|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ب- الطريقة الحديثة. لم يستعمل حوحو الطريقة الحديثة إلا قليلاً حتى لتكاد تكون نادرة في قصصه، فهي أقل الطرق استعمالاً عنده، ويعود سبب ندرتها إلى أسباب كثيرة، أبرزها أن حوحو لم يكن مهتماً بمطالعة الأدب الفرنسي الحديث، قدر شغفه بمطالعة الإنتاج الأدبي الذي كتب في عصر النهضة، خصوصاً القصصي والمسرحي منه. لكن تجلت ملامح هذه الطريقة في قصته"القبلة المشؤومة"(1)، فقد مهد لها بوصف البيئة القصصية التي وقع فيها الحدث، واتضح من خلال المقدمة أن الحدث قد انتهى، وإنما بطل القصة قد أعاد روايته لصديقه الكاتب. وهكذا رجعت القصة إلى أولها وتضمنت المقدمة حديثاً طويلاً على لسان الراوي، تحدث فيه عن هواية الرياضة المحببة إليه، وهي عبارة عن فسحة قصيرة كان يقوم بها كل ليلة في ضاحية"المسفلة"، إحدى ضواحي أم القرى.(2) وشملت المقدمة الصدفة التي جمعت بين الراوي وصديقه بطل القصة، وحديثهما في مواضيع شتى، كالحب والغزل عند الأجانب، كما احتوت آراء الكاتب حول دور الحب في التقدم البشري.(3). وليس في المقدمة تركيز لطولها وتنوع أحداثها، كما يمكن أن نعدها هي في حدّ ذاتها قصة، تبدأ بجولة الكاتب المعتادة، حيث يشاهد المباني ، والبساتين النضرة ثم ينتهي به المطاف إلى المقهى حيث ينال الراحة إلى أن يحين وقت المساء، فيعود إلى بيته(4). ويتخلل ذلك حديث الصديقين حول الحب وأساليب الأمم الأخرى في المغازلة، فكان هذا الحديث بمثابة عنصر إثارة غير مباشر لبطل القصة، جعله ينطلق في سرد قصة حبه إلى أن بلغ الحدث ذروته ثم جاءت النهاية لتؤكد على أن حوحو حشد كثيراً من الأوصاف كذكره اسم البيئة والإشارة إلى غربة بطل القصة عنها-ظناً منه- أنه يقرب الحدث من الواقعية، إلا أن هذا لا يعد فهماً سليماً للمنهج الواقعي، ويمكن القول إن الطريقة الحديثة، قد أتت عفواً في هذه القصة، ويدل على ذلك ضعف بنيتها، ذلك أن تجربة حوحو القصصية هيمنت عليها الطريقة التقليدية على نحو ما نوهنا من قبل. ج- الطريقة الارتجاعية(الخطف خلفاً) يمكن ملاحظة الطريقة الارتجاعية في ثلاث قصص(5)، لم يبلغ أي منها درجة الكمال أو الإتقان نظراً، لصعوبة ممارسة أساليب الفن القصصي بتقنياته الحديثة والمعاصرة. أما عن ظهور هذه"التقنيات" المتطورة في أدبه فترد إلى عامل الصدفة، وكذلك إلى تأثير تقنية الحكاية الشعبية في بنية قصصه. عرض حوحو حدث"صاحبة الوحي" من نهايته، ثم رجع إلى العناصر الأخرى كالمقدمة والعقدة. ونجح حوحو بعض النجاح في رسم لحظة التأزم لدى بطل القصة، حيث جعله يتردد عدة مرات في سرد قصته(6)، إلا أن أسئلة الصديق الكثيرة شجعته، وأطلقت عقدة لسانه، فانطلق يسرد قصة حبّه مع فتاة أحبها حباً مثالياً: "كانت ملاكي الطاهر المقدس توحي إلي كل يوم بآيات جديدة من الشعر(7)"، إلا أن هذا الحب سرعان ما انهار عندما اكتشف فجأة أنها من البشر توجد لها رذائل وفضائل مثل بني جنسها(8). وفي هذه القصة بعض الضعف تمثله كثرة الجمل الوصفية، التي لا تخلو في معظمها من مبالغة(9). كذلك النهاية(المنفلوطية) لمصير الشباب، حيث الانزواء والاستسلام، وكأنها عادة من أبطال حوحو في القصص العاطفية. واستخدم حوحو الطريقة نفسها، وبنجاح أكبر في قصة"ثري الحرب" فسرد قصة"سي شعبان" من نهايتها. وقام عنصر الحوار(10)، بين الراوي وصديقه بوظيفة الإثارة والتشويق لدى الراوي للاستزادة من معرفة شخصية"سي شعبان"، بعد ذلك رجع صديق الراوي إلى الزمن الماضي-الحرب العالمية الثانية- وسرد حياة"سي شعبان"، وهكذا قاد الكاتب الحدث إلى بدايته، "فصور حياة سي شعبان"، حيث كان تاجراً، فقيراً، ثم ركز على تصوير حياته في أثناء الحرب العالمية الثانية، وتحوله إلى الجشع والتهافت على المال حتى تكونت لديه ثروة مالية كبيرة وارتقت أحواله الاجتماعية، فبنى مسكناً جميلاً، وطلق زوجته وبنى بأخرى، وصار وجيهاً في المدينة، فعوض بأصدقائه ومعارفه ثلّة جديدة شرعت في نهب أمواله، ولم تتركه حتى فقد كل ثروته وأملاكه، فانفضوا من حوله، حتى زوجته الجديدة جمعت ما استطاعت وهربت إلى حيث لا يعلم، فلم يجد أحداً يبسط له يد المعونة.(11) وقد ختم حوحو الحدث بتعليق وعظي، على عادة معظم الأدباء الإصلاحيين ثم أورد حواراً قصيراً بين الراوي وصديقه استخلص فيه العبرة من قصة حياة"سي شعبان" وعده نموذجاً للإنسان الجشع ثري الحرب. واستعمل أيضاً الطريقة السابقة، في عرض حدث قصته"التلميذ"(12) التي استوحى موضوعها وأحداثها من سيرة"دروت" قائد جيوش"نابليون" الأول، وقد ذكر ذلك في مقدمة تاريخية استهل بها قصته، تحدث فيها عن طفولته، وكفاحه ضد الفقر ووضعه الاجتماعي الضعيف، وتفوقه على أقرانه في امتحان الدخول إلى الكلية الحربية. بعد ذلك ترك حوحو الفرصة لـ"دروت" لكي يسرد قصة حياته فانتقل من الزمن الحاضر الذي هو زمن السرد، إلى الزمن الماضي الذي شهد وقوع الحدث مستخدماً ضمير المتكلم، وركز خصوصاً على تصوير لحظة الانتصار، بعد أن نجح في الاختيار بتفوق(13). بناء الشخصيات أ- الطريقة التحليلية. يكاد حوحو يستعمل الطريقة التحليلية في كل قصة، وقد ذكر في مقدمة مجموعته"نماذج بشرية" أنه التجأ إلى المجتمع وانتزع من مختلف طبقاته نماذج عاش مع بعضها أو سمع عن بعضها حيث قال: نماذج حية أقدمها للقارئ لعله يتوصل بها إلى تفهم بعض طباع مجتمعه، فيلمس أنبل نفس في أحقر شخصية"(14). - الشخصية المحورية. استخدم حوحو الطريقة التحليلية في بناء الشخصية المحورية في قصة"القبلة المشؤومة"، وقد صور الراوي بعض ملامحها من خلال إعجابه بأفكار بطل القصة"وكان يروقني منه ظرفه، وحسن أخلاقه وسذاجته"(15) وكان لعنصر الحوار أيضاً فضل وصف شخصية القصة وحيرته وقلقه، حيث يلح الراوي على صديقه أن يشرح له سبب حزنه: "ماذا دهاك يا صديقي الصغير؟ فإني أرى جوّك ملبداً بالغيوم؟ قال وهو يحاول أن يبتسم: -لا.. لا شيء -قلت: لكن الحزن يبدو على وجهك؟ في عينيك ظاهراً جلياً؟"(16). وعلى هذا النحو ارتسمت شخصية"سي شعبان" في قصة"ثري الحرب" وقد جاءت على لسان الراوي منذ مقدمة القصة. ورغم أن شخصية، "سي شعبان" تبدو نامية ومتطورة، فإنها لا تتحرك، بحرية داخل القصة، إذ نحس أن شخصية الصديق هي المحرك الرئيسي، وأنها تتحرك بإرادته وأوامره. تلك خطة تتلاءم مع المعنى القصصي العام. فشخصيته قبل الحرب تتصف بالقناعة، والجدّ في العمل والرضى بما يكسبه من محله، إلا أنه ما إن كادت الحرب العالمية الثانية تشتد حتى رمى بكل أخلاق مهنته، وتحول إلى تاجر سمسار، جشع، ثم صار من أكبر الاستغلاليين، وقد سوغ تصرفاته الجديدة بمبدأ وضعه لنفسه هو: "الربح حلال ومشروع ما دام مصدره التبادل التجاري، ورضا الطرفين البائع والمشتري.(17) إلاّ أن بناء شخصية"سي شعبان" غير موفق نظراً إلى طول الزمن القصصي الذي استغرقته الأحداث، التي تكاد تكون روائية لا قصصية، إذ لا يمكن عرض حياة إنسان بوساطة الإمكانيات الفنية للقصة القصيرة، كما أن شخصية"سي شعبان" تفتقر إلى البعد النفسي(18)، بسبب خلوها من الصراع، حيث بدت وكأنها دمية تحركها أيدي الراوي، كيفما شاءت، وهي بذلك تفتقر إلى التطور السببي الذي يرتكز إلى منطقية الأحداث والعلاقات بين أجزاء العمل الأدبي. وفي قصته"صديقي الشاعر" ركز القاص على عنصر السرد لتصوير ملامح الشخصية الخارجية والداخلية، وهو الأمر الذي نتج عنه خلو القصة من الأفعال الصادرة عن الشخصية المحورية. وأدى هذا بدوره إلى خلوها من العنصر الدرامي الذي يعبر عن صراعات البطل ونشدانه الخير مع قوى الشر المتمثلة في مجموعة"الشعراء التقليديين" (19). ومما أضعف بناء هذه الشخصية أيضاً أن حوحو لم يكن يعنى بالفن قدر عنايته بتصوير النماذج الإنسانية، ونقد الظواهر السلبية. ولقد كان بإمكانه-لو اعتنى بالجانب الفني- تقديم قصة ناجحة، لو لم يجعل الشخصية تستسلم ببساطة دون أن تبدي أية مقاومة قبل أن تنطوي على نفسها، شأنها شأن العديد من شخصيات قصصه. ولو استغل عنصر القوة التي تمتلكها شخصيته-رغم ضعف بنيتها الجسمية- والمتمثل في خصب موهبته الأدبية لتمكن-فعلاً- من أن يقدم نموذجاً عالياً لشخصية الجيل الأدبي الجديد الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، مبشراً بثقافة أدبية، وأساليب فنية حديثة. كما أن شخصية قصة"الشيخ زروق" مرسومة بالطريقة التحليلية"رجل في العقد السادس من عمره، ضخم الجثة، كثيف اللحية، أسمر اللون، ذو مهابة ووقار(20)"، وقد عرض الكاتب بعض صفاته الأخرى من خلال الشائعات التي دارت حوله بين سكان القرية(21)، وتأنيب زوجته له، بعدم اهتمامه بأمور بيته وأولاده(22). وسخّر حوحو عنصر الحوار بينه وبين الشاب لإظهار أخلاق الشيخ زروق الذي وظف الدين كوسيلة للتجارة، كما عبّر حواره مع زوجته عن شخصيته المنافقة(23). ويظهر اعتماد حوحو أكثر على هذه الطريقة في بناء شخصية"عائشة" التي تميزت بالتطور، حيث قدمها في بداية القصة في صورة فتاة ريفية ساذجة، ومستغلة من طرف مجتمعها الريفي شأن كل بنات جنسها، إلا أنه في نهاية القصة قدمها في صورة نموذج للمرأة الواعية التي تعمل على نشر الأفكار الجديدة، وذلك بعد أن احتكت بالمدينة وعرفت بيئاتها. إلا أن كثرة هذه البيئات التي انتقلت(عائشة) بينها، وتعدد الأعمال التي قامت بها، والمبالغة في عرض تطور وعيها. هذه العوامل أضعفت البناء الفني، وأفقدته الكثير من عناصر التركيز. وقد استعمل الطريقة التحليلية أيضاً في قصة"العصامي"(24)، وقصة "العم نتيش"(25) و"سيدي الحاج"(26)، و"سي زعرور"(27). فشخصية(سي زعرور) معروضة من خلال حكايتين عبرت كل منهما عن جانب من جوانب شخصيته: 1- حياته مع مدير المدرسة، وقد تميز هنا بخصال حميدة، حيث رفض الاستجابة لرغبات المدير في أن يرفع علامات أحد التلاميذ. 2- سيرته مع نائب المجلس البلدي وكاتبته. حيث تميز هنا بالدهاء والمكر، والاحتيال، وهي نقيض الشخصية الأولى تماماً. وقد تمكن من أن يستولي على كل الثروة التي سرقها النائب وكاتبته من مشاريع البلدية. ولا تخلو هذه الصور من المبالغة، إذ لا يعقل أن معلماً جزائرياً بسيطاً-زمن الكتابة- ينتصر القضاء الفرنسي له أمام موظفين فرنسيين؟ ولو أن القاص اكتفى بالقصة الأولى، وركز على تصعيد العنصر الدرامي بين المدير الجشع المستغل، و(سي زعرور) المعلم المخلص النزيه لقدم شخصية فنية مركزة. ومهما يكن فإن استعمال حوحو للطريقة التحليلية في بناء الشخصيات المحورية كان إيجابياً في معظم قصصه: خصوصاً الشخصيات التي تصور الرجل المتستر بالدين المنحرف. ولعل كثرة أحداث بعض القصص وتنوع بيئاتها، كان على حساب رسم الشخصيات أحياناً، وهو الأمر الذي يؤخذ عليه على نحو ما ورد في قصة"خولة" و"عائشة" و"العصامي". 2- بناء الشخصية المساعدة: تفتقر قصص حوحو أحياناً إلى الشخصية المساعدة، ومرد ذلك إلى اعتماده على أسلوب الحكاية البسيطة في السرد، فكثير من القصص يبدأ بحوار بين شخصيتين: الأولى تقوم بدور الشخصية المحورية، والثانية تقوم بدور الراوي الذي يعيد سرد القصة التي روتها له الشخصية الأولى، وغالباً ما تحمل الشخصية المحورية صفات حوحو نفسه، وقد أشار إلى ذلك عدة مرات في مقدمات قصصه(28). وغالباً ما يعرض الشخصية المساعدة بوساطة الطريقة التحليلية، ونلاحظ ذلك في قصة"فتاة أحلامي" و"الفقراء" و"خولة." ففي قصة" فتاة أحلامي"(29)، ترد ملامح شخصية(بولوني) على لسان الشخصية المحورية، فقد عرف الكاتب بها خلال السرد، على امتداد النص القصصي تعريفاً وافياً، وأظهر ملامحها الخارجية وجهد لجعلها واقعية بذكر اسمها ومقر عملها وعمرها مما يناسب سرد الأحداث(30)، وجاءت بعض صفاتها المعنوية على لسان الراوي، خصوصاً سخريتها الشديدة التي تهاجمه بها.، لكن اعتماد القاص على عنصر السرد المباشر في عرض الأحداث القصصية، كان له أثر في إضعاف بناء شخصية(بولوني). واستعمل حوحو الطريقة نفسها في قصة الفقراء(31)، لعرض شخصياتها رغم كثرتها، وتنوع أحداثها، وقد مهد لذلك بتصوير البيئة القصصية(32)، التي كانت مناسبة للحدث، حيث ساعدت على تطوره، وبلورة معناه. وركز القاص عنصر الحوار لإبراز ملامح شخصية الصياد الإنسانية في حوار قصير بين الزوجة والزوج في آخر القصة، وهو لا يخلو من إيحاء إلى المعنى القصصي الذي أورده في مقدمة القصة(33). "قومي أيتها المرأة اذهبي حالاً أءت بهما سنكتفي الليلة بشربة ماء ونطعمهما وسأضاعف الجهود، أخذه العجب حينما رأى زوجته ثابتة في مكانها، لم تتحرك(34) فبادرها بقوله: - مالك لا تتحركين ألم يعجبك هذا الكلام وأرسلت الزوجة زفرة حارة من أعماق صدرها، ورفعت ستائر السرير الممزقة وقالت: - ها أنظر ها هنا.."(35) أما الشخصيات المساعدة في قصته"خولة" فهي كثيرة متنوعة، إلا أننا سنكتفي من بينها بشخصية واحدة تلخصت فيها جل صفات الشخصية المساعدة وهي شخصية جارة والدة(أم سعد)، الأرملة العجوز(سلمى). وقد جاءت ملامحها في أثناء السرد، والقاص موفق هنا في تصوير ذكائها وحيويتها، حيث غيرت مجرى الحدث الفني بعدما كان متجهاً نحو زواج(خولة) من صالح ابن شيخ القبيلة المجاورة، ولكنها بفضل ذكائها وحيلتها يسرت فرار(خولة) من خيمة زوجها المنتظر لتلحق بـ(سعد) ابن عمها وحبيبها(36). فقد سعت العجوز(سلمى) ليلاً إلى(سعد) بعد أن استغفلت والدته وأخطرته بأن(خولة) على قيد الحياة على عكس ما ذكرته والدته له، ثم دبّرت أمر اختطافها، وخططت لذلك بتوفيق ونجاح، كما قامت بدور الوسيط بين(سعد) و(خولة) إلى أن حددت لهما مكان اللقاء وموعده للفرار(37). وهكذا جعلنا الكاتب نتعرف على صفاتها المعنوية من خلال تحليل هذه الأحداث، على أن حضور الشخصية المساعدة في قصص حوحو قليل، ورغم هذا فقد أتقن رسم النماذج الموجودة فيها، وجعل بعضها يحدث تغييراً كبيراً في اتجاه الحدث، على نحو مالاحظناه في شخصية العجوز(سلمى) في قصة"خولة". وإلى جانب هذا النوع من الشخصيات، هناك الشخصية المضادة الواقفة كطرف نقيض يمنع نشاط بطل القصة، ويعرقل أمله، وهو مجال تحليلنا فيما يلي. 3- بناء الشخصية المضَادّة: تكاد ملامح هذا النوع من الشخصيات تتكرر في كل قصة، وقد اهتم الكاتب برسم صفاتها المعنوية، وما يداخلها من كره وحقد وطمع، وإثارة الرعب وعرقلة الشخصيات التي قامت بأدوار خيرة. ولم تشذ عن هذه الصفات سوى الشخصية المضادة في قصة"فتاة أحلامي" التي تظهر فيها آثار الأدب القصصي الرومانسي، والثقافة، الفرنسية التي ترجم حوحو منها أعمالاً أدبية متنوعة. ففي هذه القصة صورة"نموذجية" للجمال الأنثوي حيث تجمع فيها كل الجمال، وكل الحسن، حتى لتكاد القصة تؤول إلى معجم لألفاظ الغزل وأسماء آلهة الجمال والحب والأوصاف المبالغ فيها(38). وبذل حوحو في هذا كل قدرته التخييلية على عكس ما ذكره في مقدمة: "صاحبة الوحي" من أنه اعتمد على الواقع المعيش، وقوله: "لم ألجأ إلى الخيال أغرف من منهله الزاخر وأحلق في أجوائه الرحبة، وإنما توجهت إلى الحياة فانتزعت من صميمها هذه الوقائع التي عرفت بعض أبطالها، وعشت معهم، واستمعت إلى أحاديثهم ولا يزال بعضهم أحياء يواصلون سيرهم في منعرجات الحياة، بينما، انتقل الآخرون إلى عالم الراحة الأبدية والسعادة الحقة، ودنيا الخلود ولم يتركوا في هذه الدنيا سوى هذه الذكريات الحبيبة إلى نفسي التي أقدمها للقراء."(39) ويؤكد هذا أن حوحو قد كان نظرياً في دعوته الأدبية أكثر منه عملياً. وإذا كان قد وفق في رسم شخصية أدبية تتطابق مع نظرته إلى عاطفة الحب، متأثراً بالأدباء الرومانسيين، من رواد الأدب العربي الحديث في أثناء إقامته في الحجاز، فقد أخفق في رسم صورة فنية مقنعة تتفاعل مع الحدث القصصي الدرامي بالصورة الواقعية التي دعا إليها.(40) إن الشخصية المضادة في قصة"خولة" على عكس الشخصية السابقة حيث أنها امتازت بالفعالية، كما أنها اتصفت بالتنوع والكثرة، وأهم من يمثلها الشخصيات التالية: (الشيخ خليل) والد(خولة)، و(الشيخ حمود رئيس القبيلة المجاورة لقبيلة الشيخ خليل، و(صالح) خطيب(خولة) وابن الشيخ حمود. فقد جاءت شخصية(الشيخ خليل)، في أثناء عنصر السرد، ومن خلال تعليقات الشخصيات الأخرى، وهي كثيرة ومتنوعة، وعني القاص بتصوير ملامحها الداخلية والخارجية على طريق السّرد والحوار المباشر والحوار النفسي.فمن السرد المباشر قوله"اشتهر الدناءة والجبن والسفالة والبخل"(41)، ومن خلال الحوار عرض للنقاش الحاد بين خليل وأهل قريته الذين حاولوا أن يمنعوه من أن يزوج ابنته(خولة) من صالح ابن الشيخ حمّود. لقد صور هذا الحوار شخصيته الصلبة، وعناده الشديد، حيث أنه لم يخضع لتهديدات كل شيوخ قبيلته ورجالها بل بقي مصرّاً على رأيه غير آبه بتهديداتهم. وأبرز وظيفة فنية، أدتها الشخصية المضادة في هذه القصة، هي أنها أسهمت في تنامي الصراع بين الشخصيات المحورية والمضادة من جهة، وبين المضادة والمساعدة من جهة ثانية.(42) أما الشخصية المعارضة في قصة"عائشة"، فهي شاب مهاجر وظفه القاص كأداة فنية لتوعية(عائشة)، ويمكن أن يرمز بهذا الشاب إلى الاتصال العربي بحضارة الغرب المتقدمة مادياً، ونظراً لعدم استعداده الذهني والحضاري، فإنه سرعان ما تحول إلى أداة قوية لاستغلال أهله، وقهرهم، والتباهي بالمظاهر التي اكتسبها في أثناء عملية الاتصال. ومما يؤكد ما ذهبنا إليه تلك العلاقة العاطفية التي نشأت بين الشاب المهاجر و(عائشة). فإذا كان الشاب رمزاً لطبيعة الهوية التي تكونت لدى بعض المهاجرين الجزائريين، فإن عائشة هي رمز لسذاجة المرأة في الريف الجزائري آنذاك. فهي متاع، كبقية متاع البيت، لا تراعى أحاسيسها الإنسانية. ولذلك فإن العلاقة بينهما لم تعمر طويلاً، نظراً للتباين الواسع بين نمط شخصيتيهما. ولأن عاطفته نحوها لا تعدو أن تكون أسلوباً من أساليب الإغراء للإيقاع بها، ويتأكد هذا من خلال تخليه عنها بعد أن اغتصب منها بالحب المزيف عفتها. وقد اهتم القاص بتصوير جانبي ملامح الشاب الخارجية والنفسية عن طريق لباسه الأنيق والكلام الجميل المزدان بألفاظ الحب والغزل والإنسانية(43)، حتى يبرز الهوة الكبرى بين شخصيته الظاهرة والتي يتعامل بها مع(عائشة)، وشخصيته الانفصامية الاستغلالية التي تخفيها شخصيته الظاهرة. وعمل تطور الحدث على جلاء هذه الصفات حيث فر الشاب المهاجر عائداً إلى أوروبا تاركاً(عائشة) لقسوة المدينة.(44) واهتم حوحو في قصة"سي زعرور" بتصوير ملامح شخصية المدير، وقد استخدم لذلك طريقتين: 1- صور بوساطة الأولى شخصية المدير الخارجية، وقد عني فيها بوصف بطنه المنتفخ، حتى يعبر عن طبقيته. 2- وصور بوساطة الثانية، ملامح شخصيته الداخلية، وذلك في تعامله مع شخصية المعلم(سي زعرور). وأيضاً تعاطفه مع أبناء الأغنياء، وترمز تصرفاته هذه إلى شخصيته الاستغلالية وتهافته على جمع المال. إن الشخصية المعارضة في قصص حوحو لعبت دوراً فنياً كبيراً في تحريك الأحداث وبنائها، وخلق تواترات حادة بين الشخصيات الأخرى. ب- الطريقة التمثيلية: لم يستعمل حوحو الطريقة التمثيلية كثيراً في عرض شخصياته، سواء في قصصه التي ألفها من وحي البيئة الجزائرية أو البيئة العربية، أو في القصص التي اقتبسها من الأدب الفرنسي كقصتي: "الفقراء" و"التلميذ". ومن أهم الشخصيات المعروضة بهذه الطريقة شخصية(الفتى) في قصة"فتاة أحلامي"، حيث وردت ملامحه على لسانه، خصوصاً صفة الخجل التي قامت بدور فني كبير في تصوير ما يتصارع في أعماقه بين رغبته الجموح، وبين خجله، مما ساعد القاص لأن يدفع الصراع إلى أوجه. يقول الشاب يصف نفسه أمام زملائه: "أفر مسرعاً أخفي خجلي وخمولي بعيداً عنهم وأندب حظي العاثر"(45). واستعمل الطريقة نفسها في عرض شخصية قصة"جريمة حماة"، فأورد ملامحها على لسان(إبراهيم) الذي اعترف بأنه خائف مستسلم لتصرفات(الحماة) التي تمكنت من أن تفرق بينه وبين زوجته، رغم علاقة الحب القوية التي تربطهما وكذلك علاقة الطفلين اللذين أنجباهما، فلو استغل حوحو هذه العلاقة-وهي منطقية- في تصعيد الصراع بين الشر والخير لتوضح الصراع بما يحمل الإقناع، فمن الصعب على امرأة أن تفرط في زوجها وابنيها- وهي على مثل هذه الدرجة من الحب والسعادة التي صورها القاص. ويتجلى استخدامه لهذه الطريقة أيضاً في قصة"التلميذ التي اقتبسها من سيرة حياة أحد قادة الجنرال الفرنسي(بونابرت)، فقد أتى تصويره لمواهب شخصية القصة(دروت)، وإحساسه بعظمة الانتصار على لسان الشخصية المحورية أو على لسانه هو نفسه حيث يقول: "وما كدت أبدو في القاعة التي كانت حافلة بعدد كبير من التلاميذ والأساتذة حتى تلقاني هذا الجمع الغفير بعاصفة شديدة- من الضحك والسخرية. والحق أن حالتي كانت تدعو إلى أكثر من ذلك، فقد كنت نحيفاً ضعيفاً تكسو ملابسي الريفية المرقعة طبقة كثيفة من غبار الطريق، أحمل في يميني عصا غليظة، منتعلاً نعلاً ريفية خشنة تحوطها طبقة من الأوحال(46)". والذي يساعد حوحو على التوفيق في بناء شخصية هذه القصة تركيزه الشديد على شخصية(دروت)، وتكثيف أحداث القصة على لحظة اجتياز الاختبار. وعلى كل حال، لم يوظف حوحو هذه الطريقة كثيراً في رسم الشخصيات، كما أن النماذج التي عرضها بوساطتها لم تكن قوية البناء كلها، بل اعترى معظمها الضعف وحشد الصور المبالغ في تصويرها، ويمثل هذا النوع شخصية قصة"فتاة أحلامي". إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن شخصية قصته"التلميذ" موفقة في عرضها. 3-الأسلوب: ينفرد أسلوب حوحو بعدة خصائص فنية تميزه، عن غيره من كتاب جيله نظراً لاختلاف مصادر ثقافته الأدبية وتنوعها، وخفة روحه التي تطل من بين ثنايا كل عمل. وسنركز فيما يلي على مزايا السخرية والتصوير واللغة وغير ذلك مما يتصل بأسلوبه العام. أ-السخرية للسخرية حظ كبير في كتابات حوحو، وقد وظفها في التعبير عن خلجات نفسه، وشؤون الحياة المختلفة.(47). فانتقى لها الألفاظ والتعابير، وحرص على اصطياد المفارقات المضحكة في الأحداث أو الشخصيات بحيث كان للهزل فيها نصيب وافر.(48) وللسخرية دور فني هام عند حوحو. فعدا عن المتعة الفنية التي تشيعها في النص فإنها تقوم بدور انتقاد الأوضاع الاجتماعية والتقاليد الجامدة(49)، وبدور تذكير الأهالي وتنبيههم على خطر بعض ممن يتاجرون بالدين، أو يتظاهرون بالتقوى والورع، وهم يمارسون أعمالاً طرقية لا تمت للعادات الإسلامية بأية صلة وتبدو الظاهرة الفنية في بضعة قصص نلمح إلى بعضها فيما يأتي. ففي قصة "فتاة أحلامي" يسخر الكاتب من شخصية قصته المحورية، فكون لدينا شعوراً بالعداء نحوها بدل التعاطف والتضامن، حين عرض علاقته بمحيطه، فهو عرضة لسخرية زملائه التلاميذ. حيث يقتسمون نصيبه من الأكل في أثناء استغراقه في التفكير على مائدة الطعام، ثم يطمئنونه بأن يخلعوا عليه ألقاب الفلاسفة. مؤكدين له أن الفلاسفة يتغذون من ثمرة أفكارهم(50). وقد بلغت السخرية قمتها عند عرض علاقة التلميذ بقارعة جرس المدرسة العانس (بولوني)، فهي في سن اليأس تبيع الحلويات في المدرسة، ساق القاص إليها موقفاً مضحكاً مع (التلميذ) الذي تقرب إليها طيلة العرض السينمائي، ثم رافقها إلى المدرسة، وساعدها في حمل الطرد من دون أن يعرف أنها بائعة "الشوكولاته" فرغم المبالغة التي طبعت هذه المواقف فإن السخرية قائمة لا محالة خصوصاً مشهد التلميذ وهو ينظر إليها بشغف وحب حين كانت تنظر إليه بعين العطف والشفقة. وقد كثف القاص كل ذلك في قطعة "الشوكولاته" التي منحتها إليه مكافأة له على مساعدتها في حمل الطرد، فهنا عنف السخرية. أما في قصة "الشيخ زروق" فإن السخرية تظهر من خلال المفارقة بين ملامح بطل القصة الخارجية، وبين أعماله التي يقوم بها في الخفاء. فبينما توحي هيئته وملابسه بالتقوى والورع والتضحية بواجباته نحو أسرته، من أجل خدمة الصالح العام، فإنه يقوم في الستر بأعمال مخجلة. إنه يتبجح أمام زوجته بأنه ليس من الذين ألهتهم أوضار المادة الدنسة عن أعمالهم الربانية، وأشغلتهم بطونهم عن الآخرة، وإنما يخدم الناس لوجه الله، ويعمل على إعادة الحق إلى أصحابه الشرعيين.(51) ويقصد حوحو إلى التهكم بهذه الفئة، وبأعمالها وتذكير العامة بخطرها وشرورها. وتعم السخرية في قصة "سيدي الحاج"، ويظهر ذلك من خلال المفارقة بين هيئتي (سيدي الحاج) ومرافقه. إن (الحاج) ذو جثه ضخمة وعمامة كبيرة وقامة فارعة(52). يطوف إلى جنب شخصية الراوي النحيف الجسم في لباس حجازي مختلف. تشكل هذه الصورة: منظراً "كاريكاتوريا"، هو أقرب إلى الهزل والسخرية منه إلى الجد، وتأتي السخرية أيضاً بوساطة تصوير (سيدي الحاج) أثناء قيامه بواجباته الدينية. فهو إذا أقدم على الوضوء، جهل طرائقه، وإذا قام ليصلي جهل عدد ركعات الصلاة(53) كما أسهم عنصر الحوار القائم بين الحاج ومرافقه في تصوير جهله بأبسط أمور الدين، كالخلط بين آيات القرآن الكريم، وكلام العامة(54). ولقد عني حوحو برسمه رسماً "كاريكاتوريا" دقيقاً، حتى ليمكن نقل ذلك إلى لوحة(55). ونحسب أن لأسلوب السخرية دوراً كبيراً، في رسم الشخصية المنحرفة سواء كانت انتهازية، أم سلبية، وهي مصورة من الداخل والخارج على السواء، قصد إبراز المفارقة الهائلة بين الهيئة الخارجية وبين ما تنطوي عليه من جهل وخيانة. ب-التصوير. أولى حوحو عنصر التصوير اهتماماً كبيراً، خصوصاً تصوير الشخصيات وعواطفها. كما عني بتصوير البيئة القصصية لتأدية دورها في تطور الحدث القصصي وإيضاح الشخصيات. يقول في قصة" الفقراء(56)مصورا زوجة الصياد" وقرب السرير امرأة في ثياب رثة، مصفرة الوجه، ناحلة الجسم يلوح عليها أثر البؤس والشقاء، وتبدو عليها بوضوح علامات الضنك والعناء الشديد.(57). واستعان في تصويره بالتشبيهات، كتشبيه البطل بحيوان قوي في قصته "خولة" حيث شبه (سعد) بالأسد عندما خرج من مخبئه وهجم على غريمه (صالح) لما حاول أن يحتضن خولة، ثم شبه قفزاته بقفزات النمر وجريه بجري الظليم وسرعة جواده بسرعة السهم(58). وهي كلها مستمدة من البيئة الصحراوية التي تشكل مصدراً خصباً للخيال العربي إلى أيامنا هذه، وتلائم الحدث القصصي الذي تناول موضوع الحب العذري في البيئات البدوية. وتظهر براعة حوحو التصويرية في قصتيه "الشيخ زروق" و"سيدي الحاج"، ففيهما ركز جهوده الفنية على تصوير الشخصيتين المحوريتين، مبرزاً التناقض الكبير بين القول والعمل. ويمكن القول إن الأدوات الفنية المألوفة في التراث الأدبي العربي القديم كالتشبيه بالأسد والسهم وأنواع الحيوانات، هي من أهم وسائل حوحو المعتمدة في تصوير الشخصيات، مما يثبت تأثره بالتراث وبالأساليب الإبداعية العربية رغم ما يظهر من خلال تجربته الأدبية من دعوته إلى التجديد. ج-اللغة عنصر اللغة من أهم القضايا الفنية، التي تثير الجدل الطويل بين المبدعين والنقاد، بدأ النقاش حولها منذ مطلع القرن الحالي، وما زال حتى الآن ويكمن هذا الخلاف حول طبيعة لغة المبدع في القصص أو الكتابة، وكاد النقاش يجمع على أن الكتابة القصصية يجب أن تكون عربية فصحى في السرد وبعضهم يستحسن أن تكون لغة الحوار بلهجة المبدع المحلية، أو بلغة وسطى أي بلهجة مهذبة. أما أحمد رضا حوحو فقد آثر التعبير بالعربية الفصحى سواء في أثناء السرد أو الحوار، إلا في القليل النادر، فقد أورد بعض الكلمات الدارجة، كهذه الجملة التي أتت على لسان الشخصية المحورية في قصته "العم نتيش" حيث قال: الدعوة امطينة يالولاد"(59). فإذا ما درسنا اللغة الفصحى عنده أمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع تظهر بوضوح ملامح الكاتب وخصائصه. 1-اللغة الوجدانية: ونعني بها تلك اللغة التي يعبر بها عن موضوعات وجدانية، وهي تظهر بكثرة في قصصه التي تدور حول أحداث عاطفية مثل "صاحبة الوحي"، والقبلة المشؤومة"، و"فتاة أحلامي"، و"جريمة حماة" و"خولة"، وهي في مجموعته القصصية الأولى "صاحبة الوحي". أما المعجم اللغوي لهذا النوع، فإنه يتسع لألفاظ الحب، والغزل والجمال والحسن وأجزاء جسد المرأة الحبيبة أو الزوجة. إن بطل قصته "صاحبة الوحي" يصف حبيبته بـ: "أنها صبيحة الوجه تفوق كثيرا الحدود البشرية في الجمال ومقاييسها في الحسن، إنها ناعمة البشرة معتدلة القامة، كأنها غصن بان من شجر البان الذي حلى الله به جنة الفردوس، لا بان هذه الدنيا الذي يعتريه الذبول والجفاف.."(60). ويلاحظ أن هذا الصنف من المفردات اللغوية قريب في روحه من المعجم اللغوي الذي استعمله كل من: جبران خليل جبران، ومصطفى لطفي المنفلوطي. والواقع أن حوحو استخدم تعابير عديدة ذات دلالات معينة استعملها جبران قبله في جل كتاباته الأدبية، يقول حوحو: "إنها فاتنة يفيض حسنها بأنوار الطهر والقداسة "وقوله" يشوب عينيها جلال من الذبول، وجلال من الذهول، وكذلك قوله "إن التي أحدثك عنها هي كيوبيد نفسه إله، الحب، إنها فينوس آلهة الجمال، إنها أحلى من الآمال، وأعذب من الحياة إنها إلهام الفنان حينما يحلق في سماء الفن(61).. وهنا تقترب اللغة القصصية من الشعر، وهو ما اشتهر به جبران. لقد كان تأثير هذه اللغة في قصص حوحو سلبياً، فقد فسح المجال لخياله لأن يتدفق مترصداً الكلمات الشعرية، والتعابير الغنية. وهو ما أدى إلى أن تقترب اللغة من فن أدبي آخر، وهو حسب ترجيحنا الخاطرة الفنية، وهي ظاهرة نراها في القصص التي تناولت أحداثها عاطفة الحب لكثرة الوصف وتراكم الألفاظ العاطفية. 2-اللغة النقدية: نعني باللغة النقدية ما كان يبثه حوحو من تراكيب أدبية في القصص التي تناولت موضوعات النقد الأدبي أو سير بعض الشخصيات الحقيقية(62). وتظهر في مجموعتيه "صاحبة الوحي وقصص أخرى، و"نماذج بشرية" وعلى الأخص في قصصه التالية: أ-صديقي الشاعر(63) ب-فقاقيع الأدب(64) ج-الشخصيات المرتجلة(65) د-يحي الضيف(66) ومما يلاحظ على هذه القصص أنها خالية من الحدث القصصي ومن معظم العناصر الفنية الأخرى. فقصة "صديقي عمار" أقرب إلى المقالة النقدية بينما "فقاقيع الأدب" أقرب إلى المقال اللغوي، وأما قصة "يحى الضيف" فهي أقرب إلى فن السيرة الذاتية منها إلى أي جنس أدبي. فقد عالجت القصتان الأوليان موضوع الوضع الأدبي في الجزائر خلال الأربعينات وبداية الخمسينات، وهيمنة الأذواق الفاسدة على الأذواق الأدبية الرفيعة، وكذلك عرقلة الأدباء الشيوخ للمواهب الأدبية الشابة الداعية إلى أساليب. تعبيرية وفنية جديدة. وفي قصة الشخصيات المرتجلة عالج مفهوم الشخصية المرتجلة، معالجة لغوية، ولذلك فقد بدأها بشرح لفظ "ارتجل" شرحاً لغوياً على نحو ما أوردته المعاجم العربية، ثم أورد المعنى الشائع بين الناس في عصره، بعد ذلك وضع مفهومه هو للشخصية المرتجلة، فقال: "فهي تلك الشخصية التي تطبخ على عجل في مرجل الأنانية وحبّ الذات، فلم ينضج منها إلا ظاهرها ثم تغمس في سائل كيماوي عجيب ركب من الدجل والغرور والشهوات الجائعة..(67)" ومن خلال تحليل لغة التعبير في القصص التي نوهنا بها بدا واضحاً أنها بعيدة كل البعد عن خصائص لغة فن القصة ذات الإيحاء والتركيز، وهي أقرب إلى أنوع أدبية أخرى كالمقالة النقدية أو الأدبية أو اللغوية، أو السيرة الذاتية. وهذا معناه أن حوحو لم يكن يهتم كثيراً بالفن قدر اهتمامه بالموضوعات، ولعل هذا من شأنه أن يفسر سبب ضمه بعض مسرحياته(68) إلى قصص مجموعتيه المطبوعتين. 3-اللغة الفنية اللغة الفنية هي لغة القص الفني، وهي متوافرة أكثر من غيرها في كتابات حوحو القصصية، ويمكن ملاحظتها في اثنتي عشرة قصة،(69) من ضمن عشرين في مجموعتيه المطبوعتين. وهي لغة فصحى مناسبة لعناصر القص الفنية، من سرد وحوار ووصف، تميزت أحياناً بالإيحاء والتركيز كقصة "الشيخ زروق "أو" السكير"، بما لا يدع مجالاً للشك في موهبة حوحو واقتداره على تصوير الأحداث والمواقف والشخصيات. ففي قصة "الشيخ زروق" ارتكز في أجزاء كثيرة منها على أسلوب الإيماء، كإجابة "الشيخ زروق" عن سؤال زوجته عندما سألته عن الوقت الذي يقضيه خارج البيت، فقد تضمن الجواب دهاء ومكراً صاغه الكاتب بأسلوب فني عال، كذلك عبرت إجابته القصيرة والمركزة عن أسئلة الشاب عن ممارسة طويلة لعمليات الاحتيال والنصب والتزوير وهو ما قصد إليه حوحو. وعموماً فإن اللغة في هذه القصص طيعة لمراد الكاتب معبرة عن أفكاره مصورة لشخصياته، وهي تنم عن تمكنه من اللغة القصصية الفنية، إلا أن قضايا مجتمعه العديدة، كانت سبباً رئيسياً دفعه للتعبير باللهجة المحلية، حين كتب للمسرح بقصد إيصال أفكاره إلى القراء كما دفعته غيرته على واقع الحركة الأدبية في الجزائر إلى معالجة موضوعات أدبية بأسلوب قصصي، انتصرت فيه لغة النقد الأدبي على لغة الفن، وعذره أنه كان القاص والروائي والمسرحي، والناقد والموسيقى، والممثل، والصحفي، والإداري في آن واحد. 4-البيئة البيئة ثرية متنوعة في قصص حوحو، وربما كان ذلك سببه تعدد البيئات التي عاشها طوال حياته بين الجزائر والحجاز. لقد انتقل طوال حياته بين عدة بيئات كسيدي عقبة، وسكيكدة، والحجاز، ومصر، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا عدا مرحلة حياته الخصبة التي تمتد من 1946 إلى 1956 والتي قضاها بمدينة قسنطينة. وسنفصل الكلام فيما يلي حول البيئة الاجتماعية، والبيئة الزمانية، وقد فصلنا بينهما لتسهيل الدراسة. أولاً: البيئة الاجتماعية. يلاحظ في قصص حوحو أنها واقعة في ثلاث بيئات: جزائرية وحجازية وفرنسية، وفيما يلي بيان ذلك. أ-البيئة الجزائرية. فقد جرت أحداث بعض القصص في البيئة الجزائرية سواء كانت في المدينة أو الريف. 1-بيئة المدينة فأما بيئة المدينة الجزائرية فنمثل لها بقصة "ثري الحرب"، وفيها يظهر نوعان من الأحياء، يتكون الأول من مجموع الأحياء الفقيرة التي يسكنها الأهالي الجزائريون، وأهم ملامحها الفقر والمرض والجهل وقلة الإمكانيات المادية(70). أما النوع الثاني، فيقطنه الأوروبيون، وأعوانهم من الجزائريين: الخونة والتجار الكبار، والطرقيون، وهنا نلمح البذخ وكثرة الغنى والمال والمسارعة إلى الشهرة واكتساب الألقاب والأوسمة. وقد وظف القاص هاتين البيئتين لتصوير شخصية "سي شعبان" وتعميق تطوره من النقيض إلى النقيض، أي من الفقر والطيبة إلى الثراء والاحتيال. فقد اغتنم فرصة الحرب العالمية الثانية وجمع ثروة مالية كبيرة، وغير بيته المتواضع بقصر أنيق متخم بالأثاث الثمين، وهنا طلق زوجته الأولى وكون أصدقاء جددا، وانخرط في المجالس النيابية بقصد استدرار المزيد من الشهرة والأوسمة والمناصب، وقد تمكن في ظرف قصير من أن يحصل على كل ما رغب فيه. وتظهر في القصة تجارة (السوق السوداء)، والتخلي عن أخلاقيات التجارة. جاء ذلك على لسان صديق الراوي في قوله: "والربح عنده حلال مشروع ما دام مصدره التبادل التجاري ورضا الطرفين البائع والشاري(71). فالبيئة هنا متعددة، متنوعة، الأمر الذي جعلها تفتقر إلى عنصر التركيز الداخلي لقربها من بيئة الرواية. وفي قصة "الشيخ زروق" تبدو ملامح ضعيفة للبيئة المدنية، وذلك من خلال الشارع الذي يصل بيت (الشيخ زروق) بالمسجد. وقد جعل القاص جل أعماله تتم في ركن من أركان المسجد. وحاول من خلال هذا تكوين موقف لدى المتلقي معاد لشخصية (الشيخ زروق) المستغل للدين. أما بيئة قصة "سي زعرور"، فيمكن تصنيفها إلى نوعين: بيئة تصور الوسط الثقافي، وبيئة تصور حياة بعض الموظفين الإداريين الأوروبيين وهم يمارسون أعمال النصب والاحتيال في إدارة البلدية التي يعملون فيها، وذلك من خلال استغلال شخصية (سي زعرور) الذي اشتغل كمعلم للغة العربية لابن أخت كاتبة النائب البلدي بعد أن طرده مدير المدرسة بسبب مبادئه واخلاصه لأخلاق مهنته.(72) وبعد فإنه يمكن أن نستخلص النتيجة التالية، وهي: أن بيئة المدينة التي وردت في قصص حوحو ذات ملامح روائية لتنوع الأمكنة، وتعدد الأحداث، كما يمكن استخلاص أن البيئة التي يقطنها الجزائريون تكثر فيها الشخصيات المستغلة للدين، في وسط فاسد فرضه المستعمر لافقار الشعب ونشر الجهل، بينما تكثر في بيئة المدينة التي يقطنها الفرنسيون الشخصيات التي تستغل مناصبها الإدارية وتقوم بسرقة أموال المشاريع العامة عن طريق النصب والاحتيال. 2-البيئة الريفية: جعل حوحو بيئة الريف الجزائري، ميداناً لمعالجة موضوع قصة "عائشة" وأهم صفات هذه البيئة هي التخلف، والفقر، وطغيان العادات والتقاليد على تفكير الرجل، فهو يدير بيته ويضبط علاقته مع المحيط الاجتماعي وفق مفاهيم خاطئة، لا حسب حاجاته، ومفاهيمه لواقعه الجديد. ولذلك فإن الوسط الاجتماعي في هذه القصة يمارس ضغوطاً قوية على المرأة ويشدد الخناق على تصرفاتها، كقوله: "وعاشت عائشة في محيطها العتيق المظلم لا تعرف عن العالم الخارجي شيئاً، ولا تعرف عن نفسها إلا أنها عورة يستحي ذووها من ذكر اسمها وأسماء والدتها وعمتها.. ولكنها تعلم حقّ العلم أن والدها وغيره من رجال الأسرة يطلقون عليهن جميعاً اسم "العباد"، ولا يتلفظون بهذا الاسم إلا مقروناً بكلمة اعتذار وكثيراً ما سمعت والدها يتحدث مع جاره فيقول "عبادي حشاك"، يقصد جميع نساء الأسرة..(73).. رغم هذه الملامح، وتنوع البيئة، تنوعاً كبيراً، فإنها قد قامت بدور هام في تطور الحدث، أو في بناء الشخصية المحورية ونموها، حيث كان الضيق الاجتماعي العنيف الذي عانت منه "عائشة" سبباً مباشراً في تقبلها أفكار الشاب المهاجر بسرعة، وفرارها معه إلى المدينة محطمة بذلك وبشدة كل عادات الريف لأنها نظرت إليه كرمز للفارس المنقذ. ولكن عنصر البيئة في قصة "العم نتيش" غير واضح، وتأثيرها في بناء القصة ضعيف، كما أنها لا تظهر إلا من خلال بعض الألفاظ التي ترد متناثرة في النص القصصي كالبيدر، والزرع، والقمح، والشعير والتين(74). وعموماً، فإن حضور البيئة الريفية الجزائرية في قصص حوحو غير كثيف ويعود السبب إلى أن القاص عاش في المدينة أكثر مما عاش في الريف، ولذلك فإن تأثير حياة المدينة وأخلاقياتها في تجربته الإبداعية، كان أقوى، وأكثر وضوحاً وفعالية. 3-البيئة المثقفة: استخدم حوحو البيئة الثقافية الجزائرية في قصة (صديقي الشاعر) وذلك لتصوير الصراع بين الأدباء الشيوخ والأدباء الشباب الذين يميلون نحو تجديد الأساليب الأدبية وتطويرها، ولكنه لم يتمكن من استغلال هذا في تأزم الحدث القصصي، وإنما ركز كل جهوده على تقريظ خصائص شعر الأديب الشاب، وذم شعر الأدباء الشيوخ، ثم جعل بطل قصته يؤثر الهروب على المواجهة والتصدي، فلم يقدم بيئة فاعلة تجسد الصراع الأدبي الذي دارت رحاه بين الأدباء الشباب من دعاة التجديد، وبين الأدباء الشيوخ من دعاة التقليد والمحافظة في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية. ولكنها في قصة "السكير" أدت دوراً مهما في تصوير مشاعر شخصية (السكير)، وعرض هواجس تأنيب الضمير كلما ذهب الرجل إلى المدرسة ليأخذ ابنته إلى البيت. والبيئة في هذه القصة محدودة ومناسبة لتصوير الصراع بين الخير والشر اللذين يعاني منهما بطل القصة، حيث جعل المدرسة رمزاً للخير الذي تعب منه ابنته والتي يحبها كثيراً، ويرى فيها نموذجاً للطهر والقداسة، بينما تكون "الحانة" رمزاً للرذيلة والشر. وعموماً، فإن البيئة المثقفة قامت بدور فني طيب، رغم الضعف الذي قد يلاحظ على بعضها، وذلك بسبب تركيز حوحو على جوانب أخرى كتصوير "النموذج" الأدبي من دون الإحاطة ببقية الجوانب الفنية وغير ذلك، مما جعل العديد من قصصه يتصف بعدم التناسق بين عناصره. ب-البيئة الحجازية: عاش حوحو في الحجار نحو عشر سنوات من (1935 إلى 1945)، حيث درس في كلية الشريعة بالمدينة المنورة، وتخرج فيها عام 1938 أم، وهناك بدأت حياته الأدبية، فنشر أول مقال له بعنوان: "الطرقية في خدمة الاستعمار" في مجلة الرابطة العربية لصاحبها أمين سعيد(75). فلا غرو إذا استهوته الحجاز وبيئتها، لما فيها من الخصب والخيال، والالهام، وهكذا اندفع إلى تصويرها بكل امكاناته الأدبية والفنية(76). أ-البيئة المدنية: آثر حوحو "المقهى" لرواية أحداثه، وأما أحداث القصص التي تدور في أماكن أخرى كالشوارع، والساحات العامة، والبيوت، فإن البيئة المصوّرة فيها باهتة، وتكاد تختفي من جل القصص. وذلك لاعتماد القاص على عنصر السرد دون غيره، وخلو القصص من الحركات الواضحة، مثلما هو واضح في قصته "صاحبة الوحي"، فهي تكاد تكون محض مناجاة رومانتيكية، لولا بعض الحوار القصير بين الراوي وصديقه الشاعر الذي يقطع تدفق السرد. وقد اكتفى في مقدمة قصة "القبلة المشؤومة" بذكر أحد الأماكن: "ضاحية المسغلة"، وهي إحدى ضواحي مكة المكرمة، كما اعتنى في البداية بوصف المقهى وكراسيه وأشجار التيم(77). أما عنصر البيئة في الحدث الرئيس، فلا يكاد يبين، وأن كل ما هنالك إيماء إلى لقاءات صديق الراوي بحبيبته في أماكن خاصة عن طريق الصدفة(78). ولكن البيئة الحجازية المدنية تبدأ في الوضوح كلما تقدمنا أكثر في قراءة قصص حوحو، ففي قصته "جريمة حماة" ملامح أكثر وضوحاً للبيئة الاجتماعية التي جرى الحدث فيها، فقد تحدث بطل القصة عن غنى والدته، وثروتها الكبيرة والرعاية الفائقة التي شملته بها(79). وتتحدد البيئة في قصة: سيدي الحاج "أكثر، حيث تركز الحدث في مكان واحد، هو "مكة المكرمة"، وقد صرح القاص بذلك في قوله: "وكنت يومئذ في مكة المكرمة(80)، فبرزت أسماء بعض المناطق المشهورة: كأسواق أم القرى، والمجالس العلمية التي تقام بمناسبة موسم الحج. وقد قامت البيئة بدور هام في تقديم شخصية "سيدي الحاج" وتصوير شخصيته، خصوصاً عندما وقف يستمع للإمام (الشنقيطي) النحوي المشهور الذي كان يدرس مبادئ الأجرومية في مكة. لقد ذهل هذا الشاب لما رآه، وظن أنه أحد علماء المغرب(81). ولا شك أن القصة كشفت أيضاً عن الحياة الثقافية العامرة في مكة المكرمة في تلك الأيام. يمكن أن تستنتج أن البيئة المدنية الحجازية أغنت قصص حوحو وأسهمت في تقديم الحدث القصصي الشائق، إلا أن هذا لا ينفي بساطتها في بعض القصص، خصوصاً في القصص التي تناولت موضوعات عاطفية. 2-البيئة الريفية الحجازية: لم ترد البيئة الريفية الحجازية في قصص حوحو كثيراً، ولعل ذلك بسبب أن حوحو استقر في المدينة وعاش فيها أكثر مما عاش في الريف والبادية. تظهر البيئة البدوية بوضوح في قصة "خولة" التي تعد أطول قصة في المجموعتين المطبوعتين(82)، وأهم ما تتصف به البيئة هنا، أنها واسعة جداً، بحيث لا يمكن أن يطيقها شكل أدبي قصير كالقصة، كما امتازت بالتنوع والتعدد، وهو الأمر الذي نشأ عنه كثرة الأحداث والشخصيات، مما كاد يجعل بنية هذه القصة بنية روائية. وقد عبر عن عنصر البيئة بعدة وسائل كذكره للأمكنة، وأسماء القرى، والظواهر الطبيعية كـ: "الواد، الغدير، الجبال، الأغنام، المرعى". ووصف مشاهد الطبيعة كقوله على لسان الراوي: "حتى إذا ما وصل إلى أحد الغدران الكبيرة، ترك غنمه تنهل، وتغلي على ضفافها، وتنحى ناحية حيث جلس تحت ربوة مخضرة، ووضع عصاه جنبه وغدا يرمق بحنان وسرور، تارة أغنامه وهي ترتع على ضفاف الغدير شبعانة مرتاحة ويرسل بصره الحاد مرة أخرى: والشمس تطل من بعد مرسلة أشعتها الذهبية المتموجة، وهي تتأهب للمغيب، كأنها تلقي نظرة وداع على هذا الوادي الجميل وهو غارق في سكونه(83). إن عنصر البيئة في هذه القصة واسع لا تطيقه القدرات الفنية للقصة القصيرة. وقد كان بإمكانه أن يحوّلها إلى رواية بكل سهولة. إلا أن غياب النموذج الروائي، وتعثر النقد الأدبي في الجزائر، قد حالا دون ذلك. ج-البيئة الفرنسية. وردت ملامح البيئة الفرنسية في قصتين: الأولى بعنوان: "الفقراء" والثانية بعنوان "التلميذ"، وهما تدلان على مدى تأثر حوحو بالثقافة الفرنسية. فالأولى تدل على تأثره بقصة "البؤساء"، لفيكتورهيجو(84) بينما تدل الثانية على إعجابه بشخصيته "دروت" أحد قادة الجنرال "بونابرت". وقد اتفقت القصتان على تصوير الريف الفرنسي وقسوة العيش فيه، حيث وقعت قصة "الفقراء" في بيئة جبلية على شاطئ المحيط، فحفلت بالظلمة الشديدة، والرياح والفقر والعواصف. وقد أدت دورها الفني في تقوية الجانب الدرامي في القصة، فالإحساس بالجوع الشديد وشدة سواد الظلمة وقوة الرياح من شأنه أن يعمق الاحساس بالألم والخوف. وعموماً فهي بيئة مناسبة لمعالجة الموضوعات الاجتماعية كالفقر، وتضامن الضعفاء في أوقات الشدة. أما البيئة في قصة "التلميذ" فهي نوعان: بيئة قروية شديدة الفقر والتخلف، تتجلى ملامحها من خلال تحركات الطفل "دروت" في أثناء جولانه بشوارع القرية من أجل بيع قطع الخبز التي كلفه والده بها وتظهر بعض صفاتها أيضاً من خلال وصف القاص لبطل قصته، وحديثه عن الظروف التي يذاكر فيها دروسه(85). أما النوع الثاني، فيصور بيئة عسكرية، وقد جاءت ملامحها في أثناء اجتياز الشاب "دروت" امتحان مسابقة الدخول إلى المدرسة الحربية وأهم ملامحها الانضباط، والصرامة، وهي صفات معنوية. والخلاصة التي يمكن أن نستخلصها مما سبق هي أن عنصر البيئة، خدم عموماً بعض العناصر القصصية، حيث أسهم في بلورة الحدث وإبراز الهدف الذي رمى إليه حوحو كتصويره للتضامن بين الفقراء وكفاحهم من أجل تطوير حياتهم وتحسين ظروفهم الاجتماعية وتصوير قسوة الطبيعة. ويدلنا هذا على أنواع القصص التي كان حوحو يهتم بنقلها إلى اللغة العربية، ونشرها بين قراء العربية، حيث كان يهدف من وراء ذلك إلى نشر مبادئ الأخوة والتعاطف والكفاح من أجل الحياة الكريمة وسعادة الإنسان. ثانياً: البيئة الزمانية: ينعدم عنصر الزمن في قليل من قصص حوحو، وخاصة القصص التي تدور حول القضايا الأدبية والنقدية كقصتي: "فقاقيع الأدب" و"الشخصيات المرتجلة" فإذا ورد كان أقرب إلى روح العمل الأدبي الطويل، فقصص: صاحبة الوحي، والقبلة المشؤومة، وثري الحرب، وجريمة حماة، وصديقي الشاعر، وخولة، وعائشة، والعصامي، والعم نتيش، و"السكير"، ورجل من الناس، تحمل زمناً روائياً؟ ويعبر حوحو أحياناً عن طول زمن قصصه بطريقة قطع تتابع العنصر الزمني مدة، ثم الرجوع إليه بعد مرور شهور وأعوام. ففي قصة "صديقي الشاعر" يفترق الراوي وصديقه الشاعر مدة زمانية طويلة يتطور خلالها بطل القصة فنياً، وتنمو موهبته الأدبية كما يخوض تجارب أدبية تثير إعجاب الناس، ولكنهم حينما يتعرفون عليه يستصغرونه ويسخرون من صغر سنه، ونحول جسمه فيتنكرون له ولفّنه. وقد يعمد الكاتب في العديد من المرات إلى التصريح بمرور وقت طويل كقوله "اطلعت على بعض منتجاته بعد مرور سنين لم أره خلالها ولم أسمع عنه مدتها شيئاً، فوجدتها ماثلة إلى النضوج(86) تدل على جلاء روحه الشاعرية القوية(87). ويعبر أحياناً عن مرور الزمن الطويل بأفعال تدل عليه، وهي طريقة نرجح أنه أخذها من الحكايات الشعبية. يتضح هذا في حديثه عن رتابة حياة عائشة في قريتها(88). إن معظم الأحداث القصصية قد وقعت في الماضي، وانتهت، ولكن شخصياتها يعيدون قصها من جديد في الحاضر (زمن كتابة القصة)، وهذه الطريقة تعد من أشهر طرق القصة الشعبية. فزمن قصص: "صاحبة الوحي" و"القبلة المشؤومة". و"ثري الحرب" و"جريمة حماة" ينتمي إلى الماضي، ويغلب عليه الطول المسرف. وقد يعمد إلى التصريح بعنصري المكان والزمان اللذين جرت فيهما الأحداث، كما في قصة "سيدي الحاج"، حيث قال: "كان ذلك إبان الحرب العالمية الأخيرة، وكنت يومئذ مستقراً في مكة المكرمة(89)." وهذا لا يعني أن حوحو أهمل الزمن القصصي، إذ أن قصص: "فتاة أحلامي"، و"الفقراء" و"التلميذ" يعد زمنها جيداً ومناسباً. والخلاصة أن تعدد البيئات وكثرة الشخوص داخل القصة الواحدة اضطرت حوحو إلى توسيع رقعة الزمان القصصي لموازاة الأحداث فضلاً عن تأثره بعنصر الزمن في القصة الشعبية. الخاتمــــــــة: نجمل بعض النتائج والملاحظات لفن القصة عند حوحو في الأمور التالية. لقد تنوعت الموضوعات القصصية، وتعددت، فبدا في قصصه الأولى متأثراً بالموضوعات العاطفية والروح الرومانسية، ثم أخذ يتخلص من تأثير هذا التيار بتطوير نظرته، ومفهومه للأدب وللواقع الحياتي فاتسمت قصصه الأخيرة، بتأثير الاتجاه الإصلاحي والواقعي، وتخلصت النهايات القصصية من النظرة التشاؤمية. ومن الناحية الشكلية اتسمت أعماله في مجملها بالقصر، وحققت عدة شروط أساسية لفن القصة القصيرة. على أنه أحياناً ابتعد عن خصائص بنية القصة القصيرة الفنية واقترب من روح الرواية أو بعض الأشكال الأدبية الأخرى، خصوصاً المقالة الأدبية، يوضح ذلك تعدد الشخصيات وكثرة الأحداث، وتنوع البيئات وطول الزمن. ويدل هذا على عدم اكتراث حوحو بالمبادئ الفنية، في أثناء كتابة القصة، رغم معرفته بأصولها النظرية. ونحن لا ننفي أن يكون بعض قصصه قد اتسم بالتركيز، وتوافر العناصر الفنية، كوحدة الحدث، وقصر الزمن، والتركيز، ولكن قصصاً عديدة لم يوفق حوحو في صوغها، حيث طغت بعض ملامح الحكاية الشعبية على طريقة كتابتها، كقصتي: "صاحبة الوحي"، و"القبلة المشؤومة"، فقد حول بعض الشخصيات إلى دمى خالية من أي إحساس بشري، وأفقدها حيوية الشخصية الأدبية ذات الاستقلال التام، والكيان المستقل داخل النص الأدبي. على أن الشخصيات في قصصه تدل على اتصاله بالواقع الحياتي وبيئات مجتمعه، وتأثره بما يدور فيه، وبما يعانيه الإنسان. ومن هنا اختلفت عنايته برسم شخصياته حسب أهمية الشخصية وقوة موقفه منها، فقد اهتم بتصوير الشخصيات الدينية، حيث أنه يعتني أولاً بوصف مظهرها الخارجي وصفاً دقيقاً يوحي في الغالب بسمّو مكانتها الاجتماعية ومنزلتها العلمية، ولكنه سرعان ما يكشف جانبها الباطني عن طريق مواقف محرجة يسوقها إليها سوقاً، وعادة ما تكون الصورة الباطنية، هي الصورة الحقيقية، والصورة الخارجية صورة زائفة، خادعة، أما معظم الشخصيات الأخرى فتظل باهتة يقودها الكاتب كيفما شاء، ويرسم مصيرها كيفما أراد. ولم تسلم من هذه الحتمية إلا شخصيات قليلة، حيث أنها أدت دورها الفني كاملاً، كشخصية "دروت" في قصة التلميذ. كما اتسمت بعض الأحداث بخلوها من عنصر الاقناع، إما لضعفها الفني أو لغرابتها عن تقاليد المجتمع العربي، ونعزو وجودها في قصص حوحو إلى تأثير قراءاته المتنوعة للآداب الأجنبية، خاصة الأدب الفرنسي. ومع هذا كله اتسم فن القصة القصيرة عند أحمد رضا حوحو بالثراء والتنوع، فكشف عن موهبة أدبية خصبة قدمت الكثير، وحسبه أنه ظهر في وقت تحارب فيه الثقافة العربية والإسلامية بشتى الوسائل الاستعمارية فضلاً عن فقر تاريخنا الأدبي الجزائري إلى الأدب القصصي، وخلوه من حركة نقدية تواكب مسار ابداعاته أيام حوحو. وهكذا شق حوحو طريقه الأدبي، ورسم بعض معالم القصة العربية في الأدب الجزائري المعاصر، فاستحق أن يكون علماً رائداً لهذا الفن الأدبي خلال مرحلته الأولى. خاتمـــــة الفصـــــــل نخلص من هذا إلى أن البدايات الأولى للقصة الجزائرية جاءت على أيدي عدد من الكتاب كالجلالي والزاهري وابن عاشور وعبد المجيد الشافعي وغيرهم، وأنها أخذت صورة شكلين قصصيين بسيطين هما: "المقال القصصي" و"الصورة القصصية"، وقد نشأا متأثرين بالمقال الاصلاحي والديني، ذلك المقال الذي ازدهر بعد الحرب العالمية الأولى في الوسط الثقافي الجزائري، وخصوصاً بعد انشاء الصحافة الإصلاحية باللغة العربية. ورغم البساطة التي رافقت مسيرة هذين الشكلين القصصيين فقد أديا وظيفة ذات أهمية في التعبير عن أفكار الكتاب وآرائهم الإصلاحية، وأسهما بقوة في نشرها بين فئات المجتمع، وأوساطه الثقافية مما أثر في نهوض الوعي الوطني فيما بعد. وقد تطور كل من هذين الشكلين عبر مرحلتين، حيث تميز (المقال القصصي) في مرحلته الأولى بأن سيطرت عليه النبرة الخطابية والسرد الوعظي، ونثر الحكم الدينية كالدعوة إلى الدين الإسلامي ونشر مبادئه الصحيحة. وفي المرحلة الثانية تمايز عنصر الحوار عن الأسلوب المقالي وأخذت الشخصيات القصصية والأحداث تتحرر من طغيان شخصية المؤلف لتظهر في شكلها الفني. أما "الصورة القصصية" فامتزجت في مرحلتها الأولى مع خصائص فنية لأنواع أدبية أخرى كالرواية والمقالة إلا أنها في مرحلتها الثانية (1947-1956) تطورت بسرعة على أيدي عدد من الكتاب يأتي أحمد رضا حوحو في طليعتهم فصار للقصة لغتها وكثافتها وإيحاؤها كما اهتم الكتاب برسم الشخصيات والأحداث ومكنوا العناصر الفنية الأخرى من خدمتها وتصويرها، والتركيز عليها. وفي هذه المرحلة الفنية من مسار القصة الجزائرية القصيرة علت تجربة أحمد رضا حوحو على بقية تجارب الكتاب الآخرين لثرائها وتنوعها ونضجها الفني، خصوصاً في قصصه التي كتبها بعد سنة 1947م، وبذلك استحق أن يطلق عليه النقاد رائد فن القصة الجزائرية المكتوبة باللغة العربية في الأدب الجزائري الحديث. (1) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص19 إلى 29 . (2) المصدر نفسه- ص21 . (3) ص 20 إلى 23 . (4) ص23 . (5) هي: صاحبة الوحي، وثري الحرب والتلميذ (6) ص 11 . (7) ص 16 . (8) ص 17 . (9) ص 15 وما بعدها. (10) ص 40 . (11) ص 46 . (12) أحمد رضا حوحو: نماذدج بشرية- ص125 إلى 129. (13) المصدر السابق- ص129 . (14) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية- ص6 و 7 . (15) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص21 . (16) ص 22 . (17) ص 42 . (18) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص163 . (19) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص83 . (20) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية- ص10 . (21) المصدر نفسه(الصفحة نفسها). (22) ص 11 . (23) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة- ص106 . (24) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية- ص29 إلى 39 . (25) ص 41 إلى 51 . (26) ص99 إلى 107 . (27) س113 إلى 114 (28) فعلى سبيل المثال أنه أورد في مقدمة قصة"سيدي الحاج" ما يلي: " وكنت يومئذٍ في مكة المكرمة، أعاني شوقاً مبرحاً، وحنيناً عارماً إلى الأهل والوطن والأصحاب". (29) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص9 إلى 19. (30) ص 33 . (31) ص 33. (32) ص 71. (33) ص 73. (34) كذا وردت في النص ولعل الصواب لا تتحرك. (35) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص77 . (36) ص 116. (37) تشبه شخصية(سلمى) شخصية(ستوت) في الحكاية الشعبية الجزائرية، ورد ذلك في مقال لنا بعنوان: المرأة في الحكاية الشعبية الجزائرية ، جريدة النصر، الجزائر، قسنطينة(14و 15و 16 أفريل 1980م). (38) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي- ص15، وانظر على الخصوص الصفحات 13و 14و 15و 16 . (39) صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص5 . (40) انظر ص18 . (41) ص 88 . (42) على سبيل المثال بين(سعد) و(صالح) من جهة، وبين (الشيخ حمود وخليل)، ورجال القرية. والعجوز(سلمى) من جهة ثانية. (43) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية- ص19 وما بعدها. (44) ص 125. (45) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى- ص31 . (46) أحمد رضا حوحو، نماذج بشرية- ص127 . (47) د.أبوالقاسم سعد الله: دراسات في الأدب الجزائري الحديث -(ط2)-دار الآداب بيروت 1977 أم -ص98 (48) عبد الله بن حلي: القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي -197 (49) د. عبد الله ركيبي: الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى -(ط1)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1982أم ص172 (50) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى -ص32 و33 (51) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص11 وما بعدها. (52) المصدر السابق ص101 (53) ص102 (54) ص103 (55) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة -ص108 (56) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي- ص71 وما بعدها. (57) ص73 (58) ص116. (59) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص41. (60) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي -ص13 (61) صاحبة الوحي -ص14 وما بعدها. (62) مثال ذلك شخصية (دروت) في قصة التلميذ. (63) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي وقصص أخرى -ص79 وما بعدها. (64) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص67. (65) ص73 (66) ص105 (67) ص75 (68) تضمنت مجموعته القصصية "صاحبة الوحي" مسرحية بعنوان "أدباء المظهر، (ص47 إلى 60)، وتضمنت مجموعته القصصية الثانية "نماذج بشرية" أيضاً مسرحية بعنوان: "الأستاذ"، (ص81 إلى 90) (69) هي: ثري الحرب، والفقراء، وخولة، والشيخ زروق، وعائشة، والعصامي، والعم نتيش، والسكير، ورجل من الناس، وسيدي الحاج، وسي زعرور، والتلميذ. (70) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي- ص41. (71) ص42. (72) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص121. (73) ص21 (74) ص48. (75) أحمد منور: كتابات حوحو في الحجاز (مقال)، مجلة الإنسان، ع2، عام 1983م- ص26. (76) من ذلك أنه جعلها ميداناً لأحداث روايته؟ غادة أم القرى. (77) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي- ص20 (78) ص23 (79) ص69 (80) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص99 (81) نماذج بشرية -ص99. (82) نماذج بشرية -ص99 (83) المصدر نفسه: ص72. (84) المصدر نفسه -ص72. (85) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية -ص125. (86) كذا وردت (النضوج)، والصواب (النضج). (87) أحمد رضا حوحو: صاحبة الوحي -ص82. (88) أحمد رضا حوحو: نماذج بشرية ص21 (89) ص99. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |