|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
بنــــاء الشـــــــخصية: استعمل خلاص الطريقتين التحليلية والتمثيلية لتصوير بنية الشخصية الرئيسة (أحمد الطوبالي) في القصة إلا أن الطريقة التمثيلية أقوى تأثيراً في النص القصصي، حيث استغرقت أربع عشرة صفحة(1)، ركزت كلها على إبراز صلات (الطوبالي) اللاشرعية مع زوجات المقاولين وزوجة حارس قصره، وعلى إحساسه بالألم كلما فكر في القيام من السرير والذهاب إلى فندق "سيدي فرج"، حيث ينتظره أصدقاؤه وعشيقته الجديدة. ولعل ما برع القاص في تصويره حقاً هو طريقة اكتشاف أحمد الطوبالي لعجزه عن فعل أي شيء يصله بأصدقائه في الفندق، وبخادمه في الميناء وبعشيقته في غرفة نوم اكتراها لها خصيصاً في إحدى عمارات المدينة. فهو كلما فكر في أمرهم، وهمّ بالوقوف اكتشف عجز أحد أعضائه عن الاستجابة لرغبته الداخلية، وفي هذا إشارة إلى انقطاع عقله الباطني عن عالمه الخارجي الذي يتجسد من خلال نشاط العضلات والأطراف التي لم تعد قادرة على تنفيذ الأوامر الصادرة إليها، كما انقطعت صلاته بمحيطه الإنساني حيث لم يعد لأوامره جدوى. وقد تجلت الطريقة التحليلية في أقوال أصدقائه، وعملائه وآرائهم خصوصاً صوت الجمهور الذي أورده القاص في المقطع الحادي عشر: عبر أحياء المدينة(2)، ومقاهيها ولكن حديث هؤلاء وتعليقاتهم تركزت حول إبراز صلاته وأعماله غير المشروعة وقد أسف البعض عليه عندما علموا بحادثته، وتشفى آخرون، ودعوا له بالهلاك للتخلص من شروره وآثامه، وهناك بعض الإشارات السريعة إلى ملامح شخصيته الداخلية وردت على لسان بعض الشخصيات، كقول. (عيسى) لأصدقائه عندما ملوا انتظاره على مائدة الطعام في فندق سيدي فرح: "لا..لا أحمد لا يتلاعب بالمواعيد"(3). وكذلك هذه الملامح التي أسهمت في بلورة شخصيته الاستغلالية، ونفسيته الجشعة، وقد وردت على لسان عامل أمر بانتظاره في الميناء على الساعة الرابعة مساء(4). وهكذا جاء النص القصصي، وكأنه فصل من كتب السير والاعترافات أو السير الذاتية، لما تضمنه من بوح بأسرار خطيرة في حياة الشخصية، وتأنيب قاس للذات، وكأنه مجرم محترف خطير امتثل أمام العدالة، واعترف بكل ما فعلته يداه وبكل الجرائم والتهم المنسوبة إليه. أما الشخصيات المساعدة في قصة "خريف رجل المدينة"، فتتصف بالتنوع والكثرة وتركيز القاص على إبراز مواقفها من (أحمد الطوبالي) بأساليب مباشرة تتهاطل بسرعة على ألسنتها. ففي مقطع "في انتظار الرئيس"(5)، يظهر خادم (أحمد الطوبالي) بالطريقة التمثيلية متحدثاً بضمير المتكلم (أنا)، فيصور حالته النفسية، ويعبر عن السعادة التي حققها بعد اتصاله برئيسه (أحمد الطوبالي) منذ عشر سنوات. وهناك تركيز من قبل القاص على إبراز التطور الاجتماعي والمادي الذي أصابه الخادم الذي اعترف بذلك في قوله: "الحقيقة أنني نلت الكثير، تمكنت من شراء سيارة جديدة، بناء فيللا.. مأكولات مختارة.. ملابس أنيقة.. أسرة موسرة... ما أعجب ما حققت لنفسي من لذات لم أكن أطمع في رؤيتها حتى في الأحلام، ضاجعت نساء فاتنات... تجولت عبر مدن القطر كلها... سافرت إلى الخارج مرتين... كل ذلك مكافأة على وفائي في المهنة"(6). ثم بدأ يحس بعقدة الذنب، وعدم الاستقرار واعتراه شعور بالهلع والخوف من العاقبة في حالة ما إذا اكتشف أمر رئيسه (أحمد الطوبالي)، رغم أن لديه كثيرين من المسؤولين، ويرمي الكاتب بهذا إلى عدم شرعية الأملاك التي حصلت عليها تلك الفئة، وإهمالها الأمانة الوطنية، وقد كثف شعوره في هذا التساؤل الذي جاء على لسان سائق الشاحنة: "من يضمن لي أن لا تحقيق يجري حول سيرة الرجل"(7). واستخدم خلاص الطريقة التمثيلية في رسم شخصية مقطع "في غرفة نوم بالمدينة"(8)، فقد ترك شخصيته تصف جسدها الممدد على السرير، وتعبر عن أحاسيس (الطوبالي) نحوها واشتهائه لجسدها أكثر من غيرها، وكذلك وصفها لتغيير ملامح وجهها من أثر شدة التعب والانتظار(9). ومن خلال أسلوب التداعي صور انحراف والدتها، وكيف دفعتها إلى احتراف البغاء، فهي التي قدمتها إلى (الطوبالي)، وقد اعترفت بذلك في قولها: "لولاك ما عرفته.. قد متني إليه مفتخرة بابنتك الوحيدة ذات السابعة عشرة.. قرة عينك التي سلب جمالها عقول الرجال ومن يومها غادرك ولا زمني..."(10). ولا أبلغ من هذه العبارة في الإيماء إلى انحلال المجتمع، وتفكك روابطه الروحية، إن مجتمع هذه القصة قد غاص معظم أفراده في الرذيلة والفساد وتحولوا إلى أناس بوهيميين ماديين، وهي نظرة قاتمة شديدة التشاؤم لا تخلو من مبالغة سببها تذمر القاص وانتقامه من المدينة ومجتمعها. وقد كان بإمكان القاص استغلال شخصية سائق الشاحنة لعرض صورة ثانية في أثناء ساعات الانتظار التي قضاها في الميناء، بأن ينشّط وعيه ويوقظ ضميره أكثر، ثم يعلن ثورته على شخصية (الطوبالي) بإحدى الوسيلتين: فإما أنه يتصل بجهات رسمية مخلصة، وإمّا أنه يعمل على نشر الوعي بين أصدقائه إلى أن يثوروا على (الطوبالي) ويفضحوا جرائمه وسرقاته. فلو فعل ذلك لبعث في شخصياته العديدة روح الفاعلية ولطهرها من العدمية والسلبية التي وسمتها طوال النص، ولأعطى لروح التغيير التي أوحت بها نهاية الشخصية الرئيسة بعداً إنسانياً بدلاً من البعد القدري(11). وأخيراً فإن تطور جيلالي خلاص يبدو من خلال قصصه الأخيرة، ففيها بدا أعمق إدراكاً، وفهماً لجماليات الشكل الفني، واستوعبت أعماله هذه خصوصيات فن القصة القصيرة، مما يبعث في نفوسنا الارتياح والأمل بمستقبل طيب. كتاب آخرون: هناك قاصون آخرون، يمكن تصنيف أعمالهم، ضمن كتاب القصة الحديثة الملتزمة بقواعد هذا الفن وأصوله كبشير خلف، والعيد بن عروس، ومصطفى نطور، واسماعيل غموقات وعلاوة بوجادي... وغيرهم، وسنقدم فيما يلي تحليلاً مقتضباً لبعض ملامحهم الفنية بقصد التنويه بأهم أعلام هذا الاتجاه، وإتمام الصورة التي نحاول رسمها لمسار الأدب القصصي الجزائري المعاصر. 1-بشير خلف: التزم بشير خلف بالأصول الفنية المعروفة في القصة القصيرة خصوصاً بنية الحدث وطرائق عرضه، شأنه في ذلك شأن زملائه الذين ذكرناهم فيما سبق من هذا الفصل، ويشكل الزمن الماضي ميداناً رحباً تجول فيه أحداثه وشخصياته، وقد حاول في بعض قصصه تجاوز عالمه الأثير المميز إلى ميدان التجريب، ولكنه بقي مشدوداً لعالمه ورؤيته الفنية والفكرية، كما هو واضح في قصته "خمس قصص قصيرة(12)، واهتم كذلك بعنصر الوصف حتى كاد يبدو، وكأنه يريد أن ينقل المشهد بكل تفاصيله، ودقائقه، خصوصاً المشاهد الطبيعية(13). ويظهر في بيئته الفنية كثير من الخصوصيات المحلية مثل الحياة اليومية للأهالي ونضالهم، لدفع الفقر والحرمان. قل إنتاجه القصصي في السنوات الأخيرة، فلم نعد نقرأ له بغزارة مثلما كان الحال في السبعينات (1973-1977) وتكاد هذه الظاهرة تشكل قلقاً على مصير بعض التجارب الإبداعية، إذ يخشى أن يصيبها الأفول وربما لم تجد الاهتمام والرعاية من النقاد ودور النشر والمؤسسات الثقافية. 2-العيد بن عروس: طور العيد بن عروّس تجربته القصصية، وقدم نتاجاً جديداً، ولا يزال يبذل مجهودات للانتقال إلى مرحلة فنية جديدة، فيحاول من حين لآخر كتابة القصة التجريبية كما فعل في قصة "كليشهات متقاطعة"(14)، على أنه ظل يدور في معظم إنتاجه في فلك الأصول والقواعد القصصية، وقد اخترنا له قصة "حكم الشريعة"(15)، كنموذج تتوافر فيه معظم ملامح تجربته القصصية. وتقوم هذه القصة على التدرج من المقدمة إلى العقدة فالخاتمة، ويعالج الحدث موضوعاً تداولته الأقلام خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات، يدور حول معلم شاب تعرف على فتاة، وهو في طريقه إلى مقر عمله بمدينة بجاية على متن القطار، وتكررت لقاءاتهما، فقويت عاطفة الحب، حرارة وصدقاً، إلا أنه ما إن يقرر العزم على خطبتها حتى تكتشف والدته أنها أخته من الرضاع، فيصدم أولاً، ثم يصاب بحزن شديد. وقد استخدم ابن عروس الطريقة التحليلية لتصوير شخصية بطل القصة (إبراهيم)، على لسان صديقه الذي قام بدور الراوي فوصف شخصيته سواء قبل أن يكشف صلته (بوردة) أو بعدها. قال يصور آثار الصدمة في إبراهيم: "ووجدته قد تغير نعم... أصبح شاحب الوجه محمرّ العينين مصفر الملامح هزيل الجسم"(16). وبعد فإن العيد بن عروس حافظ في هذه القصة على الأساليب الفنية لوحدة الحدث والشخصية، مع أن موضوعها يعد من بين الموضوعات المستهلكة عند أدباء الحركة الإصلاحية إلاّ أنّه يحاول اجتياز الأساليب المعروفة للقصة، ويبذل الجهود في سبيل تطوير أدواته الفنية. 3-مصطفى نطور: يركز مصطفى نطور كثيراً على البقع القاتمة في المجتمع الجزائري المعاصر، وهو بذلك يمارس عمليات التعرية والإدانة للفكر الرأسمالي، والسلوكات الموروثة عن العهد الاستعماري. ويستخدم نطور أساليب فنية كثيرة لتصوير الموضوعات المعاصرة، خصوصاً في اللغة والحوار وبنية الحدث ورسم الشخصيات. ويتميز بعض أبطال قصصه بالسلبية، خاصة الأبطال الذين يكونون نماذج للشريحة المتعلمة، إلا أن سلبيتهم تعد إيجابية بشكل آخر لأنها تتضمن إدانة عنيفة لهذه الفئة عن طريق تصوير تخاذلها وبلاهتها(17)، كما يكون الريف أحد العوالم الرئيسة للبيئة القصصية، ولا يخفى الكاتب انحيازه إليها. وأهم قصصه التي عالجت قضايا الأرض هي قصة: "الشفاه اليابسة تغير جلدتها"(18) وتدور حول موضوع سرقة عتاد مزارع الثورة الزراعية، إن الحدث القصصي معروض هنا بشكل متدرج، حيث ركز الكاتب في بداية قصته على تصوير الفلاحين والظروف الطبيعية القاسية التي يشتغلون فيها، وضمنها إشارات إلى قحط الموسم ونقصان العتاد الفلاحي. وبلغ الحدث قمة النمو عندما صمم الفلاحون على معرفة مصير المحرك الذي منحه إليهم الديوان الوطني للعتاد الفلاحي(19)، ثم سار الحدث في اتجاه النهاية التي صورت تطور وعي الفلاحين، وذلك من خلال التحقيق الذي أجروه حول مصير المحرك والشكوى التي قدموها لرجال الدرك ضد المسؤول الفلاحي ورئيس التعاونية. تلتقي شخصية هذه القصة بمفهوم الشخصية "الجماعية" عند الحبيب السايح، حيث تجسدت في مجموعة الفلاحين الذين قام كل واحد منهم بجانب من جوانب الحدث وأسهم عنصر الحوار في الكشف عن وعي الشخصية الجماعية على نحو ما جرى بين رئيس التعاونية والفلاحين(20) إن التجربة القصصية لمصطفى نطور تتطور بخطى رصينة وقوية، سواء من حيث الفن، أو من حيث الموضوعات عدا ما يتمتع به من جرأة في الطرح ووضوح في الرؤية. 4-اسماعيل غموقات: كتب اسماعيل غموقات الرواية والقصة، والمسرحية والشعر والمقالة، واقتحم عالم الأدب أول مرة بنشر روايته "الشمس تشرق على الجميع" عام 1977 مسلسلة بمجلة المجاهد الأسبوعية، ثم جمعها في كتاب(21). ووصفه الناقد الدكتور محمد مصايف بأنه "من الأدباء النشيطين في الصحافة الوطنية(22)" وتتصف معظم شخصياته الأدبية بكونها تتصل بعالم الريف، ولذلك فقد ركز على ما تصاب به من اضطراب في فكرها وسلوكها كلما اتصلت بحياة المدينة، وحاولت ولوج عالمها الذي عادة ما يبدو أكبر من إمكانياتها وقدراتها، ولكي تتغلب هذه الشخصيات على الحياة الجديدة، فإن القاص يضفي عليها ملامح جديدة، يقتبسها من شخصية الحكاية الشعبية، والتي تتميز بسرعة التأقلم والتكيف مع كل حدث جديد، فهي تحقق أحلامها وأمانيها بما تملكه من قدرات وتصوير الشخصيات المضطهدة في نضالها وصمودها وإيمانها بعدالة قضيتها ورسالتها. يصور في قصة "السور الأخرس يتداعى"(23)، (فكرة ما) يمكن التعرف عليها من خلال دلالة المصطلحات التي تتكرر في أثناء النص. وقد ولع الراوي بها إلى أن صارت تتمثل له في صورة عشيقة حسناء يمارس الجنس معها باشتهاء، ولا يخفي إعجابه الكبير باكتمال أنوثتها وسحر قوامها. وقد عرض الحدث على طريقة السيرة الذاتية وأتى ضمير المتكلم المفرد "أنا" في المقام الأول، يليه ضمير الجمع المتكلم "نحن"، إلا أن الأول يتواتر في المشاهد التي تصور اتصال الراوي، بالعشيقة التي تتحول في النهاية إلى خطيبة، وذلك عن طريق مجموعة من التداعيات والأحلام بينما الثاني يتواتر في أثناء السرد، وقد استخدمه لتصوير "العقل الجماعي" الذي هو سبيل الانعتاق والتحرر، وهو ما عبرت عنه الجملة الأخيرة "اندفعنا نحوه كالسيل الجارف فاكتسحناه وانطلقنا إلى الخارج"(24). ويظهر من خلال مجموعة الدلالات التي توحي بها المصطلحات التالية "السجن"، و "السور" و "الصفوف"، و "سواعد الجميع"، أننا نستطيع أن نتبين دلالة لكلمة "الحرية"، والتي عبر الراوي عن تعلقه بها بوساطة الوصال الجنسي. وتتنوع الشخصيات في هذه القصة مما يدل على تأثره ببنية الشخصية الروائية، وهو كاتب رواية أكثر منه كاتب قصة قصيرة، كما أن اعتماده على شخصية الراوي جعل قصته وكأنها كابوس، حيث كثرت فيها الفقرات التي تدل على تذكره وأحلامه، وقد جعل صورة الفتاة التي يحتفظ بها الراوي نقطة انطلاق نحو زمن الحدث وهو الماضي. يمكن أن نستنتج مما تقدم في هذا الجزء الأمور التالية: 1- أن القصة القصيرة الملتزمة بقواعد هذا الفن تشكل حقلاً خصباً للأدب القصصي الجزائري المعاصر، ويدل على ذلك كثرة كتابها الذين ظهروا منذ سنة 1972. 2-حاول العديد من هؤلاء الكتاب تطوير أساليبهم الفنية، خصوصاً فيما يخص بناء الحدث، والشخصية الفنية، والحوار، وظهر عندهم البطل الجماعي كبديل للبطل الفردي خاصة عند الحبيب السايح، ومصطفى نطور، وأفاد بعضهم من أساليب القصص الغربي كمرزاق بقطاش الذي تأثر ببعض أفكار الروائي الأمريكي: ارنست همنجواي. 3-عبّروا في معظمهم عن الموضوعات الجديدة التي نشأت بعد الاستقلال، خصوصاً ما يتصل بعالم الريف والأرض والبيئات الفقيرة. إلا أن هذا لم يمنع بعضهم من أن يعالج موضوعات الحرب التحريرية. 4-وأخيراً يجدر أن ننوه بالأسماء الكثيرة الأخرى: كالأدرع الشريف وعبد الله بن الضيف وبوجادي علاوة، وأحمد بودشيشة وزهير العلاف وغيرهم من الذين أسهموا في كتابة القصة القصيرة. ب - القصة التجريبية : يتناول هذا الجزء تجربة القصة التجريبية في الأدب القصصي الجزائري المعاصر، ومن أبرز الصعوبات التي اعترضتنا في أثناء دراسة نتاج هذا الشكل القصصي الجديد عدم وجود رؤية نظرية متكاملة حوله، ويرجع سبب ذلك -في رأينا- إلى حداثة هذا الشكل في الأدب الجزائري، بحيث لم نعثر له على نماذج تعود إلى مرحلة ما قبل ظهور الحركة الأدبية الجديدة، فهو -إذن- لم يعرفه الأدب القصصي الجزائري إلا على أيدي بعض القاصين الشباب مثل: جروة علاوة وهبي، وحرز الله محمد الصالح، وعبد الحميد بورايو، وعمار بلحسن، والأعرج واسيني، ومحمد الأمين الزاوي. إلا أننا استطعنا أن نذلل هذه الصعوبة -بعض الشيء- بالاتصال المباشر بالقاصين، وبالاطلاع على آرائهم في الصحف والمجلات. وسنتناول هذه التجربة لنبين أهم خصائصها وأساليبها الفنية، وما أضافته إلى القصة الجزائرية القصيرة. 1- جروة علاوة وهبي: تتميز تجربة جروة علاوة وهبي الأدبية بالثراء والتنوع، فقد مارس كتابة عدة فنون أدبية كالشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالة الأدبية، واهتم بالمسرح والسينما وقضايا الثقافة الأخرى بحكم مهنته كمحرر ثقافي في صحيفة النصر اليومية. وله خصوصيات فنية، جعلت أدبه يختلف عن تجارب غيره، من كتاب جيله، وأهم هذه الخصوصيات ميله نحو تغريب أشكاله القصصية، وقد تبلغ في بعض قصصه درجة قصوى من الغموض، كما فعل في قصته "الحناش الذي نسي ذكر اسمه"(25) وكذلك ولعه بمزج خصائص مجموعة من الأشكال التعبيرية في قصة واحدة، فالمشاهد السينمائية والحوار المسرحي، وأسلوب المقال العلمي، والمقاطع الشعرية كلها قد تجتمع في قصة واحدة، ولا يمكن أن نفسر هذه الظاهرة إلا بكونه تتنازعه مجموعة من الفنون، وهذا ما تثبته سيرته الأدبية، حيث بدأ بكتابة الشعر، واشتغل لمدة طويلة (1963-1971).في فرقة مسرحية بقسنطينة مؤلفاً ومترجماً وممثلاً، وبدأ منذ 1970 يكتب القصة القصيرة بأسلوب جديد تجلت فيه نزعة غريبة إلى الأسلوب التجريبي. وقد اخترنا له قصة "لعبة الكلمات الباردة"(26) كنموذج لكتاباته القصصية. أ - بناء الحدث: لم يلتزم جروة علاوة وهبي بوحدة الحدث في قصته "لعبة الكلمات الباردة"(27) ففيها ثلاثة أحداث هي: 1- جماعة يلعبون بالورق، ومنهم الراوي الذي تبدو من خلاله شخصية الكاتب. 2- مناجاة شابين ينتميان إلى أسرتين ثريتين. 3- ثورة أحد العمال على مديره. وهذه الأحداث الثلاثة يمكن تحويل أي واحد منها إلى قصة قصيرة مستقلة بذاتها، وقد عبر عنها وهبي في تسع مقاطع، يستأثر الحدث الأول منها بنقطة المركز، إذ جعله القاص محوراً للحدثين الثاني والثالث، حيث أن أحداثها ترد على ذاكرة الراوي عبر أسلوب التداعي، بينما الحدث الأول يتطور عبر عنصر السرد، ويقوم مقام الحدث الرئيس، ويتنامى خلال هذه المقاطع: "الحافلة" ومقطع "المقهى" ومقطع "فيات"ومقطع "الحب"، فإن الحدث الثالث يتنامى خلال هذه المقاطع: "اللعب" و"فيات" و"المدير". ويمكن تبين خيوط حدث رابع صور فيه إحدى الظواهر الاجتماعية السلبية، وهي ظاهرة استعمال الوساطة للحصول على الشغل رغم أنه من حقوق أي مواطن كفء بلغ سناً معينة. وقد أدت هذه الطريقة إلى فقدان عنصر التركيز في القصة بحيث يجد المتلقي نفسه أمام مجموعة من الأحداث، لكل حدث منها شخصياته وطريقة تصويره، وربما أدى هذا إلى نفور المتلقي غير المتخصص. إلا أنه يمكن العثور على نقطتين تخصان أسلوب كتابة القاص هما: استعماله لأسلوب التداعي دون أن يشعرنا بذلك، وكذلك تصويره للحياة اليومية بكل أمورها البسيطة وقضاياها الكبيرة، إذ أن الحياة عنده كل لا يتجزأ وجميع تناقضاتها هي مجال خصب للتعبير الفني. ب - بناء الشخصية: 1- بناء شخصية الحدث الأول: تتعدد شخصيات هذا الحدث، ومع ذلك يمكن أن نعد شخصية الراوي الشخصية الأولى فيه، حيث أن القاص ركز عليها أكثر من غيرها. وقد استخدم الطريقة التمثيلية لتصوير شخصية الراوي الذي تحدث عن نفسه مستعملاً ضمير المتكلم المفرد "أنا" كقوله في تصوير حركاته داخل مقهى الديك الذهبي: "أدفع الباب وأدخل، أنتحي جانباً أتهالك على كرسي خشبي، أطلب مشروباً ساخناً أضع رزمة الجرائد والمجلات، التي كنتُ أحملها تحت إبطي فوق الطاولة أخرج علبة السجائر. أشعل لفافة واحدة، أرشف من المشروب السائل(28). كما استعمل أسلوب التداعي للتعبير عن شخصية الراوي المثقفة فجاء في شكل قطعة شعرية(29)، صور القاص فيها شخصية الراوي وهو يقرأ جريدة يومية تحدثت عن أوضاع المشرق العربي، وتظهر شخصية الراوي من خلال المقاطع "التسعة" أنها شخصية نامية تراقب تحركات كل شخصية وتسجلها، ولم يهتم القاص بإبراز ملامحها الخارجية قدر تركيزه على تذمرها من مرارة الواقع العربي، وإحساسها بالخيبة والانكسار. 2- بناء شخصية الحدث الثاني: استعمل جروة علاوة وهبي الطريقة التحليلية لتصوير شخصية الحدث الثاني فرسم ملامحها على لسان الراوي في أثناء عرض تداعياته، وقد اهتم بالتعبير عن صفاتها الخارجية والمعنوية والطبقة الاجتماعية التي تنتسب إليها. ويمثل هذه الشخصية كل من الفتى والفتاة على حد سواء، فالفتى: "شاب أنيق طويل الشعر ذو كبرياء وأنفة تغطي عينيه نظارة سوداء، تنعكس ظلالها على أنفه، وحول خديه"(30). واهتم كذلك بتصوير الملامح الخارجية للفتاة لكي يدل على تنعمها وغنى أسرتها. إن "رحيق شعرها الأصفر ينسدل على كتفيها"(31). واستعمل القاص أحياناً، الطريقة التمثيلية لاستكمال وصف الشخصية، فجاء على لسان الفتى قوله عن السيارة المهداة له من أبيه: "لقد أهداني إياها، بمناسبة نجاحي في البكالوريا منذ شهر"(32). ويستنتج مما تقدم أن القاص قد وفق في اختيار الشخصية المناسبة لموضوع حدثه، فكشف عن الفارق بين معاناة الشخصيات، بينما كانت في الحدث الأول ذات نزعة اجتماعية موضوعية، فإنّها في هذاالحدث وجدانية ذاتية تصور ترف الطبقة الثرية وبذخها. 3 - بناء شخصية الحدث الثالث: يمثل العامل شخصية هذا الحدث، وقد استخدم الطريقة التحليلية لتصويرها، وأورد ملامحها على لسان الراوي في أثناء تداعياته. ورمز بها إلى تطور وعي العمال ونضالهم اليومي ضد المظاهر السلبية في مكاتب الإدارة وعبر على لسانها عن الوضعية الاجتماعية لطبقة العمال. وقد استخدم عنصر الحوار إلى جانب الطريقة التحليلية لاستكمال وصفها، فالمدير يشيع الرعب بين عمال المؤسسة، ويحيط نفسه بهالة كبيرة، والعامل يحاوره على النحو التالي: - أنت مطرود.. أنت مطرود.. - من يطردني؟ - أنا - ومن أنت - أنا رب المصنع - ومن نصبك رباً عليه؟ - أنا نصبت نفسي بنفسي - إذن أنت المطرود وليس أنا....(33) وهكذا يظهر التركيز حول شخصية العامل والاهتمام برسم تطور وعيه النضالي من أجل ترسيخ مبادئ المسؤولية الجماعية داخل المؤسسات العمومية، كما يستنتج من التحليل السابق لبنية الشخصية أن وهبي قد كسر نظام وحدة الشخصية القصصية، وأخذ بأسلوب الشخصية الجماعية، وقد أدى هذا إلى تنوعها وكثرتها. ج- البيئة القصصية: تميز عنصر البيئة في قصة "لعبة الكلمات الباردة" بالتنوع والثراء، إلا أنه يمكن جعل "المقهى" بيئة مركزية، لأن الحدث الرئيس ينطلق منها ليصور بقية البيئات. وقد جاء اختيار القاص لبيئة المقهى موفقاً لتصوير الفراغ الذي يشعر به الراوي، وليعبر من خلاله عن بعض مشاكله الاجتماعية كعدم امتلاكه لسكن كما يرمز في الوقت نفسه إلى غياب النوادي والأماكن الثقافية لتمضية الوقت. وكأن المقهى بيئة أساسية لقصص عديدة، وكأنه يقوم بوظيفة اللازمة التي تربط بين أجزاء العمل الواحد، ولعل الكاتب يشير به إلى أن القصة كل متكامل. واهتم في الحدث الثاني بتصوير البيئة الاجتماعية القاسية التي تعيش فيها فئة العمال رغم عطاءاتهم الكثيرة التي يبذلونها لصالح بلادهم: "عرج عامل إلى بيوت قصديرية واطئة الأسقف، ودلف إلى كوخ مخلوع الباب، فهرع نحوه جمع من الصبية حفاة عراة(34). وقد حفلت القصة بأساليب أخرى. كالأسلوب المسرحي الذي صاغ فيه القاص المقطع التاسع"أكتاف" ليعرض ظاهرة الوساطة، فجاء نصه كاملاً(35)، في حوار بين صديقين أفصح عن اسم واحد منهما، وترك الاسم الآخر مجهولاً. ووظف كذلك أسلوب المشاهد السينمائية في مقطع "حوار"(36) حيث صور المعركة التي نشبت بين لاعبي الورق، وهو منظر ألفنا رؤيته في أفلام رعاة البقر الأمريكية. وهكذا حفلت قصة جروة علاوة وهبي بعناصر فنية لم نألفها في القصة، كالمشاهد السينمائية، وأسلوب المقاطع، وتعدد الشخصيات، وتنوع الأحداث فضلاً عن الجرأة الأدبية الكبيرة لكسر حواجز أساليب القصة، وخلق أسلوب فني جديد لكتابة القصة القصيرة، يعتمد على قدرات الكاتب الإبداعية وعلى ثقافته واطلاعه على مختلف الأساليب الفنية الحديثة. 2- محمد الصالح حرز الله: يعد محمد الصالح حرز الله من أبرز الكتاب المروجين للقصة التجريبية بأساليبها وفنياتها المتنوعة، فهو يستخدم كل مايرى أنه يخدم قصته حتى تكاد كل قصة تمثل تجربة مستقلة عن القصة المكتوبة قبلها. قال الدكتور محمد سعيدي عن قصصه: "رغم قصرها البالغ الذي يبلغ في بعض الأحيان بضعة سطور تكاد تختلف كل واحدة منها عن الأخرى، وهذا التنويع في التمايز والإنتاج يمثل إحدى السمات الرئيسية لكل كاتب موهوب يملك القدرة على الإبداع والتجديد ولا يكرر نفسه، ثم هو كاتب متميز وأصيل تعرفه من أسلوبه ومن لغته وفنه الخاص.(37) حاول الإفادة من فنون أخرى، ونعثر في قصصه على بصمات لفن المسرح، وكذلك، لفن السينما، وفن الشعر، إذ تكاد تمحي الفوارق بين هذه الفنون في قصة واحدة، وقد يلونها بمختلف أساليب الفن القصصي الأخرى، كأسلوب الخطف خلفاً، وأسلوب المونولوج، وكثيراً ما يلجأ إلى تضمين مقطوعات لشعراء معروفين، كشعر عبد الوهاب البياتي وأحمد فؤاد نجم، ونزار قباني. كما يضمن مقاطع مشهورة لبعض الأغاني الشعبية، وكذلك بعض الأمثال. ويسخر هذه الأساليب لإثراء نصوصه القصصية وجعلها أشبه بقطع حياتية زاخرة، بكل دلالاتها وأبعادها، وكثيراً مااعتمد على الأسلوب المقطعي ما عدا في قصتي: "من أجل علبة يا أورت(38)، وقصة: "بوكريشة"(39)، وتتصف بعض قصصه بصغر حجمها فنقرأها في بضع دقائق، رغم أن الحدث قد يستغرق مدة طويلة. أما لغة القص عند حرز الله فجملها قصيرة شاعرية خيالها خصب، وقد نعثر من حين لآخر على آثار لغة الصوفيين، مثلما هو الحال في قصة: "مرة أخرى أغنية حب"(40) والتي جاءت على شكل حوارات ذاتية، واستذكارات عاطفية مثيرة(41)، كقوله في هذا النص الذي يكاد يكون مقطعاً شعرياً: - "جذوري ضاربة في العمق ستبقى وأبقى شامخة مثل الطود كمثل الأوراس لا يرعبني الرعب أنا الإرهابية في زمن الإرهاب يالوزية العينين مهرتي الجامحة الرغبة نار موقودة أبداً وأمنيتي القصوى... أن تقتربي مني أكثر لتظل الرغبة مشتعلة"(42). ولكنه استعمل لغة بسيطة من حيث دلالتها الفنية في قصص قليلة كلغة قصة "البركة"(43) غير أنها لم تخل من نظرة عميقة، لأنها جاءت عفوية على لسان ناس بسطاء، ولكنهم أوفياء لمبادئهم وقضاياهم. وتتوافر ملامح القصة التجريبية، عند حرز الله على سبيل المثال في قصة: "ورقة منزلقة من دفتر الحياة اليومية"(44) التي كتبها عام 1979. وفيها تجاوز لمعظم أساليب القصة الكلاسيكية المتداولة كوحدة الحدث والشخصية. قسمها إلى عشرة مقاطع متفاوتة الطول، وجعل لكل مقطع عنواناً مستقلاً بذاته وهي: العشق، و"الإصرار"، و"حوار الزنابق"، و"تهمة"، و"الشوك والذباب"، و"نوتات مسجلة على الهامش"، و"الرحيل"، "وإعلانات غير مبوبة"، و"خبر سابق لأوانه"، و"من المفكرة" و"رسالة". ونلاحظ أن أقصر هذه المقاطع هو مقطع: "حوار الزنابق" الذي يكاد يشكل بذاته قصة حسب مصطلح "القصة الومضة"، بينما أطول مقطع هومقطع "الرحيل"، إذ يتكون من صفحتين من القطع الصغير. وقد صدّر قصته بالمثل الشعبي البليغ "العين بصيرة واليد قصيرة" والذي يوحي بكثرة الآمال والطموحات، إلا أن الذي يعوز تحقيقها هو قلة الإمكانيات المادية، ثم استهل بمقطع من قصيدة النثر برزت فيه صورتان: "أنا المتكلم"، و"أنا المخاطب" وذلك في شبه حوار ينتهي بأبيات شعرية نثرية ذات مسحة تشاؤمية، رغم وجود عنصر الإصرار الذي عبر عنه بفعل الامر (حاول)، والذي لم يلبث أن تعثر من جراء الجمل الاستفهامية الواردة في النص التالي: - "ماذا يجدي هذا العرق النابض؟ - حاول في قلبي ترحل كل الأبعاد حاول ماذا يجدي أن أصرخ في كهف مهجور؟ لا تيأس فالغابات التفت حولي سيفاً أفعى صمتاً أبداً(45). وتأكدت هذه النظرة التشاؤمية في المقطع الثاني: "حوار الزنابق" من خلال جواب الزنبقة عن سؤال جارتها: "لقد ضاق بي التنفس والترحال والعيش النكد(46). والمقطع الثالث "تهمة" معتمد على عنصر الحوار وحده للتعبير عن الحدث ورسم الشخصية، صور فيه ملامح لشخصية مضطهدة، مؤمنة بقضيتها ورسالتها التي رمز إليها بوردة يحملها في قلبه، كما أن خيوطاً لحدث تبدو من خلال هذه الجملة الخطابية: "هذا ذنبي أيها السادة.... والوردة مازالت بقلبي"(47). وقد بلغت الشخصية تطوراً في نهاية المقطع الرابع، إذ اتضحت بعض ملامحها من خلال استمرار انهمار دموعها، وخطوات قدميها(48). وبلغ الحدث قمته في المقطع السادس، حيث ركز القاص كل جهده الذهني لتصوير واقع "المجتمع" الذي شكل قضية الشخصية وأملها في المقطع الخامس. ويظهر من خلال بعض المعطيات التي توحي بها بعض عبارات المقطع أن "المجمَّع" رمز للسجن، أو لبيئة اجتماعية تمارس فيها كل أنواع الاضطهاد وأساليب امتهان الشخصية الإنسانية. ويتأكد من خلال الفئات الاجتماعية التي تنتمي إليها شخصيات المقطع، والتي تدل حرفها عليها، بائع السردين المتجول ومصنف الورود ودوكير الميناء(49)، والعامل الحرفي(50). كما يدل وصف وجوه العمال الحالكة على الوضع الخطير الذي آلت إليه حياة هذه الفئات. إذ انعكست أشجانهم وعذاباتهم ومخاوفهم على وجوههم. وتشير كذلك بعض الجمل في القصة إلى الطبقة الحاكمة، وذلك من خلال تعابير وصفات تدل على طباعها وصفاتها، إن أسلوب الإيحاء والإيماء الذي عول عليه حرز الله كثيراً وسم القصة بقدر من الإبهام الذي يتطلب من القارئ جهداً غير يسير، فنقرات الأحذية التي تحدث صوتاً مرعباً داخل رواق "المجمّع"، والتي تروح وتجيء توحي بخطوات الحراس ذوي النعال الصلدة، كما أن الأحذية السود التي تنتصب فوقها بدل زرقاء، وتنتهي برؤس مفزعة، ومختلفة الأشكال ترمز إلى السجناء، كما أنّه وصف رؤوسهم بتعبير يدل على أنهم في حالة قلق وغير مطمئنين على حياتهم(51). ولما بلغ الحدث هذه الذروة، تفجر المقطع بأسئلة مكبوتة تدل على صعوبة النجاة، وهنا يجد القاص ذاته أمام مخزونه الشعري، فيترك له مقود القصة ليعمق "درامية الحدث" عن طريق السؤال(52). كما ضمن هذا البيت "دوريا كلام على كيفك دور" عن قصيدة شعرية لأحمد فؤاد نجم، ليعبر به عن كثرة الكلام غير المجدي، وهي حالة ترمز إلى سلبية الجموع التي لم تحوّل كثرة أسئلتها وكلامها إلى استنكارات وأفعال صريحة، وإنما اكتفت بالرفض السلبي. ومهما يكن فقد وظف حرز الله معظم الأساليب في قصته، كأسلوب المقاطع والشعر، والتراث الشعبي بإدراك فني. 3 - عبد الحميد بواريو مر الكاتب عبد الحميد بواريو بمرحلتين مختلفتين، اتصفت المرحلة الأولى، والتي تبدأ بقصة "حتى لا يموت مرة أخرى"1973م، بمحافظتها على أساليب القصة التقليدية وتقنياتها، وفي المرحلة الثانية ظهرت في قصصه تقنيات فنية جديدة، وهي حديثة نسبياً تبدأ بقصة "خمسة خطابات لامرأة واحدة" كتبها عام 1981م(53). وفي ذلك يقول:"فهناك القصص الأولى التي كانت تعنى أساساً بالحدث الجزئي وبرسم المشاهد، بينما توجهت قصصي الأخيرة إلى إعطاء الأهمية الأولى إلى نظم العبارة والعلاقات بين أجزاء الجملة وعلاقات الجمل فيما بينها.(54) وتميزت تجربته القصصية في المدة الأخيرة باحتفائها بالثقافة التراثية، خصوصاً الجانب الشعبي منها، ويعود سبب هذا الاحتفاء إلى التأثير القوي الذي مارسته عليه في أثناء إعداده لرسالة الماجستير، وكان موضوعه (القصص الشعبي في منطقة بسكرة- دراسة ميدانية)(55). وقد بدأت تجربته القصصية الجديدة هذه بعد أن أنهى إعداد بحثه مباشرة، إذ كتب قصة "خمس خطابات لامرأة واحدة"(56).عام 1981، وبهذا يمكن أن نعد المدة الزمنية الواقعة بين (1976-1980)- وهي المدة التي استغرقها بحثه الجامعي - كافية من دون ريب لأن يطلع على معظم التراث الشعبي الجزائري، خصوصاً القصصي منه، وأن يستفيد منه أيما استفادة، وقد تميزت قصصه الثلاث(57)، التي كتبها بين عامي 1981 و 1982 باحتفائها بالثقافة التراثية سواء الجانب التاريخي منها، أو الجانب الشعبي، وقد يمتزج أحياناً الجانبان معاً ليصنعا واقعاً ثالثاً يسقطه القاص على واقع بلاده المعاصر. ففي قصة "خمسة خطابات لامرأة واحدة" ترد الأسماء التالية: أ- أسماء تاريخية ثابتة: بنوزيان، وكسيلة، وللافاطمة. ب - أسماء تاريخية أضاف الخيال الشعبي إليها ملامح جديدة: دياب الهلالي والزناتي خليفة، والجازية والعربي. ج - أسماء المعالم الحضارية: قصر المشور. واستعمل في مقدمة قصته "مسرحية ذات أربعة مشاهد" أسلوب افتتاحيات الحكايات الشعبية الجزائرية، فنقرأ في مطلعها: "كان ياما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان(58)، كما استخدم شخصية البراح(59)، في تجربته الجديدة، وكذلك أسلوب التضمين، سواء بوساطة أمثال شعبية ذات دلالات عميقة، كهذا المثل "ما يبقى في الواد غير حجاره"، أو بوساطة فقرات ينقلها عن قصص كتاب آخرين، مثل الفقرة التي اقتبسها عن قصة للكاتبة نزيهة الزاوي(60). ولهذا فإن لقصصه نكهة خاصة، وعلامات مميزة، وقد اخترنا قصة "عيون الجازية"، كنموذج للقصة التجريبية لماتضمنته من مختلف الأساليب التي قد تكون تياراً فنياً قوياً في المستقبل. قصة "عيون الجازية" أ - بناء الشخصية أبرز شخصية في هذه القصة، هي "الجازية" وتتحدد ملامحها عبر السرد الذي قام به راوٍ تربطه بالجازية صلات قوية تكتشف منذ مطلع القصة في قوله: "وعيناكِ قدر أزلي كتب عليّ أن أتجرعه بلهفة الظامئ الذي لا تروي عطشه مياه سد مأرب(61). وقد تميزت شخصية "(الجازية) في القصة ببعدين: الأول : تاريخي وتميزت شخصية الجازية فيه بكونها رمزاً للمرأة الجميلة وبطلة للسيرة الهلالية، وتتمتع بذكاء خارق عجيب في إدراك كنه الأمور، وقد استطاعت أن تقوم بدور كبير في تاريخ قبيلتها بني هلال منافسة بذلك فارس القبيلة ذياب الهلالي(62). الثاني : مجازي، تميزت شخصية الجازية فيه، بكونها انتقلت من نص تراثي شعبي إلى نص معلوم المؤلف، وقد استخدم القاص الأسلوب الشعري لتصوير شخصية الجازية على أساس أنه أفضل وسيلة تستطيع جمع صفات شخصيتها التي كانت قد تناسخت في النص التراثي، وترمز فكرة التناسخ هنا إلى استمرارية المثل والقيم الاجتماعية، وبذلك تكون الجازية في النص الثاني رمزاً للمرأة الجميلة والمكافحة، وقد تكون في الوقت نفسه رمزاً للقضية التي يناصرها القاص، والتي تدل عليها إشارات واضحة في القصة كقوله: "ويفرخ اليأس في قلب فلاح عشق الأرض فرآها تحتضر بين يديه، يبحث الفلاح المفجوع في عيون الجازية عن خبز وحليب ليسد به رمق صغاره"(63). وكذلك قوله: "وأعاني حزن فلاح منح عقد الاستفادة من الأرض وسوّق المانحون غلته"(64)، فالنصان السابقان، يشيران إلى وضعية حياة الفلاح المأساوية ويصوران إهمال المسؤولين لأحد أركان الثورة الجزائرية المعاصرة، وهي الثورة الزراعية التي كانت موضوعاً لقصة "وكانت البداية"(65)، وأبرز شخصية توحي إليها الجازية هي: شخصية المنقذ الذي لا يأتي إلا إذا توافرت أسباب مجيئه، ولذلك فقد سعى القاص بكل جهوده الفنية لأن يصور هذه الشروط، وجاء بها في أثناء جمل أو فقرات، أو عبر عنها بواسطة أسماء. وإذا ما تذكرنا أن شخصية المنقذ لا تأتي سواء في أثناء الثورات الاجتماعية، أو الدينية إلا إذا انتشرت المظالم. وعمت البلايا والمفاسد، وجار خلق كثيرون، واستبدوا برأيهم واستعبدوا غيرهم. أدركنا آنذاك سرّ وقوف القاص عند سيرة الإقطاعي الجزائري (ابن قانة) في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكثرة جرائمه ضد أبناء بلده. ومثلما استمرت مثل الجازية وقيمها، كذلك تناسخت روح (ابن قانه) في أرواح العديد من أبناء الوطن بعد الاستقلال، حيث حملوا مبادئه وقيمه إلى أن صاروا يشكلون قوة تعرقل سير الثورة الاجتماعية التي تتمثل في الثورة الزراعية، وذلك بتحويل أراضيها إلى أملاك لهم، وقد عبر القاص عن ذلك بظهور شخصية (ابن قانة) الذي كان قبل الثورة يملك آلاف الهكتارات(66). إن أسلوب الغموض الذي لف القاص به شخصية (الجازية) يرجع إلى معالجته للحدث القصصي بأساليب فنية جديدة كاللغة الشعرية التي هيمنت على القصة وكثرة الأسماء التاريخية، مثل أسماء المدن والأعلام، والمناطق الجغرافية: تلمسان، وبجاية،وبسكرة، والهقار، وتمنغاست، والطاسيلي، وجبال جرجرة، و(ابن قانة). إن هذه الأسماء قد أحاطت القصة بهالة يصعب اختراقها إلى عالم الشخصيات واستنطاق بواطنها استنطاقاً دقيقاً، وهذا من شأنه أن يعدد مستويات فهم النص القصصي وتأويله، ولا يبعد تحليلنا لشخصية (الجازية) عن أن يكون من بين هذه التأويلات. أما شخصية الراوي فأوردها القاص بالطريقة التمثيلية، فهي التي قدمت نفسها في صيغة ضمير المتكلم (أنا) في أثناء قيامها بالسرد، كما قامت بتقديم شخصية (الجازية) وجميع شخصيات القصة، وتحدثت عن المعالم الحضارية والسياحية، وبواسطتها أيضاً تحددت بعض صفات الشخصية المعارضة التي تمثلت في شخصية (ابن قانة) وموزع عقود الاستفادة من الثورة الزراعية على صغار الفلاحين. وتبرز بعض ملامح شخصية هذا (الراوي) من خلال موقفه من (الجازية) والشخصيات الأخرى، حيث أن القصة تكشف عن حب كبير يكنه (الراوي) (للجازية) وتوجد فقرات وجمل في القصة يصرح فيها عن عشقه وشدة تعلقه بها كقوله: "قدر أزلي كتب عليّ أن أتجرعه بلهفة الظامئ الذي لا تروي عطشه مياه سد مأرب"(67). وقوله أيضاً:"في عينيك أقرأ أحلامي وأحلام الفقراء"(68). وتتضح الشخصية المعادية لبعض شخصيات القصة من خلال حديثه عنهم وفضحه لمؤامراتهم التي يمارسونها ضد الثورة، سواء قبل الاستقلال أو بعده، وقد مثل لمرحلة الاحتلال الفرنسي بشخصية (ابن قانة)، وبشخصية موزعي عقود الاستفادة من الأرض لمرحلة مابعد الاستقلال، إذ أن كلاً منهما يستغل الفلاح بطريقته الخاصة، فالأول يستعبده بعد أن يسلب أرضه منه بالقوة، بينما الثاني يستولي على غلال أرضه كلما نضجت. ب - بناء الحدث: اعتمد عبد الحميد بواريو في قصته "عيون الجازية" على طريقة جديدة لتصوير الحدث، وقد حشد لذلك جملة من الإمكانات الفنية كاللغة الشعرية الإيحائية والمشاهد الدرامية مثل هذا المشهد الذي ختم به قصته "وتعكس مرآة (البلح) آلامي وآلام الفقراء، وجهد من صبر (البلح) (دقلة نور) ومن سقى النخلة بدمائه، ويسجل على غلاف صندوق التمر (تصدير)، ويجلس الغرباء حول الوليمة الشهية يتساقون (الويسكي) و(يتكمون) بأروع دقلة أنبتتها أرض سبية"(69). وتجلت ملامح الحدث من خلال الأسماء العديدة التي أثرى بها النص القصصي، فأسماء الشخصيات والمدن والمناطق مثل: (ابن قانة)، و(بسكرة) و(الزعاطشة)، و(الهقار)، يعبّر من خلالها عبد الحميد بواريو عن الوضع الاجتماعي في الجنوب إذ أن المناطق السياحية العالمية، وكذلك المعالم الأثرية بالهقار لا يزال المرابون والخونة يتاجرون بها، بينما بساتين (دقلة نور) في منطقة بسكرة قد استولى عليها الخونة وحولوا محاصيلها لصالحهم الشخصي، وتباهوا بتصديرها إلى الخارج مقابل حفلات مجون وسكر. كما تتجلى بعض ملامح الراوي أيضاً من خلال الجمل الشعريّة التي يناجي فيها (الجازية)، وكذلك من خلال الفقرات والجمل التي يصور فيها جشع بعض الفئات من أبناء الوطن، وخيانتهم لمبادئ الثورة الجزائرية إلى أن صاروا مثل المستعمرين لا يهمهم إلا مصالحهم وتهافتهم على نهب خيرات الوطن وسرقتها. ورغم مايشوب الحدث من غموض قد يستغلق على الفهم بسبب لغة القص وكثرة المشاهد والأسماء المتنوعة: البشرية والحضارية والجغرافية، فإن الدارس ليشهد بخصب موهبة القاص وببحثه الدؤوب عن أساليب جديدة، وعن مصادر جديدة من التراث العربي الذي يعد ينبوعاً غنياً بالتجارب الإنسانية والفنية الرفيعة، ومنهلاً لا ينضب للإبداع يمد الكتاب بمختلف الأساليب، ونحسب أن القاص بورايو قد حقق خطوات حسنة باتجاهه الجديد نحو كتابة القصة التجريبية. 4- عمّار بلحسن : للقاص عمار بلحسن تجربة غنية ونماذج رفيعة ووعي كبير بالتحولات الاجتماعية الجديدة التي شهدها مجتمعنا بعد الاستقلال، وقد ساعدته دراسته لعلم الاجتماع على فهم مشاغل المجتمع واهتماماته، ولذلك فإنّه يمتاز عن سائر الأدباء الجدد بصلابة الفكر وعمق الرؤية والابتعاد عن المظاهر الاحتفالية، الأمر الذي شجع عمار يزلي على القول إنّه: "لا يعتبر من أحد الأدباء المبدعين فحسب، بل ويعتبر من أكبرهم وأبرزهم وأكثرهم صدقاً في كتاباته، وممن يشرفّون الأدب والقصة في بلادنا، ومن الذين لا زلنا ننتظر منهم الكثير..".(70) من حيث الرؤية اهتم بلحسن بمسار القوى الوطنية ذات النزعة التقدمية، سواء في التاريخ الوطني الجزائري، أو في التاريخ القومي المعاصر، واستخدم أساليب القصة التجريبية، كأسلوب المقاطع واللغة الشعرية، ومزج الحلم بالواقع، وأسلوب المشاهد. وفي قصته "الأصوات" جملة من أساليب فن القصة الجديدة تمثل نموذجاً رفيعاً للفن القصصي عنده. أ - بناء الشخصية: في قصة "الأصوات" عدة أنواع من الشخصيات، مثل الشخصية الرئيسة، والشخصية المساعدة، والشخصية المضادة، والشخصية الثانوية، ويمثل (علي بوسدره) في القصة دور الشخصية الرئيسة بسبب تركيز كل الأحداث حولها، وقد استعمل الطريقة التمثيلية لتصويرها، إلا أنّه استخدم من حين لآخر أساليب أخرى لتصوير بعض جوانبها، كما عول على صيغ الخطاب المفرد "أنت" منذ البداية للتعبير عن مكانة (علي بوسدره) في قلوب سكان قريته (النهار)، ورجال قبيلته، وتتضح بعض ملامحه من خلال هذا الخطاب "وحدك قبالة الرصاص والأرواح الهمجية والأيدي الرعناء وشراسة البنادق... ياسيد القبيلة ورجلها الذي جال وتعلم وأصبح يفهم في المسائل الكبرى للعالم والدنيا....(71) وقد وظف القاص الطريقة الشعبية لتصوير انتقال (خبر) إلقاء القبض على المجاهد (علي بوسدرة) حيث تناقل السكان هذا الخبر كل يضيف إليه صيغة جديدة، وبداية القصة تفصح عن بعض التعابير التي يستعملها الرواة الشعبيون، حتى لتكاد شخصية (علي بوسدرة) تنتقل إلى الشخصيات الشعبية مثلما حدث لشخصية (الجازية) و(ذياب الهلالي) و( زناتي خليفة) وقد ركز القاص على الطريقة التمثيلية بتصويره وذلك باستعماله أسلوب الحوار الداخلي(72)، المتضمن لقطات من أسلوب الخطف خلفاً. ثم إن هناك لقطات تشبه نصوص الاعترافات، جاءت على لسان الشخصية لحظة وقفت على مفترق الطرق، نهاية مرحلة الحياة الإنسانية التي اتصفت بالنضال والتضحية والاتجاه نحو مرحلة جديدة هي حياة الشهيد وما ينتظره من ثواب. فقد ركز في اللقطة الأولى(73)، على تصوير حياة (علي بوسدرة) مع بعض رفاقه والحركة النضالية وتطور الوعي الوطني بمنطقة الغرب الجزائري، واضرابات العمال والمزارعين والحياة الاجتماعية للمواطنين الذين تدهورت أحوالهم بسبب ارتفاع الديون، وكثرة تهديدات (الجابي) كلما حل موسم الصيف(74). وركز في اللقطة الثانية على تداعيات (علي بوسدرة) لتصوير مشاركته في الحرب العالمية الثانية مع القوات الفرنسية ضد ألمانيا وإدراكه طبيعة العلاقة بين المستعمر والمستعمر (أي بين فرنسا وألمانيا، ثم بين فرنسا وبلده)، وتطور وعيه الوطني، فصار يؤمن بالحرية، وتوفير الخبز لناس بلاده الفقراء(75). وقد "ثبت" بلحسن بهذا مغالطة رائجة بين بعض المثقفين عندنا، مفادها أن الوعي الوطني لا يأتي إلا عن طريق الإنضمام إلى الجيش الفرنسي أو الاتصال ببعض عناصره ممن ينتسبون إلى اليسار الفرنسي(76)، وكأن الجزائر بذلك قد خلت من مفكرين ومناضلين ومثقفين ضحوا بحياتهم في سبيل نشر الوعي الوطني، كما أن الحقيقة المثبتة تاريخياً أن الجزائري البسيط، والفلاح الأمي يعرف أشدّ المعرفة من هم الفرنسيون، ويرجع ذلك لطبيعة الصراع، فلكّل منهم كيانه المختلف عن الآخر في الدين والأرض والثقافة والعادات، وحتى التاريخ والإقليم، وأحسب أن عمّار بلحسن متأثر في فكرته هذه بشخصية (زيدان بطل رواية "اللاز" للطاهر وطار(77). إن شخصية (علي بوسدرة) مرسومة بإتقان، وقد منحها القاص وقتاً أطول بكثير من الوقت الذي استغرقه الاستعداد لإطلاق الرصاص عليه بأيدي الجنود الاستعماريين الذين احتشدوا حوله، كما اتضح أن همّ القاص من ذلك هو (جمع) أكبر عدد من المشاهد النضالية والاجتماعية. إن تنوع أساليب تصوير الشخصية لا يزيدها إلا تحايلاً على قدرات الإنسان، المحدودة، وعذر القاص أنه استغل صفات بطل الحكايات الشعبية وملامحه أكثر من استغلاله صفات الشخصية الواقعية. في القصة أيضاً عدد من الشخصيات المساعدة مثل، شخصية (بادسي)، وشخصية الأهالي، وشخصية الفرنسي الذي التقاه (علي بوسدرة) في الجبهة الحربية الفرنسية الألمانية عام 1942، وإليه يعود الفضل في تطور وعي (بوسدرة) الوطني وإدراكه للخراب الذي سببه الاستعمارللمستعمر (بفتح الميم)، وقد ظل بعد انتهاء الحرب وعودته إلى الجزائر يردد قوله كلما أحسّ بأنّه في حاجة إلى مزيد من التضحية والصبر: "الموت الفردي يارفيق لأجل قضية عادلة، هو ربح الحياة لآلاف الناس القادمين"(78). وقد عرض القاص شخصية الفرنسي بالطريقة التحليلية وأورد صفاتها على لسان (علي بوسدرة) في أثناء تذكره للمدة التي قضاها في الجبهة الفرنسية الألمانية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية كجندي برتبة عريف في الجيش الفرنسي(79)، كما استعمل الطريقة ذاتها لتصوير الأهالي خصوصاً رفاقه في النضال السياسي كشخصية (بادسي) الذي ركز على وصف شخصيته النضالية ووعيه الوطني، حيث قال عنه: "المناضل المتمرس الذي عاش وعرف وانكوى بنيران القمع في سجون المعمرين والجندرمة"(80). كما استعمل أسلوباً جديداً قلما ظهر في القصة القصيرة الجزائرية، وهو أسلوب تضمين التقارير ومحاضر الاجتماعات السياسية الذي وظفه لتصوير عذابات وانتفاضات المزارعين والعمال في حقول المعمرين، ومثاله التقرير الذي أعدته "الكنفدرالية" العامة للشغل"(81). وهكذا رسم القاص الشخصية المساعدة الفردية، والشخصية المساعدة الجماعية، وجميعها تضافرت على تصوير الحدث القصصي وإبرازه، إلا أن هذا لا يمنع من القول إن تنوعها، واختلاف مهامها قد جعلها أقرب إلى الشخصية الروائية، ومردّ ذلك ولع القاص الشديد بالتجريب والبحث عن الأشكال الجديدة. ورسم القاص أيضاً ملامح الشخصية المضادة (الدرك الفرنسي) على الطريقة التحليلية، وقام الراوي بسرد أوصافهم، فاتضحت شخصيتهم في عدة أمكنة، خصوصاً في الصفحات الثلاث الأولى(82). كما وردت في أثناء اللقطات الارتجاعية خاصة في اللقطة التي وصف فيها بطل القصة المعركة التي وقعت بين المضربين عن العمل، وفرق الدرك الفرنسي(83)، وهناك مجموعة العساكر الفرنسيين وأعوانهم من أبناء البلد، وتتصف شخصيتهم بالقسوة والجشع والاعتداء على الآخرين والسطو على أملاكهم. وقد تعاونت جميع هذه الشخصيات على تصوير أحداث القصة والتعبير عما قصد الكاتب إليه، وقد نجح في هذه الناحية لولا كثرة هذه الشخصيات وتعددها. (1) أنظر ص106 إلى 119 (2) ص136 إلى 138 (3) ص121 (4) ص129 (5) ص 126 إلى 130 (6) ص106 (7) ص129 (8) ص 130 إلى 134 (9) ص131 (10) ص132و 133 (11) مخلوف عامر: ملامح الكتابة القصصية عند جيلالي خلاص (مقال)- مجلة المجاهد- عدد 1133- 23أفريل- الجزائر 1982-ص46 (12) بشير خلف: أخاديد على شريط الزمن (مجموعة قصصية)- مجلة آمال- عدد 39- الجزائر 1977-ص159 (13) د.محمد مصايف: النثر الجزائري الحديث- (ط1)- المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1983م- ص63 (14) العيد بن عروس: زمن الهجير (مجموعة قصصية) - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1981م- ص23 إلى 31 (15) العيد بن عروس: أنا والشمس (مجموعة قصصية) -مطببعة البعث- قسنطينة 1976- ص37 إلى 43 (16) العيد بن عروس: أنا والشمس -ص41 (17) إدريس بوذيبة: حوار مع مصطفى نطور -جريدة الشعب 11 نوفمبر 1980- ص11 (18) مصطفى نطور: أحلام الجياد المفجوعة (مجموعة قصصية) المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1985م -ص 17 (19) مصطفى نطور: أحلام الجياد المفجوعة- ص21 (20) أحلام الجياد المفجوعة -ص19 (21) نشرتها الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في الجزائر عام 1978 (22) د. محمد مصايف: الرواية العربية الجزائرية بين الواقعية والالتزام (دراسة) الدار العربية للكتاب -ليبيا/ تونس، والشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر عام 1983-ص125 (حاشية1) (23) اسماعيل غموقات: الأجساد المحمومة- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1979ص109 إلى 116 (24) اسماعيل غموقات: الأجساد المحمومة- ص116 (25) واسيني الأعرج: بانوراما القصة الجزائرية ( 1970-1978) -(مقال) مجلة الموقف الأدبي- عدد 99- ص 64. (26) نشرت بصحيفة النصر 20 نوفمبر 1974. (27) جروة علاوة وهبي: مذكرات منزلقة في فصل الشتاء المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر 1984- ص 57- إلى 65. (28) جروة علاوة وهبي: مذكرات منزلقة في فصل الشتاء- 57. (29) مذكرات منزلقة في فصل الشتاء- ص 58. (30) المصدر نفسه- ص 60. (31) المصدر نفسه- 62. (32) المصدر نفسه- 60. (33) المصدر نفسه- 63. (34) المصدر نفسه-61. (35) المصدر نفسه- 65. (36) المصدر نفسه- 64. (37) د. محمد سعيدي: في تقديمه للمجموعة القصصية " الابن الذي يجمع شتات الذاكرة" ط2 الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر 1983 ص17. (38) محمد الصالح حرز الله: الابن الذي يجمع شتات الذاكرة -ص 29، ومابعدها. (39) محمد الصالح حرز الله: النهار يرتسم في الجرح (مجموعة قصصية)- المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر 1984- ص 57 ومابعدها. (40) محمد الصالح حرز الله: مرة أخرى أغنية حب - ص16 إلى 21. (41) الابن الذي يجمع شتات الذاكرة. جريد النصر - 22 ماي 1982- ص 11. (بلا إمضاء). (42) محمد الصالح حرز الله: التحديق من خارج الرقعة (مجموعة قصصية) - دار الشهاب للطباعة والنشر- باتنه- الجزائر (بلا تاريخ) -ص19. (43) محمد الصالح حرز الله: التحديق من خارج الرقعة - ص 3. (44) محمد الصالح حرز الله: النهار يرتسم في الجرح -ص 37. (45) النهار يرتسم في الجرح -ص 37 و38. (46) المصدر نفسه- ص 38. (47) المصدر نفسه- ص 38. (48) المصدر نفسه- ص 39. (49) الحمال الذي يشتغل بشحن البضائع في الموانئ. النهار يرتسم في الجرح- ص 40. (50) النهار يرتسم في الجرح- ص 40. (51) النهار يرتسم في الجرح- ص 40. (52) وظف مقطعاً شعرياً من إحدى قصائد الشاعر بوزيد حرز الله. (53) نشرت بملحق جريدة الجمهورية الثقافي "النادي الأدبي" الصادر يوم 7 جوان 1982م. (54) بوعلام العوفي: حوار مع عبد الحميد بورايو، نشرته جريدة الشعب- الجزائر 20/10/1983-ص11. (55) نشرتها المؤسسة الوطنية للكتاب (ط1) - الجزائر 1986م. (56) عبد الحميد بورايو: عيون الجازية (مجموعة قصصية) -(ط1) - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1983م- ص 35 إلى 40. (57) هذه القصص هي: خمسة خطابات لامرأة واحدة (1981)، و"مسرحية ذات أربعة مشاهد"، (ماي1981) و"عيون الجازية". (1982). (58) عبد الحميد بورايو: عيون الجازية- ص 41. (59) شخصية شعبية كان لها دور كبير في المجال الإخباري في الماضي، ولا تزال تؤدي دورها في البيئات المتخلفة. (60) عيون الجازية - ص 41- و42. (61) المصدر نفسه: ص 45. (62) التهامي الشريف: مدخل إلى الكتابة القصصية عند عبد الحميد بورايو (مقال). جريدة الشعب 8 سبتمبر 1982م- ص 11. (63) عبد الحميد بورايو: عيون الجازية- ص 46. (64) عيون الجازية- ص 46.. (65) عيون الجازية- ص 13. (66) عيون الجازية- ص 46. (67) عيون الجازية- ص 45. (68) عيون الجازية- ص 48. (69)عيون الجازية- ص 49. و ص 50. (70) عمار يزلي: في تقديمه لمجموعة الأصوات -المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1985- ص10. (71) عمّار بلحسن: الأصوات- ص 29. (72) بوجادي علاوة: ثورة نوفمبر في إبداعيات القصاصين الشباب - مجلة الجيش - الجزائر - عدد 212- نوفمبر 1981م- ص 43. (73) عمّار بلحسن: الأصوات- ص34 ومابعدها. (74) عمّار بلحسن: الأصوات- ص35. (75) عمّار بلحسن: الأصوات- ص36. (76) يصعب الفصل في هذه المسألة هنا، لأن مجال دراستنا غير مجالها، وقد أشرنا إليها لأنها قضية عواقبها وخيمة، إذا ما شاعت بين المثقفين الشباب. (77) صدرت هذه الرواية عام 1974م. (78) عمّار بلحسن: الأصوات- ص 39. (79) عمّار بلحسن: الأصوات- ص 37. (80) المصدر نفسه - ص 35. (81) المصدر نفسه - ص47. (82) المصدر نفسه - ص29-و 31 (83) المصدر نفسه - ص48. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |