تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

1-الطريقة التقليدية:

تعد الطريقة التقليدية أهم الطرق التي توسلوا بها للتعبير عن أفكارهم الجديدة التي أفرزتها حرب التحرير، ويعود شيوعها بينهم إلى جملة من العوامل أولها طبيعة المجتمع الجزائري الذي يتسم بالمحافظة والتمسك بتراثه، ومما زاد هذا العامل قوة الصراع القوي بين المجتمع الجزائري والمجتمع الفرنسي الغازي، حيث يعد الحفاظ على التراث الأدبي وأشكاله التقليدية من أشكال النضال والمقاومة والصمود، كما اعتبرت الدعوة إلى تجديد أساليب التعبير تمرداً على تقاليد المجتمع الجزائري وعاداته.‏

وثاني هذه العوامل يعود إلى أن إدارة المستعمر كانت تفرض رقابة شديدة على المطبوعات والمنشورات العربية، وقد أدى هذا الوضع إلى تأخير انتشار الأساليب القصصية الحديثة بين أوساط المثقفين وخاصة المتعلمين باللغة العربية، وبذلك فتح السبيل واسعاً أمام الطريقة التقليدية لأن تنتشر وتطغى على التجارب الأولى لمعظم القاصين، وهيمنت على كتاباتهم الأولى ملامح التيار الرومانسي قبل التيار الواقعي(1).‏

وقبل الشروع في تحليل الطريقة التقليدية ودورها في بنية الحدث القصصي نذكر بأننا ركزنا على القصص التي تضمنتها المجموعات القصصية المطبوعة لأنه يتعذر الحصول على أعداد الجرائد والمجلات التي نشر فيها الكتاب قصصهم الأولى إذ أنهم لم يضمنوا مجموعاتهم القصصية كل ما كتبوه(2).‏

لقد استعمل الطريقة التقليدية كل من عبد الحميد بن هدوقة، وأبو العيد دودو، والطاهر وطار، وفيها تبدأ القصة بمقدمة ثم تأتي العقدة فالحل.‏

ولعبد الحميد بن هدوقة قصة "الجندي والليل"(3)، تصور أعمال القتل التي كان المستعمر الفرنسي يمارسها ضد الشعب الجزائري، جعل لها مقدمة تهيء النفس لتلقي الزمن القصصي" وقد عسعس الليل فأحال البساتين المحاذية للوادي إلى شبه لحاف أدكن(4).‏

بعد ذلك تدرج الكاتب في عرض القصة -وبحذر شديد- حتى بلغ العقدة حيث رأى بطل القصة نوراً ضعيفاً ينبعث من ضريح أقيم على إحدى الروابي، وقد أطال القاص في وصف الريف، وسكون الليل، وصمت المخلوقات، وذلك من أجل أن ينشئ جواً مرعباً يتلاءم مع جو الحرب والليل والمكان المنعزل، وبلغت القصة ذروة عقدتها حين سمع بطل القصة -وهو يدنو من الفتاة التي وقفت بجانب الضريح- طنين بعوضة مرت بالقرب من أذنيه فظنه صوت إحدى طائرات العدو، كما ظن أن دقات قلبه سوف تنبه الفتاة الشقراء(5).‏

ويأتي حل هذه العقدة على لسان الفتاة، حيث تروي للجندي قصة استشهاد والدها على يد جنود المستعمر، وهو يؤدي صلاته داخل المسجد، كما أنه توجد في هذه القصة حكايتان:‏

-الأولى : أسطورية تعتقدها العامة، ومضمونها أن (ولية) كانت تعبد الله داخل المسجد، وعندما غزا (الكفار) وطنها حاربتهم بشدة، ولكنها في ليلة من الليالي مسخت في هيئة ضفدعة، فباغتها (الكفار) وقتلوها.‏

-والثانية : واقعية ترويها الفتاة على لسان والدها، ويتجلى فيها أسلوب الأخبار، كقولها "أما رواية أبي فهي أقرب إلى العقل والصدق، قال ناقلاً عن أبيه: عندما دخل الفرنسيون الجزائر سنة 1830 وتوغلوا أرضنا غرباً وشرقاً ولما نزلوا في مكان الضريح رأوا ليلاً شيخاً قادماً، فأطلقوا الرصاص عليه، ولكنه تبين فيما بعد أنه حارسهم.(6).‏

إلا أن إغناء النص القصصي بهذه الحكايات على لسان (الفتاة) والاعتماد على اسلوب المزج بين الواقع والأسطورة أفقد القصة إحدى خصائصها الفنية، وهي التركيز على رسم الحدث القصصي.‏

وفي قصة "عاشقة القيثارة"(7)، مهد ابن هدوقة للحدث بوصف الظروف الاجتماعية التي نشأت فيها (الفتاة) والصورة المثالية التي رسمها والدها في ذهنها بهذه الفقرة "كان الأب يريد لها أن تكون تلك الفتاة المهذبة المثقفة التي تعزف عن الانحطاط إلى ما تهواه الفتيات عادة من عبث ومحن وطيش، وكانت الأم تريد لها أن تكون تلك الفتاة المتفانية، في إرضاء والديها والتي لا يسعدها في الدنيا سوى أن تراهما فخورين بها. مفاخرين الأجوار بما حبواها به من تربية وتعليم.."(8) ويتنامى حدث القصة بكبر الفتاة، ونمو ادراكها ووعيها بما يحيط بها، فترغب في تشكيل ملامح شخصيتها المستقلة عن شخصية الوالدين وتحس بأن في نفسها "جانبين متناقضين، جانب شعري هادئ حالم، والآخر ثائر عنيف مضطرب، وشعرت أن المرحلة الوسطى بين هذين الجانبين تضعف يوماً بعد يوم، وأنها مضطرة إلى الاختيار بين أن تحيا لنفسها أو لأبويها، أما أن تحيا حياتين متناقضتين أشد التناقض بحياة داخية نفسية ثائرة وحياة خارجية هادئة فأمر لا يطاق"(9).‏

وبذا بلغ القاص في التصوير بداية العقدة، حيث يبدأ من هنا صراع حاد عنيف بين جيلين، وبين ذهنيتين الأولى تحاول التمسك بأساليب التربية التقليدية، وتنشئة الجيل الجديد على هديها بينما الثانية تنشد التحرر منها وتكافح من أجل شخصية مستقلة تتيح حرية الاختلاط ومصاحبة الفتيان.‏

ويبلغ الحدث ذروته بعد حضور (جميلة) عرسا، حيث أعجبت بأحد الشبان الجزائريين، فتغرم بعزفه على آلة القيثارة، ومن يومها تغيرت عاداتها ورغباتها وأحلامها "وصارت لا تولي أي عناية لملابسها وشعرها وهجرت أصباغها وأدوات الزينة والتجميل...)(10)‏

وقد جاءت النهاية لتوضح المغزى العام للحدث القصصي، فهو يعالج الأثر السلبي للتربية التقليدية التي تنشئ أطفالاً معقدين، منطوين، لا يملكون الجرأة على التعبير عما يهمهم وما يشغل بالهم حتى لأولياء أمرهم، ويبدو ذلك من تفسير الوالد لأسباب مرض ابنته حيث أرجعه إلى مطالعتها الكثيرة للكتب -في نهاية القصة- إذ أن القاص أراد أن يصور سذاجة التربية المتشددة وعواقبها الوخيمة، وضيق أفقها.‏

وفي قصته "عزيزة" عالج موضوعاً شبيهاً بموضوع قصة "عاشقة القيثارة"، فمهد بمقدمة سردية أنشأ فيها علاقة بين (عزيزة) و(مجيد) من خلال مذاكرة الدروس أولاً، ثم لعلاقة عاطفية تنشأ بينهما، ثم تتطور هذه العلاقة نحو الزواج لكنها تصطدم بعنف وقوة وتجد نفسها أمام طريق شديدة الحلكة بسبب عداء قديم توارثته الأسرتان، مرده إلى أن رجلاً من أسرة الشاب طلق عمتهم، وقد تعدت هذه المقاطعة الزواج لتشمل كل نواحي الحياة.(11).‏

وبدل أن يتدرج القاص بلحظة التأزم نحو الانفراج سار بالقصة نحو حدث ثان، ذي أهمية. فقد أنشأ قصة جديدة بين الشاب (مجيد) والخادمة (عزيزة)، وكأنما بتر الحدث الأول بترا، ثم مضى يوضح الحدث الثاني وأن (عزيزة) الخادمة معقدة من لونها الأسود وبلوغها سن اليأس، لذلك عندما كاشفها (مجيد) بحبه لها، وعزمه على خطبتها انخدعت وأجابت على الفور "إنني أحبك" أحبك إلى الأبد(12)‏

ويأتي الحدث الثاني ليعبر عن سقوط ثان مريع، فني وفكري وقع القاص فيه. عندما أدرك الشاب (مجيد) أن (عزيزة) التي يناجيها لا تعدو أن تكون خادمتهم الزنجية المسنة صدم صدمة عنيفة توفي على أثرها.‏

وهنا يمكننا أن نتساءل أهذا الحب الذي قاد القاص بطل قصته إليه ليعبر به عن استحالة زواج الأبيض بالأسود هو المعنى القصصي الذي يسعى إليه؟ فإن كان كذلك فإنه قد جسد موقفاً عنصرياً، وهو الأمر الذي حاربه طوال حياته. أما إذا لم يقصد إلى ذلك فقد سقط من دون أن يدري في منزلق خطير، حيث محا طبيعة العلاقة العاطفية التي لا تنظر إلى جمال المادة بقدر شغفها بطهارة الروح، كما وقع فنياً بحيث فقد عنصر التركيز على الحدث الأول الرئيس، وكان بإمكانه أن يستغل عداء الأسرتين ويخلق صراعاً عنيفاً وحاداً بين جيلين متناقضين تماماً وينتصر للأفكار المستنيرة التي تتجاوز ثأر الماضي إلى الأخذ بطبائع الحياة الجديدة.‏

أما قصة "بحيرة الزيتون"(13) لأبي العيد دودو، فإنها عالجت موضوع إيمان الشعب الجزائري بالثورة المسلحة، والعمل الفدائي والنضالي في صفوفها، وقد صور القاص هذا الحدث بطريقة التتابع الزمني، أي تتابع المقدمة ثم العقدة ثم الحل، حيث مهد بمرض (شريفة) أم (فاطمة)، وذلك لكي يبرز الأثر السلبي للمستعمر في وضعية الإنسان الجزائري. ويعد (الشيخ محمود) الشخصية الأدبية التي استخدمها القاص للتعبير بها عن أفكاره، فالشيخ متقدم في السن ينتقل من مكان إلى مكان داعياً الناس للالتحاق بصفوف الثورة في الجبل، يقدم المساعدات للأسر الضعيفة ما استطاع.‏

وتدرج الحدث القصصي آخذاً في التطور، إلى أن وصل إلى ذروته عندما التقى الشيخ محمود بدورية من جند الاحتلال في غابة الزيتون فسارع أفرادها إليه ثم جرجروه فوق الأرض.‏

وكان الكاتب بارعاً في عرض الأحداث، وخاصة حين عرض قبول العجوز (شريفة) مساعدة الشيخ، وذلك بعد أن دفعت بابنها إلى الجبل للانضمام إلى صفوف جبهة التحرير الوطني، وكذلك اختيار القاص غابة الزيتون ميداناً للحدث، فإنه يتضمن دلالات عديدة كالإخاء والسلام والأصالة كما تؤكد هذه الصورة معنى التلاحم العضوي بين التجربة والتعبير(14).‏

واستخدم أبو العيد دودو في قصته "جاء دورك"(15) أسلوب التذكر والاقناع، إذ يمارس كل من ذكرى استشهاد والد بطل القصة، وأحاديث زميله سعيد ضغطاً قوياً على مشاعره الوطنية، ففي الحالة الأولى كلما تذكر استشهاد والده على يد أفراد جيش العدو تنامى إحساسه بالحقد على جنود العدو، بينما في الحالة الثانية فقد كان (زميله سعيد) يثيره بأسئلته الاستفزازية والتي تعمق في نفسه حبه لوطنه والثأر لوالده وقد بلغ الحدث ذروته عندما جاء خبر التحاق زميله (سعيد) بالجبل، ولكنه بعد تردد قرر الالتحاق به، وقد أحس أن دوره حان للمساهمة في حرب أعداء شعبه وقاتلي والده. وعبر عن إحساسه بدنو الاستقلال، وهو يصعد الجبل في قوله (وحين غادرت الدار، وبدأت أصعد الجبل، شعرت أن الفجر قد أشرق في بلادي(16).‏

وفي قصته (الظل)(17)، يجعل الظل رمزاً للخيانة الوطنية والاستسلام المطلق لأوامر أفراد الجيش الفرنسي، وهو الموضوع الذي يعالجه الحدث عموماً، ويبلغ ذروته عندما اكتشف أحد الخونة الملجأ الذي اختبأ (الزبير) ورفيقه (خليفة) فيه. وقد دارت معركة عنيفة بينهما، وبين أفراد الدورية انتهت باستشهادهما بعد أن أصابا عدة أفراد من الدورية الفرنسية.(18).‏

ومهد أبو العيد دودو لقصة "سامر الحيّ"(19) بحديث طويل عن اهتمام بطل القصة بالأدب وشغفه بإنشاده على زملائه، كلما جاؤوا إلى المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، وتبرز قدرته الوصفية في تعبير "الشاعر" عن جمال الفتاة، وحينما وصف القاص ملامح الشاعر الخارجية وصفا يتفق مع انكسار نفسيته. عندما قامت الفتاة، وأدرك أنها عرجاء، أصيب بذهول شديد وخيبة أمل كبرى، ولم يوقظه من ذهوله إلا صوت زملائه الذين أتوا إلى المقهى وقد مضى على انصراف الفتاة نحو ربع ساعة، فأحس بالاطمئنان عندما استرد وعيه، وتذكر أنه أعرج مثلها منذ سنوات عديدة.(20).‏

ومهد لقصته "الشفة السمراء"(21). بعرض الأعمال التي يكلف بها الأطفال من طرف زوجات الآباء، والحديث المطول- على لسان راوية الأحداث (يمينة) لموت صديقتها (صافية).‏

وتدخل القاص عدة مرات وبأسلوب مباشر خصوصاً حينما وصف وضعية بطلة قصته، ومع ذلك فقد أتقن عرض وضعها الاجتماعي وقسوة زوجة والدها. وهكذا قامت الراوية بدور الشاهد في القصة، وذلك لعلاقتها بالصافية، قبل سقوطها في البئر، وهي تبحث على نبته "الببراس"(22)لتأكلها، فقد كانتا تذهبان معاً إلى الجبل لتحتطبا كما كانتا تذهبان معاً إلى "العين" لتجلبا الماء(23). واعتمد من حين إلى آخر على أسلوب الاعترافات، حيث اعترفت (الصافية) لصديقتها (يمينة) ببؤس وضعها الاجتماعي وأثره في نفسها وجسدها الذي أصابه النحول والهزال، وذلك كلما سألتها، كإجابتها هذه "لقد مضيت إلى الشعبة أبحث عن بقلة آكلها إني جائعة...(24)‏

وفي القصة حدث، كان يمكن للقاص أن يستغله لصالح (الصافية)، وهو ذهاب خطيبها إلى قرية (الميلية) ليجمع الصداق الذي اشترطته زوجة والدها، وهو لا يخلو من إشارات إيحائية في القصة، فقد كان يمكنه أن يقوم بدور المنقذ، غير أن القاص أبى إلا أن يعمق الرأي العام حول مكرزوجات الآباء، وذلك بسقوط الصافية في البئر في أثناء اقتلاعها نبتة "الببراس"، وبسقوط (الصافية) في البئر بلغ الحدث قمته، حيث يتدرج نحو النهاية بعد عجز سكان القرية عن استخراج (الصافية) من البئر بسبب شدة الظلمة، وهو موقف غريب من سكان القرية فكيف ينتظرون إلى الغد بسبب الظلمة، وكان بإمكانهم أن يشعلوا النار ليلاً، حول الحوض، وهو الأمر الذي فعلوه في الصباح.‏

ووفق في توظيف شخصية (يمينة) صديقة (الصافية) بطلة قصته، وهذا النجاح جعل قصته تمتاز بالصدق والعفوية.‏

واصطنع في قصة: "دار الثلاثة"(25) لعبة شعبية مشهورة بين الريفيين لتصوير الحدث القصصي، وهي ترمز إلى أن بطل القصة (سعيد) كان هدفاً لثلاثة أطراف: قسوة والدته، ونبات العليق الذي مزق ثوبه، وابن خالته (بوخميس) الذي شتمه وعيره بقوله: "كبير وتتبعني كالكلب"(26)، كما وفق في توظيف أسلوب الحوار الداخلي، خصوصاً عندما كان سعيد يتحدث إلى نفسه، وهو ينتظر في المقهى انتهاء ابن خالته من لعبة الورق، وكان يأمل من ابن خالته (بو خميس) أن يمنحه ما يحتاج من المال، وتظهر براعة الكاتب في استخدام هذا الأسلوب في هذه الفقرة" أين وضع ولد خالتي فلوسه؟ لا شك أن القطع الصغيرة في هذا الجيب الذي هو عن يساري. أما الأوراق الكبيرة فهي داخل سترته.. في صدره. لو كنت مكانه.. مكان ذاك اللاعب لما فتحت هذه الدار فلا فائدة منها، من السهل على الآخر أن يسدها. أراه لا يعرف اللعبة جيداً، هو نائم، ها هو ولد خالتي يبحث عن جيبه. سينفحني بقطع صغيرة"(27)..‏

وتعد مقدمة قصة "معدن الكلمة"(28)، من أهم المقدمات الفنية الإيحائية فهي تحتوي على معظم عناصر الحدث ولكنها غير نامية، وفيها تظهر بعض ملامح البطل (أبي صعدة)، ترد على لسانه في قوله (لا أحبّ الصعود الذي يكلفني حركة وعرقاً..(29). ويبلغ الحدث القصصي ذروته عندما تعصف ضائقة بأبي صعدة، ويضطر على أثرها إلى استدعاء (أبا عجينة) لأخذ نصيحة ثانية تزيده ارتفاعاً ومكانة وشهرة من دون أن يبذل أي مجهود فكري أو عضلي، ولكن صديقه ينصحه بسرعة الاقلاع عن تصرفاته الشاذة والكف عن السطو على كتابات أستاذه المتوفى، ويسخر من عمله، ولكن أبا صعدة يرفض ويعد النصح حقداً وحسداً على المكانة التي حققتها له مقالاته المنشورة باسمه. ويفاجئنا الكاتب في تصوير النهاية إذ كنا نتوقع أن (أبا عجينة) يستكشف سر (أبي صعدة) في الصحافة، ويبين أن المقالات التي تحمل توقيعه إن هي في الأصل إلا مطبوعات دراسية لأحد أساتذته المتوفى منذ سنوات، ولكننا فوجئنا (بأبي صعدة) بعد خروجه من عمارة مكتبه يتمثل في خاطره مقال جديد بعنوان: مع الرجعية"(30) فهذه الفكرة كان الأجدر أن ترد على لسان أبي عجينة.‏

إذا كان الطاهر وطار يعد من أغزر كتاب القصة القصيرة الذين برزوا خلال سنوات الحرب التحريرية، وتميزت تجربته القصصية بحدة المعالجة وإثارة المواضيع الحساسة خاصة الأيديولوجية والاجتماعية، وعد القاص الوحيد من بين كتاب القصة القصيرة الذي اقتحم بشجاعة كبيرة "حرمة" الواقع السياسي والعسكري. فإنه على صعيد البعد الجمالي لفن القصة القصيرة لم يتمكن من التخلص نهائياً من القصة الكلاسيكية، ومن وحداتها الثلاث مقدمة -عقدة- حل، وقانونها السببي حتى في مجموعته القصصية الأخيرة: "الشهداء يعودون هذا الأسبوع"(31). ويعني هذا أن وطار اهتم في بعض قصصه بالموضوع على حساب العناصر الفنية، وقد قاده هذا الانحياز في العديد من القصص ليتجاوز حدود نوع أدبي ليخترق عالم لون أدبي آخر.(32).‏

ويعنينا في هذا الجزء كيفية توظيفه الطريقة التقليدية في بناء الحدث القصصي.‏

تعد قصة "نوة"(33)، من أهم القصص الجزائرية التي صورت الحرب التحريرية، وعبرت عن شجاعة الثوار وصمودهم، لذلك فإن حدثها الرئيس يدور حول إبراز بطولة المجاهد الجزائري، وإيمانه بتحرير بلاده من ربقة المستعمر والطغيان.‏

ولكي يصور هذا الحدث تصويراً فنياً، ويعبر عن الصورة التي في ذهنه عن بطولة الإنسان الجزائري وعظمة تضحياته، فإنه حشد مجموعة من الوسائل أهمها تنوع الأحداث وتعدد الشخصيات، وبذلك وفق الطاهر وطار توفيقاً كبيراً في التعبير عن الحدث القصصي، وتعد شخصية (نوة)- وهي أبرز شخصية في القصة- نموذجاً عالياً للمرأة الجزائرية الواعية، حيث تقوم بكل أمور البيت بعد أن التحق زوجها (جبار) بالجبل. وفي الوقت نفسه تمتلك قدراً كبيراً من الوعي الوطني يتجلى في الألقاب التي أطلقتها على ديكتها ومما يزيد اعجابنا ببناء هذه الشخصية الفنية العلاقة المصنوعة بين أسماء ديكتها وألقاب بعض أعوان الاستعمار، ويبين النص التالي قدرة القاص على التعبير الذكي الفطن "كان القائد هو الديك الأحمر الكبير والخوجة هو الديك الأبيض الهزيل، أما الشامبيط فإنه الديك الأزرق الصغير؟ وقد أطلقت عليها هذه الأسماء منذ نمو ريشها، وكانت الثورة إذ ذاك قد أولت عنايتها إلى القضاء على الخونة وأذناب الاستعمار، فلا يكاد يمر يوم دون أن يصبح قائد أو خوجة أو شامبيط مذبوحاً أو مفقوداً"(34)وقد قاد شغف القاص بنشر الوعي الوطني لأن يصور بعض المواقف على لسان الأطفال رغم حداثة عهد الثورة وأسهمت هذه المواقف جميعاً في بناء الحدث الرئيس، فقد جعل الطفل ابراهيم من أصداف الحلزون جيشين متعاديين: جيش قوي هو جيش المجاهدين، وجيش قليل الأفراد هو جيش المستعمر، ثم أدار معركة حامية الوطيس بينهما(35).‏

وتحتوي مقدمة هذه القصة على أفكار غزيرة، وهو الأمر الذي لا تطيقه مقدمات القصص القصيرة. وقد يقطع القاص تنامي الحدث بحوادث أخرى، كاشتباك المجاهدين مع قوات العدو(36)، وكذلك تداعيات (نوة) وسردها قصة حبها لجبار قبل زواجها منه بعد أن فرت معه من بيت والدها(37)، ومع هذا فإن الحدث يتنامى بسرعة، بعد أن تتسلم (نوة) رسالة من (جبار) يخبرها أنه سيزورها قريباً.‏

وبينما هي تستعد لاستقباله دخل عليها ولدها عمار وأخطرها بأن عسكر العدو وطائراته ودباباته قادمون، فتركت كل شيء، وركضت نحو الجبل، حيث دارت معركة كبرى بين قوات العدو، وجيش جبهة التحرير.. وشاركت (نوة) في المعركة بطريقتها، إذ ما إن كادت تنبطح خلف صخرة كبيرة حتى أطلقت زغاريد تملأ الفضاء مرحاً وتحث الثوار على القتال والصمود، بعد هذا تأتي النهاية، وتلتقي (نوة) و(جبار) وابنهما (عمار) دون (ابراهيم) الذي التهمته النيران، وهو الحدث الذي ظل القاص يجري وراءه بشتى وسائله الفنية، فقد آثر أن يكون اللقاء في الجبل بدل البيت، كما آثر أن تكون المعركة بين جيش جبهة التحرير، وجيش العدو معركة حقيقية، وليس كما أرادها الطفل إبراهيم في رحبة المنزل بين أصداف الحلزون ويسقط خلالها ضباط وجنود وخونة، وطائرات ودبابات بدلاً من سقوط الديكة والريش الذي يشبه لون برنس "القايد" أو "الشامبيط" أو "الخوجة". ولعل المعنى القصصي يكمن في تحول الوعي الوطني من حالة سلبية إلى حالة وعي إيجابية، لأن النصر لا يأتي إلا بالمعارك الحقيقية الكبرى.‏

وقصة "محو العار"(38) شبيهة في طريقة صوغ الحدث بقصة "نوة"، فقد وظف وطار لتصويره عنصر الشباب الذي جسدته شخصية "مساعدية بلخير"، ثم كثرت الأحداث، والأمكنة التي كان لها دلالات معينة أثرت تأثيراً مباشراً في شخصية البطل، وعملت فيه تغييراً داخلياً بطريقة تتابعية هادئة هدوء عنصر السرد الذي ارتكز عليه القاص في نقل أحداث قصته "محو العار"، إلا أن الحدث القصصي أخذ في التدرج بحذر شديد نحو القمة، كلما بدأ الوعي الوطني ينمو في نفسية (بلخير)، وقد اختار القاص وسيلة السفر والارتحال ومغامرات الغربة، والإحساس بالاغتراب أداة فنية لتصوير استيقاظ الوعي الوطني عند الشباب، لذلك فإن أول إحساس انتاب (بلخير) وقع بعد خروجه مباشرة من مدينة الجلفة: "انتابه فيها إحساس دافئ لم يشهد مثله طوال حياته رغم السنين العديدة التي عاشها فيها، كما بدأ ولأول مرة يكتشف جمال المدينة وطبيعة بلاده، ويشعر بصلة خفية قوية تشده إليهما كالصلة التي تربطه بأمه(39).‏

وبلغ الحدث ذروته عندما اكتشف بلخير سبب إبعاده عن قريته أولاً، ثم بلاده ثانياً، وذلك عندما اتصل مباشرة بمجتمع المستعمر واطلع على الأفكار التي تنشرها وسائلهم الإعلامية حول الثوار وأعمالهم الفدائية وقد عبّر عن هذا بقوله "المقصود من ابعادنا هو إبعاد رؤوسنا، عن أفكار الثورة. هذا هو جزاؤك على إخلاصك يا بلخير.. النفي.. النفي والإبعاد.. إنك في نظرهم لست إلا عدواً.. شكراً يا فرنسا، أنا أيضاً عدو؟؟ أنت أيضاً عدو.. وسنرى..(40)‏

إذا كان القاص قد أبدع في التعبير عن فكرته في تصوير تطور الوعي الوطني لدى الشباب وتدرجه الطبيعي في شخص (بلخير)(41)، فإن الذي يلاحظ من الجانب الفني، أن القاص منصرف إلى الأحداث العديدة، وكثرة تنقلات (بلخير) وهو الشيء الذي قاده إلى التعبير عن الحدث تعبيراً روائياً يبدأ بوصف الشاب وظروفه الاجتماعية وطفولته، ثم تطوعه في الجيش الفرنسي وتنقله بين بيئات عديدة داخل الجزائر وخارجها من دون تحديد للزمان، فهذه الصفات أفقدت القصة بعض عناصرها الفنية كالتركيز والوحدة والترابط وجعلها أشبه بالنص الروائي المضغوط.(42)‏

ومع هذا فإن القاص تمكن وبمهارة عالية، وقدرة كبيرة من التعبير عن أفكاره تعبيراً جيداً، لا يخلو من روح ملحمية في تصوير شخصية (بلخير) وهو يخوض معارك محو العار.‏

هذا الصراع العنيف، وهذه الصور الملحمية من أجل اثبات كيان الذات الجزائرية، وتحريرها من أعمال المسخ والتشويه وقيود الأجنبي المتمثل في "العسكرية" الفرنسية وأعوانها سرعان ما أفل نجمه عقب الاستقلال (1962) في أدب وطار، وانتقل الصراع إلى الداخل.(43) ودارت رحاه بين الأخوة نتيجة انحراف بعضهم عن المسار الصحيح للثورة.‏

وأجمل قصصه في هذا الشأن قصة "الطاحونة(44)، فهي تعالج الوضع الاجتماعي الذي طغت مفاسده على سطح الحياة العامة في الجزائر، وقد مهد وطار لها بمقدمة طويلة لا تتناسب مع شكل القصة القصيرة، شرح فيها الفوضى التي غمرت مكاتب الجنود ومراكزهم(45).‏

وقد تجسد المعنى القصصي في الصبيين اللذين قدما إلى مركز الجنود يرغبان في الحصول على قسط من الطعام الزائد على حاجتهم، وفي الفرق الواسع بين وضعهما الاجتماعي البائس ووضع القوات المسلحة وزوجات بعض المسؤولين الكبار.‏

فبينما يعوم "أفراد القوات المحلية في الذهب، وتنفق مصالح القادة الجاسوسية يومياً عشرات الملايين، وتنفق في تونس زوجة أحد الوزراء في الحكومة الثورية قرابة المليونين في يومين، ورغم أن العالم يتبرع علينا، والخيرات مخزونة عند الأغنياء فإن أبناء الشهداء وقادة الثورة يتضورون جوعاً، ويكاد الأطفال الصغار من أبناء الشعب يهلكون من شدة الجوع والعري.(46).‏

وهذا الحدث لا يتطور إلى نقطة واحدة، يمكن تسميتها بعقدة، نظراً لسيطرة عنصر الحوار بين الجندي والصبيين، واهتمام القاص بإبراز المظاهر السلبية والانحرافات التي بدأت تغزو عقول بعض العناصر المنتمية إلى الجيش الوطني، بعد أن كانوا ثواراً ومجاهدين شرفاء.‏

وقد طرح الصبيان (قاقا) و(بسعو) قضية سياسية كبيرة تتمثل في مصير الخونة والثورة، ثم إن القاص استطاع أن يعبر عن موقفه بطريقة ذكية، وذلك في إجابته عن سؤال الصبي (بسعو): "لكن يا بسعوما ذنب قاقا ليس هو الذي قتل وليس هو الحركي..)(47). ويعني هذا أنه لا ذنب لأبناء الخونة، فيما اقترفه آباؤهم في حق الوطن والثورة، وأن الوطن مقبل على عهد جديد، يكون فيه كل واحد مسؤول عما يقدمه.‏

وينتهي الحدث رغم سيطرة النظرة الدكناء على القصة، نهاية لا تخلو من تفاؤل، وذلك عندما حور القاص في نص المثل الشعبي "الطاحونة تدور، والجعجعة تملأ الآذان، ولا أحد يسأل عن الطحين"(48)، إلى أن صار يشبه اللازمة التي تحدث وقعاً واحداً، كلما حان وقتها. ووظيفته في النص تعميق الإحساس بالتشاؤم بسبب كثرة المفاسد والانحرافات التي كادت تودي بمكتسبات الثورة إلى الهاوية. ولكن وطار انتفض في نهاية القصة، ونفخ في جسد المثل روحاً جديدة، حيث صار رمزاً للتفاؤل بدل التشاؤم، وذلك بعد أن آل إلى صياغة جديدة "خيل إلي وهما يبتعدان، أنهما يسيران في بركة دم متشبثين بالخبز، وعلى ظهريهما أكياس يحملانها إلى الطاحونة على الضفة الأخرى، ليبعثا جعجعة جديدة ولكن بالطحين هذه المرة.(49).‏

وقد جعل الطاهر وطار في قصة "الزنجية والضابط"(50) للشخصية دوراً رئيساً، فهي التي تقوم بالحركة، وتتضمن في الوقت نفسه المعنى القصصي، إذ تدّل كل شخصية على الفئة التي تنتسب إليها ما عدا شخصية (الزنجية)، فهي ترمز إلى الوطن. وتتحدد مواقف كل شخصية من خلال علاقتها بالزنجية، وما ترغبه منها، ويمكن تحديد ميزان القوى على النحو التالي:‏

-السلطة العسكرية =العقيد+ السائق+ السيارة.‏

-السلطة الحزبية =ممثل واحد عن الحزب.‏

-سلطة الفئة المثقفة= الصحفي.‏

-سلطة الشعب= الزنجية.‏

وهكذا فإن السلطة العسكرية في دول العالم الثالث هي الأكثر تمثيلاً وبذلك فهي القوى التي تملك أدوات التنفيذ والاستيلاء على خيرات البلاد.‏

ونجد في القصة شخصية العقيد، وهو رمز السلطة العسكرية الاستغلالية، إن أول ما تثيره شخصيته في نفس المتلقي هو تركيز القاص على وصف مظهره الخارجي، وهو تركيز مقصود لا يخلو من إشارة إلى الوضع الاجتماعي الجيد الذي تتمتع به هذه الفئة في العالم الثالث، فهي إذا كانت تهتم بتلميع مظاهرها الخارجية، فإن بواطنها مناطق موبؤة يعمها الفساد والاهتراء.. وقد عبر القاص عن هذه الصورة الخفية بطريقتين:‏

-الأولى تظهر من خلال تصرفات الضابط مع الزنجية، حيث يحاول استغلالها، وامتهانها لولا احتماؤها بالصحفي، ويعبر هذا اللجوء إلى الصحفي عن ثقة الشعب في مثقفيه الثوريين، وأن خلاصه لا يكون إلا عن طريقهم.‏

-وتظهر الثانية من خلال تصرفات زوجته التي تبدو زوجة مستهترة بالعلاقة الزوجية فهي، تخون زوجها مع جنود بسطاء ذوي عاهات جسمية.(51)وتومئ صورة شخصية الفئة المثقفة إلى وضعها الاجتماعي البائس "جاء الصحفي يجرجر قدميه، بثيابه المتنافرة، ومصورته المتدلية في صدره، ولحيته الكثة التي لم تلامسها الشفرة منذ أن حل بالصحراء"(52).‏

إلا أن أطرف هذه الشخصيات، هي شخصية الحزبي الذي احتل المقعد الأمامي إلى جانب السائق، وقد قدمه وطار من خلال تعليقات زملائه، فقد علقت الزنجية عليه حالما ركب السيارة بقولها: "من جانب يكونون نقابة للنساء، ومن جانب آخر يريدون الحفاظ على كل أوضاع النساء)(53).‏

وكان تعليق الضابط على الحزبي أشد شتماً ونقداً حيث قال: "هذا الحمار ساءه أن تركب الزنجية إلى جانبي، هؤلاء السياسيون يتظاهرون بالبراءة والتقوى بينما هم أكبر المخربين)(54).‏

أما الصحفي فلمّح في تعليقه إلى أطماع الضابط، عندما تنازل عن المقعد الأمامي للحزبي، فقال: "عندما يتنازل الجيش عن القيادة المباشرة فيقين أن هناك ما هو أهم يشغل باله)(55).‏

وأخيراً فإن وطارا قد اعتمد على الطريقة نفسها في تصوير حدث قصته، ووفق في التعبير عنه توفيقاً لا حدود له، وبأسلوب ساخر ينم عن ذكاء وموهبة أدبية غنية بالتجارب والخبرات الحياتية فقد أتقن انتقاء شخصياته من واقع العالم الثالث، وجعل كل شخصية تؤدي دوراً لا يخلو من رمز وإيحاء.‏

كما وفق الطاهر وطار في قصة: "الشهداء يعودون هذا الأسبوع"(56). في حبك الأحداث، فعالج موضوع انحراف الثورة ودخول عناصر خارجية في مسارها، وقد وظف لذلك رسالة (مزعومة). اكتست في المقدمة طابعاً أسطورياً؟ إذ من يصدق أن الموتى يبعثون رسائل من قبورهم إلى ذويهم؟‏

لكن مضمون الرسالة هو الهدف، كما أن البيئة السياسية للحدث لعبت دوراً مهماً في تضخيم نبأ الرسالة، وهو الأمر الذي جعله ينتشر بسرعة مذهلة، وينزل على قلوب السلطات المحلية كالصاعقة، فهم الوحيدون الذين صدقوا الرسالة المتضمنة التأكيد على عودة الشهداء خلال أسبوع. إن حركة العودة تعني قلب الوضع السياسي رأساً على عقب، كما تعني تعرف الشهداء على الحقيقة، وهو الأمر الذي رسم وطار صورته بطريقة غير مباشرة، وذلك باعتراف كل مسؤول على حدة، كلما قرأ الرسالة أو بلغه خبر عودة الشهداء.‏

فقد اعترف مسؤول القسمة بخيانته للثورة قبل الاستقلال، وشهد على نفسه في قوله: "لست أدري كيف بلغه أنني وشيت به إلى العدو وأن كميناً نصب له في منزلي، فلم يحضر، "ظل العسكر متخفياً في منزلي شهراً ولم يحضر."(57).‏

واعترف أيضاً رئيس فرقة الدرك بخيانته: "لا أحد يعلم عن أسري يوم المعركة التي استشهد فيها كل أعضاء فرقتنا، ما أن انطلقت الرصاصات الأولى، حتى رفعت يدي وركضت نحو العدو غير مبال بهتافات العودة خلفي. كنت حامي الفرقة بالمدفع الرشاش، وكان توقفي عن إطلاق النار يعني هلاكها، لم يستطع أحدهم أن يلتحق بالمدفع الرشاش المحصن فسقطوا جميعاً.. (58)‏

وتطور الحدث إلى أن بلغ ذروته عندما اكتسح خبر عودة الشهداء في ظرف عشرة أيام إلى القرية، وصار محل نقاش كل سكانها.‏

وقد انتهى دور (الشيخ العابد) حينما بلغ الحدث إلى هذه النقطة المتأزمة بعدما أدى رسالته باتقان وتضحية وذكاء، ومن هنا بدأ الحدث يتنازل بسرعة بوصول الشيخ العابد إلى أسفل المنحدر قرب خط السكة الحديدية. وفي هذه اللحظة طلب أمين القسمة من جميع سلطات البلدية عقد اجتماع طارئ لدراسة خبر عودة الشهداء الذي نشره (الشيخ العابد)، ومما جاء في خطابه قوله: "موضوع اجتماعنا هذا، هو التصدي لحركة تشويش كبرى تدبر في قريتنا، وربما في قرى أخرى، وأنا على يقين من أن لها صلة بالخارج.(59).‏

وما إن انفض الاجتماع -بعد أن كلفوا رئيس فرقة الدرك بالقاء القبض على الشيخ العابد -حتى أقدم الشيخ على عملية انتحار، حيث ألقى بنفسه أمام القطار، وذلك فداء وتضحية لرسالته النضالية التي قام بها بكل اتقان وتفان في سبيل مبادئه الوطنية التي لا تتغير، وهي نقطة وفق القاص في التعبير عنها توفيقاً فنياً وفكرياً عالياً، كما أنه وصل إلى المعنى الذي سعى إليه في القصة، مع أنه لا يخلو من أسطورية، فقد جعل القرية كلها تقرأ ماضيها الذي كادت تنساه، كما جعل كل مسؤول يشكّ في كفاءته وحقه في المنصب الذي يشغله. وهو المعنى الذي قصده وطار عن طريق شخصية (الشيخ العابد).‏

ومع ما يبدو على نتاج وطار القصصي من تجديد في المضامين والأساليب، فقد استعمل الطريقة التقليدية في بناء أحداث قصصه بكثرة بحيث استغرقت قصص مجموعته الأخيرة "الشهداء يعودون هذا الأسبوع".‏

ونستنتج أيضاً أن معظم القصص التي عولجت أحداثها بهذه الطريقة اتصفت بكثرة الشخصيات والأحداث والطول.‏

كما اتصفت مقدمات بعض القصص بالطول، وكثرة التفاصيل، إلى أن كادت هي ذاتها تتحول إلى قصص قصيرة.‏

2-الطريقة الحديثة:‏

أفاد أعلام هذه المرحلة من الأدب القصصي الحديث وتقنياته، إذ وظفوا في كتاباتهم جل أساليب الكتابة القصصية المعروفة آنذاك. ويرينا التحليل التالي مدى إفادة هؤلاء الأعلام في عرض الحدث القصصي والتعبير عن أفكارهم مما يبين التطور الفني عند كل قاص.‏

بدأ عبد الحميد بن هدوقة قصته "زيتونة الحب"(60)، من عقدتها رأساً، حيث استهلها بموقف غامض متشابك مثير لأسئلة عديدة. يتمثل هذا الموقف في شجرة الزيتون التي كان يلتقي تحت أغصانها (سعد) و(باية).‏

وقد أحاط القاص هذه الشجرة منذ البداية بهالة تثير الحيرة لدى المتلقي، وذلك من خلال الاهتمام بها عن طريق الوصف وأحاديث سكان القرية الكثيرة والمتناقضة. كما أن موقعها هو نفسه يثير فضول المتلقي، فهي تقع فوق ربوة تشرف على القرية يميناً، وعلى المقبرة يساراً، وقد عصفت بأوراقها ريح عاتية في أيام فصل الصيف، وبقيت لمدة سنين عارية من دون أوراق، ولا اخضرار في جميع الفصول.(61).‏

وإذا كان النص القصصي علل سبب عرائها وذلك بهبوب ريح قوية في أحد أيام فصل الصيف، فإن سكان القرية قد آمنوا بتفسير خرافي، لا يزيد الواقع الأدبي إلا أسطورة: "فهم جميعاً يعتقدون بأن مارداً من الجن هو الذي عصف بأوراقها عندما نزح منها.(62).‏

ولكي يفسر عبد الحميد بن هدوقة هذه العقدة، فإنه أنشأ قصة عاطفية داخل القصة الأسطورية بين (سعد الله) و(باية)، ونقد من خلالها بعض العادات السائدة في الريف الجزائري، خصوصاً تلك التي لا تسمح لشابين تحابا أن يلتقيا منفردين تحت ظلال شجرة، ولعله لهذا السب جعل موقع الشجرة بين القرية والمقبرة، وهو تهديد لمن يتجاوز (حدود) القرية فإنه سيجد نفسه في المقبرة.‏

وقد كان كذلك مصير (سعد الله) و(باية) عندما تجاوزا (حرمة) القرية، وحاولا أن يتجاوزا عاداتها التي توارثها سكانها جيلاً بعد جيل، وحينما لدغت أفعى مختبئة في أحد جحور الشجرة يد (سعد الله) ومات على أثرها لم يجد السكان إلا التفسير الأسطوري جاهزاً أمامهم، ولم يحاولوا إيجاد سبب آخر، حيث أجمعوا على أن سبب موته المارد الذي يسكن الزيتونة عاشق باية(63)، وقد لدغت الأفعى (باية)، وبالطريقة نفسها رد الناس سبب موتها إلى غضب المارد عليها(64).‏

وبهذا التفسير الساذج، والسطحي للحدث تأتي القصة على النهاية مرسخة بذلك المعتقدات الشعبية والأسطورية في المجتمع، الريفي، والحق أن الباحث ليحار حول هذا الاختيار الذي آثره ابن هدوقة، أهو إيغال في الواقعية، أم مشاطرة السكان فيما يعتقدونه، ولو كان خرافياً وبسيطاً، وكنا نأمل أن يتطور الحدث نحو حل أنسب لظاهرة سقوط ورق الشجرة، وموت الشابين بطريقة واحدة.‏

على أن النص القصصي يتوافر على فنيات جميلة، من ذلك هذه الجملة الشعرية التي كررها عدة مرات، وذلك كلما لدغت الأفعى أحد شخصياته: "وصاح صيحة، بلغ حر الصيف صداها، ويبس في مكانه جثة هامدة..(65).‏

وتعد قصة "الأشعة السبعة"(66)، ومن أجود النماذج القصصية الجزائرية، وأنجحها، إنها تعبر عن الصراع المصيري القائم آنذاك بين الإنسان المحلي والقوى الخارجية عدا ما فيها من التماسك الفني والبعد الدلالي.(67).‏

ويرمز شروع ابن هدوقة في سرد قصته من عقدتها إلى شذوذ العلاقة القائمة بين المستعمر والمستعمر، وأن أي مسعى لخلق رابطة طبيعية بينهما مستحيلة وغير ممكنة، وقد عبر عن فكرته هذه بالطفل الأبكم(68)، الذي استعصى علاجه على كل الأطباء(69).‏

وبهذه المقدمة عبرت القصة عن بلوغ الحدث إلى ذروته، ثم عاد ابن هدوقة إلى الخلف، ووصف طفولة الطفل وجماله والبيئة الأسطورية والاجتماعية التي ولد فيها، فقدم تفسيراً لمرض الطفل يختلف عن تفسير الأطباء وتقاريرهم هو أقرب إلى التفسير الخرافي، ويتضح من خلاله أن عاهة الطفل ليست فطرية، وإنما هي ناتجة عن حالة نفسية سببتها الصدمة التي أصيب بها في أثناء غرق والدته في البحيرة، حيث شاهدها وهي تغرق من دون أن تستطيع فعل أي شيء.‏

ولذلك فإن علاج الطفل لا يكون إلا بحادث قوي وعنيف يهز أعماقه ويكون شبيهاً بحادث موت والدته، وقد ظل الطفل مشدوداً روحياً لجسد والدته الذي استقر في قاع البحيرة. وهذا ما يفسر تردده الدائم إلى البحيرة والتأمل في مياهها ساعات طويلة.‏

بعد ذلك تنحدر القصة نحو النهاية الغنية بالدلالات، والايحاءات، حيث يمر سرب من الغربان -وهو رمز شر ونذير شؤم- فوق سماء البحيرة تبعه سرب من الطائرات الحربية رآها الطفل الذي كان يتسلى بسقي جوانب البحيرة، ورمي الأحجار السبعة(70)، وبينما هو يستعد لرمي الحجر السابع، إذا بقنبلة كبيرة تقع وسط البحيرة، فاندفع الماء من أعماقها نحو السماء، وفي تلك الغمرة الغامرة رأى "فتاة عذراء" رأسها شمس ذات أشعة سبعة ارتفعت مع دفقات الماء إلى السماء عالياً ورأى نور تلك الشمس يغمر الأرض والسماء فصاح بكل قواه أمي(71).‏

وهكذا مزج الكاتب بين الواقع الأسطوري الذي يؤمن به سكان القرية ولم يستطع الأطباء أن يجدوا له علاجاً علمياً، وبين حقيقة الواقع الذي يؤمن به المثقف الوطني، فهو يؤمن بأن استعادة الحق الطبيعي لا تكون إلا بقوة السلاح وتغيير الأوضاع من أساسها. كما اعتمد ابن هدوقة في رسم حدث قصته على الرمز والإيحاء، والعبارات الشعرية، فالطفل يرمز إلى جيل ثورة نوفمبر الجديد والذي صمم على استعادة حقوقه الطبيعية، ويقابل هذا في القصة تردده على البحيرة كل صباح رغم تحذير والده، كما كان يحلم بعودة الأم التي افتقدها وهو صغير.. وهي هنا رمز واضح للأرض التي هي الجزائر كما أن والد الطفل هو رمز للجيل الذي سبق قيام الثورة، الجيل الذي تملكه اليأس فاستكان لإرادة القضاء، بينما العفريت الذي سكن البحيرة، وتحول مع مرور الزمن إلى أسطورة آمن سكان القرية بجبروتها فهو رمز للمستعمر الذي تحول في نظر عقول كثيرين إلى خرافة لا يمكن أن تواجه.. ولكن هذه الخرافة التي سيطرت على عقول السكان طيلة سنوات كثيرة وأجيال عديدة، تبددت وتلاشت، وامحت عندما اندلعت نيران الثورة التي كانت القنبلة رمزاً لها، والأشعة السبعة رمزاً لسنواتها(72).‏

بينما ترمز الحجارة إلى الوسائل الضعيفة والإمكانات القليلة التي بدأت بها الثورة، وترمز السواقي التي رسمها الطفل على جوانب البحيرة إلى الجداول الدموية التي انسكبت من أجسام الجزائريين، وقد أنبتت جيلاً مؤمناً بحرية الوطن واستقلال شعبه، كما أنبتت مياه السواقي نباتاً أخضر على جوانب البحيرة.(73)‏

ومع أن ابن هدوقة استعمل أسلوبين في تصوير أحداث قصته أحدهما يقوم على الواقع الأسطوري، والثاني على الواقع الحياتي والعلمي، فإن نجاحه في التعبير عن أفكاره كان كبيراً، وتجلى ذلك من خلال ربطه الموفق بين الأسطورة وبين أحدث أسلحة الدمار المستعملة في الحرب آنذاك، وهي الطائرات(74)، ويدل هذا على الثراء الفني والموهبة الأدبية، وغير ذلك مما يتمتع به هذا الكاتب الفذ.‏

وكذلك تبدأ قصته "منتصف النهار"(75)، بتصوير الحدث من عقدته، حيث التأزم والذروة. لقد رجع (حميدة) إلى بيته، فرآه مهدماً، فاعتقد أن زوجته قد خانته، وتعاونت مع أبناء قوميتها الفرنسيين على هدمه، وتتضمن هذه الفقرة التي تصدرت النص القصصي إشارات إلى الغرب الاستعماري والشرق المستعمر، ثم يعود القاص إلى سرد حياة (حميده) الماضية في فرنسا، وكيف تعرف على زوجته الفرنسية، واكتشف بعد عشرة بينهما أن عدة أمور تجمع بينهما، فاستغلا هذه النقاط المشتركة وتزوجا، ثم سافرا إلى تونس واستقرا في مدينة بنزرت الساحلية ليظلا دائماً يستمدان من زرقة البحر الأبيض المتوسط وسمائه قوة حبهما.(76)‏

وبعد أن سرد بطل القصة حياته الطويلة في فرنسا أحسّ بالتعب من الوقوف على أنقاض بيته الذي لم يبق منه سوى بقايا بعض جدران واقفة وأخذ يجوب في خرائب بيته منطقة منطقة إلى أن وصل إلى الباب، وكانت الساعة آنذاك الثانية عشرة. وهاله الأمر حين رأى معصم زوجته مخضباً بالدم تحت الردم.(77)‏

وتوقف القاص هنا، يدل على بلوغ الحدث آخره وأنه أدى دوره وهو أن الاستعمار الفرنسي استعمار ضد الإنسانية البريئة، وأن من بين الفرنسيين من هم ضحايا مثل غيرهم من الشعوب الأخرى التي ذهب الكثير من مواطنيها ضحية جبروته ووحشيته.‏

وهذه النهاية التي تعبر عن موقف القاص، لم تنل رضى بعض النقاد العرب مع أنهم أبدوا إعجابهم بتماسك أجزاء القصة وقدرة ابن هدوقة على الغوص في نفسية شخصياته وتحليلها.(78)‏

ولأبي العيد دودو كثير من القصص المبنية على الطريقة الحديثة، كقصة: "رسالة توصية"(79)، والتي عالجت مشكلة الوسطاء في الإدارات العمومية، وتبدأ بتصوير (بومرخوفة) حالما دخل إلى مكتبه بإحدى المؤسسات الوطنية الكبرى، وألقى بكل ثقله وسط الكرسي الفاخر، وقد ترك دودو بطل قصته يعاني من تصرفات كاتبته ومعاملتها القاسية له.‏

ثم انحدر الحدث نحو النهاية بعد أن شتمته وعيرته بأنه لا يصلح لأي شيء، فقرر بعد ذلك الاستقالة من منصبه.‏

كذلك في قصص الطاهر وطار، ففي "زنوبة"(80)، تصوير للبطل وهو يعاني من قلق شديد سببه انتظار مكالمة هاتفية مهمة، وهو في قلق ووحدة وانتظار. وقد جعل القاص ساعة حائطية أمامه تقع عيناه على عقربيها كلما رفع رأسه نحو الحائط، وقد استخدم القاص أسلوب التداعي لإزالة قلق البطل، حيث شرد ذهن (لطفي) بمجرد أن استلقى على سريره، فامتد فكره بعيداً نحو المستقبل، إلى القرن الخامس والعشرين(81) إذا كان هذا الأسلوب قد سهل مهمة التعبير عن أفكاره، وآرائه حول الفن والوضع البشري الذي قد يكون عليه في القرن الخامس والعشرين، فإنه لم يفد قصته خصوصاً من حيث التركيز والاهتمام برسم الحدث الرئيس. إذ يبدو أن حلمه الطويل لا علاقة له بالحدث القصصي الذي عبّر عن مرحلة الشباب المضطربة، كذلك فإن ترديد الحوار الهاتفي الذي دار بين لطفي والمرأة المجهولة عدة مرات يبدو زائداً، لا وظيفة له في القصة كما أن القصة اعتمدت على الأحداث المفاجئة، من ذلك أن نهاية الحدث لا تبدو متطورة عن أحداث سببية، إذ ليس من المعقول أن يتم تصالح (زنوبة) ولطفي بالسرعة التي تم بها، وذلك بعد أن اختصما بشدة.(82)‏

ومع هذا فقد نجح وطار في خلق عنصر التشويق في قصته بوساطة المرأة التي هتفت للطفي، ووعدته بأن تزوره في بيته، فهذا الموقف جعل شخصية القصة تنتظر موعد زيارتها بكل شوق ولهفة.‏

إن الطريقة الحديثة قد أدت دوراً مهماً في بناء أحداث القصة الجزائرية القصيرة، وأغنتها، وأتاحت للكتاب إمكانية التعبير عن الموضوعات الجديدة وتصوير الحرب التحريرية، والظواهر الاجتماعية.‏

3- الارتجاع الفني أو (الخطف خلفاً)‏

استخدم القاصون الجزائريون طريقة الارتجاع الفني أو الخطف خلفاً في كثير من كتاباتهم، وهي تعد من التقنيات الفنية التي استحدثت في السينما حديثاً، خصوصاً في مجال الأفلام البوليسية، ويعد وجودها في النتاج القصصي الجزائري المعاصر سابقة فنية تدل على تفتح الأدباء واطلاعهم على التجارب الأدبية الأخرى سواء التجربة الأدبية العربية المعاصرة، أو التجارب الأدبية الأجنبية الجديدة، خصوصاً التي ظهرت منذ الحرب العالمية الأولى.‏

وسنحلل فيما يلي بعض النماذج القصصية لبيان مدى افادتهم من هذه الطريقة في رسم أحداث قصصهم والتعبير عن أفكارهم ومواقفهم.‏

فعبد الحميد بن هدوقة يبدأ قصته "ظلال"(83)، من آخرها، وهو تصوير وفاة الشخصية الرئيسة أسفاً وحزناً على موت جروتها الصغيرة التي كانت تحبها وترعى شؤونها. وإذا كان قد استطاع أن يثير بهذه النهاية تساؤلات كثيرة حول ماهية هذه الجروة وقيمتها فإن (الزوجة) قد توفيت بسبب شدة حزنها على موت الجروة. وإذا كان ابن هدوقة قد قصد إلى تصوير إنسانية الزوجة ورقة مشاعرها فقد أخفق اخفاقاً شديداً، فلا أحد يصدق أن إنساناً يموت حسرة على موت جروة مهما كانت العلاقة التي تربطه بها، ومما زاد الموضوع ضعفاً أن موت الجروة لا يحمل أي رمز، ولا أية دلالة إنسانية.‏

قد نفسر هذا بأنه يخلق مواقف رومانسية في القصة، ويؤيد هذا اعتماده على الوصف، والجمل الشعرية، ولكن سقوط القصة باق لا محالة، قد يدل عليه وصف انعكاس موت الجروة على جسمها في قوله "وبدأ اليأس من ذلك الحين يسري في جسمك الرهيف النحيف حتى أتى عليه".(84)‏

كما بدأ ابن هدوقة قصته "النافذة الثانية"(85)، بعد انتهاء كل أحداثها التي روتها امرأة مسنة تعمل في الفندق الذي أقام فيه (بطل) القصة.‏

وقد عبر البطل عندما جلس على المقعد ووقع بصره على زهرة البنفسج بقوله:‏

"وسرت في جسمي انتفاضة كتلك التي انتابتني عندما التقينا هنا بالبستان لأول مرة.. وأعيش ذا الماضي الذي لاقت فيه بين قلبينا زهرة البنفسج، وجمعت بيننا صبحة من صبحات هذا المكان الفائض بالنسيم الناعم بالعطر على هذا المقعد الخشبي القريب من البحر..(86).‏

ويصعب اعتبار بداية القصة عقدة فنية، رغم وجود بعض الإيحاءات، وإنما يمكن اعتبار تبلور العقدة في الغموض الذي يحيط بشخصية المرأة، وخصوصاً في قولها بعد أن منحت زهرة البنفسج للشاب: "أترى هذا البحر؟ إنني أود أن أمتزج به إلى الأبد، إنه رائع، ثم استطردت قائلة: إن النافذة ستفتح اليوم(87).‏

كما يمكن اعتبار غلق النافذة قمة العقدة، وفتحها نهاية لها.‏

وتظهر صنعة الكاتب وتدخله المباشر واضحاً في رسم الحدث والسير به نحو نهاية مصطنعة أدار هو مصيرها ومعالمها، ولم يترك ذلك للإمكانيات الفنية التي توجد في قصته، فالحدث القصصي مقنع، خصوصاً في حادث انتحار الزوج من النافذة لحظة أن علم أن ابنته قد سقطت منها في البحر، ثم تتبع زوجته طريقته نفسها، وقد حاول ابن هدوقة أن يخفي هذه النقائص والسقطات ببعض الجمل الشعرية، والعبارات الرومانسية، والمناظر الطبيعية، إلا أن النص القصصي مع هذا يدل على البداية الفنية المضطربة للكاتب، وتأثره السريع بما اطلع عليه من نصوص أدبية رومانسية أجنبية.‏

واستخدم القاص لتصوير خيانة بطل قصة "يد الإنسان"(88) أسلوب الحوار الداخلي، فكثر حديث البطل عن نفسه، ووصف مشاعره الداخلية إلى أن ذكر القاص ذلك وبطريقة علنية، فقال: "وقفل راجعاً وفي نفسه يجري حديث طويل"(89).‏

إن الحوار الداخلي قد قام بدور رئيس في رسم حدث هذه القصة، ومن خلاله أبرز القاص ملامح شخصيته الداخلية والخارجية كلها، كما أن هذا الأسلوب جعل القاص لا يمارس ضغوطه على شخصياته، وإنما ترك لهم الحرية في أن يعبروا عما يحسون به، وما يفكرون فيه، وفوق هذا كله يعترف أحدهم بخيانته للثورة، وعدم الامتثال لقوانينها وأوامرها، كما يعبر أحياناً عن عدم ولائه لأية جهة، لا للثورة، ولا لفرنسا، وأحياناً يعبر عن انتهازيته، وقراره في نفسه أن يعمل لصالحيهما في الآن نفسه، ويسحق أية جهة متى ظفر بها.(90)‏

وإذا كان القاص قد نجح في توظيف وسائل فنية لتصوير حدث قصته، فإنه أخفق في وضع حد لخيانة (يونس) بطريقة مقنعة.‏

وكذلك تبدأ قصته "الصداقة"(91)، من نهاية الحدث، أي بعد أن توقف في الواقع عن الحركة، وقد صور (دنيا) بطلة القصة مستلقية على سرير المرض في إحدى المستشفيات، وعندما تقدمت منها ممرضة فرنسية الجنسية رفضت المعالجة.‏

ثم عاد ابن هدوقة إلى الخلف، فسرد قصّة صداقة (دنيا) و(مونيك) الفرنسية، وعرض بالتفصيل مساعدة (دنيا) لأسرة (مونيك)، إذ استدعتها لتقيم معها في منزلها، بدل الإقامة في إحدى غرف الفنادق.(92)‏

لكن هذه الصداقة لم تكن متبادلة الشعور، فقد كانت من جانب (دنيا) فقط بينما (مونيك) الفرنسية كانت امرأة استغلالية، انتهزت فرصة طيبة (دنيا) كثيراً، وحتى يؤكد القاص زيف هذا النوع من العلاقة وعدم دوامها، فقد استغل حوادث مدينة بنزرت(93)، لاختبارها. فما أن علمت (مونيك) باقتراب موعدها، حتى تغيرت طباعها وتصرفاتها، ومعاملتها مع (دنيا)(94). وجاهرت بتأييد القوات الاستعمارية، ثم تغير مجرى الأحداث، فقد ترك الزوج قنبلة يدوية لتستعملها (مونيك) زوجته بعد التحاقه بفرقته العسكرية، ولكن (دنيا) أحست بخيانتها، فأغلقت باب رواقها دون أن تشعر بذلك، فكان أن ذهبت ضحية غدرها وزيف صداقتها.. حيث انفجرت القنبلة بغرفة (مونيك).‏

وبهذا أكد ابن هدوقة امتناع قيام الصداقة بين المستعمر والمستعمّر. وبدأ أبو العيد دودو قصته "القائد(95)، بوصف عودة شخصيتها الرئيسة إلى بيتها بعد أن قضت نهارها في مكتبها بالوزارة. وقد وظف دودو أسلوب الارتجاع الفني، وحشد لمساعدة هذا الأسلوب عدة عناصر، أهمها مكان عمل (البطل) الذي قام بدور الراوي في الوقت نفسه، واسم الجريدة التي يطالعها يومياً، وهي جريدة (المجاهد) ولعل العنصر الذي برع القاص في انتقائه هو عنصر الزمن الذي لاءم معنى الحدث، حيث كان زمن "التذكر" هو شهر رمضان المعظم الذي يرمز إلى التضحية والصبر ووحدة الشعوب الإسلامية كما هيأ نفس البطل لمثل هذه الذكريات، وقد عبر بطل القصة عن ذلك في قوله: "استرحت هناك على مقعد مريح، وأمامي شجيرات فائقة الروعة تثب بين أغصانها طيور صغيرة. رقيقة الشدو..)(96).‏

وكان زمن السرد وهو تلك الدقائق الباقية عن موعد الإفطار مناسباً جداً لزمن القصة القصيرة.(97)‏

فكل هذه العوامل تعد دوافع قوية ومقنعة فنياً لأن يسترجع الراوي قصة كفاحه وشجاعة رفاقه وهلع جنود العدو. والحدث مصور من خلال سرد قصة استشهاد قائده (سي شعبان) أولاً، وثانياً من خلال قصته هو نفسه حيث تسلم القيادة بعد استشهاد قائده الذي أوصى له بها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.(98)‏

ثم تنتهي القصة بقدوم زوجته (فريدة) وابنه (شعبان) الذي يرمز إلى استمرارية الماضي، إذ إن اسم ابنه رمز لوفائه لقائده (سي شعبان)، واسم فريدة زوجته رمز وفائه لماضيه، وكان يحبها قبل أن يفصل من المدرسة ويلتحق بصفوف الثورة في الجبل.‏

ولا يسمو تصويره لحدث قصته "المنام"(99) ، إلى مستوى قصته السابقة، فعنصر المفاجأة غالب عليه، مع أنه يعالج موضوع القصة الأولى.‏

وتنفرد هذه القصة بأن زمن السرد فيها واقع خارج الوطن، وكذلك المكان، حيث تعرف البطل إلى أحد أبناء قريته في قطار متجه إلى بلغراد، وتحادثا عن الوطن وثورته، والقرية وسكانها، ثم روى (محمد الطاهر) بطل القصة، قصة نضاله منذ الخامسة عشرة من عمره.‏

وهنا بلغ الحدث ذروته، خصوصاً عندما روى أن الثورة كلفته بإيصال رسالة إلى أحد أغنياء القرية مقابل التحاقه بصفوف الثورة في الجبل، وأنه فوجئ وقتها بوجود فرقة من الدرك الفرنسي في بيته، فما كان منه إلا أن دخل في حلقة رقص، وبدأ يرقص وكأنه أحد أقارب العريس، ورغم عيون العدو اليقظة، فإنه استغفلها وسلم الرسالة لصاحبها.‏

وقد أوقف القاص تتابع الحدث عدة مرات، عندما قطعة ببضعة أحاديث قصيرة بين راوي الأحداث وبطلها حول وضع قريتهما، وسكانها وإشعال السجائر، من حين لآخر.‏

وهو الأمر الذي قرب القصة من حكايات مجالس السمر والذكر.‏

ويستخدم وطار أسلوب الحوار النفسي ببراعة مدهشة، وذلك لتصوير الأوضاع السياسية العربية، ونقد القادة العرب المتخاذلين، فقد قرن في قصته "الحوت لا يأكل"(100) وباتقان فني كبير بين الحوت الذي أبى أن يأكل الدودة التي في رأس السنارة، وبين تحاشي العرب خوض الصراع الطبقي، كما نجح إلى حد كبير أيضاً في المزاوجة بين عالم الفرد، والعالم الكلي الذي ينتمي إليه الصياد.(101).‏

وهكذا طرح أفكاره بأسلوب جديد، استلهم فيه الوضع السياسي العربي كشكل فني لقصته، فكان أن أطلق العنان لأفكاره لأن تنطلق واضعة يدها على مكان الجرح وموطن الهزائم، كما نجح في خلق تلاحم بين شخصية الصياد الذي قام بدور الشاهد على عصره، وبين الحوات الكادح الإنسان، فمثلما لم يستطع الحوت أن يصطاد ولو سمكة واحدة رغم طول المدة التي قضاها في البحر، والمجهود الكبير الذي بذله، لأن الحوات كان مصروعاً، ولا يملك القدرة على فتح فيه ليقبض على رأس السنارة، كذلك فإن الشعب العربي لا يستطيع أن يعبر عن مأساته، ولا أن يصف وضعه الاجتماعي لأن صوت قادته أعلى من صوته، ولأن يدهم أطول من يده.‏

ورغم السوداوية التي لونت نهاية القصة، فإن نجاح وطار لا حدود له في التعبير عن أفكاره، وبأسلوب فني امتزجت فيه الأسطورة بالواقع، والخنوع بالعصيان، ونعتقد أنه يكفي الفنان أن يخلق رغبة للتغيير عن طريق الاثارة التي يحدثها النص الإبداعي في نفس المتلقي.‏

وهكذا فإن بعض الكتاب الجزائريين استعملوا جميع الأساليب الفنية التقليدية والحديثة والارتجاعية في بناء الأحداث وصياغتها ونجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً مما دل على قدرة إبداعية واسعة في الاطلاع على مختلف أساليب التعبير في فن القصة القصيرة. كما تنوعت اتجاهاتهم فشملت القصة الرومانسية والثورية والواقعية والاجتماعية.‏

ب-صيغ سرد الأحداث.‏

على نحو ما تنوعت طرائق عرض الأحداث، تعددت الأشكال الفنية التي صيغت بها، ويدل هذا التنوع على ثراء التجربة القصصية الجزائرية وغناها بصورة عامة. ونقدم فيما يلي تحليلاً لأهم هذه الصيغ الخاصة بأسلوب السرد.‏

أ-صيغة ضمير المتكلم:‏

يكثر ورود (ضمير المتكلم المفرد) على الخصوص في القصص التي هي عبارة عن سير ذاتية، أو التي تصور الموضوعات العاطفية والاجتماعية والتي تقع أحداثها غالباً في الزمن الحاضر، لأن عنصر السرد معتمد في أكثر الأحيان على الأفعال المضارعة الدالة على الزمن الحاضر، أو المستقبل. ويوحي هذا بأن أحداث هذه القصص لا تزال بموضوعاتها قائمة في الواقع الفني. وأن ضمير المتكلم هو الأنسب في التعبير.‏

فقد استخدمه ابن هدوقة لصوغ حدث قصته "منتصف النهار"(102)، وساعده على ذلك أن (حميده)، وهو بطل القصة، قام بدور الراوي لقصة حياته(103)، كما استعمل القاص أحياناً ضمير الغائب كمساعد لابراز الحدث في عنصر السرد، وذلك عندما تحدث عن حياة (حميده) وطريقة زواجه (بكاترين) الفرنسية. إن سرد الحدث بأكثر من ضمير في النص الواحد قد يقضي على الرتابة والأحادية اللتين قد تتكونان فيه نتيجة اعتماد القاص على السرد بضمير واحد. ولكن هذا الخروج ينبغي ألا يشمل حيزاً كبيراً من حجم النص القصصي.‏

وقد وفق ابن هدوقة في فضح جرائم الاستعمار الفرنسي في قصة "عمري الحقيقي"(104) باستعمال ضمير المتكلم الذي قام بدور راوي الأحداث والشهادة على المجرم وعلى الأحداث التي وقعت في مدينة بنزرت التونسية والتي كان البطل أحد ضحاياها مما أغنى النص وأكد واقعية الحدث القصصي.‏

وقد كفل استعمال هذا الضمير للقاص أن ينقل رأيه إلى القارئ بمجرد انتهائه من كتابته، علاوة على أن ابن هدوقة يرى أن نتاجه ملك للقارئ لحظة خروجه من بين يديه(105).‏

ويبدو أن نجاح ابن هدوقة في صوغ الحدث بضمير المتكلم يعود في جزء منه إلى الشبه الموجود بين تجربته الحياتية وتجربة شخصية البطل في القصة(106)، كما أنه استخدم ضمير المتكلم الجمعي "نحن" للدلالة على المشاركة في الصفات والأشياء العامة. والذي يثبت هذا أن أحكاماً عديدة حول أخلاق الجزائريين وطباعهم ترد على لسان الشخصية بصيغة الجمع المتكلم مثل قوله "نحن جديون أكثر من اللازم" وهم لينون أكثر من اللازم، نحن لا نبتسم بدون سبب وهم لا يحبون أن تكون البسمة مرتبطة بأي سبب، فالبسمة عندهم ككلمة: السلام عليكم في بوادينا، لا يترتب عنها أي شيء)(107).‏

وأسهم حوار (الكاتب) مع (ناشر قصصه) في تقريب شخصيته من المؤلف فهو من اللاجئين الجزائريين، وكاتب قصص قصيرة مثله.(108)‏

وهذا الأسلوب في الصوغ نجده عند معظم الكتاب الجزائريين، فأبو العيد دودو يستعمل ضمير المتكلم في سرد أحداث قصصه استعمالاً موفقاً، كما في قصة "القائد" التي تصور الماضي النضالي والثوري لبطل قصته، والتي تؤكد شجاعة المجاهد الجزائري على عكس ما أدعته القوات الاستعمارية، وفي الفقرة التالية تصوير لنضال الشخصية التي تتكلم بلسانها: "وحين علوت المرتفع لمحت بعض جنود العدو عبر المنظار المكبر يتسللون، محاولين تطويقنا، فأسرعت إلى بعض الأخوان وأمرتهم بالانسحاب واحتلال المراكز التي كان العدو ينوي الوصول إليها.. وكنت أنزل بين الوقت والآخر وأجمع البنادق والعتاد، وأعود بها لتوزيعها على الأخوان.(109).‏

كذلك استعمل ضمير المتكلم في قصة "جاء دورك" لتصوير تطور الحدث القصصي لعرض نمو الوعي الوطني عند الشباب إلى أن بلغ قمته بالتحاقهم بصفوف الثورة في الجبل، وتعبيرهم هم أنفسهم عن الأمل المرتقب بعد صعودهم إلى الجبل. يقول أحدهم في نهاية القصة: وحين غادرت الدار وبدأت أصعد الجبل، شعرت أن الفجر قد أشرق في بلادي)(110).‏

واستخدم الضمير نفسه في قصة "المئزر الوردي" لتصوير خداع أحد شباب المدينة لطالبة ريفية تزاول دروسها في الجامعة، حيث تخلى عنها بعد أن حبلت منه، ولما يئست انتحرت.‏

إلا أن البطل شعر بندم شديد عندما وجدها منتحرة في غرفتها. فكان ضمير المتكلم الأنسب لتصوير ندم البطل، فجاء كلامه على طريقة أسلوب الاعترافات والسيرة الذاتية، أدان نفسه ووصفها بالأنانية والإجرام(111).‏

واستعمل الطاهر وطار كذلك ضمير المتكلم لصياغة أحداث قصص عديدة، من ذلك قصة "حبة اللوز"(112).، التي صورت تجربة حياتية لبطل القصة (لطفي) والذي كان يتلذذ باصطياد الفئران في بيته كل ليلة، وقد قادته هذه العادة إلى اكتشاف وضع الشباب العربي الذي يشبه كثيراً مصير الفئران التي يصطادها كل ليلة بمصيدته(113).‏

فقرر منذ ذلك الوقت الاقلاع عن صيد الفئران، وصحا ضميره بعد ذلك فمنع (راضية) من زيارته في بيته كعادتها.‏

إن ضمير المتكلم مناسب لمثل هذا النوع من الأحداث، وهو الأمر الذي ساعد القاص الجزائري على النجاح في عرض الأحداث، وهكذا تأتي النصوص وكأنها من نصوص أدب الاعترافات، لما تتصف به من واقعية وعفوية وعمق، مما يضفي على القصة روحاً تفاؤلية.‏

وليس أمام القاص بد من استخدام ضمير المتكلم في قصة "القبعة الجليدية"(114) للتعبير عن اختلاف أفكار الأجيال، وتباين العادات والتقاليد بين الأبناء والآباء، وتصوير ثورة الشباب على الآباء، وترمز القبعة الجليدية إلى سلطة العادات والتقاليد. وفي هذا الجو عبرت بطلة القصة عن ثورتها، وإصرارها على نزع القبعة مستخدمة ضمير المتكلم في قولها "إنني كنت نائمة ولم أكن أنا التي أفكر -إنها القبعة الجليدية- إن أمي هي التي كانت على رأسي.. يجب أن أنزعها بسرعة-.. عليّ أن ألقي بالقبعة الجليدية، بامي حالاً، وأضرب بها عرض الحائط لتتحطم.. وتتبعثر.. إنها باردة تبعث البرودة في حياتي"..(115).‏

وتؤكد نهاية الحدث على دعوة المرأة إلى التحرر، ونبذ العادات والتقاليد التي تعرقل تقدم الإنسان العربي. ولا تخلو من سخرية القاص بالتربية المتزمتة وجهل الأولياء بتطور الحياة، وإصرارهم على أن يسلك أبناؤهم سبيلهم، وأن يفكروا بطريقتهم نفسها.‏

وليست كل دعوة إلى رفض العادات والتقاليد، هي دائماً صائبة أو حسنة النية أو نافعة لمجتمعنا، فما أكثر الوسائل التي خدعنا بمظاهرها، وغزت مجتمعنا غزواً ثقافياً، كما أنه ليس كل ما في عاداتنا جميل ونافع يوجب التمسك به. إن مبدأ النقد هو النهج الأسلم لنا في مسار تطورنا الحضاري.‏

(1) فعلى سبيل المثال: تضمنت مجموعة الطاهر وطار: "دخان من قلبي" قصصاً تتجلى فيها عناصر التيار الرومانسي بصورة واضحة ومن هذه القصص: "حبة اللوز" و"صحراء أبداً" و"زنوبة" و"القبعة الجليدية".‏

(2) المثال على ذلك أن الباحث التونسي الدكتور محمد صالح الجابري نسب في صفحة 423 إلى 425 من كتابه النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين (1900-1962)- قصصاً للطاهر وطار نشرت في الصحافة التونسية، ولكن عند مراجعة مجموعاته القصصية المطبوعة لم نعثر على بعضها كهذه القصص: "من وحي الأطلال" و"فدائية" و"العمر موهوب".‏

(3) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية- (ط1)- منشورات دار مكتبة الحياة بيروت- بلا تاريخ -ص16.‏

(4) ظلال جزائرية- ص16.‏

(5) المصدر نفسه -ص15.‏

(6) ص21- 22.‏

(7) ص45 إلى 55‏

(8) ص45.‏

(9) ص47.‏

(10) ص52.‏

(11) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى (ط2)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1977-ص20.‏

(12) الكاتب وقصص أخرى -ص134.‏

(13) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -(ط2)- المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1984- ص15 إلى 31.‏

(14) أحمد الأخضر طالب: الالتزام في القصة الجزائرية المعاصرة في فترة ما بين (1931-1976) رسالة ماجستير، كلية الآداب -جامعة القاهرة 1981- ص79.‏

(15) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص77 إلى 84.‏

(16)‏

(17)د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة (ط2)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -الجزائر 1979-ص183.‏

(18) دار الثلاثة -ص16.‏

(19) المصدر نفسه -ص7 إلى 16.‏

(20) ص16.‏

(21) ص19 إلى 30.‏

(22) نبات بري يشبه البصل يأكله الريفيون في موسم الخريف.‏

(23) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص22‏

(24) نفسه -ص21.‏

(25) ص161 إلى 174.‏

(26) ص174.‏

(27) ص169.‏

(28) ص175 إلى 190‏

(29) ص177‏

(30) ص190‏

(31) الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع (مجموعة قصصية)- (ط2)- منشورات مطابع الحزب- الجزائر 1980‏

(32) راجع على سبيل المثال هذه القصص: "نوة"، و"محو العار" و"رمانة"، فهي أقرب إلى فن الرواية منها إلى فن القصة القصيرة، خصوصاً من حيث البنية الفنية.‏

(33) الطاهر وطار: دخان من قلبي (مجموعة قصصية) -(ط2)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1982-ص93‏

(34) المصدر السابق ص94.‏

(35) ص95‏

(36) ص104-105‏

(37) ص112-113‏

(38) ص121 إلى 184‏

(39) ص140‏

(40) ص149-150‏

(41) أحمد الأخضر طالب: الالتزام في القصة الجزائرية المعاصرة -ص72‏

(42) د. عبد الله خليفة ركيبي. القصة الجزائرية القصيرة -ص205‏

(43) عبد الرزاق عيد: دراسات نقدية في الرواية والقصة- (ط1)- نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي -دمشق 1980-ص147‏

(44) الطاهر وطار: الطعنات (مجموعة قصصية)- (ط3)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1981- ص7 إلى 17‏

(45) الطعنات -ص7‏

(46) ص10‏

(47) ص15‏

(48) انظر على سبيل المثال -ص13‏

(49) ص17‏

(50) الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص25 إلى 60‏

(51) الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص34‏

(52) المصدر نفسه -ص30 و31‏

(53) ص32‏

(54) ص32‏

(55) ص32‏

(56) ص159 وما بعدها.‏

(57) ص161‏

(58) ص170‏

(59) ص187.‏

(60) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية -ص36 إلى 44‏

(61) ظلال جزائرية -ص36‏

(62) المصدر نفسه- ص37‏

(63) ص37‏

(64) ص47‏

(65) ص32‏

(66) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة. (ط2)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1981- ص9 إلى 16.‏

(67) أحمد الأخضر طالب: الالتزام في القصة الجزائرية المعاصرة -ص76.‏

(68) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة (القصة نفسها) -ص9.‏

(69) الأشعة السبعة -ص9‏

(70) ص15.‏

(71) ص16.‏

(72) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة -ص235.‏

(73) أحمد الأخضر طالب: الالتزام في القصة الجزائرية المعاصرة \- ص77‏

(74) فوزي عبد القادر الميلادي: جولة مع أدباء شمال افريقية -ص12‏

(75) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة -ص53 إلى 61.‏

(76) الأشعة السبعة -ص53.‏

(77) ص53.‏

(78) انظر على سبيل المثال فوزي عبد القادر الميلادي: جوله مع أدباء شمال افريقيا -ص15.‏

(79) د. أبو العيد دودو: الطريق الفضي- (ط1) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -الجزائر 1981-- ص103.‏

(80) الطاهر وطار: دخان من قلبي -ص45.‏

(81) المصدر السابق -قصة (زنوبة) -ص47 إلى 49.‏

(82) المصدر نفسه -ص59.‏

(83) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية -(قصة ظلال) ص112‏

(84) ظلال جزائرية -ص13.‏

(85) المصدر نفسه (قصة النافذة الثانية) -ص25 إلى 35.‏

(86) ص25و26‏

(87) ص32‏

(88) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة- ص27 إلى 39.‏

(89) الأشعة السبعة -ص28.‏

(90) ص34.‏

(91) ص61 إلى 71.‏

(92) ص64.‏

(93) وقعت هذه الحوادث في عام 1961م‏

(94) الأشعة السبعة -ص66‏

(95) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون- ص43 إلى 51.‏

(96) بحيرة الزيتون ص43‏

(97) ص43.‏

(98) ص46.‏

(99) من 101 إلى 111‏

(100) الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص61.‏

(101) عبد الرزاق عيد: دراسات نقدية في الرواية والقصة ص141.‏

(102) الأشعة السبعة -ص53.‏

(103) ص56.‏

(104) ص71 وما بعدها.‏

(105) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى (قصة الكاتب) -ص18.‏

(106) راجع ترجمة الكاتب في آخر هذا الحدث‏

(107) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى -ص9.‏

(108) الكاتب وقصص أخرى -ص12‏

(109) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون- ص48-49.‏

(110) بحيرة الزيتون- ص84‏

(111) د. أبو العيد دودو: الطريق الفضي- ص147‏

(112) الطاهر وطار: دخان من قلبي -ص19.‏

(113) دخان من قلبي -ص19‏

(114) المصدر السابق ص73-82.‏

(115) ص81.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244