تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ب - بناء الحدث:

اعتمد عمّار بلحسن في بناء الحدث على الطريقة الارتجاعية (الخطف خلفاً) فبدأ قصته بمشهد ظهر فيه (علي بوسدرة) مشدوداً بالحبال إلى عمود خيمة، تطوقه مجموعة من العساكر الفرنسيين، وخلال المدة التي استغرقها الاستعداد لرميه بالرصاص استذكر ماضيه النضالي، والحوادث التي انحفرت في ذاكرته. وقد صاغ القاص هذه الحوادث في لقطات توحي بذكريات البطل، كمشاركته في الحرب العالمية الثانية ضمن صفوف الجيش الفرنسي، واتصاله بأحد الجنود الفرنسيين اليساريين، وكذلك نضاله في منطقة الغرب الجزائري ونضال الحركة العمالية، ودورها في مقاومة الاستعمار وأعوانه، وكذلك العمل النضالي السري في صفوف الحزب والذي لم يعلن القاص عن هويته، وإن كانت توجد في القصة جمل وكلمات تدل على أنه الحزب الشيوعي الجزائري.‏

ويستخلص من هذه الحوادث أنها لا تتناسب مع المدة المتاحة للتذكر كما أن كثرتها لا تتلاءم مع شكل القصة القصيرة حيث أنه يمكن تحويل أي حدث منها إلى قصة ناجحة.‏

ولا يمنع هذا من القول إن عمار بلحسن صورمقاطع من ملحمة نضال الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي غلب على معظمها الأسلوب الشعري الجميل. وتضمنت القصة مقطعاً من النثر الفني أورده القاص على شكل القصيدة النثرية(1)، إن قصة "الأصوات"من أجود ماكتب عمار بلحسن، وهي تشهد على موهبته الأدبية، وغناه الفني، وقدرته على التعبير عن أفكاره وآرائه.‏

5 ـ واسيني الأعرج:‏

يعد واسيني الأعرج أغزر الكتاب الشباب، وأنشطهم وأكثرهم حماسة ودعوة إلى التجريب في القصة القصيرة، وفي الرواية.‏

في كتاباته استعمال لأسلوب المقاطع، وتوظيف للغة الشعرية، وأسلوب التداعي والمونولوج، وأسلوب المشاهد.‏

وقد قادته جرأته الأدبية إلى الوصول إلى تحديد أسلوب فني خاص به، ولكن ولوعه بالتجريب والتغريب أوقعه في الغموض الذي تجلى في قصص متعددة، كقصة:"الوشم بالإسفلت في حضرة الوطن الهارب"(2). وغالباً ما ينشأ عن قصد منه، خصوصاً في الشكل الفني، ويكثر في قصصه كلمات معينة مثل :(المرأة) و(العينين) وأسماء بعض الأعلام كـ (بلال) و(غيفارا)، وبعض الألوان مثل :(الأحمر)، وتكرير المقاطع والجمل والاستشهادات الشعرية، سواء أكانت من تأليفه أم مقتبسة من آثار غيره.‏

وقصته: "الانتماء لفرح البدايات"(3)، نموذج يحمل جلّ أساليبه في بناء القصة الجديدة، وهي تمثل شكلاً جديداً يختلف عن أسلوب المقاطع، فالنص القصصي مقسوم إلى عشر ورقات متسلسلة من رقم واحد إلى عشرة، مما يوحي بأنها مجموعة من الأوراق اقتطعها القاص من مفكرته، وضمير المتكلم المفرد هو الذي يربط بين هذه الورقات التي تختلف من حيث الطول والقصر والأسلوب.‏

أ - بناء الحدث:‏

لا تتوفر هذه القصة على عنصر الحدث بالمفهوم التقليدي، وإنما يوجد شبح لحدث تناثرت أجزاؤه في ثنايا الأوراق العشر يمكن تلمسها من خلال بعض الجمل والكلمات.‏

ويتبين من هذه الأجزاء أن الحدث يصور مظاهر القمع والاضطهاد وأنواع الحصار النفسي الذي يعاني منه المواطن داخل بلده، ويستدل من ضمير المتكلم المفرد أن الحدث قريب من تجربة القاص الحياتية وأن الوطن الذي يعنيه أقرب إليه من أي وطن آخر وفي التعبير التالي بيان لهذه الصلة حيث يقول:‏

- "يا وطني المطعون في القلب... هاأنذا جئتك طوع نفسي.‏

فلا تكن شرها وتأكل أبناءك.‏

أول الأيام رميتها للنار.. واسترشد الآن قوماً لا يصبون الحب القاتل.‏

أتوجهم بقمصان حمر لرجال عظماء سقطوا قبل مطلع الفجر..‏

فلا تكن شرساً ياوطني وتأكل أحبابك، وها أنذا مع العرايا... أفتح لك باب البحر عن آخره لتغسل عظمك من عفن الدخان"(4).‏

فالمخاطب هو (الوطن)، وهو لفظ يتكرر عدة مرات في القصة متوزاياً مع لفظ (المرأة).‏

إن كل أساليب مخاطبة المرأة مستخدمة للتعبيرعن حب الوطن والتفاني في خدمته وهذا ماحاول الأعرج واسيني الوصول إليه من خلال استخدامه لجمل وكلمات تدل على عشقه لجسد المرأة كقوله: "ياعينيك البدويتين"، وأيضاً (ياليلكية الشعر والعينين)(5).‏

وكذلك فإن النص مثقل بتعابير غامضة تتأرجح بين لغة الصوفية واللغة الشعرية، مما أدى إلى تشتت أجزاء الحدث، وغموضها، وهذا من شأنه أن يقلل من شأن التأثير الذي هو أحد وظائف كل نص إبداعي.‏

ب- بناء الشخصية:‏

ثم إن عنصر الشخصية غير واضح في قصة "الانتماء لفرح البدايات"، إلا أنه يمكن -وبجهد- رسم بعض الملامح لشخصية ما تمحور حولها الخطاب القصصي، حيث أن ضمير المتكلم المفرد هو وحده الذي صال وجال، والقصة بهذا تكون أميل إلى كتابات المفكرات والمذكرات.‏

ويستنتج من خلال مجموع الأوراق العشر أن شخصية (الراوي) تنزع نزوعاً ثورياً، حيث أنها تبدو شخصية مضطهدة تعاني من قسوة الإحساس بالاغتراب والحصار.‏

ومن هذه الرؤية تنطلق العبارات والجمل فتطفح بروح الثورة، كما أن وجود اسمي "غفارا" و"بلال"، وهما اسمان لعلمين تاريخيين يحظيان بحب كبير من الضعفاء والفقراء من شأنه أن يضفي على النص دلالات سياسية وطبقية، فبلال عبد حبشي تحرر بفضل الإسلام، وقاوم قيم المجتمع الجاهلي حتى صار انتصاره رمزاً لانتصار ثورة الفقراء على نظم الطبقية وقيمها، بينما (غفارا)، رمز مطلق لكل مناضل يقاوم قهر الظلم والاستعباد.‏

نخلص إلى أن واسيني الأعرج وظف وسائل متعددة فنية لتصوير شخصية (الراوي) الثورية مثل أسلوب التضمين، وذلك من خلال وجود اسمي (بلال)، و(غفارا)، وكذلك من خلال وجود بعض الأشعار والأقوال ذات المضمونات الثورية، ثم إن لغة القصة ذاتها حملت شحنات ثورية جعلتها أقرب إلى لغة الشعر الخاصة، والتي يكون الخطاب فيها موجهاً إلى الصفوة وليس إلى العامة، ويمكننا أن نسأل دائماً، كيف يمكن لقصة أن تؤدي وظيفتها الفنية والفكرية، وهي على هذه الدرجة من الاستغلاق والإبهام.‏

كتــــــاب آخـــــرون:‏

1- عمار يزلي:‏

خطا عمار يزلي خطوات حسنة في كتابة القصة الجديدة، رغم حداثته بالكتابة القصصية، وانقطاعه عن الكتابة أربع سنوات(1974-1978).‏

لقصصه لغة وجدانية، تكثر فيها المقاطع والهوامش والتعليقات اعتمد في السرد على عدة أساليب حديثة، كأسلوب الخطف خلفاً، والتضمين والحوار الداخلي.‏

وتعد قصته :"مشهد من فيلم لم يصور"(6). نموذجاً تتوافر فيه بعض ملامح القصة التجريبية، قسمها إلى ثلاثة عشر مقطعاً، و(ملاحظة)، خص كل مقطع بعنوان له صلة حميمة بالحدث الرئيس للقصة، لكنه لم يلتزم بوحدة الشخصية، فهناك ثلاثة أسماء (أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وعزة بلبع) عرفتها الأغنية السياسية في مصر، وعناصر الخلايا الطلابية المناهضة للسياسة.‏

ولتطوير الحدث استعمل القاص أسلوب الرسالة كالتي بعثها (أحمد فؤاد نجم) إلى زوجته (عزة بلبع) من سجن القلعة،(7) وضمنها مقاطع من الشعر الشعبي لفؤاد نجم.(8)‏

وهكذا أثقل قصته -إمعاناً منه في الواقعية- بأسماء فنية وسياسية معروفة، وبأسماء أنواع المأكولات الشعبية، وبعض الأماكن والبيئات، وتكراره لبعض الشعارات، ثم إن اللغة المستعملة على امتداد النص القصصي، هي أقرب إلى لغة التقارير والكتابات الصحفية. وهذا لاعتقاده أن الأدب السياسي أوالنضالي يجب أن تكون الكتابة فيه (تعبوية)، ومتصلة بالشعب مع أن الواقعية لا تعني أبداً إثقال النص الأدبي بأسماء معروفة وترديد شعارات وأشعار معروفة.‏

وقد تخلص عمار يزلي من معظم هذه (السقطات) في قصص المرحلة التالية، حيث أبدى اهتماماً باللغة، وبناء الحدث ورسم الشخصية الفنية، وقلل من الاستشهاد بالشعر والتعابير المألوفة.‏

2 - محمد أمين الزاوي:‏

محمد أمين الزاوي واحد من الكتاب الشباب الذين أغنوا الحركة الأدبية الجديدة خصوصاً في مجال المقالة الأدبية.‏

وتمتاز تجربته القصصية بثرائها واحتوائها على الأساليب الفنية الحديثة، فهو يستعمل أسلوب المقاطع، والإرتجاع الفني، والتعابير الشعرية والحوار المسرحي، وعناصر الحكاية الشعبية، ويضفي بعداً شعبياً على بنية الحدث والشخصية.‏

تتجلى بعض هذه الملامح في قصته "الدليل"(9)، وفي هذه القصة بداية سردية وأربعة مقاطع هي على التوالي: (أمام باب العيادة)، و(على الرصيف الأيمن)، و(مشهد من فيلم ممنوع)، (وتمارين في الحساب للأطفال)، وهناك ملاحظة قصيرة.‏

ويميز هذه المقاطع أن كلاً منها يعالج موضوعاً مستقلاً عن موضوعات المقاطع الأخرى، إلا أن العنصر الذي يربط بينها، ويكون وحدة عضوية هو المجتمع.‏

فعلى سبيل المثال يصوّر المقطع الأول: "أمام باب العيادة"(10). ظاهرة الطوابير الطويلة المحتشدة أمام عيادات الأطباء، وقد ركز فيه على شخصية الراوي، حيث ترك له حرية التعبير عن ظروفه الاجتماعية والصعوبات التي يعاني منها المريض قبل أن يصل دوره ويمثل أمام الطبيب المعين، وقد جعلت هذه الطريقة، حدث المقطع وكأنه صفحة من يومية الكاتب سجل فيها كل ما شاهده.‏

إلاّ أن القاص صدم قارئه في نهاية المقطع، حيث جعل (الراوي) يمد يده إلى الطبيب ويطلب منه رغيف شعير(11)، ورغم ماتوحي به هذه النهاية من أن توفير (الطعام) للمواطن قبل توفير الدواء -وهي رؤية على كل- فإن القاص لم يحسن استغلال شخصية الطبيب، كنموذج للإنسانية، يقوم بدور هام للمحافظة على سلامة الكائن البشري، ويعود سبب ذلك إلى طغيان الواقع وتحكمه في التجربة القصصية، وفي المقطع الرابع، الذي يحمل عنوان "تمارين الحساب للأطفال"(12). نجد جدال الكاتب السافر على لسان شخصياته للتعبير عن أفكاره وآرائه. أما لغة القاص في هذا المقطع فهي بسيطة لا تعبر عن جدية المنهج الذي التزم به كقوله في مثل هذا الحوار:‏

"كم تساوي (4×4)‏

أجاب التلميذ الأول على الفور: ستة عشر.‏

بينما سكت الثاني...‏

ولكن الثالث قال: بل تساوي (4) فقط.‏

ضحك الكل، أرغى المعلم وأزبد، ثم هوى على التلميذ بهرواة وقال:‏

أكتب الدرس مائة مرة عقاباً لك...(13)‏

ولا يعني هذا أن القصة تفتقر إلى التعابير الحديثة، إذ هي تزخر بها خصوصاً في المقدمة، وفي المقطع الأول والثالث كتلك الفقرة التي صور بها الطابور البشري الممتد أمام عيادة الطبيب(14).‏

وكذلك التعبير الشعري الذي جاء في المقطع الثالث والذي يصور فيه انعكاس نفسية الراوي المضطربة على المدينة وأجوائها: "فالمدينة قريبة مقشبة بأكفان المساء، تتلوى في ذراع الدخان، ستجدها متجردة، يتبعها عشيقها العظيم، فصولها غير مرتبة"(15).‏

وهكذا تميزت هذه القصة بكسرها لِجملة من عناصر القصة المألوفة مما يجعلها نموذجاً حسناً للقصة التجريبية عند محمد أمين الزاوي.‏

3- عبدالعزيز بوشفيرات:‏

واحد من الكتاب الشباب ، تنطوي تجربته الأدبية على موهبة قابلة للتطور، وهي لا تتعرض للتوقف، حاول الأخذ بأساليب القصة التجريبية، وأبدى في قصة (السائق)، "قدرة هائلة، وموهبة خلاقة لخلق قصة أكثر تطوراً وأكثر قرباً من المشكلات اليومية التي يعيشها الإنسان البسيط"(16). على حد تعبير واسيني الأعرج، وقد اخترنا له قصة: "أوراق إلى المدينة التي أحبها"(17)، كنموذج لقصصه التجريبية، وهي مقسومة إلى "ورقتين" وتذييلين، والورقة الثانية أقصر من الأولى بكثير، إن لغة السرد في الورقة الأولى معروضة بضمير المتكلم المفرد "أنا" أمّا الحدث فهو يدور حول موضوع الإحساس بالتذمر من الاستغلال والظلم، وتزخر القصة بمثل هذه التعابير كقوله:"إن حياتهم قد وصلت إلى فوهة بركاننا"(18).‏

أما الورقة الثانية، فتصور نمو الوعي الوطني عند شخصية (الورقة الأولى، إذ تبدي إصرارها على الإنضمام إلى صفوف الشباب العامل، من أجل استعادة الوطن وكرامة المواطن.(19)‏

وفي نهاية "التذييل" الثاني تصوير لاندلاع الثورة الذي رمز إليه بكلمة "انفجار"(20).‏

ولا تخلو القصة من بعض الجمل الرمزية الدالة على انتهاك المستعمر لحرمات الجزائر واستغلال شعبها، كقول القاص "دخلوا على بيتها، وضاجعوها واحداً واحداً حتى حالت لحمتها إلى زرقة قاتمة"(21).‏

ومهما يكن فإن عبد العزيز بوشفيرات استخدم بعض أساليب القصة التجريبية خصوصاً في بناء الحدث ومازال بحاجة إلى إحكام السبك الفني.‏

يمكن أن نستخلص بعض سمات القصة التجريبية فيما يلي:‏

1- استطاعت القصة التجريبيةخلال ظرف قصير أن تستحوذ على أساليب العديد من القاصين الشباب، وأن تعبرعن تطور الرؤية الفنية عندهم.‏

2- أفادت القصة التجريبية من أشكال تعبيرية أخرى كالسينما والمسرح والشعر، إلا أن روح القص ظلت مسيطرة على النص.‏

3- لم تخل القصص التجريبية من الغموض، الذي من شأنه أن يحول بين النص الأدبي وبين المتلقي، ويرجع هذا إلى استفادتها من خصائص لغة الشعر وأساليبه، حيث تحول الكثير من جملها وفقراتها إلى مقطوعات شعرية.‏

4- أهم ماتميزت به هذه التجربة هو استغناؤها عن عناصر القصة المألوفة، إذ لم يعد هناك حدث واحد، ولا شخصية واحدة، ولا تطور منطقي سببي، وإنما صارت القصة مبنية على مجموعة من المقاطع، أو المشاهد أو الأوراق، لكل منها حدثه وشخصيته، كما كثرت الهوامش والاقتباسات الشعرية والتعابير الشعبية، وقد قام المجتمع -بكل مدلولاته- بوظيفة الربط بين هذه الأجزاء في قصص كثيرة.‏

خاتمة الفصل الرابع‏

شهدت القصة الجزائرية القصيرة تطوراً في الأساليب الفنية بفضل الأدباء الشباب الذين جاؤوا مع مطلع السبعينات، ولاحظنا ميل الكثير منهم إلى الأخذ بأساليب جديدة، حتى إن الكتاب الملتزمين بالقواعد منهم حاولوا الاعتماد على تقنيات القصة الحديثة، وبدأوا يبتعدون تدريجياً بنسب متفاوتة عن أسس القصة الأصولية سواء من حيث الرؤية الفنية أو الفكرية.‏

وتعد القصة التجريبية في رأينا من أهم المنجزات الفنية في هذه المرحلة، وهي تعبر عن سعة ثقافة الكتاب الجزائريين، وإفادتهم من التقنيات الفنية المعاصرة للتعبيرعن آرائهم وأفكارهم، ومشاغل حياتهم اليومية، وحين ظهرت القصة الجديدة التجريبية انصهرت فيها عناصر الأشكال الأدبية الأخرى، كالمشهد المسرحي، واللقطة السينمائية، والصورة الفوتوغرافية زيادة على اللغة الشعرية الإيحائية والرمز وأسلوب التضمين، والموروث الشعبي.‏

ولا يعني هذا أنها بلغت ذروتها بل، ماتزال في أمسّ الحاجة إلى امتلاك القدرة على الإقناع.‏

اهتم أدباء هذه المرحلة بالموضوعات الواقعية، وما جدّ في المجتمع، من ظروف فعبّروا عن الثورة الزراعية، والثقافية والظواهر الاجتماعية، ومشكلات السكن، والشغل، ومتاعب الحياة اليومية اهتماماً أكبر من اهتمامهم بموضوعات الثورة التحريرية.‏

الـــخــــــــاتمــــــــة‏

يمكننا في ختام هذا البحث أن نسجّل النتائج التالية:‏

-1-‏

لقد قامت البعثات العلمية العربية بدوركبير في نشر الوعي الأدبي والثقافي في البيئات العربية، خصوصاً بعد ظهور الطباعة وانتشار الصحافة، فقد أدت هاتان الوسيلتان دوراً كبيراً تمثل في نشر مختلف جوانب المعرفة العلمية، والاجتماعية والأدبية، وكان لحركة التعريب والترجمة دور بارز في نقل الأنواع الأدبية الأجنبية الحديثة إلى واقعنا الثقافي.‏

-2-‏

وتبين لنا أن القصة القصيرة، فن صعب المنال، يتوفر على جملة من الأركان، سعينا إلى ضبطها، وأقررنا بكثرة تنوع الآراء واختلاف النقاد فيها، وهي أركان أو عناصر تجعل القصة القصيرة تختلف عن بقية الأنواع الأدبية الأخرى، وأنه يلزم لكاتبها أن يكسب الدربة، والممارسة الطويلة وأصالة الموهبة.‏

-3-‏

ظهرت القصة الجزائرية القصيرة أولاً في شكل (المقال القصصي) الذي تأثر في نشأته بالمقالات الإصلاحية، وقد تطور بدوره إلى (الصورة القصصية). التي كانت أكثر منه نضجاً وتماسكاً، خصوصاً من الناحية الفنية كالاهتمام بالشخصية، وجوانبها النفسية، وأبرز كاتب طور القصة العربية الجزائرية قبل 1956م هو الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو الذي طرق موضوعات جديدة تناولها بجرأة لم يسبقه إليها أحد، كحرية المرأة، ونقد الشخصيات المنحرفة، وامتازت تجربته القصصية بالثراء، والغنى والتنوع.‏

-4-‏

تطورت نظرية القصة القصيرة العربية في الجزائر بتطور الحياة وتشابكها، وأفادت من شتى الأشكال التعبيرية، كالسينما والمسرح، والشعر ممّا أدى إلى ظهور القصة التجريبية.‏

-5-‏

تطورت القصة الجزائرية القصيرة في أثناء الثورة التحريرية (1954-1962) بفضل الظروف الجديدة التي عاشها المجتمع الجزائري آنذاك، فقد اغتنت بقاموس لغوي هائل لم تعهده من قبل وبشخصيات فنية لم تعرفها، كهذه الشخصيات: "القائد والمجاهد، والفدائي، والخائن، والجندي.. كما اغتنت بموضوعات جديدة لم يسبق لها أن تناولتها، وتنوعت مصادر الخيال لدى الكتاب والمبدعين.‏

-6-‏

أحكم كتاب مرحلة الثورة التحريرية (1956-1972)م التصرف في الأساليب الفنية للقصة، مثل: عملية الانكفاء، واللقطة البارعة، والحوار الداخلي والأسلوب الرمزي والأسطوري، وشكل الرسالة واليوميات، حتى كادت تظهر لديهم ملامح البطل الملحمي، ونوّعوا طرائق عرض الحدث، ورسم الشخصيات، ومصادر القصّ. وهو الأمر الذي عمل على تطور القصة القصيرة، وبلوغها مرحلة النضج الفني.‏

-7-‏

عرفت القصة القصيرة الجزائرية بعد الاستقلال أسماء أعلام كثيرين أثروا التجربة الفنية العربية بفضل ما أتاحه الاستقلال لهم من حرية وتعليم، والتقاء مباشر بشتى الفنون عن طريق الكتب والمجلات، والبعثات التعليمية والوفود الأدبية ووسائل الإعلام، وقد أدى هذا الوضع إلى ظهور تجارب جديدة استلهمت موضوعاتها من الواقع الجديد، كما أدى إلى بروز نوعين من القصة أحدهما يحافظ قدر المستطاع على الملامح الفنية للقصة القصيرة، والثاني يجرب، باحثاً عن أشكال جديدة لها متأثراً في ذلك بما ظهر في الغرب والمشرق بعد الحرب العالمية الثانية.‏

والذي نأمله هو أن نكون بهذا البحث قد أوضحنا بعض ملامح الشكل الفني للقصة الجزائرية، ومسار تطوره، وأن نكون قد فتحنا باب التحاور وأثرنا أسئلة جديدة لتعميق البحث ومواصلة السير فيه.‏

(1) المصدر نفسه - ص 41.‏

(2) واسيني الأعرج: أسماك البر المتوحش (مجموعة قصصية) -(ط1)- المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر 1986- ص 97- إلى 109.‏

(3) واسيني الأعرج: ألم الكتابة عن أحزان المنفى (لوحات قصصية) -المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 1980- ص 47 إلى 57.‏

(4) واسيني الأعرج: ألم الكتابة عن أحزان المنفى- 57.‏

(5) ألم الكتابة عن أحزان المنفى- ص 50- و 51.‏

(6) عمار يزلي: مابعد الطوفان- المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1984- ص 115-إلى 129.‏

(7) عمار يزلي: مابعد الطوفان- ص 120.‏

(8) المصدر نفسه- ص 119.‏

(9) محمد أمين الزاوي: ويجيء الموج امتداداً (مجموعة قصصية)، (ط1)- منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي- دمشق 1981- ص 97 وما بعدها.‏

(10) محمد أمين الزاوي، ويجيء الموج امتداداً - ص 98.‏

(11) ويجيء الموج امتداداً- ص 104-105.‏

(12) المصدر نفسه- ص 104.‏

(13) المصدر نفسه- ص 104.‏

(14) المصدر نفسه- ص 98.‏

(15) المصدر نفسه- ص 102.‏

(16) الأعرج واسيني : بانوراما القصة الجزائرية القصيرة (مقال) الموقف الأدبي عدد 99- ص 65.‏

(17) عبد العزيز بو الشفيرات: الطيور ومعزوفة السماء والأرض (مجموعة قصصية)- (ط1) المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر 1983- ص 51.‏

(18) معزوفة الأرض والسماء- ص 51.‏

(19) المصدر نفسه- ص 52.‏

(20) المصدر نفسه- ص 53.‏

(21) المصدر نفسه- ص 51.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244