|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2-ضمير الغائب نجد ضمير الغائب متواتراً في معظم الإنتاج القصصي الجزائري فهو عند ابن هدوقة ودودو، ووطار وغيرهم. فقد استعمله ابن هدوقة في قصة "زيتونة الحب"(1) وكان اختياره لهذا الضمير موفقاً خصوصاً في الدلالة على الزمن الماضي. وقد نتج عن ذلك ثراء القصة بالأفعال الماضية كهذه الجملة التي وردت فيها هذه الأفعال "ولما سمعت هذا التصريح قامت مضطربة، وكانت تحس برعشة أخذت تسري في جسمها.."(2) واستخدمه ابن هدوقة أيضاً لتصوير بعض البيئات الغارقة في العادات والتقاليد البالية، من دون أن تقع في التعاطف مع البيئة الريفية. وجاء سرد قصته "عاشقة القيثارة" بضمير الغائب مناسباً للحدث ولتصوير موقف القاص من العادات والتقاليد وسلوكات التربية المحلية التي تعرقل نشاط الشباب، وقد عبرت بطلة القصة عن تذمرها من قيود هذه التربية، ومضايقة والديها نشاطها وحريتها حتى إنها "كانت تريد مثلاً لولا خشية والديها التردد على المقاهي الأوروبية كسائر الفتيات الأوروبيات، فتجلس على قارعة الطريق تراقب وتنظر.. تنظر..."(3) ومما يلفت الانتباه في هذه القصة أن القاص يكثر استعمال الفعل الماضي الناسخ "كان" بكثرة بقصد الإيماء إلى تقليدية ثقافة الوالدين في المجال التربوي، وضيق أفقهما، وهذا ما أكدته الفقرة الأخيرة في القصة.(4). وإذا كانت نهاية القصة قد عبرت عن حلم القاص في إزالة عادات وتقاليد نشأ عليها الآباء هي في مجملها لا تتماشى وواقع الشباب، وطموحات الجيل الجديد، فإن تصويره لأخلاق الشباب الفرنسي "كحلم" ينشده الشباب الجزائري لا يعد حلا سليماً، وعلاجاً مناسباً لإزالة الضار، بل هو من باب التعويض بما هو أكثر منه ضرراً، والأفضل في هذه الحالات الإبقاء على عاداتنا، وتقاليدنا والتمسك بها مهما كانت. فذلك خير لنا من الانسلاخ عن شخصيتنا، والعيش على هوامش المجتمعات الأخرى وعاداتها. ويوحي توظيف ابن هدوقة لضمير الغائب في قصة "الأشعة السبعة" إلى التعجيل بنهاية المستعمر، والانتقال بوجوده من الحاضر والمستقبل إلى زمن القصة الذي هو الماضي، وقد تحقق بهذا الانتقال خلاص الشعب من العبودية، وهذا ما نجح القاص في التعبير عنه، ولقد أدى الضمير هنا معنى غياب المستعمر ورحيله وإلى ذلك أشارت نهاية القصة(5). ولضمير الغائب في قصة "سامر الحي"(6)، دور كبير، أو هو الأداة الفنية -الأولى المعتمدة في عرض الحدث القصصي الواقع خلال زمن ماض، ونلمح عند أبي العيد دودو كثيراً من صيغ هذا الضمير، خصوصاً في قصصه الأولى، كـ "الحبيبة المنسية"(7)، وقصة "أم السعد"(8)، وقصة "حجر الوادي"(9) مما أعانه على إبراز الحدث وتصويره. وتجب الإشارة إلى أن (ضمير المفرد الغائب) يكاد يكون الضمير الوحيد المستعمل عند دودو في أثناء السرد، أما في الحوار فله (ضمير المخاطب) عندما يكون الحديث بين شخصين، وأما (ضمير المتكلم) فيستعمله في أثناء حديث الشخصية إلى نفسها. وعموماً يستخدم دودو ضمير الغائب ليصوغ به أحداثاً منتهية أو ليصور به أحداثاً يأمل أن تزول من الواقع الحياتي. إن ضمير الغائب في القصة الجزائرية يعد أغزر الضمائر حضوراً، وذلك لأن معظم الأحداث التي صيغت به قد جرت في زمن ماض. 3-أسلوب الرسالة يعد شكل الرسالة، من بين الأشكال التعبيرية التي استعملها القاصون الجزائريون لعرض الأحداث القصصية. إن هذا الشكل يتيح إمكانية طيبة للشخصية لأن تخاطب أحاسيسنا مباشرة وبعفوية، ومع ذلك فإن الرسالة تفتقر إلى إمكانيات فنية، مما يجعلها غير قادرة على رسم الشخصية الأدبية رسماً دقيقاً. ولكي يتضح دور هذا الشكل في بنية الحدث، فقد ارتأينا أن نركز تحليلنا على بعض النماذج القصصية التي صيغت بهذا الأسلوب. ففي قصة "الصديقة المجهولة"(10)، لابن هدوقة ثلاث رسائل متبادلة بين الزوج (عابد) وزوجته (نجاة) -الصديقة المجهولة- وقد كان تأثير هذه الطريقة في مسار الحدث كبيراً، حيث استعاد (عابد) نشاطه ومرحه، كما صار يعامل زوجته بلطف ومحبة، ويعتني بهندامه كثيراً بعد ما كانت علاقتهما الزوجية معرضة للانهيار.(11). وأثرت هذه الرسائل كذلك في نمو الحدث، وقد نجح ابن هدوقة باستعمالها في أن يعبر عن رأيه في عاطفة الحب التي هي عنده أساس الحياة الزوجية وليست رابطة لانتاج الأولاد. وفي قصة (الكاتب)(12)، أثرت رسالة إحدى المعجبات بقصص البطل تأثيراً شديداً في نمو الحدث القصصي، إذ قرر الكاتب عدم دفع مجموعته القصصية للناشر إثر المناقشة الحادة التي جرت بينهما، ولكنه عدل عن قراره عندما أطلعه محاسب الناشر على الرسالة، وقد وصف إحساسه بعد مطالعة الرسالة بقوله "ما كدت أفرغ من قراءة الرسالة حتى أحسست بالدموع تملأ عيني.. ورجعت إلى دار النشر ودخلت إلى مكتب الناشر مطأطئ الرأس وآثار الدموع ما تزال على مآقي، وقلت له في تلعثم: عفواً، لقد عدلت عن رأيي السابق، وعدت إليك بالمجموعة لنشرها وأرجوك أن تنشرها في أقرب مدة ممكنة".(13) واتخذت قصة "رسالة ثائر"(14)، لدودو شكل الرسالة، حيث بعث بطل القصة وهو في الجبل، رسالة إلى والدته، فاتضحت حياة المجاهدين، وقسوة جنود المستعمر(15)، ولو بطريقة مباشرة ومع ما فيها من أسلوب خطابي(16). ولا تزيد قصته "إليك يا أخي"(17) عن كونها نص رسالة شخصية، ضمنها القاص أحاسيسه الوطنية، وحنينه إلى بلاده، ومجموعة من النصائح تحث أبناء الجزائر على الجهاد والاستمرار في مقاومة العدو، وذلك بأسلوب حماسي، هو أقرب إلى أسلوب الخطابة وروحها منه إلى التعبير الفني(18). وليس في القصة أي تركيز على رسم الشخصية، فالمجاهد الذي أرسلت الرسالة إليه لم يقم بأي دور، ويبدو أن هذا الشكل لا يناسب الموضوعات الوطنية بقدر ملاءمته للتعبير عن الموضوعات الوجدانية والعاطفية. واستعمل وطار أيضاً شكل الرسالة في قصة: "الرسالة"(19)، لتصوير موضوع النضال السياسي في تونس والسرية التي اتصف بها أعضاء الخلايا الثورية. إن كاتبة الرسالة، وهي إحدى المناضلات ورفيقة لرئيس الخلية "المختار" عبرت عما أرادته من حديث عن نشاطها النضالي، وأعمالها الفدائية البطولية التي رقيت على أثرها إلى عضوة في خلية حزبية سرية وصورت بالتفصيل الحياة النضالية لـ "المختار" وهجوماته العنيفة الموفقة ضد الاستعمار وعملائه. ولكنها بعد هذا كله، وما إن انتهت من الكتابة حتى أحرقت الرسالة. لقد تذكرت أوامر المسؤولين. هنا وفق وطار توفيقاً كبيراً في تصوير الحدث، ومع أن بطلته أحرقت الرسالة، فإنه نجح في توصيل أفكاره بذكاء فني عبر فيه عن نضال بعض اليساريين(20)، في تونس ضد الاستعمار الفرنسي وأعوانه. وللدكتور محمد الصالح الجابري رأي مغاير لما جاء به القاص، إذ قال عن القصة: "إن الماركسيين في تونس، وفي هذه الحقبة بالذات التي تحدث عنها الكاتب لم يكن لهم دور لا بصفة سرية، ولا علنية، ولم يسهموا بأي شكل من الأشكال في الحركة الوطنية المسلحة منها أو السياسية، لذلك فإن "رسالة" تعكس أفكار مؤلفها أكثر من التزامها بالواقع والحقيقة التاريخية(21). ومهما اختلف النقاد في موضوع القصة واتجاهها الفكري، فلا أظنهم إلا أن يتفقوا على مقدرة القاص على التصوير والإبداع والتعبير عن أفكاره، ورأيه الأيديولوجي بشتى الطرق والسبل. وعلى كل، فقد تنوعت أساليب التعبير عند الكتاب الجزائريين، وكان شكل الرسالة أحد الأساليب الفنية في بناء الحدث عندهم، رغم قلة احتفائهم به. وقد استعملوه لابراز ملامح بعض الشخصيات أو الأحداث، خصوصاً في القصص الثورية، أو القصص التي صورت انتشار الوعي الوطني بين الشباب، على تفاوت فيما بين الكتاب من حيث الكثرة والجودة، وتباين السيطرة عليه. 4-أسلوب اليوميات والمذكرات ندر استعمال الأدباء الجزائريين لشكل اليوميات في كتابة قصصهم إذا ما قيس إلى بقية الطرق والأشكال. وأفضل نموذج كتب بهذا الشكل هو قصة من "يوميات فدائي"(22)، لو طار، وفيها كلّف فدائي جزائري من قبل قيادة الثورة باغتيال أحد العملاء الكبار. قسم وطار قصته على أجزاء من الساعات تبدأ في السابعة، ثم الساعة السابعة والربع، وتنتهي أخيراً في الساعة الرابعة مساء. وبهذه الأجزاء يكتمل الحدث القصصي، ويقوم كل جزء بتصوير مرحلة من مراحل التطور، حتى يتم رسم شخصية الفدائي عبر ما سميناه بـ (اليوميات)، فالفدائي يسجل مذكراته الأولى بدءاً من الساعة السابعة أي يصور الحدث في بدايته، حيث يقرر الفدائي كتابة مذكراته عن الثورة وتسجيل أحداثها رغم أن القيادة قد أنذرت من يحاول فعل ذلك ووعدته بالذبح، وذلك حرصاً منها على السرية المطلقة. ويجري الحدث عبر امتداد زمنين: الأول زمن النص، وهو يعود إلى بداية عهد الاستقلال. بينما يأتي الزمن الثاني في نهاية القصة وهو تاريخ بدء كتابتها في شهر جانفي1961. وينمو الحدث بين يومية وأخرى إلى أن يبلغ قمته في اليومية الرابعة وذلك عندما استطاع الفدائي أن يخدع أحد الضباط الفرنسيين ويستدرجه إلى مربض الخيل، حيث قام باغتياله وارتدى ملابسه(23)، وقد استعان وطار بوسائل فنية أخرى، فوظف أسلوب التداعي خصوصاً في اليومية الرابعة لنقل أساليب النضال والمصطلحات السرية التي يتداولها المجاهدون، كما استخدم عنصر الوصف في تصوير وحشية المستعمر، والطرق التي يغتال بها المواطنين.(24). وتتراوح ضمائر السرد، بين ضمير الغائب في التعبير عن بطولة أحد الفدائيين في قوله "قذف ملء قوته على المنصة، وانتظر أن تنفجر"(25) وبين ضمير المتكلم لتصوير شجاعة بطل القصة. وهكذا ينجح وطار دائماً في استخدام طريقة اليوميات في صوغ الأحداث لولا بعض الاهتزاز الذي اعترى رسم شخصية البطل، وكذلك الغموض الذي طرأ على نمو الحدث من يومية لأخرى، إلا أن تمكنه من وسائل التعبير المتنوعة جعله ينقذ الحدث من السقوط في الأسلوب المباشر. 5-أسلوب المقاطع يعد الشكل المقطعي، أقل الأشكال الفنية استعمالاً لدى الكتاب الجزائريين، ويعود سبب ندرة نماذجه إلى حداثة هذا اللون التعبيري، وتعوّد أدباء جيل الثورة على الطرق الفنية المتداولة. ولعلنا نجد بعض ملامح هذا الشكل عند أبي العيد دودو في قصته الطريق الفضي(26)، فقد قسمها إلى أربع مقاطع، جعل لكل واحد عنواناً مستقلاً وهي: الليل، والسرى، والقمر، والفجر. وبالإمكان أن نعد كل مقطع أقصوصة، تحمل معنى واحداً، له حدث واحد، والرابط بين هذه المقاطع الأربعة هو المرأة أولاً، حيث تتكرر شخصيتها في دور البطولة، والرابط الثاني هو المعنى العام الذي يعبر عن نضال المرأة الريفية، وصراعها المرير من أجل الحياة الكريمة، وبذلها جهداً من أجل تطور مستواها الاجتماعي. فالمقطع الأول على سبيل المثال صورة للظروف القاسية التي تعيش فيها المرأة الريفية، ورغم هذا فإنها تبذل جهداً كبيراً لاسعاد أولادها، وصور حدث المقطع الثالث شجاعة المرأة الريفية وتحديها للظروف والكائنات الطبيعية.(27) اعتمد دودو على شكل المقاطع، وهو شكل حديث ظهر بعد عام 1972 بغزارة في القصة الجزائرية القصيرة، ووفق في صوغ الأحداث وتصوير الحياة الاجتماعية والطبيعية التي تعيش وسطها المرأة واصرارها على اقتحام الصعب الخطر من أجل تطوير حياتها الاجتماعية. ويدل هذا النجاح على طواعية هذا الشكل الجديد لمعالجة الأحداث التي تصور الموضوعات الاجتماعية أكثر من غيرها، وقد وجد مناخاً لدى العديد من أدباء جيل السبعينات الأدبي، وهو الأمر الذي سيكون محل اهتمامنا في الفصل الرابع ولا بد من القول إن القصة الجزائرية القصيرة قد عرفت ثراء وغنى في عهد الاستقلال، سواء من حيث طرائق بناء الأحداث، أو من حيث صيغ عرضها، مما يدل على احتكاك الكتاب الجزائريين، بتجارب غيرهم واتصالهم المباشر بالكتابات العالمية سواء منها العربية أو الأجنبية. 3-بناء الشخصيات في القصة الجزائرية (1956-1972م) إن قراءة الأعمال الإبداعية التي كتبها الأدباء الجزائريون منذ عام 1956م إلى عام 1972 ترينا تعدداً في الأساليب الفنية التي صوروا فيها شخصياتهم المتنوعة تنوعاً كبيراً، ولعل هذا يعود إلى اختلاف البيئات التي كتب القاصون فيها قصصهم. ونريد أن نشير إلى أنه ضاع قصص كثير، خصوصاً ما نشر منه في الصحف والدوريات الوطنية والعربية، فلم يعمد الكتاب إلى ضمه إلى مجموعاتهم القصصية التي ظهرت فيما بعد. وإن الباحث ليجد صعوبة كبيرة في الحصول على هذه التجارب الأولى، ومن هنا تظل دراستنا لهذا الموضوع في حاجة إلى اكتمال، وعلى كل حال فإن بناء الشخصية، وتنوع مدلولاتها، ورموزها يدل على ثراء التجربة القصصية الجزائرية المعاصرة، وإفادتها المبكرة من الأساليب الفنية الجديدة، وانتصارها على الحصار القوي الذي فرضته إدارة المستعمر على التآليف الأدبية العربية: أولاً: طرائق بناء الشخصية الفنية ميزنا بين طريقتين فنيتين استخدمتا في رسم الشخصيات، الأولى هي المعروفة (بالطريقة التحليلية) والثانية هي المعروفة (بالطريقة التمثيلية)، ومن خلال هاتين الطريقتين نفذ القاص الجزائري إلى تصوير المواطن والأجنبي وسائر الشخصيات وقد حاولنا لبيان ذلك التمثل ببعض النماذج الحية بغية تقديم فكرة إجمالية لجهود الأدباء الجزائريين الفنية. أ-الطريقة التحليلية: 1-شخصية المرأة: قدم عبد الحميد بن هدوقة في قصته "ظلال" شخصية الزوجة بطريقة السرد المباشر، وأداه على لسان الراوي (زوجها) في غاية الجد والعناية بصفاتها الخارجية والمعنوية، وذلك خلال النظرة الذاتية، وكان أسلوبه أقرب إلى أسلوب المناجاة(28)، والهمس الذاتي، فقال "كنت ميالة إلى الكتمان، ملتزمة للحفظ، محبة للنجوى والتأمل، مجتنبة الجهر والثرثرة(29). وكان بإمكان القاص أن يعبر عن هذه الصفات بطريقة غير مباشرة أي عن طريق الأحداث، فيبتعد عن الأسلوب المباشر الذي لم يفد القصة فنياً، فقد تطورت الأحداث نحو نهاية مفتعلة، فمن يصدق بأن زوجة شرقية بهذه الأوصاف تموت كمداً على موت جروة صغيرة(30)، مهما بلغ رفقها بالحيوان؟؟ وجاءت صورة الشخصية المحورية في قصة "النافذة الثانية" على لسان الشخصية المساعدة، حيث غمرتها بوصف مثالي مباشر، جعلها شخصية باهتة، نظرتها إلى الحب سلبية، وهي مستسلمة لواقعها، لا تحاول التمرد عليه، حتى بدت وكأنها شخصية منطوية على نفسها قانعة بحرمانها(31). وهكذا يفتّن الكاتب في رسم شخوص قصصه ويصورها بعدة أساليب فنية. أما رسم شخصية الأم في قصة (بحيرة الزيتون) لدودو، فجاء على لسان ابنتها (فاطمة) التي أبرزت ملامح وجهها وقسماته التي حفرتها قسوة سنوات الحرب: "وراحت تتأمل ملامحها الهزيلة، فغمرتها هزة مفجعة: إن هذا الوجه قد بدا لها غريباً متغيراً كادت تنكره، فهي لم تعهد فيه كل هذه التجاعيد العميقة المتقاطعة(32). وفي قصة "أم السعد" ترد شخصية القصة على لسان الكاتب نفسه، وبأسلوب مباشر ركزه حول صفاتها الخارجية، والغريب أن يجمع بين وصف بصرها بالحدة، وبين ضعفه منذ ولادتها(33). فالمعروف أن النظرة الحادة تكون من العين السليمة القوية، وليس من النظر الضعيف. ولا يبدو على الطاهر وطار أي ارتباك في رسم شخصياته، فغالباً ما يدعنا نحلل شخصياته عن طريق الأعمال الكثيرة التي تقوم بها، ففي قصة (نوة) تقوم الشخصية بإدارة أعمالها البيتية وخاصة في أثناء غياب زوجها عن البيت بسبب التحاقه بصفوف الثورة في الجبل، ونفهم أنها تمتاز بقوة الإصرار وروح المغامرة، فهي إذا قررت نفذت مهما كلفها ذلك، ويتجلى ذلك من خلال هروبها(34)، مع (جبار) رغم معارضة والدها وزوجته لزواجها منه. ويتضح موقف وطار من أعوان المستعمر من خلال الأسماء التي أطلقتها (نوة) على الديك، فهي أسماء لا تخلو من نقد وسخرية لاذعة، حيث أطلقت اسم القائد على الديك الأحمر الكبير واسم الخوجة على الديك الأبيض الهزيل، أما الشامبيط فقد أطلقته على اسم الديك الأزرق الصغير، ولولا النفس الطويل الذي تميزت به الشخصيات، خصوصاً شخصيتي (نوة) و (جبار)، وكثرة الأحداث لعدت هذه القصة نموذجاً راقياً لأدب الحرب، ومع ذلك فهي لا تخلو من وصف عميق لمشاعر شخصياتها، خاصة (نوة) عندما أعلمها زوجها جبار بعودته، حيث تغيرت أساريرها وأبدلت بأثوابها القديمة ملابس جديدة خصصتها لمناسبات عزيزة(35)، ثم إن الشخصيات تمتاز بالوضوح والانسجام مع الدور الذي رسم لها(36)، وما من شك في أن الطاهر وطار يهتم برسم شخصياته ويضعها في الدور الملائم لها، وينطقها بما يعبر عن آرائه وأفكاره أصدق تعبير، مما يترك أثراً كلياً في نفس المتلقي لا يمحي بسرعة. 2-شخصية الفتاة: للفتاة في القصة الجزائرية حضور غزير بالقياس إلى شخصية المرأة والرجل المسنين، وخاصة في القصص الأولى للكتاب، أو في القصص التي تعالج أحداثاً عاطفية أو اجتماعية، وتختلف طرائق التعبير عنها من قصة إلى أخرى، فتارة تأتي أوصافها مباشرة على لسان المؤلف، وحيناً تأخذ أبعاداً رمزية للنضال، أو التمرد، أو الثورة على بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، خصوصاً في قصص الطاهر وطار. إن صورة الفتاة في قصة "الجندي والليل"(37)، لابن هدوقة مرسومة بشكل مباشر عن طريق السرد وقد استعان على ذلك بزمان الحدث القصصي ومكانه، إذ كان الزمان ليلاً، بينما المكان هو ضريح والدها الذي يوجد في أحد جوامع القرية على ربوة مرتفعة. وتبدو الصورة التي رسمها للفتاة الريفية أكثر زركشة وزخرفة من الصورة الواقعية، ناهيك عن طغيان ألوان الأحلام والوهم على ألوان الواقع والحياة الريفية فهي "فارعة الطول خفيفة الحركة، زادها الثوب الأرجواني الذي ترتديه رشاقة وسحراً(38)". ويبدو أن قراءات القاص في الأدب الرومانسي الغربي أوحت إليه التعبير عن الفتاة الريفية بأسلوب الكتاب الرومانسيين أو بتعابير كتاب قصص المغامرات العاطفية. وتتكرر بعض هذه الصفات في أثناء تصويره الفتاة (باية) في قصة "زيتونة الحب"، فهي في السابعة عشرة من العمر، شقراء، شعرها يغطي كتفيها كسنابل من ذهب، وعيناها زرقاوان(39). واهتم في قصة "عاشقة القيثارة"، بتصوير الأماكن المثيرة من جسم الفتاة، وقد ساعد هذا الوصف على نمو الحدث، فالفتاة تدرك اكتمال أنوثتها، ولكن والديها يكبحان هذا الجموح، ويقمعانه بقوة، فهما لا يسمحان بزواج ابنتهما من شاب جزائري مهاجر، وهذا التعارض أدى إلى ظهور صدام عنيف بين الفتاة ووالديها ثم انتهى بهزيمتها فتنطوي على نفسها، ثم تنعزل في غرفتها وكأنما شاء الكاتب هذه النهاية التي تكبح ثورة الشباب الريفي، وروحه التواقة إلى الجديد ليبين قوة العرف الاجتماعي وسلطانه، ولو أراد غير ذلك لأنهى قصته بزواج الشابين الجزائري والتونسي. ويبدو أبو العيد دودو أبعد نجاحاً في رسم شخصية الفتاة الريفية، ففي قصته "بحيرة الزيتون" ركز على ملامحها الخارجية الجسمية فهي "ضعيفة التركيب، ناتئة العظام، شاحبة المحيا، ذابلة العينين، كئيبة النظرة معروقة الأطراف(40)". وهذه الفتاة التي بدت بنيتها الصحية ضعيفة تؤدي دوراً كبيراً فهي ترعى والدتها المريضة، وتكرم الشيخ محمود بطل القصة كلما زار والدتها في بيتها، وتمتاز بوعي وطني مبكر فقد سمعت بالمجاهدين وأحبتهم قبل أن تراهم، وفهمت أهدافهم وتمنت أن تصبح ذات يوم مجاهدة(41)، لما سمعته من الشيخ محمود الذي يرمز إلى الجيل الذي نشر مبادئ الثورة وأفكارها وتحمل مشاقاً كبيرة في سبيل توصيل أهدافها إلى الجيل الشاب. وتتفاوت عناية الكتاب في رسم شخصياتهم من قصة لأخرى فهم لا يعنون دائماً ببناء الشخصية وإحكامه وخاصة شخصية الفتاة، فقد يقع بعضهم أحياناً في الاغراق في الوصف المادي لإبراز المفاتن(42)، المثيرة للرغبة الجنسية. وقد تأتي ملامح الفتاة متفرقة على أجزاء القصة، ففي قصة "رسالة(43)" لوطار تصوير لشخصية الفتاة "عايدة" وجاءت ملامحها متفرقة على لسان الراوية ياسمينة في مذكراتها. وبعد فإن صورة الفتاة في القصة الجزائرية كثيرة متنوعة خصبة ملونة، خصوصاً في القصة النضالية، أو الثورية، أو القصة الرومانسية وكثيراً ما ترمز إلى الجديد الذي يمثل الأفكار الحديثة، أو أفكار الجيل الذي قام بثورة نوفمبر التحريرية... وقد تضمنت دلالات رمزية للأرض، أو للوطن أو غير ذلك. 3-شخصية الخائن: لم يعتن القاصون الجزائريون بتصوير شخصية المواطن الخائن، مثل عنايتهم بتصوير شخصية الوطني. ويبدو أن سبب هذا التركيز على شخصية المخلص يعود أساساً إلى إسهام النتاج الأدبي الجزائري خلال سنوات الحرب التحريرية بدوره في النضال، فقد نزل الأدب إلى المعركة ومارس دوره الإعلامي في تعبئة المواطنين فكرياً ونفسياً ورسم صوراً للبطل الإيجابي المحارب الثائر الواعي. وإن التركيز على تصوير صورة البطل والقائد المنقذ سيسهم لا محالة في رفع معنويات المواطنين وسيبعث في نفوسهم روح التفاؤل والأمل. ولا يعني هذا إغفال شخصية المواطن "الخائن"، فقد اعتنى الكاتب الجزائري بتصويره والتشهير به، ونفذ حكم الثورة فيه (قصصياً) ولعلنا نعثر على نموذجين: 1-المتعاون مع المستعمر ضد شعبه. 2-الإقطاعي الذي يخون شعبه. وكلاهما يتقمصان شخصية المستعمر لقربهما منه، وهناك شخصية الإداري الذي يعرقل سير الثورة وانتشار مبادئها. وتتجلى ملامح هذه الشخصيات خصوصاً في كتابات الطاهر وطار قبل الاستقلال وبعده. ونقدم فيما يلي بعض ملامح شخصية الخائن بإيجاز تجنباً للتكرار، حيث أن صورته متشابهة في معظم الإنتاج القصصي، وتكاد تمثل وجهاً واحداً. ففي قصة "الغيم(44)، يقبض شرطيّ خائن على (الحسين) وينهب منه كل سجائره وعندما يتوسل إليه بأن يخلي سبيله، وألا يكون سبباً في قطع مورد رزق أسرته المؤلفة من ستة أفراد، يشتم الشرطي أم الحسين ووالده...، ويبتعد هو وصاحبه الفرنسي: "ومضى بعد ذلك مع زميله، وهما يتضاحكان ويدسان العلب في جيوبهما(45)". وتعرض قصة "اليتامى"(46) صورة المسؤول الفلاحي الذي يعرقل سير الإصلاح الزراعي، ويستغل عمال الضيعات الفلاحية لصالحه الشخصي ويسرق العتاد الفلاحي الممنوح للضيعة، ويكوّن أملاكاً وأموالاً مما كان يزوّره من حسابات دخل المزرعة، وقد نجح القاص في رسم ملامح الشخصية على لسان الفلاحين والعمال البسطاء الذين يعملون تحت أمرته، كما استعان بأسلوب التداعي لتصوير شخصية المفوض العمالي للفلاحة الذي هجر مبادئه وإحساسه بأنه جزء من الفلاحين والعمال عندما رقي إلى منصب (مفوض عمالي للفلاحة)، وصار يستعمل كلمة (نحن) ليدل على أنه من طبقة المسؤولين.. وقد أشار القاص إلى تبدل صوته ليدل على تنكره لمبادئه وأخلاقه، وتبدو براعة القاص في توظيفه الموفق للحكاية الشعبية "بقرة اليتامى"(47)، التي ترمز في القصة إلى الثورة الاشتراكية. وهكذا وقف القاص الجزائري موقفاً عدائياً من عناصر هذه الفئة وأورد صورتها على لسان الشيخ (عبد الواحد)، الذي لا يخلو اسمه من إيحاء، كما أن عمره يسمح له بأن يقيم هؤلاء تقييماً سليماً، فقد قال عن المفوض العمالي الفلاحي إنه "يبدو كالطبل المثقوب"(48)، مشيراً بذلك إلى استغلال هذه الفئة للفلاحين، وثرائها الفاحش على حساب العمال الحقيقيين، وتبدو بطلة قصة "زوجة الشاعر"(49) متميزة من خلال تصرفاتها الغريبة التي تقوم بها داخل الفندق، حيث تتظاهر بالغنى والتميز الطبقي، وذلك من خلال تغييرها لملابسها، وكلامها على أنواع الخمور في أثناء أحاديثها مع زوجات العمال. لقد نجح القاص في تصوير هذه الشخصية المحورية، وتمكن من خلالها رصد واقع طبقة المثقفين البرجوازيين، وأنماط تفكيرهم وطباعهم. وعلى كل حال فإن شخصية الخائن متكررة بملامحها السيئة في معظم الكتابات القصصية نظراً لاتفاق الكتاب على انحرافها، وخيانتها لوطنها وإن صفاتها واحدة كالطمع والجشع وضعف الشخصية وترد غالباً ملازمة لشخصية الأجنبي الذي سنتكلم عنه فيما يلي: 4-شخصية الأجنبي: يعود سبب اهتمام الأدباء الجزائريين بتصوير هذه الشخصية إلى وجودها غير الطبيعي والمفروض على واقع الإنسان الجزائري، وقد أدى هذا الواقع الشاذ إلى نشوء علاقة تقابلية(50)، حادة بين المجموعتين: 1-مجموعة المستعمر (بكسر الميم) 2-مجموعة المستعمر (بفتح الميم) فإذا كانت المجموعة الأولى تحاول الحصول على المزيد من الامتيازات والنفوذ حتى تتحكم أكثر في كل الثروات الوطنية المادية والمعنوية، فإن المجموعة الثانية تسعى إلى تنظيم نفسها من أجل تكوين قوة تساوي أو تفوق قوة المجموعة الأولى تمهيداً لخوض صراع مباشر وعنيف حتى تسترد حقوقها المغتصبة، وتسترجع ما افتكته منها المجموعة الأولى بالقوة والاغتصاب وتجعل المسار التاريخي لصالح مجموعتها البشرية. كما تعود بعض الأسباب أيضاً إلى مظاهر العنف الخالية من أية علامات إنسانية التي كانت المجموعة الأولى تعامل بها عناصر المجموعة الثانية، وارتكابها جرائم وحشية، وذلك على عكس ما زعمته في أثناء اتصالها المباشر الأول بأرض المجموعة الثانية، وقد أدى إلى إصرار المجموعة الثانية على أن تسترجع حقوقها المادية والمعنوية المغتصبة، مهما كلفها ذلك من ثمن باهظ. فمن الطبيعي أن تكون صورة الفرنسي هي صورة المستعمر المستغل والمغتصب، وهي الصورة التي انطبعت في أذهان الكتاب الجزائريين عموماً. بل إن الذهنية الشعبية ترى الفرنسي مصدراً للشر والدمار والخراب والفناء. أ-شخصية الضابط: اهتم القاصون بالبنية الخارجية لهذه الشخصية، مثلما اهتموا بتصوير صفاتها المعنوية، فإما أن يصوروها عن طريق الأعمال التي تقوم بها، أو من خلال أحاديث الشخصيات الأخرى عنها، سواء كانت رئيسة أو مساعدة في القصة. صورة (الجنرال) في قصة (الرجل المزرعة)(51)، جاءت على لسان (عيسى العايب) وقد جمعت بين المادية والمعنوية، فمظاهره توحي بأنه يقدر على تسيير معركة كبرى بمفرده، أما قواه الداخلية فقد جاءت على عكس ذلك إذ اختفى من المعركة حالما دمدمت مدافعها(52). مثل هذا التصوير مقصود وذو غاية مهمة، وهي التأكيد على أن هذه الأجسام الطويلة ذات البطون المنتفخة والوجوه المحمرة هي أجسام لا تخيف بل تخشى الموت والهلاك، وقد قصد الكاتب إلى رسمها بهذه الصورة ليشارك في التعبئة العامة، ويزيح الخوف والرعب من نفوس كثيرة. في قصة " من يوميات فدائي"(53)يبرز الطمع، فالفرنسي يصاب بدهشة كبيرة عندما يعلمه الفدائي الذي تنكر في صورة "ساعاتي" بثمن الساعة الواحدة، حيث قرر شراء جميع الساعات(54). إن ورود الضابط الفرنسي قليل في القصة الجزائرية بالقياس إلى الشرطي أو الجندي، ولعل السبب يعود إلى أن اتصاله بالجزائري كان قليلاً على عكس الشرطي والدركي والسجان فهؤلاء كان اتصالهم بالجزائري قوياً ودائماً. ب-الشرطي: يعد الشرطي الفرنسي في القصة الجزائرية مصدراً من مصادر أعمال العنف والآلام التي عانى منها المواطن الجزائري، خلال سنوات الحرب التحريرية، وقد رسمت القصة للشرطة الفرنسية صورة موحشة كأيام النحس والشؤم التي يجدها المواطن الجزائري أينما ولى وجهه، في الشارع، وفي الإدارة، وفي مقر العمل، تقتحم عليه أبواب مساكنه في أي وقت شاءت. ولذلك فإن تأثيرها كان قوياً في أحداث القصة، وظهرت في شتى أشكال القبح والنذالة والخسة ونعتها الكتاب بكل النعوت المثيرة للضحك والسخرية والاشمئزاز، والمكر والخداع، والشراسة. فقصة "يد الإنسان"(55)، تصف شرطياً فرنسياً اعترض سبيل فتاة جزائرية فدائية: "وإذا بشرطي أشقر عريض المنكبين رأسه كرأس الثور، يقف أمام الباب، كان قميصه الأصفر مبلول إلابطين من عرقه(56). كانت الشرطة الاستعمارية في القصة تمارس أعمال القمع والاضطهاد ضد المواطنين الجزائريين الأبرياء سواء في الجزائر أم في فرنسا، فهي تشدد عليهم الخناق والحصار والمضايقة والقهر والاضطهاد والاستغلال، وتطرد عشرات المغتربين أو تلقي بهم في غياهب السجون الفرنسية، أو تصادر أملاكهم وأموالهم، أو تقتل من شاءت، فشخصية الشرطي الفرنسي في القصة أو في الواقع هي نفسها، سواء كانت في الجزائر أم في فرنسا، حيث أن طباعه، وصفاته واحدة لا تتغير، وهكذا نظر الكاتب إلى الشرطة على أنها أداة من أدوات القمع التي تستعملها السلطات الاستعمارية. رسم المغترب (المولود) في قصة "المغترب"(57)، صورة الشرطي في حواره النفسي قائلاً: "لم يعلم أحد بسبب مجيء الشرطة ولا بوقت مجيئها.. وقفت السيارة أمام المحل، ونزلت الشرطة شاهرة في وجوهنا أسلحتها وقالت: الجميع إلى السيارة"(58)، كما ساهم عنصر الحوار في هذه القصة في تبيان ملامح شخصية الشرطي الفرنسي، وخاصة الحوار الطويل الذي جرى بين محافظ الشرطة، و(المولود)(59). 5-شخصية الأجنبي غير الفرنسي: إن شخصية الأجنبي غير الفرنسي، نادرة الوجود في القصة الجزائرية القصيرة، ويعود سبب ذلك إلى إقامة كتاب القصة طوال حرب التحرير في بيئات عربية، خاصة القريبة من وطنهم كتونس مثلاً. وأهم شخصية أجنبية غير فرنسية هي شخصية بطلة قصة "الأميرة وماسح الأحذية"(60)، التي يجري حدثها القصصي في ستينات القرن الماضي، وقد ذكر كاتبها الدكتور أبو العيد دودو ذلك في مقدمة قصيرة صدر بها قصته، حيث قال: (تجري أحداث هذه القصة في ستينات القرن الماضي، وقد أشار إليها بعض الأروربيين إشارة عابرة، فحاولت وضعها في إطار قصصي، إنها مجرد محاولة لتصوير جوانب من واقع تاريخي(61)". قدمت ملامح هذه الشخصية في أثناء السرد القصصي الذي جاء على لسان الكاتب، حيث عرف بها في قوله: "وكانت العجوز أميرة روسية في حوالي الخمسين من عمرها، حاولت جهدها أن تخفي سنواتها هذه تحت ستار من المساحيق كثيف، رشيقة القوام، شقراء الشعر، وكانت ضفائرها مقصوصة تجعل المرء يتصورها، إن هو رآها من خلف ابنة في ربيعها العشرين، وكانت ترتدي فستاناً بلون عينيها(62)". كما جاءت بعض ملامح شخصيتها الداخلية على لسان خادمها (حسن) وذلك خلال حديثه إلى زملائه، حيث ذكر لهم عطفها عليه وحناحنها واعتزازها بأمانته(63). لقد عرض القاص الجزائري بعض مواقف الجنسيات الأخرى من الاستعمار الفرنسي، وأعماله التخريبية التي قام بها في مدينة الجزائر، من ذلك أن الأميرة الروسية عندما شاهدت العمال الفرنسيين يهدمون المعالم العربية للمدينة قالت: "إذا استمر الهدم بهذه الصورة فلسوف تختفي جزائر الشرق، ما أبشع هذه الأعمال، ويا لقساوة الفرنسيين، إنهم يهدمون الجمال ليقيموا مكانه دوراً جامدة رتيبة مألوفة ليس فيها ما يستثير الانتباه ويغري(64)". وقالت وهي تبتعد عن تمثال نابليون: "فليذهب إلى الشيطان"(65). وعموماً فإن الشخصية الأجنبية غير الفرنسية على ندرتها، تبدو متعاطفة مع الجزائريين، تشاركهم الغيرة على تراثهم، ومعالمهم الحضارية، وفي الوقت نفسه تبدو ناقمة، وغير راضية عما يفعله المستعمرون الفرنسيون. والخلاصة، فإن الطريقة التحليلية قد سيطرت على معظم القصص، واستعملها القاصون بكثرة في عرض شخصياتهم التي تنوعت وتعددت. وقد أدت هذه الطريقة دوراً مهماً في تصوير الشخصية الأجنبية خصوصاً شخصية المستعمر، حيث جاءت على ألسنة المواطنين الجزائريين، لتبين اتساع الهوة بين عناصر القوتين: المستعمر والمستعمر، وهو الأمر الذي نتج عنه كراهية شديدة لدى كل طرف تجاه الآخر. وقد تكون عنه حقد لدى المستعمر، وإصرار عند المستعمر على نيل حقوقه سواء المادية منها أو المعنوية كالاستقلال والحرية. ويمكن ملاحظة أن القاصين مزجوا أحياناً بين الطريقتين في أثناء تصويرهم لملامح الشخصية سواء الخفية كالصفات المعنوية، أو البارزة مثل الصفات الجسمية. ب-الطريقة التمثيلية: استخدم القاصون الطريقة التمثيلية في قصص عديدة لتصوير شخصيات كثيرة، متنوعة الأدوار، ولهذه الطريقة طاقة خاصة لرسم مختلف الشخصيات وتجسيد أفكارها، إن شخصية الراوي في قصة "ظلال" معروضة بهذه الطريقة إذ أبرز القاص ملامحه النفسية باستعماله ضمير المتكلم المفرد "أنا" والأسلوب الرومانسي، وذلك في مثل قوله: ونفسي تموج بالخواطر المختلفة، والهواجس الغامضة، والآمال المطوية"(66)، وقد قامت رسالة إحدى المعجبات بقصصه، بدور مهم في إبراز ملامح شخصيته الأدبية، وأثرها الفكري والفني في قرائه. كما جاءت بعض صفات بطل القصة على لسان أحد أصدقائه، كقول صديقه الجندي "الناس يموتون بالرصاص، أما أنت فتموت حياً... "(67) إن هذا الاحتفاء برسم شخصية هذه القصة ليعبر عن مدى انشغال الكاتب بتصوير الحدث القصصي الذي ظل طوال مساحة القصة يحشد له كل طاقاته وأدواته الفنية، وقد تجلى نجاح الكاتب في الجملة الأخيرة التي ختم بها نصه القصصي(68). وترك أبو العيد دودو الفرصة لبطلة قصة "الشفة السمراء"(69) لأن تصف بعض ملامح شخصيتها الداخلية كالتردد والخجل(70)، وهما الصفتان اللتان ساعدتا نمو الحدث وتطوره إلى أن سقطت بطلة القصة في بئر عميقة، وهي تبحث عن نبتة الببراس. وقد سلك أبو العيد الطريقة نفسها في رسم ملامح بطل قصة "جاء دورك" حيث ترد على لسان بطلها من خلال أحاديثه واعترافاته، وقد ساعد هذا الأسلوب على إبراز إحساسه الداخلي(71). وقد لجأ بعضهم إلى تفسير رموز الشخصيات على نحو ما فعل الطاهر وطار في قصته "حبة اللوز"(72)، إذ فسر رموز الفأر الذي يصطاده بطل قصته، كل ليلة قبل أن ينام بقوله "إنه أنا، إنه ملايين الشباب مثلي، وليس الفأر، إن الشباب في نظر المجتمع العربي، بل في نظر المجتمع العالمي، فأر، حب من حب وكره من كره(73). وفي قصته "محو العار" تصوير لتطور فكر البطل الإيجابي وهو يناجي نفسه في قوله "الثورة هي التفكير والسلوك معاً، أما الانتفاضة فهي سلوك اندفاعي أحمق لا غير.. الثوري هو من يستطيع أن يعرف أخاه مهما كانت الظروف.."(74)ولكنه بالغ أحياناً في رسم هذا التطور، خصوصاً عندما أورد على لسان الشخصية أفكاراً لايمكن أن تكتسب بالتجارب وحدها، بل بالثقافة السياسية والفكرية العميقة، وهو ما يفتقر إليه "بلخير". ولذلك فإننا نعد هذا من باب طغيان الكاتب على شخصياته، يقول "بلخير": "الثورة ليست السلوك والتفكير فحسب، الثورة هي انسجام التفكير والسلوك في الوقت الواحد"(75). ويوفق الكاتب توفيقاً كبيراً في تصوير شخصيات قصته: الشهداء.. يعودون هذا الأسبوع"(76)، فعن طريق الرسالة المزعومة استطاع أن يجعل كل مسؤول سياسي أو إداري يعترف بخيانته لوطنه في أثناء الثورة التحريرية، وذلك من خلال حوار داخلي دار في نفس كل شخصية حين سألها الشيخ العابد عن موقفها من مسألة عودة الشهداء. وبهذه الطريقة خلق الكاتب فزعاً وهلعاً في نفوس رجال السلطة في القرية، مما جعلهم يعقدون اجتماعاً طارئاً لدارسة مضمون الرسالة(77). إن رسم الشخصيات بالطريقة التمثيلية كان أقل وفرة، من الطريقة التحليلية، وقد لاحظنا أن بعض القصص كادت تتحول إلى نصوص من أدب الاعترافات. ومهما يكن فقد وفق القانون في تصوير أحداث قصصهم، وملامح شخصياتهم خصوصاً الداخلية. ثانياً: أنواع الشخصيات: نقصر هذا الجزء على دراسة نوعين من الشخصيات الأول هو الشخصية المحورية أو الرئيسية والثاني هو الشخصية المساعدة. أ-الشخصية المحورية (الرئيسة): الشخصية المحورية هي التي تركز عليها كل أحداث القصة، ومن الصعب تحليل كل نماذجها في الأدب الجزائري ولذلك آثرنا اختيار النماذج، تجنباً للإطالة وقد سلكنا في تحليلنا الخطة السابقة نفسها، بحيث شرعنا بدراسة الشخصية عند عبد الحميد بن هدوقة، فأبى العيد دودو، فالطاهر وطار. فقد استعان ابن هدوقة في رسم شخصية قصة "ابن الصحراء"(78)، بعدة وسائل فنية، كالحوار الذي كاد يحول القصة إلى مشهد مسرحي، واللغة الشعرية المستمدة خاصة من المصطلح الطبيعي، خصوصاً "الصحراء" وما توحي به من اتساع، وعمق وامتداد لا متناه للبصر وما تتيحه للإنسان من حرية، وأيضاً ما تزود به من قوى معنوية ومادية. كما أسهم تغيير عنصر البيئة إذ انتقل بطل القصة من الجنوب إلى الشمال للانخراط في حرب التحرير -في إبراز حنين البطل وشوقه إلى مسقط رأسه، وإلى كوخه ونخلاته السبع. وتعد هذه المفارقة أحد عوامل تطور شخصية البطل. ونجح ابن هدوقة في توظيف شخصية ابن الصحراء للتعبير عن أفكاره حول نشدان الحرية والتوق إليها، فابن الصحراء بطبعه ميال إلى الحرية، والحركة، وحياته هي رحلة دائبة لا تعرف التوقف. وقد وصف شعوره بعد أن خرج من المخبأ بقوله: "وكان يحس أن الحرية التي أوقف سيرها منذ حين ظلام البيت طفقت تجري في عروقه قوية حية، وكان يشعر كأن الطبيعة أقبلت كلها عليه مهنئة مرحبة(79). وتميزت القصة بأسلوبها الجميل الذي امتزج فيه الواقع بالحلم عبر مشاهد شعرية نثرها القاص هنا وهناك. ولهذا أطلق عليها الدكتور محمد الصالح الجابري اسم "القصة القصيرة"(80). وفي قصة "الفجر الجديد(81)، تتطور شخصية البطل من السلبية إلى الإيجابية، أي من الاتكال على المجاهدين إلى الإيمان الشديد بقضية الالتحاق بالجبل لتحرير الوطن، ونلمح فيها كثرة المفاجآت، ومع ذلك فإنها لا تخلو من الواقعية، إنها ترمز إلى ضعف الإنسان وسلبيته(82)، أحياناً.ولكن هل يعقل أن يكون الهروب من المشكل الاجتماعي الذي وقع فيه البطل بعد أن ظن أن زوجته قد خانته سبباً رئيساً لاستيقاظ ضميره الوطني. وبالسرعة نفسها تغيرت شخصية قصة "نضال"(83)، من الولاء الشديد للاستعمار إلى الولاء المطلق للثورة، وذلك بعد حوار قصير دار بين أحد أفراد جيش التحرير المكلف بقتل إقطاعي موال للاستعمار(84). فبعد حوار قصير دار بينهما، ذهب الشاب إلى والده وطلب منه أن يكف عن مساعدة الاستعمار، وأن يخلص للثورة وحدها، ولما احتد النقاش بينهما قتله، وفر متجهاً نحو الجبل، وهو يردد هذه الجملة في نفسه "مرحى مرحى بالهفوة إن كانت نضالاً.."(85). إنها شخصية غريبة تتصف بسرعة التحول من النقيض إلى النقيض، ولكن يبدو أن فكرة الالتحاق بالجبل كانت تلح عليه أكثر من أي موضوع آخر وبذلك انتصرت الدعاية للثورة على الفن، وهي ظاهرة نجدها في القصة الجزائرية المعاصرة. وليس هناك أبعد من مهارة دودو في بناء شخصيات الموضوعات الاجتماعية كالفقر والبطالة والرشوة. فبطل قصة "دار الثلاثة"(86)، مصور من الداخل والخارج على السواء، والحوار الداخلي يبرز فقره، وحاجته الشديدة إلى الأكل واللباس ويزيد ابن خالته (بوخميس) في تعميق البؤس بقوله: "رداء سعيد المصنوع من غطاء قديم باهت، ورجليه الحافيتين، اللتين اجتمع فوقهما خليط من دم وقذارة"(87)، وأحياناً يعبر سعيد عن شدة حاجته إلى المال، وهو أسلوب قصده الكاتب لتكون شخصياته شاهدة على أوضاعها الاجتماعية. ويعمل أبو العيد دودو أحياناً على تشويه أسماء شخصياته، ولا يخلو هذا الأسلوب من هدف، فالأم في قصة "دار الثلاثة" غيرت اسم ابنها (سعيد) إلى (سعيود) لتعبر به عن شدة غضبها، وكذلك حرف سعيد اسم ابن خالته (بوخميس) وخاطبه في نفسه باسم (بوخميوس) تعبيراً عن شدة حقده عليه. وترمز شخصية (أبو هراوة) في قصة "رسالة توصية"(88) للسلطة التي تستخدم قوتها المادية، ونفوذها، فتكون بذلك أداة طيعة للظواهر اللاشرعية، كما ترمز شخصية (أبو مرخوفة) إلى تفكك شخصيته وضعفها من جميع جوانبها، ولذلك فهو غير مؤهل ليشغل أي منصب في المؤسسة التي أرسله إليه قريبه أبو هراوة(89). وقد يوجه القاص بعض الكلمات القاسية لشخصياته حتى يوقظ ضمائرهم، فأبو مرخوفة استيقظ ضميره في نهاية القصة، بعد أن وجهة إليه (سكرتيرته) أمرّ الشتائم وأقساها، كقولها عندما هددها بالطرد، "تطردني عندما يكون مكانك هنا(90)"، وكذلك قولها "إنك لاتصلح لشيء"(91). ومن طرق القاص الرمزية إطلاق بعض أسماء الطيور والحيوانات على الشخصيات لتدل على الوسط الاجتماعي الذي ينتسب إليه كل شخص: "الرحلة، والرقمة، والحمامة، والنعامة، والهدهد، والقنفذ"(92). كما يوحي اسم بطل قصة "أبو شفة" بأنه على شفا حفرة، ففي نهاية القصة غرق في الوادي(93)؟ وعبرت شخصية (فاتح) في قصة "دخان من قلبي"(94)، عن المرحلة الأدبية الأولى لحياة الطاهر وطار ببعديها الفني والفكري فقد تمحورت حول الموضوعات العاطفية والذاتية، بينما تميزت بالتأثر بالمذهب الرومانسي على صعيد الفن، وفي نص إهداء المجموعة الأولى دليل قوي على ذلك(95). وقد استخدم الطاهر وطار عنصر السرد القصصي على لسان (فاتح) الشخصية الرئيسة في القصة مما قرب الحدث من الواقع، وكأنه عبارة عن إحدى تجارب الكاتب نفسه، كما أن هناك شبهاً كبيراً بين (فاتح) الشاعر الأديب المحرر في إحدى الصحف وبين الطاهر وطار الذي كان يشتغل خلال زمن كتابة القصة في منصب محرر بجريدة الصباح التونسية، وقد اهتم القاص في أثناء تدرج الحدث القصصي بتصوير المشاعر العاطفية التي كان يتخيلها نحو فتاة تدعى (زهيدة) كانت تتردد على زميله المصور، والطريف المثير في هذه المرأة أنها في لقائها معه في المقهى تقدم له خطيبها رؤوف فتنهار أحلامه وأبراجه لحظة واحدة، وقد عبر عن إحساسه هذا بقوله: "شعرت بالألحان التي تنسكب من قلبي.. تحولت إلى دخان.. بقلبي العازف يشوى في زمهرير"(96). أما في قصة "الطعنات"(97) لوطار فتظهر العناية بتصوير بطلها من الداخل على طريق التداعي والحديث النفسي، مما يرينا اضطراباً عنيفاً، ونقداً مريراً للأوضاع، حيث عمت موجة الفساد، وكثرت مظالم الجنود ضد أبناء وطنهم ومصالح شعبهم، وأدخل الخونة -ممن أتيحت لهم فرصة التسلق- في المناصب الإدارية بدل الكثير من المجاهدين والجنود الشرفاء الذين أودع بعضهم في غياهب السجون(98). إن اهتمام القاص بتصوير شخصيته من الداخل ليدل على شعوره بفظاعة المفارقة بين مبادئ الثورة، والمصالح التي حققها عهد الاستقلال لفئة الانتهازيين والمستغلين، ولذلك فإن شخصيته ظلت تحترق وتكتوي على امتداد النص القصصي. كما نجح وطار أيضاً في رسم شخصية الصحفي في قصته "الخناجر"(99)، رغم أنه اعتمد في سرد الحدث على ضمير الغائب حتى يبعد نقاط الالتقاء وأوجه الشبه التي بينه وبين شخصية قصته، إذ أن الطاهر وطار مارس مهنة الصحافة كمدير ورئيس تحرير لجريدة، الجماهير سنة 1963، وهي السنة نفسها التي كتب فيها قصته(100)، وتعرض للظروف نفسها التي تعرضت لها شخصية الصحفي في قصته. ولعل هذا هو الدافع الذي جعله يركز على إبراز شخصية الصحفي المعنوية، وظروفها الاجتماعية. وأنه اتخذ من مكتبه مكتباً وداراً، فهو يأكل وينام، ويحرر مقالاته فيه، وقد صور الكاتب إهمال الصحفي لنفسه وعدم اهتمامه بنظافة جسمه دلالة على تفانيه وإخلاصه لمهنته، وكانت أعماقه تحترق كما تحترق السيجارة بين شفتيه الجافتين(101). كما ركز تصوير مواقف (الصحفي) من ممارسات بعض المسؤولين التي تشوه سمعة الثورة، وتحبط تقدمها، وكذلك ركّز على الفئة الاجتماعية التي اختار الانتماء إليها، ليمارس نضاله بين صفوفها كمثقف ثوري(102)... خصوصاً أفكاره الجريئة التي تنتقد الانحرافات السياسية الخطيرة التي تهدد مسار الثورة، ومصالح الشعب وقد جلبت له هذه الأفكار غضب المسؤولين وسخطهم عليه وعلى جريدته. وفي الحوار التالي بذور أفكار قصة "الشهداء" يعودون هذا الأسبوع": -ثم رن جرس الهاتف.. فوضع القلم -هنا الديوان؟ -وهنا رئاسة التحرير.. رئيس التحرير المدير نفسه ماذا؟ -كلفت بأن أبلغكم -ماذا؟ -السخط على مذكراتكم الأخيرة -ولماذا؟ -لأنكم تقولون أن هناك شهداء أحياء، يأكلون الخبز ويمشون في الأسواق تعلمون أن هناك عواطف..(103)". لقد تمكن القاص من أن يعبر عن أفكاره بجرأة وشجاعة نادرتين، وهذا على عكس ما ذهب إليه عبد الحفيظ حرزلي في قوله: "إن الوسيلة التي اتبعها مثقف وطار لم تمكنه من تحقيق هدفه، فهل الكلمة المكتوبة قادرة وحدها على التغيير وترقية الشعب في السنوات الأولى من الاستقلال.(104)". فهذا الكلام يتجاهل دور المثقف في تغيير البنى الاجتماعية عن طريق الأفكار الجديدة التي يشيعها الأديب أو الكاتب بصورة عامة، كما أنه يتجاهل طبيعة دور المثقف في مجتمعه الذي يختلف عن دور العامل والموظف والأستاذ. وتنطوي شخصية المرأة في قصص وطار على رموز عديدة ودلالات فنية تجاوزت بها طبيعتها البشرية، فهي ترمز إما إلى "العدالة أو للأمة، أو القضية، أو حتى للثورة"(105). ففي قصة "الزنجية" والضابط "تركزت كل الأحداث حول شخصية الزنجية التي ترمز إلى الشعب، حيث تريد كل من شخصية الضابط والحزبي- وهما القوتان العسكرية والسياسية -استغلالها، إلا أنها آثرت الانحياز إلى شخصية الصحفي الذي يرمز إلى المثقف الثوري الواعي بمصالح الشعب والحائل دون استغلاله، إذا أن علاقته بالشعب علاقة روحية محضة تخاطب المشاعر وتثير الأحاسيس الإنسانية. إلا أنه يمكن أن نلاحظ، أن وطار لم يعتن برسم شخصية الزنجية قدر اهتمامه بالتعبير عن أفكاره وموقفه من القيادات المنحرفة، ولهذا السبب ذهب الدكتور محمد مصايف إلى اعتبار شخصيات قصص الطاهر وطار، شخصيات واسطة، وأنه إن كتب قصة، فإنما يعبر عن موقف فكري يشغل باله منذ زمن(106). وبذلك استغل كثير من الأدباء شخصياتهم القصصية للتعبير عن أفكارهم، وهو أمر طبيعي ما دام ذلك لا يتعارض مع الفن وأساليب عرض الأحداث. ب-الشخصيات المساعدة: لابد من أن تتوافر في القصص شخصيات مساعدة كثيرة تبلور الحدث وتسهم في إنضاج العقدة وتوضيح مواقف الشخصية المحورية. فشخصية (الناشر) في قصة "الكاتب"(107) هي شخصية مساعدة ولا يشترط في القاص أن يتعمق في رسمها وتشخيصها إلا بما يخدم موضوعه فالناشر "لطيف جدا باسم الوجه باستمرار، لم تمنعه أسمالي البالية أن يعرض علي الجلوس في أوفر مقعد بمكتبه"(108)، ولكن رغم ما يبدو عليه من تواضع مصطنع، فإن بطل القصة قد أدرك -بقوة ملاحظته- أن مقعده أغلى وأفخم من المقعد الذي يجلس عليه(109)،وفي هذا إشارة إلى حقيقة مكانته الطبقية. ويتضح دور (الناشر) أكثر في تطوير الحدث، حيث أشار على الكاتب أن يفكر في قرائه قبل أن يفكر في التعبير عن الظروف الحياتية القاسية التي يعيش فيها اللاجئون الجزائريون(110). كذلك (الزبير) في قصة "محو العار"، فهو شخصية مساعدة ورغم كونه أحد "الحركيين"(111) في صفوف المستعمر الفرنسي فإنه يتشوق للالتحاق بصفوف جبهة التحرير الوطني في الجبل، وقد ظل شعوره الوطني يتنامى إلى أن التقى ببلخير، حيث تأكد له صدق وطنيته، خصوصاً بعد أن خلصه من وشاية (احبايبية). ولا يهمل الكتاب إيضاح بعض ملامح الشخصية المساعدة، ولهم في ذلك طرائق متعددة، فقد نتعرف عليها من خلال تقويمها أفعال الآخرين على نحو ما قال الزبير عن صديقه بلخير: "إنه ليس بمجرد متطوع، بائع ضميره ونفسه أبداً ليس بلخير كذلك؟ إنما هو مجاهد مثل أخيه يرتدي اللباس الفرنسي يختفي فيه... رباه لو تصدق هذه الظنون"(112). وبعد ذلك تعاهدا على أن يحفظ كل واحد منهما سر أخيه، مهما كانت الظروف، وقد بلغ تطور وعيهما الوطني إلى درجة أن فرا من جيش العدو والتحقا بصفوف جيش التحرير، وذلك بعد عملية بطولية قتل بلخير فيها مجموعة من أفراد الجيش الفرنسي، وبعض الخونة الحركيين أو ممن شك في صدق مشاعرهم الوطنية(113). وإذا كانت ملامح شخصية (الزبير) الخارجية غير واضحة، ولم يركز وطار وصفه عليها فإنه قد اعتنى بالتعبير عن تطور وعيها الوطني، ووصف مشاعر الزبير الوطنية الصادقة. وقد كان دور (الزبير) مهماً في تطور الحدث القصصي، كما كان مساعداً على بلورة الشعور الوطني لدى الشخصية المحورية (بلخير). وأدت شخصية (الصحفي) في قصة "الزنجية والضابط" دوراً هاماً في بناء الحدث، وقد اهتم القاص بوصف مظهرها كي يعرف بوظيفة الصحفي الاجتماعية وهوية عمله(114)، كما صور بعض ملامحه الداخلية، وذلك من خلال تعليقاته من حين لآخر كقوله: "عندما يتنازل الجيش عن القيادة المباشرة، فيقين أن هناك ما هو أهم يشغل باله"(115). وتأتي صفاته المعنوية كذلك -خصوصاً ثقافته الأدبية- من خلال شغفه بالشعر الذي قرأته الزنجية في السيارة، وبذلك أدركنا الصلة الروحية التي تربط بينهما، وكذلك المصير الواحد، ولذلك وهبت نفسها إليه ومنحته رغبتها فيه طواعية، ومن صفات شخصية الصحفي الانزواء والهدوء، والوعي الكبير بتصرفات الضابط والحزبي اللاأخلاقية، ومن هنا أدان تهافتهما على الزنجية ونفاقهما. وأعلنت الزنجية ميلها للصحفي رغم غضب الضابط وعتاب الحزبي، كما اعتبرت قصائدها أبناء له(116). واحتمت به عندما هددها الضابط لما وجدها في غرفته "فوق أريكة على السرير في ثياب نوم بيضاء، ترتل مغمضة العينين والصحفي عند قدميها، يتربع على سجادة فوق الأرض وينهمك في الكتابة(117)"، ويدل هذا الموقف على التحام الشعب بفئته المثقفة الطليعية، وهو المعنى القصصي الذي قصد إليه وطار، والذي تعاون على تجسيده. كل من الزنجية والصحفي كقوتين متلاحمتين. وعلى كل فإن الشخصية المساعدة في القصة القصيرة الجزائرية قد أدت دوراً مهماً في بناء الحدث، وتصوير الشخصية الرئيسة، كما قامت وساعدت على تطورها وبلورة أفكارها. ثالثاً: مصادر إبداع الشخصيات: استقت القصة الجزائرية القصيرة شخصياتها من مصدرين هما: الواقع، والخيال وعلى ذلك عول الكتاب في رسم الحدث الفني والشخصيات. وسنتناول مصادر إبداع الشخصيات بدراسة كل مصدر على حدة، كي نوضح آثاره في فن القصة القصيرة الجزائرية. أ-الواقع: استمد كتاب القصة القصيرة معظم شخصياتهم من الواقع الحياتي، وذلك بعد أن انحسرت الشخصية الرومانسية أمام تدفق ملامح التيار الواقعي إثر الإعلان عن الثورة التحريرية في فاتح نوفمبر 1954، حيث ارتبط الكتاب "بالنضال الوطني من أجل الحرية والدفاع عن الأرض والشرف والكبرياء(118)، وقد تحدى الدكتور خليفة ركيبي في مقدمة مجموعته القصصية "نفوس ثائرة" النقاد، بأن ينفوا عن قصصه واقعيتها(119). كما اعترف وطار بأن الحياة هي أهم مصدر لشخصياته الأدبية، وأنه يختارها من معارفه وأقاربه ومن محيطه في مقر عمله، وأن هذا لا يعني أنه يصور هذه الشخصيات بطريقة المؤرخ، وإنما يضفي على الشخصية الواقعية ظلالاً ومعطيات أخرى تتراوح بين 70 و 80% من عنده، كما أنه يقوم بتركيب صفات عدة أشخاص، ويجعل منها شخصية واحدة على نحو ما فعل في رسم شخصية (عيسى بوعين)، أو كما فعل في هذه القصص القصيرة: "الطاحونة"، و "الأبطال"، و "الطعنات"، و "الخناجر"، و "الزنجية والضابط"(120). فبعضها منتزع من شخصيته، وبعضها الآخر منتزع مما عرفه في الآخرين إلا أنه يمكن التمييز بين ثلاثة مصادر واقعية في القصة الجزائرية وهي: 1-المصدر الثوري 2-المصدر السياسي 3-المصدر الاجتماعي وحتى تتضح هذه الاتجاهات، فإننا نقوم بتحليل نموذج واحد نعده مثالاً لشخصيات كثيرة، وذلك تجنباً للتكرار: 1- المصدر الثوري: تشكل الثورة التحريرية أهم مصدر للشخصيات القصصية، فقد طغت على معظم الشخصيات القصصية عند كتاب جيل الثورة، كما أنها لاتزال تكون أحد المنابع الأساسية لإنتاج الجيل الجديد، جيل السبعينات نظراً للأثر العميق الذي تركته الثورة في نفوس الجزائريين، ولا سيما هذه الحرب التي أثرت أيضاً في بناء إنسان جزائري جديد، وصداها الإنساني العميق في نفوس كثير من أعضاء حركات التحرر خصوصاً في العالم الثالث. وقد تنوعت شخصيات هذا الاتجاه تنوعاً غزيراً، فهناك شخصية القائد، وشخصية الجندي، وشخصية الفدائي، وشخصية رجل المخابرات، وشخصية رجل الإعلام. وظهرت في القصص عدة أسماء حقيقية لبعض قادة الثورة، وبعض الفدائيين مثل (حسيبة بن بوعلي)، و (علي لا بوانت)، و (فطومة)، و (الزهراء ظريف) و (جميلة بوحيرد)(121)، كما تناول بعض الكتاب سيرة قادة الثورة وحولوها إلى قصص قصيرة تتفجر بالروح الوطنية، وبالبطولات العظيمة. ومن هذه الشخصيات التي تصور حياة بعض القادة الحقيقيين، شخصية القائد الشهيد (عميروش)(122)، وشخصية (مصطفى بن بو العيد) في قصة "قرنفل زينب"(123). ويصعب حصر جميع هذه الشخصيات التي استقاها القاصون من الواقع التاريخي للثورة الجزائرية، أو الشخصيات الواقعية التي عبرت عن حياة المجاهدين، ومعاناة الإنسان الجزائري، ونضاله الطويل ضد المستعمر، ولذلك فسوف نركز على شخصية الجندي كما صورتها قصة "قريتنا تتحدى"(124). في القصة ثلاث شخصيات تصور الحدث: إلا أن الراوي وهو أحد الجنود، وأحد هذه الشخصيات الثلاث ركز اهتمامه في أثناء تداعيه على شخصية (المختار) إذ اهتم بملامح شخصيته الخارجية، كما اعتنى بإبراز صفاته الداخلية، وذلك من خلال الحركات التي يقوم بها أو التغييرات التي تطرأ على وجهه، فهو كلما كان في حالة انتظار خوض معركة ضد أفراد جنود العدو، أو كلما كان يستعد للقيام بعمل مهم فإن نظرته تكون جامدة لا تخلو من غيظ أو إيحاء بما يعانيه من سأم وتذمر(125). ولكنه عندما يكون في قلب المعركة فإن أساريره تنجلي وتستنير(126). كما تمتاز شخصية الجندي بالذكاء وروح المغامرة والدقة في التخطيط إذ يفلح الجنود الثلاثة في استدراج قافلة العدو العسكرية(127)، إلى القرية التي هجرها سكانها العزل، بعد أن اختبأ جنود جيش جبهة التحرير في مساكن هذه القرية. ويجسد القاص معظم صفات شخصية الجندي في شخصية المختار ورفيقبه: (الراوي) الذي بقيت ملامحه غامضة و (الحواس) الذي وصف الراوي قامته بالطول وشفتيه بالغلظ(128). ومن هنا الصفات: الذكاء والشعور بالفرحة والانشراح وسط المعركة، والشجاعة في أثنائها. وقد تحقق أمل الشخصية بعد أن فازت بالانتصار. إن الثورة الجزائرية قد أغنت القصة بنماذج من شخصيات لا حصر لها، استعان بها الكتاب في التعبير عن معاناة الشعب الجزائري وتوقه الشديد إلى التحرر والاستقلال، كما صوروا من خلالها ملاحم معاركه وعملياته الفدائية. 2-المصدر السياسي: تعود أسباب نشأة هذا الاتجاه إلى اختلاف آراء الكتاب وتباين وجهات نظرهم حول طبيعة النظرية السياسية التي يحكم بها المسؤولون مسار الثورة أو قيادة الشعب. وقد كان للمشاريع الاجتماعية التي ظهرت بعد الاستقلال تأثيرات مباشرة في وجود بعض التباين والاختلاف في الأسلوب والهدف، وكان لذلك تأثير في تنوع الموضوعات القصصية. وأبرز قاص اتضحت معالم هذا التنوع في نتاجه القصصي هو الطاهر وطار خصوصاً فيما كتبه بعد الاستقلال وقد تأثرت كتاباته تأثراً قوياً باتجاهه الفكري، حتى إن بعض الباحثين ذهب إلى أنه "كاتب فكرة بالدرجة الأولى، وهو إن كتب قصة، فإنما ليعبر عن موقف فكري يشغل باله منذ زمن"(129)، كما رآه بعضهم الآخر "اختار لنفسه معالجة القضايا السياسية، من خلال تجسيد الأزمات والصراعات الأيديولوجية النابعة من رؤيته لهذا الواقع..(130)". ويكشف التحليل التالي صدق ما ذهبت إليه هذه الآراء، على أننا سنركز على قصتين اثنتين تعدان نموذجاً راقياً للأدب السياسي الذي يهتم برسم الشخصية السياسية، وهاتان القصتان هما: "الحوت لا يأكل"(131)، وقصة "اشتراكي حتى الموت"(132). فبطل قصة "الحوت لا يأكل" جعل من عملية صيد "الحوت" هواية يمارسها في كل يوم من أيام عطلته الأسبوعية، وكان مثقفاً خبيراً بالوضع السياسي العربي المعاصر خبرة عميقة، ونرى من خلال التداعي والحوار النفسي أنه يقدم تشريحاً للواقع السياسي والمزالق الخطيرة التي وقع فيها قادة الشعوب العربية. ويثير عنوان القصة أسئلة عديدة، ويتضمن دلالات متنوعة وعميقة، فما الحوت؟ ولم لا يأكل على غير عادته؟ إن مصطلح "الحوت" في القصة يتضمن معنيين: 1-المعنى الأصلي: وهو السمك، ويتضح ذلك من خلال علاقة الصياد بالماء وبالحوت، وتوجد في القصة عدة قرائن تدل على ذلك، كقول المؤلف: "انهمكت في تركيب الصنانير وإعداد الطعم"(133)، وكذلك قوله: "كنت قد فككت الخيوط من بعضها، وسويتها في الجرارتين، ووضعت قطعتي الرصاص في موضعهما، وركبت في رأسي من الخيطين صنارة، راعيت أن تكون واحدة كبيرة..(134)". 2-المعنى الثاني: رمزي، وذلك لما تتضمنه هذه الكلمة من كثرة وضعف، ومعناه هنا الشعب، وفي القصة عدة إشارات تدل على ذلك، منها أن الكاتب ربط حدث صيد الحوت بوصف واقع الشعب العربي، وكذلك ربط بين عالم الصيد الفردي وهمومه، وبين عالم الشعوب العربية والبلايا التي ابتليت بها(135). أي: أن شخصية الصياد في القصة ترمز إلى أن اجتماع الحوت مع الصياد يعني اجتماع الشعب مع الشخصية، ويرجح أن شخصية هذه القصة، هي أميل إلى الشخصية السياسية منها إلى شخصية الصياد، بدليل عدم اهتمام القاص بتصوير صفاتها البارزة قدر اهتمامه بالتعبير عن مواقفها من الوضع السياسي العربي وعدم كفاءة الحكام العرب في قيادة شعوبهم. وقد جاءت هذه الآراء على لسان الصياد في أثناء تداعياته خلال انهماكه في فك الصنارة عن بعضها. كقوله: "وضحكت حين خطر لي أن الشيء الوحيد، الذي لايمكن أن ينجح فيه العرب هو السياسة، يقين أنه الميدان الأمثل الذي يلجأون إليه لكي لايمارسوا أي عمل، كل السياسيين العرب فنانون مخفقون، وجدوا ملجأ للتعبير وإرضاء الذات في الحكم..."(136). وقد عد الدكتور محمد مصايف هذا الرأي من أجرأ ما عبر به الفن العربي عن إخفاق السياسة العربية، وأن تعليله هو التعليل الوحيد المناسب في هذا المجال(137). ونتج عن شعور بعض السياسيين العرب بالضعف، وعدم الكفاءة أن استبدوا وجاروا وتصيدوا كل رأي يخالف رأيهم أو يعارضه، فسادات مظاهر القمع في الحياة العربية، وأصيب المواطن العربي بحالات الذعر والفزع. ووفق وطّار في عرض مواقف الشعوب العربية من واقعها عندما شبهه بواقع الدودة التي غرزها الصياد في رأس الصنارة الحاد حيث تلوت مراراً، ثم تمددت مستسلمة للأمر الواقع، وهذه الحالة أشبه بحالة المواطن العربي عندما يعبر عن آرائه حول القضايا السياسية التي تفرض عليه فرضاً.. فقد يبدي استياءه بحركات بسيطة، ولكنه ما يلبث أن يستسلم ويسلم أمره لغيره، ويقبل عن مضض وضعه الجديد المفروض عليه، متحاشياً الصراع(138). على أن وطاراً ربط هموم الصياد بهموم العالم الكلي الذي ينتمي إليه "فعبر عملية الصيد وما فيها من فرص النجاح أو الاخفاق كانت تتداعى في ذهن الصياد سيول من الأفكار، والخواطر التي تدفعه دفعاً للخروج من حدود اهتماماته الفردية وهو صيد الحوت إلى الاهتمامات الموضوعية ببعدها الشمولي(139)". وفي نهاية القصة نقد للواقع، وكشف عن أسباب عدم تطور المواطن العربي وارتقائه، وذلك من خلال تمثيل الحالة الصحية للحوت وتشبيهه بواقع الشعب العربي. لم يستطع الصياد أن يصطاد ولو سمكة واحدة، رغم طول المدة التي قضاها من الساعة السادسة صباحاً إلى الساعة السادسة مساء، وهذا الزمن بدوره لا يخلو من إيحاء إلى كون زمن الواقع العربي شبيه بالزمن (الصهيوني) الأسود والغامض. لأن الحوت عاجز عن فتح فمه للقبض على الدودة، كان مصروعاً، وكذلك لا يستطيع الشعب العربي أن يتطور، ولا أن يتحرر مادام مكمم الأفواه، لا يستطيع التعبير عما يجول في نفسه من آراء أو أفكار. وقد نجح وطار في التعبير عن هذه الفكرة عندما جعلها تتواتر كخواطر في أعماق الصياد، بل كان يخشى أن تلتقطها آذان الحوت. ومن هنا فإن شخصية الصياد في هذه القصة، هي رمز لشخصية السياسي العربي والذي يكتفي بإعادة دور "سيزيف"، ويكرر إلقاء السنارة في الماء كما كان سيزيف يعيد الصخرة من أسفل الجبل، ثم يحاول الوصول بها إلى القمة على نحو ما أوحت به نهاية القصة: "في المرة القادمة يكون الطقس أحسن، وتكون الاهتزازات أكثر وأصدق"(140). وكشف عن السياسي المزيف في شخص بطل قصته "اشتراكي حتى الموت" فهذا الرجل يؤمن بالأفكار الاشتراكية، وأخلاقياتها، ولكنه على المستوى العملي يتصرف على خلاف ما يدعو إليه، ويرسم لنفسه حياة على عكس الحياة التي يصورها للمناضل الاشتراكي. وقد انتقد وطار الوضعية الاجتماعية للمناضل الاشتراكي فرأى أن الدولة تمنحه شهرياً راتباً كبيراً يفوق احتياجاته بكثير، وأن هذا الفائض يتحول إلى رأس مال كبير بعد تكديسه، وبذلك فقد عملت الدولة من دون أن تدري في تحول إطاراتها الاشتراكيين إلى رأسماليين كبار يهددون وجودها بتصرفاتهم، وممارساتهم. إن الواقع المعيش مدان هو بدوره من طرف الأشكال التعبيرية، وقد تجلى ذلك في النهاية المأساوية التي انتهت بها حياة بطل القصة إذ اصطدمت سيارته بشاحنة ضخمة(141). وهكذا حدد وطار نهاية كل مناضل اشتراكي، يتجاوز وضعه رسم الإطار المادي والمعنوي للمناضل الاشتراكي، بحيث لا يطغى طرف على آخر، كما أنه يجب ألا يتجاوزه حتى لا تظهر التناقضات والفوارق وهي أخلاقيات يدينها الفكر الاشتراكي. إن اقتحام مثل هذه الموضوعات قليل في الأدب العربي المعاصر، لأنها تتطلب تضحية لا يتحملها إلا النادر من الكتاب كالطاهر وطار، والذي يعد أبرز كاتب عربي ولج العالم السياسي وتمكن من الوصول إلى حصونه السود، وأحدث فيها شروخاً كبيرة، وقد خطا بذلك الخطوة الأولى للكتابة السياسية في الأدب القصصي الجزائري. 3-المصدر الاجتماعي: عاش المجتمع الجزائري في أثناء الاحتلال الفرنسي، وخصوصاً سنوات الحرب التحريرية (1954-1962) ظروفاً استثنائية، حيث سنت في هذه السنوات قوانين جائرة، وشنت حملات عسكرية أبادت قرى ومناطق ريفية عديدة آهلة بالسكان كما زجّ بآلاف المواطنين في غياهب السجون، وتفرقت أسر كثيرة عن بعضها وشردت عن أملاكها وأراضيها، وقام المستعمر منذ أن وطئت أقدامه السوداء أرض الجزائر في عام 1830، بعمليات تخريب الحياة الحضرية والعمرانية. قال أحد القادة الاستعماريين متباهياً بما فعله جنوده: "اختطفنا في هذه الحملة ثلاثة آلاف من رؤوس الغنم، وأشعلنا النار في ما يزيد على عشر من القرى الكبرى وقطعنا، أو حرقنا أكثر من عشرة آلاف شجرة من أشجار الزيتون والتين...(142)". وأدت هذه الأعمال إلى ظهور مآسي اجتماعية كبرى، تواصلت آثارها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، خصوصاً السنوات الخمس الأولى. وهذه الحال دعت الكتاب إلى الاهتمام بتصوير الحياة الاجتماعية، وإدانة مصادر الشقاء، وانتزعوا من المجتمع شخصيات حقيقية تعيش حياة الفقر، والبطالة أو الرشوة، والخيانة، أو الهجرة في فرنسا. وأدى هذا إلى ظهور القصة الاجتماعية ذات الشخصية المتميزة، وقد يصعب الفصل بين المصدر السياسي، والمصدر الاجتماعي، وذلك لتداخلهما القوي، وتأثير أحدهما في الآخر، فأحياناً كثيرة تكون الأوضاع الاجتماعية انعكاساً طبيعياً للواقع السياسي، كما أن الأوضاع الاجتماعية المضطربة تؤدي بالضرورة إلى عدم استقرار الوضع السياسي. ويصعب في قصص الطاهر وطار مثلاً الفصل بين التأثيرات السياسية في نفس بطل القصة. ويظهر ذلك جلياً في قصته "الطاحونة" 1963م، حيث نتج عن الوضع السياسي الشاذ ظواهر اجتماعية عديدة وبرزت طبقة ذات ميول برجوازية تبعثر أموال الشعب شمالاً ويميناً، ولا تستمع إلا لصوت رغباتها متجاهلة مئات الآلاف من المواطنين الجياع، وقد عبر عن هذه الظواهر بوصف دقيق لوضعية مكاتب جيش جبهة التحرير، وبطفلين صغيرين قدما إلى مركز الجنود يطلبان خبزاً(143). وما كاد بطل القصة ينسى صورة الطفلين البائسين، حتى وردت إلى ذهنه هذه الصور: "زوجة وزير في حكومتنا الثورية أنفقت بتونس في ظرف يومين قرابة المليونين ومصالح القادة الجاسوسية تنفق يومياً عشرات الملايين، والقوات المحلية تعوم في الذهب، والعالم كله يتبرع علينا، والخيرات مخزونة عند الأغنياء، وأبناء الشهداء يتضورون جوعاً..(144) وصورا بن هدوقة في قصته "الأغنية اللعينة"(145)، أثر آفة الفقر في دفع الأسر الضعيفة إلى تزويج بناتها هروباً من عبء الإنفاق. وقد وظف القاص طريقة السرد المباشر للتعبير عن هذا النوع من العلاقات الزوجية كقوله: "لكن الغريب في أمر هذين الزوجين الجميلين أنهما يحسنان تبادل الثناء إلى حد الإفراط. إنك إذ تسمعهما فتتوهم أن الحب لم يخلق إلا في قلبيهما، وأن الأرض لم تنبت جميلاً غيرهما، وعلى هذا النمط من النفاق البريء يعيشان.(146)". وصور في شخصيات قصته "حلم الصيف"(147)، أثر اختفاء المواد الغذائية من الأسواق في تكوين رغبة جموح -خصوصاً لدى النساء- للسفر إلى الخارج، والاعتماد على طرق غير شرعية للحصول على العملة الصعبة.(148) كما ظهرت في قصتي "رسالة توصية"(149)، و المئزر الوردي(150)"، لدودو شخصيات اجتماعية عالجت قضية الوساطة، وقضية نزوح الشاب الريفي إلى المدينة، ووقوعه ضحية فيها. وهكذا فإن هذه المصادر لرسم الشخصيات هي أهم موارد الأدباء، وتجدر الإشارة إلى تداخلها في العمل القصصي الواحد، فيصعب الفصل التام بينها، وقد ينشأ بعضها عن بعض، وما التمييز السباق بينها إلا ضرورة اقتضتها منهجية البحث، فالواقع الإنساني مؤلف من هذه المصادر مجتمعة، ثم إن سحر الخيال والحلم والأسطورة هو بدوره أيضاً من بين مصادر الشخصية القصصية الهامة.... فكيف وظفه القاصون -فنياً- وما أهميته الجمالية في القصة الجزائرية القصيرة؟ ب-المصدر الخيالي: تعد نماذج المصدر التخييلي قليلة جداً بالقياس إلى نماذج المصدر الواقعي رغم ثراء التراث الشعبي الجزائري والذي يمثل القصص الشعبي قسماً هاماً منه.(151) وقد كان بإمكان القاصين الاستفادة من هذا التراث أيَّما استفادة. إذ أنه يزخر بشخصيات متنوعة، وبمعين خيالي لا حدود له. ولكن يبدو أن صعوبة انتشار هذا اللون من التعبير، بالإضافة إلى تدفق القصص الأجنبي الحديث قد حال دون ذلك. ويلاحظ على المصدر أنه يستقي معظم عناصره من الذهنية الشعبية البسيطة التي تسلم بالأمور رغم غرابة أحداثها والأجواء التي تحدث فيها. إلا أن لوظيفتها في النص القصصي أهمية كبيرة، فهي تؤدي وظيفة فنية، وفي الوقت نفسه تتضمن دلالات فكرية، كما أنها تقوم بدور مهم في رسم الشخصية الفنية، وكذلك في تصوير الحدث القصصي. وتتصف قصص هذا المصدر غالباً بأنها تشتمل على حكايتين في القصة الواحدة ولكل حكاية شخصياتها وأحداثها. الأولى تستند على غريب الحوادث والشخصية المركبة التي يعجز العقل البشري عن تصورها، ويشعر أمامها بالضعف والفزع، وهي الأنواع الشريرة، ولها صفاتها والأنواع الخيرة ولها صفاتها أيضاً. بينما الحكاية الثانية تعتمد على الحادثة الواقعية والشخصية البسيطة، وهي تأتي في كثير من الأحيان لتنقض الحكاية الأولى، وتشكك في قدرتها. ومثال ذلك قصة "الأشعة السبعة"(152)، فهي تتوافر على حكايتين: 1-تروي قصة غرق والدة الطفل في البحيرة، وتفسير عامة الناس لذلك، حيث أجمعوا على أن العملاق الذي يقطن داخل البحيرة هو الذي اختطفها "ومن ذلك اليوم ازداد عملاق البحيرة في رؤوس سكان القرية طولاً وعرضاً..."(153) 2-وتهتم الحكاية الثانية بسرد قصة الطفل، وسبب مرضه بداء البكم. إذ أكد جميع الأطباء الذين فحصوه بأن آفته "طبيعية تكونت فيه يوم أن تكونت أجزاؤه في بطن أمه، واتفق جميع من يعرفه على أنه ولد أبكم(154)". إلا أن الحدث القصصي أثبت في نهاية القصة أن مرض الطفل نفسي، وأنه فقد حاسة النطق في أثناء غرق والدته في البحيرة.(155) ولا تبين قيمة الحكايتين إلا من خلال فك رموز الشخصيات والأحداث، فإذا علمنا أن الأم ترمز إلى الأرض أي إلى الوطن الجزائري وأن العملاق هو رمز للوجود الاستعماري، واعتقاد عامة الشعب بقدرة العملاق وقوته وهو رمز للفكر الاستعماري. أما الطفل فهو يرمز إلى جيل أول نوفمبر 1954م الذي عقد العزم على تحرير البلاد وحل عقدة الشعور بالضعف. ووظف أبو العيد دودو في قصته "المرابطة"(156)، شخصية أسطورية لحكاية شعبية منتشرة في منطقة الشمال القسنطيني خاصة، وأساس هذه الشخصية الخرافية أنها نسخت من امرأة عجوز، كانت قد نظفت ابنها بورقة من "الفتات"(157). وقد جاءت ملامح (المرابطة) على لسان (مصطفى) الذي هدد أخاه الصغير عمر بمجيء (المرابطة) لتنزع منه إحدى أذنيه إذا لم يمنحه نصيبه من اللحم(158). وتتضح من خلال تركيزه على وصف مظهرها الخارجي قوتها الخارقة التي تفوق قدرة الكائن البشري، إذ أنها تتميز بغرابة شديدة في بنية أطرافها وأعضاء جسمها، فهو يشبه فمها (بالجابية) في الاتساع، بينما شبه لسانها بسيف (علي) في قوة القطع(159)، كما وصف بعض أطرافها بالطول كما في قوله: "جالسة فوق البلوطة، يداها تتدليان إلى الأرض أنها تشرب من الشعبة، وعيناها تشتعلان كالنار، ولسانها يلمع كالبرق وقد حزمت بشعرها..."(160) وإذا كان دودو قد وفق في رسم هذه الشخصية الخرافية عن طريق تصوير مظهرها الخارجي، ووصف الأعمال التي تقوم بها، وأفاد كثيراً من زمن السرد حيث الليل في ظلمة شديدة وريح عاتيه ورعد قاصف -وجعل الظواهر كلها تتعاون على خلق توتّر حاد في نفس الطفل عمر، فإنه لم يتجاوز بذلك عتبة النص الشعبي، ولم يضف عليه بعداً رمزياً، ذا دلالة سياسية أو اجتماعية ولم يوظفها كرمز لعنصر الشر كما فعل ابن هدوقة في قصته "الأشعة السبعة". إن وظيفتها في القصة لا تتجاوز وظيفتها في النص الأصلي أي الحكاية الشعبية التي تروي للأطفال في بيئات شديدة الفقر والتخلف، حيث لا يزال للقوى الغيبية سلطانها على عقول الأهالي. لقد اهتم القاصون الجزائريون في هذه المرحلة بتصوير شخصياتهم الفنية والتعبير عن ملامحها النفسية والمادية، وأولوها عناية كبيرة للتعبير عن الحدث القصصي. تنوعت الشخصيات الفنية تنوعاً كبيراً متأثرة في ذلك بالظروف السياسية الجديدة، خصوصاً في أثناء الحرب التحريرية، حيث ظهرت أنواع من الشخصيات لم يكن لها وجود في المرحلة السابقة، كشخصية الفدائي والضابط والجندي والقائد. عمد القاصون إلى عدة طرائق فنية في بناء الشخصيات القصصية، وكان للظروف السياسية والاجتماعية دور هام في تنوع مصادر الشخصية. وقد أفاد القاصون إفادة كبيرة من هذه المصادر، وأدى هذا إلى ظهور الشخصية السياسية والاجتماعية في القصة. خاتمــــة الفصــــل الثـــــالث: ويمكننا في نهاية هذا الفصل استخلاص الأمور التالية: أتاحت الظروف الجديدة السياسية والاجتماعية للكتاب الجزائريين أن يطلعوا -وبشكل أعمق من ذي قبل- على الحياة الأدبية العربية الحديثة والمعاصرة، وأن يتمثلوا أشكالها الأدبية الجديدة خصوصاً القصة القصيرة. كما أتاح لهم تواجدهم في البلدان العربية بسبب الظروف السياسية أو الظروف الحياتية أو ظروف الدراسة فرصة كبيرة للاحتكاك المباشر مع الحركات الأدبية المعاصرة. وقد ساعدت هذه الظروف على تطور فن القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر، وانحصار الأشكال الأدبية التقليدية. كالخطابة وأدب الرحلات والمقامات والمناظرات، كما أفلت الموضوعات التقليدية التي طبعت مرحلة (1925-1956). تجلت مظاهر هذا التطور في ظهور كتاب جدد، تأثروا بآداب القرن الحالي العربية والأجنبية، وبالنتاج القصصي الغزير المتنوع الأشكال والمضامين. واقترب الأدب من الواقع وعبر عن مختلف جوانبه، وهو الأمر الذي أدى إلى (انكماش) التيار الرومانسي، وفسح المجال لسيادة الاتجاه الواقعي. وهكذا تميزت القصة القصيرة خلال هذه المرحلة (1956-1972) بتعبيرها عن الواقع الجزائري الثوري والسياسي والاجتماعي. فبرزت الشخصية المقاتلة بدلاً من الشخصية المتوعدة، وكذلك الشخصية الفدائية بدلاً من الشخصية الواعظة. وطور القاصون أساليبهم في بناء الأحداث ورسم الشخصيات ولغتهم الفنية، بحيث صارت أكثر إيحاء وتركيزاً وأخذ الحوار يفصح عن بنية الشخصيات. ويمكن القول إن فن القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر قد نشأ حقيقة على أيدي أدباء جيل الثورة وتطور بفضل جهودهم. (1) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية- ص36 إلى 44. (2) ظلال جزائرية -ص42. (3) ص47. (4) ص55 (5) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة ص15 (6) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة ص16 (7) بحيرة الزيتون- ص127. (8) ص147 (9) ص189 (10) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية -ص56. (11) ظلال جزائرية ص60 (12) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى -ص10 (13) الكاتب وقصص أخرى -ص18-19 (14) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص203 إلى 205 (15) بحيرة الزيتون ص203 (16) عبد الحفيظ حرزلي: صورة الجزائري في القصة العربية الجزائرية (1962-1976) رسالة ماجستير- كلية الآداب، جامعة القاهرة 1982م- ص29 (17) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون (ط1) مطبعة الشعب الجزائر- د. ت -ص168 (18) المصدر نفسه ص169 (19) الطاهر وطار- الطعنات -ص85 (20) قال الدكتور محمد الصالح الجابري في مجلة الحياة الثقافية ع26- ص13 حول هذه القصة ما يلي: "هي قصة وطار الوحيدة التي تصور نضال الشعب التونسي في المرحلة وقد جاء نشر هذه القصة بمجموعة الطعنات مخالفاً في التفاصيل والشخصيات والعنوان عما نشرت عنه بجريدة (الصباح)، فبعد أن كان عنوان القصة (أيها المذنب) أصبح عنوانها في الطعنات (رسالة) وبعد أن كانت بطلتها في النسخة الأولى زنوبة أصبحت ياسمينة في نص الطعنات، ثم أخيراً أنها كانت قصة عاطفية فأعاد صياغتها وحملها مضموناً سياسياً شيوعياً. (21) المرجع السابق -ص13 (22) الطاهر وطار: الطعنات -ص35 إلى 45 (23) الطعنات -ص40 (24) ص39 (25) ص38 (26) د. أبو العيد دودو: الطريق الفضي- ص83 (27) نفسه -ص94 (28) ظلال جزائرية -ص 7 (29) المصدر نفسه -ص 7 (30) ص13 (31) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة -ص 182 (32) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص17 (33) بحيرة الزيتون -ص147 (34) الطاهر وطار: دخان من قلبي -ص 114 (35) دخان من قلبي -ص 111 و 112 (36) فوزي عبد القادر الميلادي: جولة مع أدباء شمال أفريقيا -ص 46 (37) ظلال جزائرية -ص 5 (38) ص 23 (39) ص 38 (40) د.أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص 16 (41) بحيرة الزيتون -ص 16 و 17 (42) ص 71 (43) الطاهر وطار: الطعنات -ص 85 إلى 112 (44) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص111 إلى 125 (45) بحيرة الزيتون -117 (46) الطاهر وطار: الطعنات ص 113 إلى 127 (47) حكاية شعبية جزائرية مشهورة جداً بين العامة (48) الطاهر وطار -الطعنات -ص114 (49) الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص 105 إلى 127 (50) أحمد مَمّو: دراسات هيكلية في قصة الصراع، الدار العربيية للكتاب (ليبيا-تونس) 1984-ص53 (51) عبد الحميد بن هدقة: الكاتب وقصص أخرى -ص 20إلى 34 (52) الكاتب وقصص أخرى -ص27 (53) الطاهر وطار: الطعنات -ص 35 إلى 45 (54) الطعنات -ص 40 (55) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة -ص 27 إلى 37 (56) الأشعة السبعة -ص 34 و 35 (57) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى -ص 60 إلى 69 (58) الكاتب وقصص أخرى -ص62 (59) ص 65 إلى 67 (60) د.أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص 75 إلى 100 (61) دار الثلاثة - ص77 (62) ص 90 (63) ص 92 (64) ص 94 (65) ص 94 (66) عبد الحميد بن هدوقة: ظلال جزائرية- ص10 (67) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى -ص 8 (68) الكاتب وقصص أخرى -ص19 (69) أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص 20 وما بعدها (70) دار الثلاثة -ص 60 (71) عبد الحفيظ حرزلي: صورة الجزائري في القصة العربية الجزائرية -ص 20 (72) الطاهر وطار: دخان من قلبي -ص 19 إلى 35 (73) دخان من قلبي -ص 20 (74) ص 167 (75) ص 176 (76) الطاهر وطار: الشهداء.. يعودون هذا الأسبوع -ص 149 إلى 192 (77) الشهداء.. يعودون هذا الأسبوع -ص 188 وما بعدها (78) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة -ص 39 إلى 46 (79) الأشعة السبعة -ص 44 (80) د. محمد الصالح الجابري: مجلة الحياة الثقافية -عدد 26- تونس ص7. (81) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون ص53-66. (82) بحيرة الزيتون -ص58 (83) ص67إلى 75 (84) ص 70 إلى 75 (85) ص 75 (86) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة وقصص أخرى -ص 161 إلى 174 (87) دار الثلاثة -ص 166 (88) د. أبو العيد دودو: الطريق الفضي -ص 103 إلى 128 (89) الطريق الفضي -ص 111 (90) ص 112 (91) ص 111 (92) ص 18 (93) ص 59 (94) الطاهر وطار: دخان من قلبي - ص61 إلى 71 (95) دخان من قلبي - ص7 (96) ص 71 (97) الطاهر وطار" : الطعنات -ص 29 (98) الطعنات -ص 29 و 30 (99) ص 129 إلى 136 (100) وقعت هذه القصة بتاريخ 15- جويلية- 1963م (101) الطاهر وطار: الطعنات -ص 129 (102) الطعنات -ص 130 (103) الطاهر وطار: الطعنات -ص 133 (104) عبد الحفيظ حرزلي: صورة الجزائري في القصة العربية الجزائرية - ص215 (105) الطاهر وطار: القصة العربية في الجزائر (مقال) جريدة الشعب-العدد 2357-17 جويلية 1970 (106) د. محمد مصايف: القصة القصيرة العربية الجزائرية -الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -الجزائر 1982- ص97 (107) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى- ص 5 إلى 19 (108) الكاتب وقصص أخرى -ص 9 و 10 (109) ص 10 (110) ص 10 (111) اسم أطلق في أثناء الحرب التحريرية على الجزائريين المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي. (112) الطاهر وطار: دخان من قلبي -ص 137 (113) دخان من قلبي -ص 184 (114) الطاهر وطار: الشهداء.. يعودون هذا الأسبوع -ص 30 (115) الشهداء... يعودون هذا الأسبوع -ص 32 (116) ص 57 (117) ص 60 (118) د. عبد الله خليفة ركيبي: تطور القصة الجزائرية القصيرة (مقال) مجلة الآداب العدد 10 -بيروت 1977-ص 101 (119) د. عبد الله خليفة ركيبي: نفوس ثائرة -(المقدمة) -ص 23 و 24 (120) رسالة خاصة مؤرخة في الجزائر - 30 مارس 1980 (121) د.نور سلمان: الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير -ص 473 (122) محمد الصالح الصديق -عميروش وقصص أخرى -ص41 (123) البهي فضلاء: دقت الساعة وقصص أخرى -ص 31 (124) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة- ص121 (125) دار الثلاثة- ص 125 (126) ص 125 (127) ص 129 (128) ص 124 (129) د. محمد مصايف: النثر الجزائري الحديث (ط1)-المؤسسة الوطنية للكتاب -الجزائر 1983-ص58 (130) أحمد الأخضر طالب: الالتزام في القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة -65 (131) الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص61إلى 84 (132) الشهداء.. يعودون هذا الأسبوع -ص 85إلى 103 (133) ص 63 (134) ص 66 (135) عبد الرزاق عيد: دراسات نقدية في الرواية والقصة -ص 141 (136) الطاهر وطار: الشهداء... يعودون هذا الأسبوع -ص 64 (137) د. محمد مصايف: النثر الجزائري الحديث -ص 52 (138) الشهداء.... يعودون هذا الأسبوع -ص69 (139) عبد الرزاق عيد دراسات نقدية في القصة القصيرة -ص 141 (140) الشهداء يعودون هذا الأسبوع -ص 84 (141) ص 102و 103 (142) مصطفى الأشرف: الجزائر الأمة والمجتمع -(ط1)- ترجمة الدكتور حنفي بن عيسى -المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1983-ص 108 (143) الطاهر وطار: الطعنات -ص 7 (144) الطعنات -ص 12 (145) عبد الحميد بن هدوقة: الكاتب وقصص أخرى -ص 82 وما بعدها (146) الكاتب وقصص أخرى -ص89 (147) عبد الحميد به هدوقة: الأشعة السبعة -ص 107 إلى 131 (148) الأشعة السبعة -ص 112 (149) د. أبو العيد دودو: الطريق الفضي -ص 103 إلى 114 (150) الطريق الفضي - ص147 إلى 175 (151) عبد الحميد بواريو: القصص الشعبي في منطقة بسكرة. (ط1) -المؤسسة الوطنية للكتاب -الجزائر 1986- ص5 (152) عبد الحميد بن هدوقة: الأشعة السبعة -ص9 (153) الأشعة السبعة -ص 14 (154) ص 9 (155) ص 14 (156) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص 101 إلى 120 (157) طعام شعبي اشتهر في منطقة الشمال القسنطيني (158) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص 105 (159) د. أبو العيد دودو: دار الثلاثة -ص 111 (160) دار الثلاثة- ص101 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |