها أساس لابد منه لرقي الأمة وحفظ كيانها.()))

وخلص حوحو، بعد أن قدم عرضاً عن مفهومه للأدب الجديد، ودوره في رقي المجتمعات وتطورها إلى نتيجة تصور نظرته المتشائمة لواقع الحركة الأدبيّة الجزائرية، وهي التي كثفها في هذه الجملة"لا يسعني إلا أن أقول قولاً واحداً، وهو: ألا أدب عندنا ولا فن عندنا"()

ولكن سرعان ما خفت حدة هذه النظرة المتشائمة في فصل آخر، كتبه بعد الفصل السابق، ظهرت فيه عبارة تتحدث عن الأدب الجزائري وعن بذور(("صالحة كامنة في تربة صالحة، تحتاج إلى الري والعناية لتنبت وتترعرع وتثمر))"().

وينطوي هذا الرأي على اعتراف ضمني بالأدب الجزائري، وبثراء بيئته وخصبها وأن ما يعوزه هو الظروف فحسب كوسائل الإعلام والطبع والنقد الأدبي، والمنابر الثقافية، والحرية الأدبية. وقد نشأ عن هذا اضطراب في بعض أفكار حوحو، كما عمل على خلق تمايز بين أفكاره النظرية التي تبدو من خلال مقالاته النقدية، وبعض مقالاته القصصية، وبين نصوصه الإبداعية، إذ تبدو دعوته إلى التجديد ووعيه بالمذاهب والتيارات الأدبية-من خلال مقالاته- أكثر تطوراً ونضجاً واكتمالاً مما يبدو في قصصه التي بدت وكأنها مشدودة إلى جمال التقليد والمحافظة والموضوعات الأدبية القديمة وتتعمق هذه المفارقة أكثر في مقدمة، "صاحبة الوحي وقصص أخرى"، حيث حدد فيها مذهبه، وميله إلى الواقعية النقدية()، ولكننا سرعان ما نفاجأ-حالما نقرأ القصص- بغلبة الموضوعات والأساليب المألوفة والرؤية التقليدية.

 

على أنه حقق بعض النجاح في الملاءمة بين دعوته النظرية وممارسته الإبداعية في مجموعته الثانية"نماذج بشرية"()، ذلك أنها مستوحاة من الواقع الاجتماعي وملامحه، وفيها قال عن طريقته في رسم نماذجه"التجأت إلى المجتمع وانتزعت من مختلف طبقاته نماذج عشت مع بعضها، وسمعت عن بعضها، نماذج حية أقدمها للقارئ لعله يتوصل بها إلى تفهم بعض طباع مجتمعه فيلمس أنبل نفس في أحقر شخصية ويلمس الإيمان القوي في قلب الرجل الضال، والزيغ والإلحاد تحت عمامة رجل الشرع"().

كتب حوحو عدة مقالات نقدية حول تجارب بعض رواد الأدب العربي الحديث كطه حسين، وعبد القادر المازني، وذلك في أيام إقامته بالحجاز ونشرها في الصحافة الحجازية، وبعد عودته إلى الوطن نشر في الصحافة الجزائرية ولا سيما مجلة(البصائر) كثيراً من المقالات النقدية والأدبية، حول واقع الحركة الأدبية والثقافية في الجزائر.

وقد بدا في جل كتاباته النقدية ملماً بالثقافة الواسعة وبمعظم الأصول الفنية للأشكال الأدبية، خصوصاً القصة والمسرحية، كما أثار مناقشات حادة بينه وبين بعض الكتاب المناصرين للتقليد، والمتمسكين بالأساليب التعبيرية القديمة وخرج من معظمها ظافراً، لما كان له من شخصية أدبية متفردة وقوة ملاحظة وحجج كثيرة-تدعم رأيه- واطلاع على أصول الثقافة المعاصرة، واتجاهاتها، وهو الأمر الذي مكنته منه ثقافته الفرنسية، واتصاله المباشر بالنهضة الأدبية في المشرق العربي.

2- مصادر ثقافته الأدبية.

استمد حوحو، جل ثقافته الأدبية من قراءاته للأدب الحديث، خاصة الفرنسي الذي ظهر في عصر النهضة، وقد أعجب ببعض الأدباء وبعض الأساليب الغربية، ومن أبرز الكتاب الفرنسيين الذين أثر نتاجهم في تكوينه"فيكتور هيجو"، و"لامارتين"، و"لابرويير". فمعالجة بعض الموضوعات التي اشتهر بها"هيجو" واضحة في قصصه وفي بعض أساليبه الفنية، كالوصف والاهتمام بعنصر البيئة.

وقد اعترف حوحو نفسه بذلك التأثر فقال في مقدمة قصته الفقراء: "قرأت الفقراء لـ"هيجو" وكانت نفسه البائسة تطالعني من بين السطور، تقطر حيرةً وألماً وما هي إلا فترة حتى اختلطت حيرتي بحيرته وآلامه بآلامي، فأسرعت إلى يراعتي أكتب عن الفقراء بالعربية ما كتبه عنهم"هيجو" بالفرنسية".()

أما تأثره بأدب الكاتب الفرنسي"لابرويير"، فإنه يظهر بعد مقارنة بين كتابه"الطبائع"، وبين مجموعة حوحو"نماذج بشرية" فكلاهما يدير كتابته حول نماذج بشرية شاذة ويجسد الفساد الاجتماعي من خلال رسم هذه النماذج، وكلاهما يغلف أسلوبه بطبقة سميكة من السخرية اللاذعة.()

لقد تأثر بـ"لابرويير وبأساليبه الفنية، وأعجب بأفكاره، فصدر مجموعته القصصية الثانية"نماذج بشرية" بمقولة"لابرويير" وهي"يجب أن نتكلم كلاماً صادقاً، وأن نفكر تفكيراً صائباً، دون أن نحاول جلب الآخرين إلى أذواقنا وعواطفنا.. إن ذلك لهو العمل الجليل.()"، كما تأثر في صوغ مضامينه وأفكاره بالكاتب المسرحي الفرنسي الشهير"موليير".

قرأ حوحو الأدب العربي القديم وتأثر بالجاحظ أيمَا تأثر، وتجلى ذلك في موضوعات البخل وحب المال والدنيا، إلى غير ذلك من الصفات التي ميزت شخصيات بعض قصصه ومسرحياته.

كما قرأ لأعلام الأدب العربي الحديث، كالدكتور طه حسين، وعباس محمود العقاد، وخاصة توفيق الحكيم الذي كانت كتاباته أشد كتابات الأدباء العرب تأثيراً في أدبه، خصوصاً كتابه"حماري قال لي". وقد وصف عبد الرحمن شيبان إعجاب حوحو بموضوع هذا الكتاب وأسلوبه بقوله"قدمت للأخ حوحو"حماري قال لي" للأستاذ توفيق الحكيم فالتهمه في سهرة واحدة، وأعاده إلي في الغد وهو معجب بموضوعه مأخوذ بأسلوبه().

إن المصادر الأدبية التي ظهرت في فرنسا إبان عصر النهضة، وكذلك الأعمال الأدبية العربية الحديثة التي ظهرت في مرحلة ما بين الحربين العالميتين كان لها أثر فعال في توجيه حوحو نحو الأدب الإصلاحي وتكوين شخصيته الأدبية والثقافية.

3- الشكل الفني.

عبر حوحو عن أفكاره بعدة أشكال فنية كالقصة، والرواية القصيرة، والمسرحية، والمقالة الأدبية، والنقدية، والصحافية، والعزف على بعض الآلات الموسيقية، خصوصاً آلة البيانو، ولكن القصة القصيرة كانت الأثيرة، ففيها صور آراءه في موضوعات شتى، خصوصاً موضوع الإصلاح الاجتماعي الذي أولاه اهتماماً كبيراً منذ رجوعه إلى الجزائر في بداية عام 1946م، وانتسابه إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

لقصصه خصائص فنية محددة، فهي في معظمها تقترب من بنية الحكاية البسيطة، وكثير منها يبدأ بمقدمة منفصلة عن النص القصصي، ثم يبدأ السرد على لسان إحدى الشخصيات التي تقوم بدور الراوي وبدور الشخصية المحورية في الوقت نفسه.

ويلاحظ أن المؤلف يقوم في العديد من قصصه، وخاصة في قصص المجموعة الأولى"صاحبة الوحي" بدور المستمع والمعلق على الأحداث(). أما المكان القصصي فيتكرر في العديد من القصص وهو المقهى()، كذلك فإن قصصه تأثرت بأشكال تعبيرية أخرى، كالمقالة الأدبية والاجتماعية والصحافية والسيرة الذاتية.

فقصصه(فقاقيع الأدب)، و(الشخصيات المرتجلة) أقرب إلى المقالة الأدبية والعلمية منهما إلى الفن القصصي: وعنصر الحوار كثيراً ما يطغى على أشكال السرد الأخرى، ويمكن إرجاع ذلك إلى كونه كاتباً مسرحياً لا قصصياً فحسب، وله اهتمام شديد به، حيث بذل جهوداً جبارة من أجل إرساء قواعد المسرح في الوسط الجزائري، لإيمانه بقدرة هذا الفن على تصوير معاناة المجتمع الجزائري والتعبير عن أفكاره، وآرائه الإصلاحية والأدبية.()

ومع ذلك ظل حوحو منظراً للأدب أكثر منه مبدعاً مجدداً في فنونه، فتجلت ثقافته الحديثة في مقالاته أكثر مما تجلت في قصصه. ويعود ذلك إلى غياب النموذج القصصي المكتمل وإلى ضعف النص النقدي الجزائري الذي واكب مسار الأدب الجزائري الحديث.

4- الموضوعات:

موضوعات قصصه متنوعة ثرية، لا تخلو في بداياتها من الانفعالات الذاتية، وطغيان الأحداث العاطفية أما في مرحلته الأخيرة-خصوصاً بعد عودته إلى الجزائر- فقد أولى اهتماماً أكبر بالموضوعات الاجتماعية والإنسانية. وبموازنة إنتاجه مع إنتاج معاصريه يبدو حوحو أهم أديب جزائري شهدته مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى يوم استشهاده في 29 ماي 1956م، وهو أول كاتب جزائري استجاب لتأثيرات الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية الجديدة، وأول من ضمن كتاباته جل القضايا المعاصرة كقضية تثقيف المرأة والتعليم وبناء المجتمع وقضية الإصلاح الديني وتطور الحركة الثقافية والأدبية. وسنبين أهم الموضوعات التي عالجها في قصصه بقصد إبراز الصلة بين موضوعاته وبين الأشكال التي صيغت بها.

أ- الموضوع العاطفي(الذاتي).

لم يعتن أدباء الحركة الإصلاحية بالموضوعات العاطفية، لأن الحياة العامة كانت تنفر منها، بل كانت تنظر إليها على أنها عوامل هدم لبنية الشخصية الوطنية الجزائرية.

إلا أن هذه الرؤية سرعان ما بدأت تضمحل بفعل العوامل والظروف الجديدة التي شهدتها الحياة العامة في الجزائر، بعد الحرب العالمية الثانية، إذ شرع بعض الكتاب في تناول قضية المرأة واضعين في حسابهم النظرة الأخلاقية المنبثقة أصلاً من روح الإسلام، وقد لجأ بعض الأدباء إلى الرمز والإيحاء أو التوقيع بأسماء مستعارة، حينما أرادوا التعبير عن أحاسيسهم العاطفية.()

ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى كتابات أحمد رضا حوحو، ففيها جرأة وتجاوز للعادات في تلك المرحلة الزمنية التي نشر قصصه فيها()، وكان يبحث في معظم قصصه العاطفية عن حب رومانسي، مكلّل بالصدق، وهو في هذا متأثر بالأدب القصصي الرومانسي الغربي وبسير الشعراء العذريين في الأدب العربي.

كتب في هذا الموضوع خمس قصص()، تضمنتها مجموعته الأولى"صاحبة الوحي" وممّا يلاحظ على هذه القصص أن أربعاً منها تعبر نهاياتها عن تجارب حب مخفقة سببها خيانة المرأة، والتي يكتشفها البطل بعد أن يكون قد أحبها حباً عذرياً صادقاً، وتكاد قصة(خولة) تشذ عن ذلك، حيث يصور موضوعها نظرية حوحو في عاطفة الحب. كما يعد تطبيقاً لآرائه، فقد انتصر الحب على الرغم من الظروف القاسية، وشدة تهافت والد(خولة) على المال فكان الكاتب يدعو إلى حب يتصف بالتضحية والتحدي إن لزم الأمر. وهذا ما حدث في نهاية القصة، حيث هربت(خولة) مع(سعد) من بيت خطيبها، متجاوزة بذلك كل أعراف البيئة البدوية وتقاليدها، ومتحدية السلطة الأبوية.

ونعزو هنا بعض الظواهر التي بدت غريبة، أو غير مألوفة في الحياة الريفية في قصة(خولة)، إلى تأثير الثقافة والعادات الأجنبية في أدب حوحو، لقد ذهبت خولة إلى(سعد) وهو في المرعى بمنأى عن القرية ورافقته إلى ديار أهلها على مرأى من الأهالي، ومثل هذه الأعمال محظورة في البيئة البدوية مهما كانت الظروف.

ب- الموضوع الاجتماعي.

يدل ورود الموضوع الاجتماعي في قصص حوحو على عمق إحساسه بقضايا المجتمع وهموم الشعب وانحيازه الصريح للفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، فقد دافع عنها بكل قواه وبكل مواهبه الأدبية.

وليس الموضوع الاجتماعي جديداً على الكاتب والأدباء الجزائريين، لكن حافز الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها في تطور الوعي العام عمقت الحاجة إلى مثل هذا الموضوع.

وأهم قصصه في هذا الموضوع()، قصة(عائشة) التي تصور وعي المرأة الريفية واستجابتها للتطور وللأفكار الجديدة، مما يوحي بالجرأة الكبيرة التي تمتع بها الكاتب وتجاوزه الانتقاد"إلى التنديد بهذه التقاليد، والدعوة إلى تحرير المرأة من ظلام الجهل وأغلال العبودية"() على حد تعبير أحمد منور.

إن تناول موضوع تحرير المرأة بمثل الجد والعنف اللذين عالج حوحو بهما قصته"عائشة" ليعد مسألة تسترعي الإعجاب بجرأته، إنها"دعوة لم يسبق حوحو إليها أحد قبله بمثل هذه الجرأة، وبمثل هذه المعالجة الصريحة.()"

وتدل قصته"الفقراء"()، على تفتح حوحو على الأدب القصصي الأجنبي، خصوصاً الأدب الفرنسي، واقتباسه من الكاتب الفرنسي"فيكتور هيجو" على نحوما نوهنا به من قبل.

ج- الموضوع الإنساني.

في قصصه تركيز على تصوير النموذج الإنساني الذي هو أهم محاور أدبه، ولذلك عدته الدكتورة عايدة بامية أبرز كاتب جزائري أولى اهتماماً متميزاً بالطبيعة البشرية()، في عصره، فقد التقط موضوعات من واقع الحياة البشرية بروحه الخفيفة، ودقة ملاحظته وعمق موهبته واتساع ثقافته ومقدرته على تحويل إحساساته الإنسانية إلى أحداث فنية جميلة متنوعة.

ولولا الضعف الفني الذي يشوّه بعض قصصه، ولولا المبالغة في عرض العواطف لعد صاحب تجربة نادرة في تاريخ القصة الجزائرية الحديثة.

د- الموضوع الديني.

لم يعالج كثيراً من القضايا الدينية إذا ما قيست أعماله بسائر الموضوعات. وليس بين أيدينا سوى قصتين اثنتين الأولى بعنوان: الشيخ زروق، والثانية بعنوان"سيدي الحاج" صور فيهما رجل الدين المنحرف، والذي لا يهمه إلا الثراء، حتى وإن كانت السبيل إلى ذلك غير مشروعة، وكذلك التهافت على لقب"الحاج" والولوع بالمظاهر، وذلك لما تجلبه هذه الألقاب من حظوة ومكانة للكسب المعنوي والمادي وللتقرب من السلطة وأصحاب النفوذ.

وقد استغل الاستعمار هذا الانحراف، استغلالاً كبيراً فسخره لخدمة سياسته في قهر الأهالي. وجعل بعض عناصر هذه الفئة عيوناً له على بعض المناضلين والوطنيين.

هـ- الموضوع الأدبي.

برع حوحو في معرفة الأصول النظرية لعدة فنون تعبيرية، تجلى ذلك في مقالاته التنظيرية لفن القصة والمسرح: وكان يملك حساً فنياً للتعبير عن هذه القواعد بالشكل المناسب.

ويتبين هذا من خلال قصتين تضمنتهما مجموعتاه"صاحبة الوحي" و"نماذج بشرية". فقد سعى بهما إلى معالجة حال الأجيال الأدبية، ووضعية الأدب الجزائري. تحمل القصة الأولى عنوان(صديقي الشاعر)، وهي تدور حول فساد الذوق الفني وغياب الحكم النقدي الرصين عن الساحة الأدبية والفنية، فالعامة لا تقوم الفن من خلال نصوصه، وإنما تحكم عليه بالرداءة والجودة من خلال مكانة صاحبه الاجتماعية، ومظهره الخارجي، وقد أدت هذه النظرة إلى سطحية الحكم وإلى قتل كثير من المواهب الأدبية().

وعالج في قصة"فقاقيع الأدب" قضية المغالاة في التجديد لدى بعض الأدباء الشبان والآراء النقدية في الأسلوب الأدبي كقوله"الأدب العربي أدب السلس، والمعنى المتين، أدب البيان والتبيين، لا يمت بصلة إلى هذه الشقشقة الغامضة المحتثة التي أغرم بها هؤلاء الأدباء الفقاقيع أيما غرام؟"().

فهذه الآراء الأدبية، تؤكد اطلاع حوحو على الأصول الفنية للأنواع الأدبية، وما دفاعه عن الأسلوب العربي إلا ليقينه بأنه النموذج الجيد للكتابة الأدبية الفنية.

فحوحو ثري بالموضوعات القصصية، وطرق موضوعات جديدة لم يطرقها غيره قبله بمثل هذه الجرأة.

والملاحظة العامة أن موضوعات قصصه: (ثري الحرب)، و(جريمة حماة) و(خولة)، و(عائشة والعصامي) و(رجل من الناس)، و(سي زعرور) هي موضوعات يستوعبها فن الرواية أكثر من القصة القصيرة نظراً لطول زمنها، وتنوع بيئاتها، وتعدد شخصياتها وكثرة أحداثها.

ولكن هذه الملاحظة لا تشمل كل موضوعات قصصه، كقصص: (فتاة أحلامي) و(الفقراء)، و(الشيخ زروق)، و(السكير)، و(التلميذ)، لاحتوائها على كثير من شروط القصة القصيرة، كقصر الزمن، ووحدة الموضوع، والمكان وقلة الأحداث.

ولو أنه عالج موضوعات قصص أخرى بأسلوب أدبي آخر لكان خيراً له، من مثل قصة(فقاقيع الأدب)، فلو صبّ موضوعها في شكل المقال الأدبي النقدي لكان أفضل، ولكان توفيقه أكبر في تبليغ آرائه النقدية والأدبية.

5- صدى أدبه.

نالت آثار حوحو الأديبة والفنية اهتمام معظم المثقفين الجزائريين، وكذلك بعض الباحثين العرب ممن أتيح لهم مطالعة إنتاجه المتنوع الغزير.

ومع أن المقالات التي كتبت حول نتاجه كانت كثيرة، فإننا نأسف لغياب الدراسة النقدية الوافية لأعماله حتى الآن، كما أن بعض أعماله المعدة للطبع لم تصدر حتى اليوم، رغم أنه أعلن هو نفسه عنها، ككتابه الذي يحمل عنوان"فصول في الأدب والمجتمع" الذي انتهى من إعداده في شهر جويلية عام 1943م ().

أما أعماله الأدبية المطبوعة فقد حظيت باهتمام الباحثين والنقاد عل السواء،() كما حظيت بإعجاب معاصريه في مقالاتهم النقدية عن خصائص تجربته القصصية أو في كتب مفردة مخصصة لعرض سيرة حياته ومزاياه الفنية()، وكان صديقه عبد الرحمن شيبان من أكثر المعاصرين إعجاباً به، فقد قال عنه في تقديمه لكتاب حوحو"مع حمار الحكيم"، "يمتاز أدب الأستاذ أحمد رضا حوحو بطابع الخفة والصدق والانتقاد، فإنك لا تكاد تقرأ له فصلاً من فصوله، أو قصة من أقاصيصه، أو تشاهد له مسرحية من مسرحياته حتى يفاجئك بهذا الثالث و الجميل الحبيب().

ووصفه صديقه عبد المجيد الشافعي في كتاب"سبيل الخلود" الأديب الشهيد بأنه منفلوطي الجزائر، وبأن أدبه((أدب سلاسة، أدب تجديد، أدب تفكير، أدب تحليل، لا غموض فيه، ولا تكلف، يستسيغه القارئ، كما يستسيغ الماء العذب الرقراق، ليس فيه تنافر ولا غريب، سليم من الركاكة، والحوشية والتشابيه البعيدة التي يمجها ذوق القارئ، يصوغ عباراته في قالب السهل الممتنع ولا أكون مخطئاً إذا قلت أنه منفلوطي الجزائر).()

إن حوحو أول أديب بذر بذرة الأدب الحديث في الجزائر في ظروف عصيبة() بحسب ما انتهى إليه الدكتور عبد الله خليفة ركيبي حيث عده رائداً لفنّ القصة الجزائرية لإنتاجه الغزير فيها وعلو ثقافته الأدبية، واستيعابه عدة فنون أدبية، وإدراكه لتقاليدها وخصائصها.()

حظيت كتاباته باهتمام بعض الباحثين العرب، وقد عني الدكتور محمود الربداوي بمسرح حوحو، خصوصاً المجهول منه، ونشر عنه مقالاً نقدياً هاماً في مجلة"الثقافة"، جاء فيه أن حوحو"ضرب في كل فن من الفنون الأدبية بسهم وافر، شخصيته متعددة الجوانب الأدبية"().

وقالت الدكتورة عايدة أديب بامية إنه"الكاتب الوحيد الذي أبدى اهتماماً بالطبيعة البشرية ودرس مقاصدها وتصرفاتها"().

وفعلاً فإن حوحو ليعد أهم أديب جزائري عرفته الحياة الأدبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصاحب أغنى تجربة أدبية، في تلك المرحلة، تفرد في التعبير عن أفكاره بأشكال أدبية جديدة، وفاق معاصريه غزارة إنتاج وقوة تعبير.

ولذلك لقب برائد الفن القصصي الجزائري المكتوب باللغة العربية، ونال أدبه كل اهتمام، وحفاوة وإعجاب، ولهذا ركزنا عليه أكثر من غيره لبيان بعض العناصر الفنية المتوافرة في قصصه القصيرة.

ثانياً: البنـــــاء الفــــــني.

نتناول فيما يلي بعض أركان البناء الفني في القصة القصيرة عند أحمد رضا حوحو وهي: الحدث- الشخصيات- الأسلوب- البيئة لتوافرها في أدب الكاتب أمام الضعف الفني الذي كانت الساحة الأدبية في الجزائر تشكو منه حين ظهوره.

1- بنية الحدث.

تنوعت طرائق عرض الحدث عند حوحو، تنوعاً كبيراً، وتجب الإشارة إلى أن الطريقة التقليدية هي الغالبة في بناء الأحداث، ومرّد ذلك إلى تأثره بأساليب القصة التقليدية السائدة آنذاك في العالم العربي، ولعله كان يرى في الأساليب التقليدية روح أصالة شخصيته الأدبية.

فقد خصصت بعض المجلات أركاناً لنشر الشعر من دون غيره من الأشكال الأدبية الحديثة كالقصة، والمسرحية، والرواية، فمع أن مجلة البصائر خصصت عام 1937م باباً عنوانه"الأدب الجزائري"، فإنها لم تنشر فيه غير القصائد الشعرية()، وهذه النظرة تبدلت بعد الحرب العالمية الثانية، فظهرت في بعض المجلات أركان ثابتة للقصص فحسب()، وهي خطوة متقدمة لفن لم ترعه الصحافة من قبل، ولكن حتى عام 1955م. ظلت مجلة البصائر الثانية تقصر ركن"لمحات من الأدب الجزائري الحديث" على نشر الشعر والدراسات حوله من دون غيره من الفنون الأدبية الأخرى.(). وتبرز مقدرة حوحو الفنية في تنويعه لطرائق عرض أحداث قصصه.

أ- الطريقة التقليدية.

استعمل حوحو الطريقة التقليدية أكثر من غيرها في قصصه، فبين عشرين قصة في مجموعتيه"صاحبة الوحي وقصص أخرى"، و"نماذج بشرية" وجدنا ثماني منها على الطريقة التقليدية، أي بنسبة 40% .

ففي قصة"فتاة أحلامي" تدرجت الأحداث من المقدمة إلى الخاتمة، متولدة عن بعضها بطريقة سببية، فالشاب يتحدث في البداية عن حياته في الثانوية، ويصف خجله الشديد الذي يعتريه كلما هم بالحديث مع الفتيات، وهناك كذلك حديث مطول عن بائعة الحلوى"بولوني".

ويمكن أن تعد هذه المقدمة، فصلاً من"سيرة ذاتية" لطالب تابع دروسه في القسم الداخلي، قدمها حوحو بشكل يكاد يكون متكاملاً لما فيه من ذكر أمكنة وأزمنة عديدة، ومتنوعة حيث يتحدث الراوي عن مغامرات زملائه في الشوارع أيام الأحد وعن الضجيج الذي يحدثونه في أثناء وجبات الطعام().

بعد هذه المقدمة الطويلة تدرج الحدث إلى أن بلغ به ذروته، وذلك ابتداء من جلوس بطل القصة()، في قاعة العرض السينمائي ومجيء الفتاة وجلوسها بجانبه.

وهذه العقدة بسيطة جدّاً، ونحن لا نقبل فنياً جلوس فتاة بجانب فتى طوال مدة عرض سينمائي، فيتحادثان، ثم يترافقان إلى المدرسة، من دون أن يتعرف عليها طوال هذه المدة.

لقد عرف الشاب أنها هي العانس"بولوني" قارعة جرس المدرسة، وذلك بعد سذاجة قصصية طويلة لم تكن مقنعة.

واستخدم حوحو الطريقة نفسها في عرض أحداث قصة"الفقراء"()، التي قدم لها بمقدمة عن تأثره بالكاتب الفرنسي"فيكتور هيجو" واقتباسه عنه().

وتبدأ القصة بهذه الجملة((كانت أسرة هذا الحوات الفقيرة تتكون من سبعة أشخاص، الأم والأب وخمسة أطفال صغار لا حول لهم ولا قوة))().

ثم ينمو الحدث بطريقة عفوية إلى ذروته عندما تحضر الزوجة طفلي جارتها إلى البيت، قبل استشارة زوجها. ثم وجدت نفسها في حيرة ودهشة وخوف شديد من غضب زوجها الذي قد لا يوافق على ما أقدمت عليه بسبب شدة فقره، وكثرة أفراد عائلته وكثف حوحو حيرتها في فقرة بعبارة مركزة غنية بأدوات الاستفهام فلاءم بين الموقف، ودرجة إحساسها بالقلق والحيرة" وماذا تقول لهذا الزوج الذي يقضي طول نهاره، وجزءاً من ليله في كد متواصل وتعب شديد، وكفاح دائم في سبيل الحصول على ما يسد الرمق، وقد كانت الأسرة تضم سبعة فأوصلتها بفعلتها إلى تسعة، وما هذه الزيادة إلا زيادة في شقاء زوجها"().

وقد عبرت هذه العقدة عن معنى اجتماعي كبير يوحي بتضامن الفقراء، وبالإشارات الإنسانية النبيلة.

ثم أخذ الحدث يسرع نحو النهاية في شكل حوار بين الزوجين، ركز حوحو فيه المعنى القصصي حول مصير الطفلين اليتيمين والبعد الإنساني العميق الذي تتصف به نفوس الفقراء رغم وضعيتهم الاجتماعية السيئة، وشدة حاجتهم.

وعرض حوحو في مقدمة قصة"صديقي الشاعر" على لسان راوي الحدث ملامح شخصيّة القصة المحورية الخارجية والنفسية()، وتضمن كذلك حديثاً مفصلاً عن موهبة بطل القصة الأدبية، واصطدام تجربته الشعرية، رغم ثرائها بجدار الأدباء الشيوخ الذين يقدمون الأدب من خلال شخص صاحبه، وليس من خلال النصوص الأدبية وهذه إشارة ضمنية إلى فساد الذوق الأدبي وضعف النقد الأدبي، وسيادة المفاهيم الأدبية السطحية الساذجة.

إن هذه التفاصيل، والآراء النقدية المباشرة لم تساعد القاص على توفير عنصري التركيز والإيحاء في مقدمته.

وقد تنامى الحدث بهدوء إلى أن وصل إلى نقطة القمة، وذلك عندما تعرف الناس على شخصية الشاعر عن قرب، ولم يجدوه شيخاً ضخماً، وإنما وجدوه شاباً صغيراً، هزيل الجسم، قبيح المنظر جدب الذقن فعزفوا عن شعره، وانتقدوه بعنف وسخروا منه.()

ولم يستغل حوحو نقطة التحدي لدى الشاعر الشاب الذي يرمز هنا للجيل الأدبي الجديد، ولم يوفق في خلق الصراع الفني بين هذا الجيل وجيل الأدباء الشيوخ، وإنما انتهت الأحداث باستسلام الشاب، وانزوائه بعيداً عن الحركة الأدبية تاركاً الفرصة للشيوخ المتأدبين، وتعبر هذه النهاية عن انتقاد الوضع الأدبي الجزائري آنذاك وأفكار أدعياء الأدب والطريقة نفسها في عرض الحدث مستعملة في قصة"خولة"، فهي تبدأ بتصوير البيئة القصصية في وصف شاعري يتلاءم مع موضوع القصة العاطفي، وتصوير شخصية"سعد" الخارجية بقوة ساعديه، وسمرة وجهه، وعذابه النفسي الذي يحاول إخفاءه().

ثم يتطور الحدث حين قرر الشيخ خليل والد"خولة" تزويجها من صالح ابن شيخ القبيلة المجاورة طمعاً في ماله، وجاهه، وبلغ الحدث قمته عندما زعمت أم"سعد" لابنها وفاة"خولة"، فتشابكت الأحداث أكثر.

ولولا كثرة الأحداث والشخصيات التي أثقل حوحو قصته بها لجاءت عقدتها أكثر توفيقاً ومتانة، ومما زادها ضعفاً وجود بعض الأحداث غير المقنعة لغرابتها عن البيئة الرّيفية بتأثير الثقافة الفرنسية، خصوصاً الأدب القصصي.

حتى النهاية لم تكن مناسبة للبيئة القصصية، ولا لموضوع الحدث نفسه، وإنما جاءت لتعبر عن مفهوم حوحو لعاطفة"الحب الناشئة" في البيئات الريفية والبدوية، فما أن علم"سعد" بالمكان الذي توجد فيه"خولة" حتى قرر أن يختطفها من بيت خطيبها ويرحل بها إلى قبيلة أخواله، وقد ساعدته في مهمته جارته العجوز"سلمى" التي قامت بدور الشخصية المساعدة في هذه القصة.

ومما ساعد"سعد" على تحقيق حلمه، شجاعته وقوته الجسمية التي يضرب بها المثل، وحب"خولة" له، وكذلك زمن الحدث الواقع خلال ساعات الليل المدلهمة.

فهذه العوامل كلها تعد سنداً رئيسياً لانتصار التقاليد والخير والحب، والقيم البدوية، على الجشع والطمع والتهافت على المال، كما أنها تعد من أهم الوسائل الفنية المقنعة التي أدت إلى إنهاء حدث القصة على الصورة المشار إليها أعلاه، رغم ما اعتراها من درامية، حيث"قطع سعد" ذراع خطيب"خولة" في أثناء قبضه على معصميها حين أسرعت نحو الشجرة التي يختفي تحتها"سعد"().

وتبدو الطريقة التقليدية في بناء الأحداث طاغية على معظم ما كتب على نحو ما نرى في قصة(الشيخ زروق)()، و(عائشة)()، و(العصامي)()، و(رجل من الناس)().

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244