تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصــــــل الثــــالـــــث القصــــــــة الفنيــــــــــــة (1956 - 1972م)

مقدمة:‏

نتناول في هذا الفصل مرحلة تألق القصة الجزائرية وبلوغها درجة النضج الفني.‏

ونركز على دراسة البناء الفني في الحدث القصصي، وفي الشخصيات وطرائق عرضها عند بعض أعلام هذه المرحلة وهم: عبد الحميد بن هدوقة وأبو العيد دودو والطاهر وطار.‏

وننوه بجهود الدكتور عبد الله ركيبي والأستاذة: زهور ونيسي والدكتور عثمان سعدي.. وقد يشكو الباحث في هذا الموضوع من قلة المراجع المخصصة لمرحلة (1956-1972م)، فنحن لا نعثر على مرجع ذي أهمية في هذا الموضوع عدا كتاب الأستاذ الركيبي في "القصة الجزائرية القصيرة"(1)، الذي تناول هذه المرحلة الأدبية بالدرس والتحليل، حتى سنة 1962(2)، وقد ظهرت بعد هذا التاريخ مجموعات قصصية عديدة للأدباء أنفسهم الذين تناولهم الأستاذ الركيبي الأمر الذي سمح لنا بإعادة قراءة تجربة هؤلاء المبدعين واستكمال دراسة فن القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر، ورصد ملامحها واتجاهاتها الفنية إلى سنة 1985.‏

وربما ذللنا كثيراً من الصعوبات التي اعترضت البحث بفضل مساعدة الأدباء أنفسهم، إذ لم يبخلوا بأي توضيح ولا بأية معلومة طلبناها.‏

وقد يلوح لقارئي هذا الفصل أننا خرجنا ببعض الاستنتاجات وأننا حاولنا تحديد الإطار الفني العام للقصة الجزائرية، وتقدير مدى استيعابها لمختلف الأصول الفنية واسهامها في تطوير فن القصة في الوطن العربي عموماً.‏

تمهيد‏

جيـــل الثــــــورة الأدبــــي‏

عرفت الحياة الأدبية والثقافية في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية (1944) تطوراً ملحوظاً، فقد كثر عدد الكتاب ورجع بعضهم إلى أرض الوطن، وتخرج بعضهم الآخر من معاهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما شهدت هذه المرحلة استمرار إرسال البعثات العلمية إلى البلاد العربية وخاصة إلى تونس، والمغرب الأقصى، احتل فيها الشباب نسبة عالية فكان جلهم من مواليد ما بعد الحرب العالمية الأولى(1918).‏

أفاد جيل هذه المرحلة -أكثر من غيره من التطور الذي بلغته الحياة الأدبية بعد الحرب العالمية الثانية، للتقدم الذي طرأ على مختلف الأنواع الأدبية إثر تأسيس النوادي والجمعيات الثقافية، وانتشار الصحف اليومية والمجلات الدورية التي تعنى بالإبداع.‏

وتفتح الشباب الجزائري على الحركات الأدبية العربية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وأدى هذا إلى تكوين وعي ثقافي أثر في الحياة الأدبية الجزائرية، الأمر الذي نتج عنه تطور في الأشكال الأدبية، وتغيير في النظرة إلى الإبداع والكتابة بصورة عامة.‏

وتعد الظروف السياسية الجديدة -خاصة بعد قيام حرب التحرير الوطنية الكبرى في أول نوفمبر عام 1954- من أهم عوامل تطور الأدب الجزائري المعاصر سواء على صعيد الشكل أو المضمون، إذ تنوعت الأشكال الأدبية وتعددت المضامين وحظي فن القصة القصيرة بجزء هام من هذا التطور فتنوعت أشكالها، وتغيرت موضوعاتها، وظهر كتاب شبان خارج الوطن دافعوا عن الجزائر بالكلمة، وعرّفوا بقضايا الشعب السياسية، والاجتماعية، والثقافية. وما كادت الحرب التحريرية تندلع حتى انضم الكتاب إلى صفوفها يسجلون انتصاراتها ويعبرون عن آمالها ويصورون أحداثها "والتحقت القصة بدورها بالجبل تعايش الثورة وتكتب عنها، ومن القصاص من تفرغ للثورة، وتخصص فيها، ولم يكتب عن أي موضوع سواها مثل عثمان سعدي وعبد الله ركيبي، وفاضل المسعودي ومحمد الصالح الصديق(3)..."‏

وقد وضع بعض النقاد شروطاً لكتابة القصة في هذه المرحلة المتميزة بواقعها الثوري، فدعوا إلى التمسك بواقع البلاد وقضايا المجتمع السياسية والاجتماعية، وعبر بعض الكتاب عن رفضهم الكتابة في بعض الموضوعات معللين ذلك بمضي "زمن القصة التي همها التسلية وإثارة العواطف: "عاطفة المراهقين" وأن الواجب يدعو إلى أن ننظر بجد إلى واقعنا، إلى حياتنا الحاضرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان.."(4).‏

وقد عزا الدكتور عبد الله خليفة الركيبي بداية هذه المرحلة إلى الروح الجماعية الجديدة التي ظهرت بفضل الثورة التحريرية، وقال: إن هذه الروح الجماعية، وهذا الإيمان بالنصر بالجميع، وللجميع هو الذي يعطي لقصتنا اليوم بداية للانطلاق والتحرر من المواضيع والصور القديمة المستهلكة.."(5).‏

وبهذه النظرة الجديدة تأثرت القصة الجزائرية بما شاع من روح التجديد والدعوة إلى التغيير الفني ورفض كثير من أشكال التعبير التي لم يعد الكتاب يرون ضرورة لاستمرارها، أو الاهتمام بها، وهو الأمر الذي نتج عنه بداية مرحلة جديدة من عمر القصة القصيرة في الجزائر.‏

حددنا بداية هذه المرحلة بعام 1956، وذلك لأمور عديدة منها:‏

1- ردة الفعل على توقف جريدة البصائر عام 1956، وهي التي كانت تعد أهم منبر ثقافي انتعشت فيه الفنون الأدبية -ومنها الفن القصصي- كما تميزت هذه السنة بإعدام أحد أعلام الأدب ورائد القصة الجزائرية أحمد رضا حوحو في يوم 29 مارس 1956، وذلك على يد "شرذمة" من جنود الاستعمار الفرنسي.‏

2- ظهرت في هذه السنة 1956، بعض الأعمال الأدبية المتمحورة حول الموضوعات الناشئة عن الظروف الجديدة(6)، حيث جعلت من بعض قادة الثورة التحريرية شخوصاً رئيسية لها، ويعد هذا الجانب أهم علامة على انحسار الموضوعات الإصلاحية، وظهور الموضوعات الواقعية الملتزمة بالثورة التي بلغت في ذلك العام سنتها الثالثة(7).‏

أثر الثورة في تطور القصة القصيرة الجزائرية:‏

يمكن للباحث في تطور القصة القصيرة في الجزائر أن يميز بين تأثيرين بارزين، أولهما إيجابي والثاني سلبي.‏

1-يتمثل التأثير الايجابي فيما أضافته مرحلة الحرب التحريرية إلى القصة القصيرة المعاصرة، من حيث الشكل والمضمون.‏

أ-فعلى مستوى الشكل الفني: استعمل الأدباء الجزائريون في أيام الثورة التحريرية أشكالاً قصصية عديدة عرفها الأدب العربي في أثناء نهضته الحديثة، وقد وجدوا فيها أساليب جيدة للتعبير عن أفكارهم وآرائهم ومشاعرهم، وأحداث بلادهم. كما اكتشفوا أنها تملك قدراً كبيراً من أدوات التعبير الفني التي تمكنهم من تصوير المعارك وكفاح الشعب ومهاجمة قوات الجيش الفرنسي.‏

من هذه الأشكال القصة التي هي عبارة عن رواية مضغوطة، والقصة في شكل رسالة، والقصة الأسطورية الرمزية، علاوة على القصة الذاتية والقصة السردية العادية كما عرفها أقطابها الأوائل: (أدجار ألان يو) و(جي دي موبسان)، و(أنطوان تشيخوف 1860-1904م) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والذي يهمنا هنا أن العديد من نماذج هذه المرحلة اتصف بعناصر القصة الفنية ومقوماتها كالإيحاء والرمز والابتعاد عن الأسلوب الخطابي، وعن الأسلوب المباشر في السرد واهتم الكتاب ببناء الشخصية فلم تعد الشخصية ذات بعد واحد، إما رمزاً للخير وإما رمزاً للشر على نحو ما كانت عليه في القصة الإصلاحية، وإنما صارت تعبر عن الحياة الإنسانية وحقيقتها حيث يمتزج فيها الخير والشر(8).‏

وبهذه النظرة أثرى الأدباء أساليبهم ونوعوا أشكال عرض الأحداث، فتميز شكل القصة -خلال هذه المرحلة- بالثراء والتنوع، ويعود هذا الثراء: إلى اتصال الأدباء الجزائريين بالحركة الأدبية العربية المعاصرة وتتبعهم ما تصدره المطابع العربية من مجموعات قصصية، وإلى الحرب التحريرية وحياتها الجديدة. الأمر الذي دفعهم إلى تغيير أدواتهم التعبيرية وتطوير أشكالها الفنية.‏

ب-وعلى مستوى المضمون أثرت الثورة التحريرية في مضمون القصة، بما لا يقل عن أثرها في الشكل، فقد تقلصت الموضوعات الإصلاحية وخلفتها موضوعات جديدة استلهمت الواقع، فكثر وصف صمود الشعب الجزائري أمام قوى المستعمر وتصوير بطولات المناضلين والتعبير عن الحياة الاجتماعية الجديدة.(9).‏

في مرحلة ما بعد الاستقلال (أي بعد عام 1962) حظيت الموضوعات الاجتماعية بالاهتمام أكثر من غيرها، ومن أبرز هذه الموضوعات: الفقر والاحساس باليتم لدى الأطفال الصغار، والشعور بالغربة والعنصرية.‏

وبعد، فإنه إذا كانت الحرب التحريرية عاملاً إيجابياً في تطوير بناء القصة الفني لدى الأدباء الجزائريين ودافعاً لهم إلى الاطلاع على نماذج قصصية عربية رفيعة والاحتكاك بتجارب الآخرين، فإن لهذه الحرب أثراً آخر يتمثل في بعض الضعف الفني.‏

2-التأثير السلبي:‏

فقد اهتم القاص الجزائري اهتماماً كبيراً بتصوير المعارك، وبدافع وطني يمليه إحساسه بالواجب، والتزام بتصوير كفاح الشعب، ونضاله المستميت في مقاومة الاستبداد الفرنسي، وقد أدى هذا الالتزام إلى بروز بعض الكتابات الضعيفة، كضغط عشرات من السنين في قصة واحدة، وغياب التركيز أو عنصر التشويق، وتراكم الأحداث.‏

وقد تعود أسباب هذا إلى سوء فهم الالتزام والكتابة الواقعية لدى بعض كتاب هذه المرحلة، ممن لم يستوعبوا الأدب الواقعي، فهوعندهم لا يعدو أن يكون نقلاً أميناً للحدث وتصويراً حقيقياً لمراحل نموه، وقد لخصت الدكتورة نور سلمان أهم مظاهر هذا الضعف، فعزته إلى تأثير الحرب، وولوع الكتاب بتصويرها والتعبير عن كل جوانبها بأسلوب تفصيلي يقود في كثير من الأحيان إلى الوقوع في السطحية والمباشرة، وتكرير المواضيع، وتشابه الشخوص والمواقف، مما جعل من القاصين كتابا عقائديين بلغاء، أكثر منهم مبدعين "فغاب عن قصصهم عنصر المفاجأة، وغرقوا في التفسير والشرح.."(10).‏

ج-أدباء جيل الثورة:‏

ظهر في أثناء الثورة التحريرية عدد من كتاب القصة، يعود إليهم الفضل في تطوير الفن القصصي الجزائري المعاصر، وإثراء الحياة الأدبية بعد الاستقلال. ومثلما عبروا في أثناء الثورة التحريرية عن المعارك التي خاضها المجاهدون الجزائريون ضد جيش المستعمر، فقد عالجوا بعد الاستقلال الموضوعات التي أفرزتها ظروف الحياة، الجديدة، أما موضوعات الثورة فقد بقيت إلى الآن منبعاً لا ينضب للأفكار الثورية وللبطل المناضل الذي يضحي بما ملك في سبيل الوطن.‏

برز كتاب عديدون خلال سنوات الثورة التحريرية (1954-1962)، بعضهم استمر في ممارسة عملية الإبداع، وواصل كتابة القصة القصيرة، وبعض آخر قل انتاجه أو توقف، مع أن كتابات هؤلاء تتوافر على الحس الفني والموهبة الأدبية الرفيعة من مثل الدكتور حنفي بن عيسى والدكتور أبو القاسم سعد الله وفاضل المسعودي.‏

إن أبرز كتاب هذه المرحلة ثلاثة: عبد الحميد بن هدوقة وأبو العيد دودو والطاهر وطار.. وفيما يلي تحليل لأهم أعمالهم، وعرض لقضايا البناء الفني في الحدث القصصي وخلق الشخصيات ومصادرها.‏

1-عبد الحميد بن هدوقة (ولد 1925)‏

عبد الحميد بن هدوقة، أحد كتاب جيل الثورة، امتاز على زملائه بثراء التجربة الأدبية وتنوعها، وممارسة الكتابة في فنون أدبية عديدة، كتب المقالة والقصة القصيرة والتمثيلية بنوعيها الاذاعية والتلفزية، وهو أحد رواد الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، ومن أوائل الكتاب الذين وظفوا أدبهم للتعبير عن حرب التحرير، وعن الموضوعات الجديدة التي نشأت مع تطور المجتمع الجزائري، خصوصاً بعد الاستقلال.‏

عالج في كتاباته موضوع الثورة التحريرية، والريف الجزائري ومشكلات المغتربين الجزائريين.‏

وطريقته في عرض هذه الموضوعات متنوعة، فهو يستخدم أساليب قصصية فنية عديدة، ويحرص على تبني(11) الرؤية الاجتماعية للفن، ويؤثرها على غيرها سواء في قصصه التي كتبها خلال سنوات الحرب التحريرية، أو في قصصه التي جاءت في عهد الاستقلال.(12).‏

2-محمد الصالح الصديق (ولد 1926م)‏

يعد محمد الصالح الصديق أكثر الأدباء الجزائريين تأريخاً للثورة التحريرية، واهتماماً بها، فقد استوحى كثيراً من أحداث قصصه وشخصياتها من الواقع البطولي للثورة التحريرية، ويتميز في قصصه بعنايته الكبيرة بتفاصيل الأحداث وذكر الأمكنة والتواريخ وتسجيل سير الأبطال وقادة الثورة الحقيقيين. وقد اعترف بهذا الاهتمام في مقدمة مجموعته القصصية "عميروش وقصص أخرى"(13) حيث قال: "ولم تكد تنتهي الثورة المباركة حتى كنت أعددت كتاباً بعنوان "الخالدون" ضم نحو سبعة عشر بطلاً مثل: "ديدوش مراد، وابن مهيدي وزيغود يوسف، وابن بو العيد، وعبان رمضان، وأحمد نصيب وأحمد عبد الرزاق وغيرهم.."(14)..."‏

واهتم كذلك بالأسماء البطولية المعروفة في التاريخ الإسلامي والجزائري من مثل: خالد بن الوليد والأمير عبد القادر الجزائري ليؤكد المغزى الروحي للثورة الجزائرية ودفاعها عن الإسلام وأنها إحدى قلاعه الحصينة، وكذلك كي يعبئ النفوس ويهيئها للتضحية حتى تقبل على المعارك إقبال المجاهدين، وما من شك في أن أساس هذا المنطق الروحي في تصوير الصراع بين الجزائريين والفرنسيين عند الكاتب متأثر بالعقيدة الدينية، ومن هنا استلهم معركة "مؤتة" الشهيرة التي دارت بين جيش المسلمين بقيادة زيد بن حارثة وجيش الروم في السنة الثانية للهجرة، فقد رأى في هذه المعركة بعض ما يشبهها في إحدى معارك جيش جبهة التحرير الوطني، وكما رأى في شخص جعفر بن أبي طالب صورة نموذجية للبطولة والتضحية، فإنه رأى في حادثة استشهاد أحد المجاهدين في العقد الرابع من عمره صورة مشابهة للأولى في الشجاعة والاقدام على الفداء والتضحية من أجل إعلاء المبادئ والقيم.‏

ولذلك فإن الطريقة التي استشهد بها جعفر بن أبي طالب هي نفسها عند المجاهد الجزائري في أثناء الحرب التحريرية (1954-1962)، وقد صور الصّديق ذلك في قوله (ولم يكادوا يشاهدون العلم الوطني، حتى غلت دماؤهم وجن جنونهم، وأخذوا يرسلون عليه وابلا من الرصاص، وهو يقفز من مكان إلى آخر، ويندفع إلى الأمام بخطوات عملاقة، ولما أصيبت يمناه، وأوشك العلم أن يتهاوى على الأرض، تلقفه بيسراه، حتى أصيبت هي الأخرى، وعندئذ احتواه بين ذراعيه، حتى مزقه الرصاص، وسقط شهيدا..."(15).‏

ولم يقصر محمد الصالح الصديق همه على تصوير الصفات المعنوية للمجاهد، بل اهتم أيضاً بتصوير الجندي الفرنسي، فهو يتصف بالجبن والهلع، وفقدان زمام الأمور عندما يلتقي بالمجاهدين الجزائريين في ميدان المعركة، ولكنه يتحول إلى كائن مفترس وحشي عديم الإنسانية عشوائي الحركة، إذا اقتحم بيتاً أو غدر بأهالي إحدى المداشر أو قبض على أحد المواطنين العزل. كما يتباهى أفراد الجيش الفرنسي بالأعمال اللاإنسانية التي قاموا بها ضد مواطني القرى العزل كنوع من التعويض، وذلك بعد هزيمتهم على يد جيش جبهة التحرير الوطني، وتدل أعمالهم في قصصه على روح الانتقام وعنصر الشر الجاثمين في أعماق نفوسهم، ومن أنواع التعذيب في القرى أنهم يقتلعون أظافر القرويين بالكلاليب ويهشمون أسنانهم بالحجارة، ويبقرون بطون الحوامل، ويجرون عدداً كبيراً من الأهالي ثم يجبرونهم على الرقص والغناء أمام أفواه المدافع والرشاشات ثم يأخذون لهم صوراً بقصد تشويه كرامتهم وطعنها، وهي الصفة التي لا يتردد المواطن الجزائري لحظة في الموت من أجل تخليص المواطنين منها.‏

استخدم الصديق للتعبير عن أفكاره عدة أشكال قصصية أهمها (شكل الرسالة) الذي استعمله في معظم الأحيان لتصوير وضع الثورة الداخلي ووصف المعارك كما، عبر به عن تطور حياة شخصيات قصصه، خصوصاً بعد أن تلتحق بصفوف جيش جبهة التحرير الوطني في الجبل أو بالتنظيمات الفدائية في المدن الجزائرية الكبرى، وقد تقوم بدور وسيط يحرض على الالتحاق بصفوف الثورة، ونشر الوعي الوطني بين فئات الشباب خاصة، ففي قصة "طريق النصر" يطلب "المجاهد" سعيد من والده أن يقرأ رسالته على زملائه الأربعة الذين لم يعد يعلم عنهم شيئاً، وأنه لا يرغب في ذلك ما داموا يشتغلون في مزارع المعمرين.(16).‏

لم يجدد محمد الصالح الصديق في تصوير أحداث القصة، غير أنه أكثر من استعمال الصور والمشاهد المثالية، وأحياناً يقحم أفكاره على لسان شخصياته، وقد يختم بعض قصصه بتعليقات وعظية مثلما كان يفعل كتاب (المقالة القصصية) و(الصور القصصية) قبله، فمثلاً تنتهي قصة "زهية" بهذا التعليق" وهكذا شاهدت مقبرة القطار معركة تجلت فيها بطولة الشعب الجزائري، وبطولة المرأة الجزائرية وتضحيتها، بعد أن شاهد كل شبر من التراب الجزائري هذه البطولة والتضحية.(17)‏

وترد أحياناً اللقطات المثالية -التي لا تخلو من مبالغة- في ثنايا قصص عديدة، خصوصاً في أثناء وصفه هجوم المجاهدين على مراكز العدو، أوحينما بصور فرار أفراد الجيش الفرنسي وسقوطهم في ميدان المعركة، وكذلك تصوير سقوط طائرات العدو في قصة "اللقاء الأخير"، فقد شبهها بسقوط العصافير التي يصيبها صياد ماهر..(18).‏

إن اهتمام محمد الصالح الصديق بالعناصر الفنية للقصة لم يكن في مستوى اهتمامه بالموضوعات التي عالجها، وهي في عمومها لا تخرج عن إطار الحرب التحريرية، وبطولات الشعب الجزائري. وإذا كان قد نجح في تصوير معاناة الإنسان الجزائري في أثناء الحرب التي خاضها جيش التحرير لطرد القوات الفرنسية، فإنه قد أخفق في كتابة قصة فنية، حيث ظلت قصصه تدور في فلك محاولات سنوات الثلاثينات والأربعينات، ومن الصعب إيجاد مسوغ لها في وقت خطت فيه القصة الجزائرية أشواطاً من التطور الفني(19)، ولهذا نوه بعض الدارسين بأن أعماله أقرب إلى المحاولة القصصية، وبأنه يسقط كل مقومات القصة الحديثة.(20).‏

ثم إنه يمزج في مؤلف واحد أكثر من شكل تعبيري، فنقرأ مثلاً بحوثاً علمية حول موضوعات متنوعة كالإسلام والحضارة والعلوم عند العرب وأمير الشعراء، و"محمد خزنه داد"، ودروس القرآن في التعاليم الحربية، كما نقرأ في المؤلف نفسه عدة قصص كـ: "دمعة وذكريات"، و"فاجعة الزوج الحزين" و"الأولاد"، و"دعاية" و"فقاقيع".‏

والطريف أن بعض مقالاته لم تسلم هي بدورها من هذا الخلط، فهي تتوفر على خصائص فنية للمقال، وفي الوقت نفسه على بعض عناصر القصة كما ينتهي بعضها إلى ميدان البحث.(21)‏

فهذا الجمع بين عدة أشكال تعبيرية في كتاب واحد يدل على أنه غير متفرغ لكتابة القصة. أما الأحداث السامية التي عبر عنها فإنها تشهد من دون شك على جهده العظيم في التاريخ لمرحلة الثورة التحريرية (1954-1962م) وعنايته الكبيرة بسير قادتها وأحداث معاركها وحياة المجاهدين في الجبال وشجاعتهم وتضحياتهم والعزة الوطنية، وكرامة الشعب الجزائري.‏

والخلاصة فإن الموضوعات التي عبر عنها محمد الصالح الصديق أكثر سمواً من الأشكال الفنية التي قدمت فيها.‏

2-الحبيب بناسي (1928-1956م)‏

كاتب موهوب صقلته تجارب الحياة، رغم صغر سنه، ولولا أن الموت أدركه مبكراً لكان له شأن كبير في الأدب الجزائري المعاصر، إذ أن كتاباته التي تركها تتصف بالثراء والجد في البحث عن أشكال أدبية جديدة.‏

احتوى كتابه "صرخة القلب"(22)" على عدة فنون كالخاطرة والمقال الأدبي والمقال السياسي، والصحافي، والمحاولة القصصية، وكان على دراية واسعة بمسار الأدب الجزائري، واتجاهاته الفنية والفكرية.‏

عالج في خواطره موضوع الحب الذي كان شبه محظور في عهده وقد كتبه برؤية وأسلوب (رومانتيكيين) حادين، يفيضان بأفكار الكاتب العربي المبدع جبران خليل جبران، فهذه الألفاظ المشهورة في كتاباته: الهيكل والناموس والغيب، والمحراب، والخمر، والمواكب تكاد لاتخلو منها أية خاطرة من خواطر الحبيب بناسي، قال في إحدى خواطره: "إنك بعد حين ستلتقي بالحبيب في عالم ما وراء الغيب، وسترفرف بجناحك إزاءه، وهناك تدخل محراب الحب، وتنحني لذاته المقدسة، وتشرب من خمره وتسمع أناشيد ترتلها مواكب المحبين.."(23)‏

حاول الحبيب بناسي تغيير مفهوم الأدب السائد في الحياة الأدبية. وخصوصاً في منابر العلماء. حيث كان الأدب إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية مقصوراً على الشعر ودراسته.(24) ووصف الأدب بأنه "أفكار وخواطر تولدت من عوامل كثيرة، وتجمعت في فرد واحد أو في أفراد متعددين."(25)‏

كتب بضعة قصص تعد فتحاً في القصة الجزائرية المعاصرة على صعيد الموضوع والفن، واكب بها أحداث الجزائر الاجتماعية والسياسية، منها قصة بعنوان: "يتيم الأصنام"(26). وأخرى بعنوان "الحب والشرف"(27). تصور الأولى طفلاً فقد والده أولاً، ثم والدته التي هوت عليها جدران العمارات في أثناء طوافها بشوارع المدينة بحثاً عن طعام له، بينما تصور الثانية، وبرؤية رومانسية عاطفية الحبّ في الريف الجزائري. ففيها وصف ملامح الشخصية المحورية، ويقوم هذا الوصف بوظيفة هامة، من حيث الكشف عن صفات البطل النفسية والجسمية.‏

ونلاحظ في هذه القصة ضعفاً فنياً ربما سببه حديثه الطويل عن حب القائد الرئيسي "نابليون" لزوجته "جوزفين"، وثأر نابليون من زوجته عندما علم بخيانتها فقد اتخذه بطل القصة عبرة، ومثلاً احتذاه عندما اكتشف أن خطيبته تخونه مع شاب آخر، فسارع إلى طلاقها. وجاء ضعف القصة في خاتمتها الوعظية التي جاءت على لسان صديق البطل، وهي بذلك لا تختلف عن نهايات القصص الاصلاحية في المرحلة الأولى.‏

وكتب في السياسة ثلاث قصص قصيرة وهذه مقالات صور فيها بعض جوانب الوضع السياسي في الجزائر بعد اندلاع ثورة نوفمبر العظيمة في 1/11/1954م.‏

أما قصته "شهيد بلا قبر(28) فإنها تصور شاباً مثقفاً تخرج في جامعة القاهرة من كلية الآداب، وفي أثناء وجوده بالقاهرة كان يراسل الصحف الوطنية في الجزائر، ولكنه ما إن سمع بقيام الثورة حتى عاد إلى بلاده، إلا أن سلطات الاستعمار سارعت فألقت القبض عليه بتهمة أنه همزة وصل بين القاهرة، والثورة في الجزائر، ثم أدخلته إلى غياهب السجن، ولما رفض البوح بأسرار الثورة قتل، ثم رموا جثته في البحر.‏

وصور في قصة "مأساة أسرة"- وهي قصة وطنية- نهاية أسرة جزائرية ثرية تملك أراضي واسعة، وضيعة جميلة، وبضعة سيارات فاخرة، ألقت السلطات الاستعمارية القبض على معيلها، بعد أن أخطرها حساده بأنه يؤوي في بيته مجموعة من المجاهدين نهاراً، ويقدم إليهم كل ما يحتاجونه.‏

وفي هذه القصة تتجلى طريقة بناسي في الحديث عن انتشار أخبار الثورة، وتغلغلها في البيئات الجزائرية، حيث يمهد لذلك بتغير طباع شخصياته ويصنع جواً متوتراً بينهم وبين المحيط. فملامح الشخصية المحورية (الطبيب) مثلاً تتغير طباعها، فيحس عماله بجفائه وابتعاده عنهم، ويفقدون بذلك الجلسات الممتعة التي كان ينظمها لهم في بيته، وفي معظم الأحيان يكون هذا التغيير دافعاً قوياً للناس إلى معرفة الأمور الجديدة، كما أن للكاتب أسلوباً جديداً في تقديم شخصية (المجاهد)، فهو لا يكشف أمره للناس منذ الوهلة الأولى، وإنما يقدمه في صورة شخص "غريب" عن الديار أو الحي، لا يعرف المواطنون عنه شيئاً.‏

فالمجاهدون يأتون إلى بيت (الطبيب) في ساعة متأخرة من الليل، ولا يبرحونه طوال النهار، فإذا أقبل الليل وأسدل ستائره السود، خرجوا حيث لا يعلم أحد مقصدهم "مقنعون ولا يتحدثون إلا هامسين ويرتدون ملابس خاصة ويحملون أنواعاً من الأسلحة والذخائر الحربية"(29).‏

ولقد حقق هذا الأسلوب هدفين هامين:‏

الأول أنه خلق "تشويقاً" حاداً في نفوس الأهالي لمعرفة هؤلاء "الغرباء" المقنعين أو الذين لا يتحدثون إلا همساً، ولا يخرجون إلا حين يشتد ظلام الليل من جهة، والثاني أنه أشار إلى السرية والحذر اللذين اتسمت بهما الثورة التحريرية وعلى كل، فإن هذا العمل يعد من أساليب العمل الفدائي.‏

وتتصف الشخصية الوطنية في قصص الحبيب بناسي بالثقافة العالية، وحسن الأخلاق، فبطل قصته "شهيد بلا قبر" يحمل شهادة الليسانس من جامعة القاهرة، ويعمل مراسلاً صحافياً للجرائد الوطنية الجزائرية، أما قصة (الدكتور الشهيد) فهي في سيرة المجاهد الجزائري الحكيم: "بن عودة بن زجرب" وطريقة استشهاده، ونلاحظ أن صفة عامة تشترك فيها الشخصيات الثورية في قصص بناسي، وهي انتماؤهم إلى أسر ذات جاه كبير، ومال كثير، وعلم غزير، ويكاد بناسي ينفرد بهذا الوصف في تاريخ القصة الجزائرية، لأن معظم القاصين الجزائريين صوروا شخصية الثري إلى جانب شخصية الخائن الذي يحافظ على مصالحه، وتنمية ثروته بشتى السبل والوسائل حتى وإن كانت ضد قيم بلاده، أو ضارة بشعبه، أو حتى بأهله، وأن القضاء عليه أمر لا يقل شأناً عن القضاء على المستعمر، أو حليفه الطبيعي المعمر.‏

كما يمكن اعتماد الملامح التي رسمها الحبيب بناسي للجندي الفرنسي في قصصه قاعدة أساسية لصورة الفرنسي في النتاج القصصي الجزائري، فالفرنسي سييء الخلق عديم الإنسانية قلبه خال من الرقة لا يسمع غير صوت الباطل ونداء الظلم.‏

وهكذا حاول الحبيب بناسي تطوير مفهوم الكتابة الأدبية، وتجاوز التعريف السائد آنذاك للأدب مستعيناً بذوق فني رفيع، وقد قادته رؤيته الجديدة للفن لأن يواكب تطور الحياة الاجتماعية والسياسية في الجزائر. وكان بذلك سباقاً إلى موضوعات حرب التحرير، ولكن محاولاته القصصية قليلة وينقصها الصقل.‏

3-عبد الله خليفة ركيبي (ولد 1928..)‏

عبد الله خليفة ركيبي أحد الكتاب البارزين منذ أيام حرب التحرير، قصر همه في القصة القصيرة على معالجة موضوعات الحرب التحريرية، وتصوير حياة المجاهدين في الجبال، ومعاركهم الكثيرة مع الجيش الفرنسي، وقد حدد في مقدمة مجموعته القصصية "نفوس ثائرة"(30) رسالة قصصه بأنها "إنسانية صميمية تصف الدواء وتقدم العلاج في الوقت نفسه، رسالة تفتح العيون لتطل على عالم الخير والحق والجمال، وتبعث الأمل والحياة في نفوس عذبها الألم، وأفناها الشقاء وقتلها اليأس."(31)‏

تدل المجموعة "نفوس ثائرة"(1962) على وعي فني كبير، فإثر كتاباته حققت القصة الجزائرية القصيرة تطوراً كبيراً سواء من حيث تنوع أشكالها أو من حيث وعيها بالواقع الجزائري الجديد، فقد عبرت عن الحياة الواقعية وعن تطلعات الفئات الدنيا وآمالها، وهي رغم بساطة وضعها الاجتماعي، وإحساسها ببؤس وضعها، وحقارة حياتها في ظل المحتل وأعوانه الاقطاعيين والخونة.. فإنها لا تخلو من وطنية فطرية صادقة، ترى في الجبل حياة جديدة، تحقق آمالها وتطلعاتها وتطور نظرتها للحياة، بحيث تمحي الشخصية الفردية، وتنصهر في الشخصية الجماعية.‏

وقد جسدت شخصية (عمار) في قصة "راعي الغنم"(32). هذه الأفكار، إذ تدرج من راعي غنم إلى التفكير بالمجاهدين والشوق للقائهم، ثم صار في نهاية القصة مجاهداً يجوب الروابي والجبال العالية وأعماق الغابات مضحياً بحياته في سبيل حرية وطنه ومفكراً في غيره بعد أن كان لا يفكر إلا في نفسه.(33)‏

ورسم في قصة "في المغارة"(34)، صورة نموذجية للمثقف الجزائري الوطني فـ (حامد) بطل هذه القصة يلتحق بصفوف الثورة التحريرية في الجبل بعد فراره من سجن العدو. ويتعرض مثل زملائه لقسوة حياة الجبل راضياً فإن حدث نزاع بين زملائه تدخل بلطف في الوقت المناسب، ومن دون أن يجرح كرامة أحد، وينتهي نزاعهم بحكمة تعمق في نفوسهم شعورهم بحب وطنهم، والتفاني في خدمته، وبذل المزيد من التضحية والفداء، أما الكلام الطويل الذي جاء على لسان (حامد) عن طفولته في القرية، فكأنه غير مناسب لقصة قصيرة تعمد مؤلفها تركيزها حول حدث معين. (35)‏

اعتمد الركيبي على (الحوار) في قصة "الإنسان والجبل" للكشف عن شخصية المرأة الجزائرية ووعيها، هذا الحوار الذي جرى بين أحد ضباط جيش جبهة التحرير وإحدى المجاهدات:‏

"أهلا.. أنت مجاهدة الآن‏

-هذا واجب علي وعلى كل المواطنين والمواطنات‏

-إنه ليسعدنا أن نرى الفتاة الجزائرية تخوض المعركة في الجبال مع إخوانها المجاهدين.‏

-وأنا لست فخورة بهذا.. وأرجو أن أحقق أمل الشعب والجيش الوطني.(36)‏

ولعل أجمل قصص هذه المجموعة هي قصة "الوادي الكبير"(37)، ففيها العناصر الفنية كاملة كالتركيز، ووحدة البيئة ومناسبة الزمن فضلاً عن رمزية خصبة تضمنتها النهاية، فولادة الطفل في الوادي تشير إلى استمرار الصراع بين الجزائريين والمستعمرين، وإلى تحمل الأجيال الجديدة عبء مسؤولية تحرير الوطن، واستعادة الكرامة، كما يرمز إطلاق اسم "المجاهد" على المولود إلى انتصار الأفكار الثورية الجديدة على الخرافات والشعوذة وطباع الطرقيين، والتي دعمها المستعمر وشجعها طويلاً، ووظفها لخدمته واستلاب المواطنين.‏

وقد حرص الأستاذ الركيبي على إبراز شخصية المستعمر اللاّإنسانية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فمن خلال حديثه عن بطلة القصة تظهر وحشية المستعمرين، فهي حامل، وفي شهرها التاسع، ومع هذا أصر المستعمرون على ذهابها إلى الوادي مشياً على الأقدام. وقد عبر الكاتب عن معاناتها باستخدام الفعل المضارع "تدب" الذي يعني البطء، وعبر عن الطاقة التي تبذلها في المشي بتصوير ملامحها الجسدية وتصبب العرق من جسمها.(38)‏

ويذكرنا موضوع هذه القصة الإنساني بقصتين لكاتبين عالميين الأولى بعنوان: "الأرض المحرمة" لمحمد ديب، والثانية بعنوان: "مولد إنسان" مكسيم جوركي، فالقصص الثلاث تصور ولادة طفل بين جماعة تكافح الظلم والشقاء.(39)‏

وبعد فقد خطت مجموعة نفوس ثائرة، خطوة متقدمة في مجال الفن القصصي، ووعدت عند ظهورها عام 1962 بميلاد قاص موهوب يمتلك قدرة فنية عالية لتطوير القصة الجزائرية المعاصرة، ولكنه انصرف إلى البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية والنقدية.‏

4-عثمان سعدي(ولد 1930).‏

عثمان سعدي قاص آخر ركز على موضوعات الحرب التحريرية كسير الفدائيين البطولية، وصور المعارك الحربية.‏

ومن الناحية الفنية نلاحظ اتساع بعض قصصه لخصائص فنية عديدة أي لألوان أدبية أخرى، رغم انتسابها الظاهر إلى فن القصة القصيرة، حيث أن معظم قصص مجموعته الوحيدة: "تحت الجسر المعلق"(40) يتسم بطول الزمن، وتعدد الشخصيات، وكثرة الأحداث، التي يمكن تحويل أي حدث منها إلى قصة أخرى، كما تتسم شخصياته بقيامها بدور البطل النموذجي المخاطر في سبيل الوطن، ومعظم أبطاله من الفئات الدنيا، ولكنهم سرعان ما يتحوّلون إلى مناضلين عقائديين شديدي الإيمان بعدالة القضية التي يجاهدون من أجلها وبانتصار ثورتهم مهما طال الزمن.‏

إن قصة "تحت الجسر المعلق"(41) تتوافر على عدة أحداث مثل: رمي عدد من الشبان الحجارة على بعض أفراد الشرطة الفرنسية، وحادثة اغتيال "سي عمار" على يد ابن أخيه علي الصغير الذي أطلقت عليه خلايا الثورة اسم (خالد الصغير)، وحادثة مهاجمة معسكر "سيدي راشد"، وكذلك ارهاب صاحب بيت رقم "50" إن هذه الأحداث جميعاً يمكن تحويل أي واحد منها إلى قصة قصيرة مستقلة بذاتها داخل القصة الأساسية، وهي قصة الفتى (علي) الذي صار فيما بعد فدائياً كبيراً يخشى العدو هجوماته على مراكزه، وتربصاته لجنوده، وكذلك حكاية خديجة البيضاوية التي رفضت أوامر جبهة التحرير، فأرسلت إليها من أدبها داخل غرفتها، على رغم الحراسة الشديدة التي وضعتها سلطات الاستعمار في خدمتها.‏

إن هذا الخلط بين العناصر الفنية للقصة والرواية في عمل فني واحد وحشوه بأحداث عديدة لا يطيقها نوعه.، وإمكاناته الفنية جعل الأستاذ الدكتور محمد مصايف يعلق على هذه القصة بقوله: "ويخرج القارئ لهذه القصة التي طالت أكثر مما يلزم بانطباع واحد، وهو أن هم القاص انحصر بالدرجة الأولى في جمع أكبر عدد ممكن من الأحداث الثورية في إطار واحد. وهذا الهم هو الذي جعله ينسى في هذه القصة كثيراً من سمات القصة القصيرة، ودفعه إلى التضخيم الذي لم يكن في حاجة إليه ككاتب قصة قصيرة.(42).."‏

وإلى جانب تعدد الأحداث في قصة "تحت الجسر المعلق"، فإن هناك أجزاء تبدو مقحمه على القصة لا دور لها كحديث (علي) عن ذكريات صباه، وتفوقه على أقرانه في قطع درب ضيق مظلم في ساعة متأخرة من الليل(43)، وكذلك حديثه الطويل مع زميله (مصطفى) عن حب العرب للسلام، ومن الحوادث التي لا يمكن تصديقها إصابة بطل قصة "خصلة شيب قبل الأوان"(44) برصاص أحد ضباط الجيش الفرنسي لأن الموقف لا يسمح للجندي أن يعد وبدقة عدد الرصاصات التي أطلقها عليه عدوه، والأغرب من هذا هو نجاة الجندي من هذه الطلقات جميعها، إلا من جرح بسيط في أذنه، وكما قال الدكتور عبد الله خليفة ركيبي "فمن الصعوبة الاقتناع بأن هذا الجندي الذي أسر بعد أن جرح في فخذه في المعركة ويطلق عليه الضابط الفرنسي كل هذه الطلقات ثم لا يصيبه إلا في أذنه.(45)‏

وكذلك الوصف الطويل لهجوم الفدائيين الثلاثة على المعسكر الفرنسي الواقع خلف جسر (سيدي راشد) ومطاردة سلطات العدو لهم، إذ أن طريقة هذا الوصف لا تكون إلا في عمل قصصي طويل كالرواية أو القصة الطويلة.‏

وتجب الإشارة إلى أن الشخصيات التي وظفها القاص للتعبير عن أفكاره، وتصوير بطولات المجاهدين تمتلك خبرة نضالية عميقة، ووعياً وطنياً صادقاً، وتقوم بأعمال بطولية رغم صغر سنها، وحداثتها بالنضال والجهاد، فبطل قصة "تحت الجسر المعلق "شاب في الثانية والعشرين، وكذلك بطل قصة "خصلة شيب قبل الأوان، وتقوم مجموعة من الأطفال لا يتجاوز سن أكبرهم الثانية عشرة،(46) في القصة نفسها بأعمال من تجاوز هذا العمر بسنوات عديدة كأنهم على درجة من الوعي والثقافة، فقد نظمت هذه المجموعة نفسها ووزعت الألقاب العسكرية على أفرادها حسب ما قدمه كل عنصر لدعم صفوف الثورة، ويحسن بعض أفرادها التطبيب، وتقديم الاسعافات الأولية للجرحى من جنود جيش جبهة التحرير الوطني.‏

وكدنا نشعر بأن الحوار الذي دار بين بطل القصة (صالح الأزرق) وبين الأطفال فوق مستوى تفكيرهم، ولقد وصفه الدكتور الركيبي بالخطابية.(47)‏

ويحمد للكاتب استخدام تيار الوعي لسرد حياة البطل الماضية، والتحاقه بجيش جبهة التحرير الوطني بعد فراره من صفوف الجيش الاستعماري.‏

إن اهتمام عثمان سعدي منصّب على الموضوعات الثورية من دون الموضوعات الاجتماعية، وبتجميع الأحداث الثورية المتعددة في عمل أدبي واحد، وكثرة الشخصيات وطول الزمن القصصي حتى إنه ليكاد في العديد من قصصه ينسى زمن القصة القصيرة.(48) وإن تجربته القصصية لتعد بنية طيبة لفن الرواية فهي تتوفر على مادتها وعناصرها الأولية.‏

6-أبو العيد دودو‏

أبو العيد دودو من أبرز كتاب جيل الثورة، عالجت قصصه موضوعات الحرب، والموضوعات الاجتماعية معاً.‏

وقد تميز عن أعلام جيله، بأنه بقي وفياً للقصة، أما لغته فظلت متأثرة بالمعجم اللغوي(49)، وبلمسات فرويدية كقصة "انتظار"(50)، وقد وظف الأفراح المحلية في بعض قصصه لخدمة الحدث الرئيس كرقصة (محمد الطاهر) بطل قصة المنام(51)، فهي تعبر عن اعتقاد القاص بقيمة الموروث الشعبي(52)، حيث قام الرقص في هذه القصة بدورين أحدهما أنه استطاع أن ينقذ الفدائي من مطاردة أعدائه وثانيهما أنه حقق انتصاراً، وتوفيقاً كبيراً في أداء مهمته(53).‏

ويبدو أن حضور الاستاذ دودو الدائم في الوسط الجامعي قد أثر في تجربته الإبداعية. فقد انصرف إلى البحث الأكاديمي والترجمة والتأليف والتحقيق.‏

وتذكرنا رقصة الجندي برقصة زوربا المشهورة، وأن الجمع فيها بين البطولة والرقص يذكرنا بتناقضات زوربا، ثم فرحته في الأخير(54).‏

إن لأعماله الإبداعية أهمية بالغة في تطور هذا الفن في الجزائر لأصالتها وخصوصيتها وقيمتها الفنية.‏

لقد شارك في رسم ملامح فن القصة في وقت اشتد فيه التضييق على الحرف العربي بالجزائر، ومهد للخطوة الثانية التي سيسلكها الأدباء الشبان الذين ظهروا مع مطلع السبعينات.‏

7-الطاهر وطار (ولد 1936)‏

يعد الطاهر وطار أحد أعلام(55)، القصة الجزائرية المعاصرة، وقد أهلته موهبته الأدبية لشد نظر الأدباء والباحثين والقراء إليه وتعبر تجربته عن المجد الذي بلغه هذا الجنس الأدبي في الجزائر، إن وطار يمتلك قدرة عالية على التعبير الفني الجميل الخصب المركز خاصة ما كان منه في موضوع السياسة، فهي موضوعه الأثير، الطاغي على كل أعماله، وتتميز قصصه القصيرة باستيعابها لمعظم أساليب القصص التقليدية والحديثة، فهو يستخدم طريقة المذكرات، وأسلوب الرسالة، وتيار الوعي، وله لغة شاعرية ملحمية تتجلى أحياناً في قصصه، إلا أن ما يميزه عن تجارب جيله هو اهتمامه الشديد بإبراز الجانب العقائدي لمسير المجتمع الجزائري المعاصر والتناقضات الاجتماعية العميقة التي نشأت بين عدة اتجاهات فكرية كان في بعضها من يريد الاستحواذ على الأرض والإنسان واستغلالهما لصالحه الشخصي، بينما كانت هناك فئة تناضل من أجل مجتمع جزائري تمحي منه الفروق الطبقية ويسوده العدل والمساواة.‏

أشاد الدكتور سيد حامد النساج بقدرة وطار الفنية وموهبته الأدبية العظيمة(56) وإن المتأمل في كتاباته ليخرج بانطباع واحد لا يتغير، وهو أنه يملك قدرات ومواهب عالمية.‏

ولا ريب أن وطار يعد من أبرز كتاب الجزائر المبدعين الذين أرسوا أصولاً فنية للقصة الجزائرية المعاصرة، وأثروا في جيل السبعينات الذي ظهر فيما بعد.‏

فمهما اختلف النقاد، والباحثون حول مضامين أعماله الأدبية، فإنهم لن يختلفوا حول أصالته، وعمق تجربته، وصدقه الفني. وكأنه وهب قدرة لا حدود لها على رسم الشخصيات وانطاقها بالأفكار التي يريد التعبير عنها، كما اكتسب بطول المراس والتجربة سيطرة عالية على مختلف الأساليب الحديثة في الكتابة القصصية.‏

8-زهور ونيسي(1936)‏

زهور ونيسي من أدباء جيل الثورة التحريرية، وأبرز كاتبة للقصة القصيرة بين الأديبات الجزائريات، تتميز بغناها السياسي والاجتماعي والفكري والنضالي وتركيزها الشديد على عنصر المرأة الجزائرية، زوجة أو أماً مثقفة أو أمية، ريفية، أو حضرية، جندية في جيش التحرير أو مسؤولة في جبهة التحرير(57).‏

ولقد عبرت عن هذه الصور الإنسانية في مجموعتها الأولى "الرصيف النائم"(58)" خير تعبير، ثم ضمت كل قصصها إلى مجموعتها الثانية على الشاطئ الآخر(59)، ويعد موضوع الثورة والمعارك التي خاضها جنود جبهة التحرير في معاركهم مع الجيش الفرنسي من الموضوعات الأثيرة عندها، وقد أدى هذا الاهتمام إلى تكرار بعض الشخصيات والمواقف وإلى محافظتها على موضوعاتها القديمة، كاهتمامها بإبراز دور المرأة في حرب التحرير(60)، ولم تشهد هذه الموضوعات تطوراً يواكب تطور التعليم العربي، وتطور القصة الجزائرية نفسها بعد الظروف الجديدة التي أتاحها الاستقلال منذ عام 1962. فقد تمتزج القصة والخاطرة القصصية معاً في عمل واحد كما في "ابنة الأقدار" التي يعالج حدثها موضوعاً اجتماعياً، وهو الخيانة الزوجية. وربما يكون لها رأي في عدم خلق جو متوتر بين الزوج والزوجة، حيث جعلت كلاً منهما يستسلم بسهولة وبساطة، فيعترف هو بزواجه من امرأة بينما تكتفي زوجته بتعليق تصف زوجها فيه بأنه غير متدين، وأنه مسلم كالكثيرين بالوراثة والتبعية(61)، وتصور زهور هذه المرأة وهي تناجي الحمامة بأسلوب رومانسي يعكس الحالة النفسية على الطبيعة (كل شيء مظلم حتى القمر في سمائه لا ضوء له. يبدو مظلماً.. ولماذا لايكون مظلماً والعذاب من قلبي وقلبك وقلوب الأخريات يطفئ ضياءه(62).‏

ولا تخلو هذه القصة من البصمات الاصلاحية، فالزوج لا يطبق من الإسلام إلا الآية التي تبيح للرجل الزواج بأربع نسوة رغم أنه "لم يعرف أو يعترف بالدين يوماً.. لا فعلاً ولا قولاً(63).‏

إن قصة "ابنة الأقدار" أقرب إلى فن الخاطرة بلغتها الشعرية المسيطرة وأسلوب المناجاة الغالب عليها من بدايتها إلى نهايتها، والذي جاء على لسان البطلة "خبريني بربك هل ضاع منك سربك فجئت تبحثين عنه عندي وتهدلين أيضاً، لا بأس فأنا أهدل بطريقتي الخاصة. وما من فرق بين هديلك وهديلي سوى أن هديلك حزن بالعادة.. أما أنا أيتها الحمامة.. فإن هديلي هديل مكتوم لا يخرج من الصدر، مدفون بين الضلوع مطوي بين الحنايا(64)."‏

وتذكرنا هذه الكلمات بما عبر عنه الشاعر العربي أبو فراس الحمداني قديماً، وبالشاعر الجزائري محمد الصالح خبشاش في قصيدته "ياطائراً" حديثا(65).‏

وتكثر في قصص زهور ونيسي التواريخ وأسماء الأمكنة، وكأنها بهذا تسجل حقائق واقعية حدثت بالفعل، ففي قصتها "المرأة التي تلد البنادق "(66)يتحدد موقع المستشفى في مدينة قسنطينة تحديداً جغرافياً دقيقاً، ونطالع التاريخ الذي جرى حدث القصة فيه(67).‏

ويعد عنصر الحدث من أهم العناصر الفنية البارزة في قصصها، حيث أنها تستخدمه بطرق متنوعة، فهو في قصة، ما زلنا نحلم(68)يأتي عبر ما يسمى بأسلوب التداعي على لسان الكاتبة تارة، وعلى لسان بعض تلميذاتها تارة أخرى، فقد روت التلميذة فتيحة قصة خطف والدها من البيت، كذلك القصة التي روتها التلميذة "الياقوت" حول خيانة بعض الأفراد والأعمال الإجرامية التي كان جنود المستعمر يرتكبونها في الريف الجزائري.‏

والقصة غنية بأحداث الحكاية القصيرة نقلتها الكاتبة على لسان تلميذاتها. وفيها تعليقات كثيرة ترد في بدايتها على شكل توضيحات وشروح، وكأن الكاتبة شعرت أن عنصر التركيز ضعيف فاضطرت إلى التعليقات لاحداث الأثر الكلي والتخفيف من تراكم الأحداث وتزاحمها.‏

وبهذا تكون قد بذلت جهداً كبيراً في التعبير عن الأحداث الثورية، وخصوصاً دور المرأة الجزائرية في حرب التحرير، وكأنها تقوم بوظيفة المؤرخ أي جعل القصة شاهداً على الثورة. ولا تزال تكتب بنفس الوسائل التي شقت بها طريقها الأدبي خلال سنوات الثورة، ولا تزال الأحداث التي تصور الحرب التحريرية ينبوعها الدافق تمثل منبع الالهام في أدبها القصصي.‏

البهي فضلاء‏

تمحورت قصص البهي فضلاء في مجموعته "دقت الساعة"(69)، حول تصوير الشخصيات الفذة التي كانت نموذجاً للشجاعة(70)، والاقدام في دفاعها عن الوطن وقيمه الروحية.‏

استخدم أساليب فنية متنوعة، فقد استعمل طريقة الخطف خلفاً في قصته "الرصاصة الأخيرة" ليعبر بها عن بطولة الشهيد (خليفة بو خالفة)، وذلك من خلال سرد طويل لبطولاته عبر ما نسميه بتداعي الذكريات، حيث وردت على ذاكرة أخيه حالما وقف أمام النصب التذكاري المبني في المكان الذي استشهد فيه أخوه (خليفة): "رفع رأسه وأخذ يقرأ ما كتب في هذه اللوحة واستقرت عيناه على هذه الكلمة في 17 ديسمبر 1957 فلم يستطع الرجل الكهل أن يتم القراءة إذ خنقته شهقة الدموع.. ثم جلس على الحافة أمام اللوحة التذكارية وأطلق للتفكير العنان يتصفح صفحة طويت في سجل الأزل منذ سنوات(71)."‏

فالموقف السابق مقنع بأحداثه، بل يدعو فعلاً إلى التأمل، واستحضار حوادث الماضي خصوصاً ما له علاقة قوية بالشخص وبموقعه في الحاضر، ففي مثل هذه المواقف يأفل الزمن الحاضر، تاركاً للزمن الماضي السيطرة على كل المشاعر حتى إننا لنجد القاص نفسه مستغرقاً في الحديث عن بطل قصته وسرد أعماله الفدائية، وهجوماته العديدة على مراكز قوات العدو ونجاحه الباهر في كل مرة، وكأن أعداءه جنود من ورق.‏

وتظهر في قصته "مزرعة الألغام"(72) أربعة أحداث يمكن أن يكون كل واحد منها موضوعاً لقصة منفردة بذاتها، وهذه الأحداث هي استشهاد الأديب أحمد رضا حوحو"، "واستشهاد مدير مدرسة قرية بني منصور"، وكذلك عبد الملك الورتلاني، وأما الحدث الرابع فهو يدور حول اجتياز الشيخ صالح والطفلين فريدة وسعيد لمكان زرعته الإدارة الاستعمارية بعشرات الألغام. وقد توزع التصوير القصصي على هذه الأحداث الأربعة بهذا المكان الخطر وتكاد هذه القصة تكون من أهم القصص الفنية الجزائرية التي عالجت موضوع الشهداء والحرب التحريرية. وقد سعى الكاتب إلى جمع أكبر عدد ممكن من الحوادث الواقعية ومنطلقه في هذا أن نجاح عمله يكون مهماً بقدر توفره على عدد أكبر من الأخبار.‏

وفي هذه القصة عناصر جمالية كثيرة يمثلها التمهيد قبل الإعلان عن اغتيال الشهيد الأديب أحمد رضا حوحو بوصف سماء مدينة قسنطينة وصفا يلمح إلى فظاعة المصاب المرتقب كما وفق في التعبير عن الخسارة الفادحة بفقدان حوحو، يتجلى ذلك من خلال الصورة البشعة التي رسمها للمدينة، وهي صورة رومانسية حزينة في غاية الإبداع، فالمدينة التي كانت في ربيع سنينها" غارقة في حلة زاهرة براقة تقتني كل ألوان الزهور وتبعث الأنس في النفوس وتملأ الصدور غبطة ومسرة(73) صارت في فصل الربيع الذي اغتيل فيه حوحو "غارقة بين كثبان من السحب متلبدة تبدو كآبتها وكأنها مدينة أثرية اكتشفت من تحت الأنقاض، أو كأنها بدر اختفى وراء السحاب، فكل شيء فيها حزين حتى الطبيعة وحتى المارة في الشارع فإنك لا ترى على وجوههم إلا تجهماً وقطوباً ونضوب ابتسام(74).‏

وفي قصته "أول نوفمبر"(75) استعمل أسلوب المذكرات استعمالاً موفقاً حيث سجل والد أحد الشهداء قصة نضال ابنه، ومشاركته هو في حرب التحرير ومما أضفى على هذا الأسلوب بهاء وقوة هو حلول الذكرى الرابعة عشرة لاندلاع الثورة التحريرية، وكذلك صورة ابنه الشهيد (محمد) المعلقة فوق مكتبه، فقد كانت حافزاً قوياً للأب لأن يتذكر حياة ولده والأعمال التي كان يقوم بها لصالح وطنه وشعبه.‏

وبعد فإن موضوعات البهي فضلاء هي موضوعات الحرب التحريرية شأنه في ذلك شأن كتاب جيل الثورة، استخدم عدة طرائق في معالجة هذه الموضوعات ومن أهمها أسلوب الخطف خلفاً وطريقة المذكرات، وتميزت بعض شخصياته بكونها مثقفة بحيث أقنعنا أن الشخصية المثقفة تضحي بكل ما تملك في سبيل استقلال وطنها وحرية شعبها.‏

وهكذا وضع البهي فضلاء بذرة طيبة في حقل القصة الفنية التي أسهمت في الدعاية للقضية الجزائرية إثر الحرب الوطنية الكبرى، وعبرت عن معاناة الشعب ونضاله.‏

صدى أدب جيل الثورة‏

تميز كتاب جيل الثورة بأنهم ذوو فضل كبير على تطوير الفن القصصي الجزائري، تجاوزوا بفنهم مرحلة الثلاثينات والأربعينات وقدموا جهوداً إبداعية عبرت عن ظروف الحرب وصورت نضال الإنسان الجزائري لطرد المستعمر الفرنسي، خصوصاً في أثناء الحرب التحريرية (1954-1962) وبذلك أسهم الأدب في دعم الثورة.‏

وقد ساعدت الظروف الجديدة - كتواجد معظم كتاب القصة الجزائرية في البلاد العربية للدراسة -على الاتصال بنماذج القصة العربية المعاصرة والتأثر بها، والتعرف على كتابها.‏

كذلك أسهمت الصحافة العربية إلى حد كبير في نشر القصة الجزائرية والدعاية لها، ونظرت إليها على أساس أنها لون أدبي ينبغي دعمه وإعلاؤه علاوة على أنها "كانت تنظر إليها على أساس أنها قضية قومية وعمل ثوري ملتزم يجب أن تكون له الأولوية في النشر، وكل تقاعس في نشرها كان يعني في كثير من الأحيان تقاعساً عن مناصرة الثورة الجزائرية لذلك كانت دور النشر تتهافت على القصة الجزائرية، وتحرص على تقديمها للقراء بأنها قصة من بلد المليون شهيد(76).‏

إن صدى القصة الجزائرية في الصحافة العربية المشرقية لا يعود إلى سنوات الخمسينات فحسب، وإنما يعود أيضاً إلى منتصف العشرينات من هذا القرن، فقد نشر آنذاك الكاتب الجزائري محمد السعيد الزاهري فصولاً من كتابه "الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير"(77). في مجلة الفتح الإسلامية التي كانت تصدر في القاهرة.‏

ومما جاء في مقدمة الطبعة الأولى التي كتبها العلامة المشهور محب الدين الخطيب حول قصص الزاهري قوله "وهذه فصول كتبها أخي في الدعوة الأستاذ محمد السعيد الزاهري الجزائري لتنشر في صحيفة الفتح، فرأيتها مثلاً صالحا للدعوة إلى الخير وما يجب أن يكون عليه الداعي من بصيرة وحكمة(78).‏

كذلك نال كتاب جيل الثورة صدى أقوى وأعمق لتنوع الألوان الأدبية التي كتبوها كالقصة والرواية والشعر والمسرحية والمقالة الأدبية والسياسية وإثراء المضامين والموضوعات والرؤية ومشاركتهم هموم المجتمع العربي وأفراحه حيث تواجدوا فيه.‏

كما اغتنت القصة بأشكال فنية متنوعة، فظهرت في شكلها القديم وفي شكل الرسالة، وكذلك استخدم القاصون تقنيات حديثة كأسلوب المذكرات، والخطف خلفاً، والقصة الأسطورية والنفسية والرومانسية، والواقعية، ولعل الحوادث والمشاهد المستمدة من الواقع التاريخي المعاصر ميزت تجربة هذا الجيل.‏

وقد أدهشت كتابات هذا الجيل كثيراً من النقاد العرب، فوصف الناقد الليبي يوسف القويري كتاب "صور من البطولة في الجزائر "بقوله" وصور من البطولة في الجزائر" كائن تاريخي ومحارب شجاع ومثلث ضلعه الأخير هو ظروف المعركة في عام 1957، وهو العام الذي خرج فيه إلى القراء(79)، وعبرت الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء) عن إعجابها بقصص زهور ونيسي في تقديمها لمجموعة "على الشاطئ الآخر"(80) كما وصف الدكتور سيد حامد النساج الأديب الطاهر وطار بأنه يملك قدرات ومواهب فنية عالية(81).‏

وإن هذا البوح النقدي العربي ليؤكد صدق أعمال هذا الجيل وعمق صداها في نفوس مطالعيها.‏

ومع هذا فإن الاهتمام بالأدب القصصي الجزائري لم يستمر، كما أنه لم يتطور ليشمل بقية الأنواع الأدبية الأخرى، ولعلنا نتحمل نحن المسؤولية الكبرى لأننا لم نسع إلى التعريف بأدبنا في الصحافة المشرقية، كما تتحمل وسائل الإعلام عندنا طرفاً كبيراً من هذه المسؤولية وعلى هذا فإن أصابع الاتهام والعتاب(82)، ينبغي أن توجه إلينا أولاً، لأننا تهافتنا على إنتاج غيرنا نعب منه عبا ونسينا أن لنا إنتاجاً جيداً لا يزال مهملاً في الزوايا، أو في ثنايا صفحات المجلات والدوريات الوطنية.‏

ونشير هنا أيضاً إلى مسألة أخرى جديرة بالمعالجة والتناول وهي أن معظم كتاب القصة قد تحولوا بعد الاستقلال (1962) إلى الكتابة في فنون أدبية أخرى، أو توقف بعضهم عن الكتابة الأدبية لسنوات عديدة، إما بسبب الظروف الحياتية الجديدة وإما لتغير حوافز الكتابة التي كانت قبل الاستقلال شكلاً من أشكال النضال ضد المستعمر، فقد استهوت الأبحاث التاريخية القاص الدكتور أبو القاسم سعد الله، ولم نعد نقرأ جديداً للدكتور عبد الله خليفة ركيبي منذ سنوات. وتحول بعض الأدباء إلى الكتابة الروائية، وذلك منذ ظهور رواية "ريح الجنوب" 1970 كأول عمل روائي فني جزائري باللغة الوطنية(83)، ثم صدرت بعدها للطاهر وطار روايته الأولى "اللاز"(84) على أن دودو ظل طوال هذه السنين وفياً لفن القصة.‏

2-البنية الفنية للحدث القصصي‏

طبع الأدباء الثلاثة عبد الحميد بن هدوقة، وأبو العيد دودو والطاهر وطار المرحلة الثانية (1956-1972)، بصفاتهم الفنية وعبروا عن المضامين التي أفرزتها تحولات المجتمع الجزائري خلال هذه المرحلة، كما تنوعت أشكال القصة على أيديهم مع الاختلاف في الرؤية الفكرية والتفاوت الفني من قاص لآخر، وأحياناً من تجربة قصصية لأخرى، ومن أبرز الجوانب الفنية التي تجلب الاهتمام في تجربتهم القصصية طرائق بناء الحدث، وطرائق صوغه، فقد تنوعت تنوعاً يدل على المجهود الفني الكبير الذي بذلوه لتطوير القصة الجزائرية المعاصرة، كما شمل هذا التنوع رسم الشخصيات وطرائق أداء دورها، وهو مجال دراستنا في هذا الجزء.‏

أ-بناء الحدث‏

بنى أدباء هذه المرحلة قصصهم علىأهم الطرق المعروفة في الأدب القصصي، وهي الطريقة التقليدية، والطريقة الحديثة، والطريقة الاسترجاعية، وقد قصدنا إلى بيان مدى اتقانهم لهذه الأساليب الفنية الجديدة.‏

(1) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة (دراسة)، (ط1). المؤسسة المصرية العامة للطباعة والنشر -القاهرة 1969م.‏

(2) انظر المرجع السابق (ط3)- الدار العربية للكتاب ليبيا- تونس 1977م- ص298.‏

(3) عبد الله بن حلي: القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي (تونس- الجزائر- المغرب) دراسة مقارنة -رسالة ماجستير (مخطوط) جامعة عين شمس، كلية الآداب 1976م- ص179.‏

(4) د. عبد الله خليفة ركيبي: مقدمة بحيرة الزيتون) لأبي العيد دودو (ط2) المؤسسة الوطنية للكتاب -الجزائر 1984م- ص7.‏

(5) د. عبد الله خليفة ركيبي: مقدمة (نفوس ثائرة) -مجموعة قصصية له- (ط1)، مطبعة الدار المصرية- القاهرة 1962م- ص21.‏

(6) وضع الحبيب بناسي في عام 1956 محاولتين قصصيتين نشرهما في جريدة "الزيتونة". التونسية الأولى بعنوان: "شهيد بلا قبر" في 13/4/1956 والثانية بعنوان: الدكتور الشهيد نشرها في الجريدة نفسها في 6/ماي 1956م.‏

(7) د. عايدة أديب بامية: تطور الأدب القصصي الجزائري -ص137، وانظر كذلك الدكتور محمد الصالح الجابري: جوانب من القصة النضالية الجزائرية (مقال). مجلة الحياة الثقافية، وزارة الثقافة- تونس عدد 26-ص4.‏

(8) د. عبد الله خليفة ركيبي: الأوراس ودراسات أخرى (ط1)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1982م- ص150.‏

(9) الهادي لعبيدي في تقديمه للمجموعة القصصية "دخان من قلبي"- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1982-ص16.‏

(10) د. نور سلمان: الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير _ط1)- دار العلم للملايين- بيروت 1981م- ص475.‏

(11) عبد الله بن حلي: القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي -ص220‏

(12) اختصرنا الحديث في هذا الجزء على الخصائص الفنية في قصص هؤلاء الأدباء: عبد الحميد بن هدوقة وأبو العيد دودو والطاهر وطار لأننا سنركز الحديث عن تجاربهم القصصية في هذا الفصل لكونهم أعلام هذه المرحلة الأدبية (1956-1972م).‏

(13) محمد الصالح الصديق: عميروش وقصص أخرى (ط1)- دار لبنان -بيروت 1964م‏

(14) عميروش وقصص أخرى -ص15و 16.‏

(15) المصدر نفسه -ص54-55‏

(16) ص61‏

(17) ص40‏

(18) ص33‏

(19) عبد الله بن حلي: القصة العربية في الشمال الافريقي -ص196.‏

(20) د. شكري فيصل: في تقديمه كتاب "وقفات ونبضات" لمحمد الصالح الصديق (ط1)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع)- الجزائر 1972-ص8.‏

(21) المرجع نفسه- ص10.‏

(22) الحبيب بناسي: صرخة القلب(ط2) -المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1984.‏

وقد ظهرت الطبعة الأولى عن مطبعة ابن خلدون بمدينة تلمسان عام 1955 ونلاحظ أن الطبعة الثانية التي أشرف عليها أخوه أحمد بناسي مزيدة ومنقحة.‏

(23) ذهبت الدكتورة عايدة أديب بامية في كتابها "تطور الأدب القصصي الجزائري 1982- ص327 إلى أن ما كتبه الحبيب بناسي بعنوان: (الحب)، (أيها الحب)، شمعة تحترق)، (عواطف وأحلام)، هي محاولات قصصية، وفي رأينا أنها لا تعدو أن تكون خواطر ملونة بالرومانتيكية.‏

(24) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة -ص26.‏

(25) الحبيب بناسي: صرخة القلب -ص139.‏

(26) المصدر السابق، ص17.‏

(27) ص123.‏

(28) ترى الدكتورة بامية أنه حتى عام 1958 لم تكن هناك أية إشارة أو أي ذكر لحرب التحرير في القصة الجزائرية، ويرّد هذا الرأي بدليل أن قصص بناسي قد كتبت في عام 1956، كقصته شهيد بلا قبر "التي نشرها في جريدة الزيتونة التونسية في عددها الصادر يوم 13/4/1956، وقصة "مأساة أسرة" نشرت في الجريدة نفسها بتاريخ 23/4/1956، وقصته الثالثة "الدكتور الشهيد" منشورة في جريدة الزيتونة بتاريخ 6/5/1956، وبهذا يكون الحبيب بناسي أول من عالج موضوع الثورة التحريرية في القصة الجزائرية المعاصرة، وانظر أيضاً:‏

1-الحبيب بناسي: صرخة القلب، صفحات: (95-99-147)‏

2-د. محمد الصالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس (1900-1962)، ط2)، الدار العربية للكتاب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، تونس- ليبيا، الجزائر 1983-ص369.‏

(29) الحبيب بناسي: صرخة القلب -ص149.‏

(30) د. عبد الله خليفة ركيبي: نفوس ثائرة -(ط1)- الدار المصرية للطباعة والنشر -القاهرة 1962م.‏

(31) المصدر السابق -ص23.‏

(32) قصة "راعي الغنم"- ص41 إلى 52.‏

(33) ص52‏

(34) ص53‏

(35) د. شكري محمد عياد: في تقديمه للمجموعة القصصية نفوس ثائرة- ص16‏

(36) نفوس ثائرة -قصة "الإنسان والجبل"- ص95-96‏

(37) نفوس ثائرة -ص11‏

(38) المصدر السابق (الصفة نفسها).‏

(39) (المقدمة)- ص15.‏

(40) عثمان سعدي: تحت الجسر المعلق (ط2)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1980م‏

(41) تحت الجسر المعلق- ص6 إلى ص47‏

(42) د. محمد مصايف: دراسات في النقد والأدب _ط1)، الشركة الوطنية للنشرة والتوزيع- الجزائر 1983م- ص141.‏

(43) تحت الجسر المعلق -ص25.‏

(44) المصدر نفسه- ص79.‏

(45) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرة -ص204‏

(46) تحت الجسر المعلق -ص88.‏

(47) د. عبد الله خليفة ركيبي: القصة الجزائرية القصيرةص204‏

(48) د. محمد مصايف: دراسات في الأدب والنقد- ص141.‏

(49) القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي -ص147‏

(50) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون (مجموعة قصصية)، (ط2)، المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1984-ص95.‏

(51) المصدر نفسه- ص101.‏

(52) كان المجتمع الجزائري يستغل عاداته وتقاليده للتحايل على العدو الفرنسي وجواسيسه. وقد استغل الكتاب هذه الناحية وعرضوها في قصصهم.‏

(53) د. أبو العيد دودو: بحيرة الزيتون -ص106.‏

(54) د. أبو القاسم سعد الله: تجارب في الأدب والرحلة -الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1983- ص187.‏

(55) نقصد هنا بمصطلح "الأعلام" الأدباء: عبد الحميد بن هدوقة، وأبو العيد دودو، والطاهر وطار.‏

(56) د. سيد حامد النساج: بانوراما الرواية العربية الحديثة (ط1)، المركز العربي للثقافة والعلوم. بيروت 1982- ص224.‏

(57) د. عبد الله خليفة ركيبي: تطور النثر الجزائري الحديث (ط1)- الدار العربية للكتاب- ليبيا، تونس عام 1978- ص180.‏

(58) نشرتها الدار القومية للطباعة والنشر، (ط1) القاهرة 1967م.‏

(59) زهور ونيسي: على الشاطئ الآخر، (ط1)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -الجزائر 1974.‏

(60) القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي -ص199-200.‏

(61) زهور ونيسي: الظلال الممتدة، (ط1)، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1985- ص84.‏

(62) المصدر نفسه -ص34‏

(63) نفسه -ص84‏

(64) ص79-80‏

(65) محمد الصالح خبشاش: نماذج من الشعر الجزائري المعاصر، نشر مجلة آمال- عدد رقم 1. وزارة الثقافة والإعلام- الجزائر بلا تاريخ -ص66.‏

(66) زهور وينسي على الشاطئ الآخر ص39‏

(67) المصدر نفسه -ص40.‏

(68) ص188.‏

(69) البهي فضلاء: دقت الساعة (ط1) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر 1968.‏

(70) د. نسيب نشاوي حول قضايا جمالية في القصة الثورية الجزائرية المعاصرة (مقال)- مجلة الكاتب العربي. دمشق 1986. عدد 14- ص16.‏

(71) البهي فضلاء: دقت الساعة -قصة (الرصاصة الأخيرة) ص77.‏

(72) دقت الساعة -ص55 وما بعدها.‏

(73) المصدر نفسه ص59.‏

(74) ص59.‏

(75) ص143.‏

(76) القصة العربية في الشمال الافريقي -ص173.‏

(77) محمد السعيد الزاهري: الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير (ط3)- الجزائر 1983.‏

(78) محب الدين الخطيب: في تقديمه لكتاب الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير -ص11.‏

(79) محمد الصالح الصديق، وفاضل المسعودي: صور من البطولة في الجزائر (ط3)- دار البعث- قسنطينة 1981- ص40.‏

(80) زهور ونيسي: على الشاطئ الآخر -(المقدمة) ص6.‏

(81) د. سيد حامد النساج: بانوراما الرواية العربية -ص244.‏

(82) للدكتور عبد الملك مرتاض رأي آخر في كتابه "الثقافة العربية في الجزائر بين التأثير والتأثر "نشر اتحاد الكتاب العرب. دمشق ص17 وما بعدها.‏

(83) عبد الحميد بن هدوقة: ريح الجنوب (رواية)- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1970-266 صفحة.‏

(84) الطاهر وطار: اللاز -(ط1) (رواية) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1975- 277 صفحة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244