تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة.1947 - 1985 - شريبط أحمد شريبط

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـــــــــل الرابـــــــــع القصــــــة الجـــديـــدة (1972-1985م)

مقدمة:‏

ندرس في هذا الفصل موضوع التجربة القصصية الجديدة التي ظهرت في السبعينات، وقد قسمناه إلى ثلاثة أقسام نقدم فيها تحليلاً لأهم الاتجاهات والخصائص الأسلوبية عند أدباء جيل الاستقلال الذين تعلموا العربية الفصحى في عهد الاستقلال بعدما توفرت الظروف المساعدة من قبل الحكم الوطني، وخصوصاً بعد سنة 1965، حيث صدر قانون التعليم الإلزامي، وافتتحت مئات المعاهد وازداد عدد الجامعات وانتشر التعليم في المدن والقرى وفي البوادي والأرياف.‏

الحياة الثقافية والأدبية:‏

عرفت الجزائر غداة الاستقلال وضعاً انتقالياً صعباً انعكست آثاره على مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وقد نتج عن ذلك أن أصيبت الحياة الثقافية بركود آني(1)، ارتسمت آثاره في كل المجالات الثقافية، وخاصة الأنشطة الإبداعية كالأدب والرسم، ومما زاد الوضع تفاقماً مغادرة العديد من المثقفين باللغة الأجنبية البلاد عقب الاستقلال الوطني لأسباب متنوعة.‏

أما الأدباء فقد فترت حماسة كثير منهم، إذ كانوا في أثناء الثورة التحريرية يعدون الكتابة أداة من أدوات النضال والمقاومة والقتال التي تواجه قوات العدو المتطورة، ثم وجدوا أنفسهم في الأيام الأولى للاستقلال أمام وضع جديد يختلف جذرياً عن الوضع السابق، ولم يكن هذا الوضع يثير في نفوسهم رغبة في الكتابة القصصية، كما أن ثراء موضوعات مرحلة الثورة وتنوعها لم يكن له بديل في الحياة الجديدة، فلم تقو قضايا الفقر والسكن، والبطالة، والجهل، والصراعات الجديدة... على جلب اهتمام القاصين بعدما طرقوا الموضوعات الجليلة أيام الثورة.‏

ويستثنى من هذه الملاحظة هؤلاء الأدباء: عبد الحميد بن هدوقة، وأبو العيد دودو، والطاهر وطار الذين كتبوا قصصاً عديدة من وحي الحياة، ولكنهم سرعان ما قل إنتاجهم في مجال القصة القصيرة- وبشكل ملحوظ- بعد سنة 1972.‏

وهكذا توقف الكثير من الأدباء عن الإنتاج الأدبي ولا سيما القصصي، إذ امتصت جهودهم شؤون التعليم الجامعي أو الثانوي وانهمك بعضهم في تحضير الشهادات الجامعية أو السعي وراء الكسب والارتزاق(2).‏

فقد تفرغ الدكتور عبد الله خليفة ركيبي للتأليف وتحضير الشهادات العليا والتدريس الجامعي بجامعة الجزائر، فلم ينشر سوى بضعة قصص قصيرة أهمها قصة "احتراق"(3)، واتجه الدكتور أبو القاسم سعد الله إلى الدراسات ثم البحوث التاريخية، وكاد ينقطع عن كتابة القصة والشعر(4)، أما الدكتور عبد الله شريط فقد توقف نهائياً عن كتابة الشعر بعد أن أخذته الدراسات الاجتماعية والفلسفية، وقل نتاج محمد الصالح الصديق وعبد المجيد الشافعي، وتوقف عن كتابة القصة كل من فاضل المسعودي، وعثمان سعدي، وحنفي بن عيسى، والجنيدي خليفة. وساعد على هذا الركود ضعف الحركة النقدية(5). حيث أن النص النقدي أحد العوامل الرئيسة لتطوير كل حركة إبداعية، وكان النص النقدي الجزائري عقب الاستقلال متعثراً غير مساير ولا مواكب للحركة الإبداعية التي تقدمته بخطوات كثيرة، ولم تنتج الحركة النقدية نصوصاً في مستوى الأعمال الأدبية وإنما ظهر طغيان النقد الانطباعي الصحفي الذي ركز على حياة الكاتب وتاريخ نشر أعماله، وموضوع النص المنقود من دون الغوص في أعماقه وكشف مجاهله.‏

وكان الأستاذ الدكتور عبد الله خليفة ركيبي مصيباً غاية الإصابة عندما عد تخلف النقد وضعفه أحد الأسباب الرئيسة التي أسهمت في ركود الحركة الأدبية خلال السنوات الأولى من استقلال الجزائر.‏

وما كادت الستينات تشرف على النهاية حتى بدأت تظهر في الأفق عوامل نهضة جديدة تتمثل في حركة أدبية حديثه تستلهم روح التجديد وروح العصر بكل أبعادهما الفنية ورؤيتهما الفكرية.‏

عوامــل التطــــور الأدبــي:‏

ففي أواخر الستينات انتعشت كل أنشطة الحياة وبدأ يظهر نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتحققت خلال هذه السنوات (1968-1972) عدة منجزات اقتصادية واجتماعية كتأميم الثروات الطبيعية، وظهور الثورة الزراعية، وإنشاء المصانع الضخمة ومد وسائل النقل والاتصال وانتشار التعليم، والطب، المجاني، وغيرها مما يشبه أن يكون إطاراً للثورات الثلاث الصناعية والزراعية والثقافية(6).‏

وساعدت هذه الوضعية الجديدة على انتعاش الحياة الثقافية أيضاً فتطورت القصة القصيرة وازدهرت. ويمكن إجمال العوامل المباشرة فيما يلي:‏

-إنشاء المجلات والصحف:‏

أبرز حدث ثقافي شهدته سنة 1969، هو صدور مجلة "آمال"(7) التي فرغت لنشر النتاج الأدبي للشباب جنباً إلى جنب مع إبداعات كتاب جيل الثورة من الكبار أمثال الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة، وصالح خباشة ومحمد الصالح باوية ومحمد الأخضر السائحي وغيرهم.‏

جاء في كلمة العدد التي كتبها الأديب مالك حداد حول الهدف من إنشاء (آمال): "تصدر هذه المجلة لأول مرة والآمال تغمر أصحابها في أن تكون حرة لأدبائنا الناشئين ينشرون فيها إنتاجهم الفكري سواء كانوا قاصين أو شعراء أو كتاب مسرحيات وآمال اسم لمجلة تريد أن تكون واسطة تسمح للأدباء أن يبلغوا للقراء ماجادت به قريحتهم في بداية حياتهم الأدبية.(8)‏

كما ظهرت منابر أخرى اهتمت بأدب الشباب، وعملت على نشره بين القراء والمستمعين، ومن هذه المنابر جريدة الشعب التي شرعت ابتداء من هذه السنة في إصدار صفحة أسبوعية تهتم بأدب الشباب والمواهب الجديدة، خصوصاً في فَنّ القصة القصيرة "دروب القصة" الذي كان يحرره الأديب الطاهر وطار، وفي فن الشعر "دروب الشعر" الذي تناوب على تحريره الشاعران أبو القاسم خمار، ومحمد الصالح باوية.‏

ورعت البرامج الإذاعية إنتاج الأدباء الشباب، فظهر فيها ركن (دنيا الأدب) الذي يعدّه بلقاسم بن عبد الله، وبرنامج (أدب الناشئين) الذي كان يعده الطيب ناجح(9).‏

وفي سنة 1972 صدر ملحق جريدة الشعب (الشعب الثقافي) بإشراف الطاهر وطار، ومجلة (الأثير) الأسبوعية الصادرة عن دار الإذاعة والتلفزة الجزائرية.‏

-عودة الكتاب والطلبة الجزائريين إلى أرض الوطن:‏

شهدت الجزائر في مطلع عهد الاستقلال حركة عودة الأدباء إلى الجزائر بعدما غادروها قهراً في أثناء الحرب التحريرية وكان من بين العائدين عدد كبير من المثقفين والكتاب، وأسهموا في نشر اللغة العربية في الجزائر، وتغذية الصحف(10) بمقالاتهم السياسية والأدبية والاجتماعية علاوة على القصص والقصائد الشعرية، وأبرز هؤلاء الكتاب: الدكتور عبد الله خليفة ركيبي، والدكتور محمد مصايف والدكتور أبو القاسم سعد الله، والدكتور عبد الله شريط، والدكتور أبو العيد دودو وعبد الحميد بن هدوقة، والطاهر وطار، والجنيدي خليفة، ومحمد الصالح باوية.‏

دور البعثات التعليمية العربية:‏

استقطبت الجزائر عدداً كبيراً جداً من المثقفين العرب الذين أوفدتهم حكوماتهم للعمل في إطار التعاون بين الجزائر والبلاد العربية فأسهموا في دعم الوضع الثقافي والأدبي مع أشقائهم الجزائريين خصوصاً في نشر اللغة العربية والثقافة، وكان من ضمن هذه البعثات أساتذة كبار مثل: محمد شكري عياد وعبد الواحد وافي وشكري فيصل وعمر الدسوقي، والفرد فرج وسعد أردش وسعدي يوسف وحيدر حيدر وجودت الركابي وإحسان النص.‏

فقد أثر هؤلاء وغيرهم في مختلف المنابر الثقافية والإعلامية الوطنية كالصحف، والمجلات وقاعات المحاضرات.‏

إن هذه العوامل الثلاثة لتعد من أهم الأسباب التي أدت إلى تطور النهضة الأدبية في الجزائر بعد الاستقلال أو إلى ميلاد حركة أدبية جديدة تحمل في أعماقها بذور خصوصياتها ونظرتها إلى الواقع وإلى تحولات مجتمعها في ظل الاستقلال الوطني.‏

الحركة الأدبية الجديدة:‏

ففي أواخر الستينات ظهرت أسماء قصصية جديدة جهدت في إيصال إنتاجها إلى القراء عبر مختلف وسائل النشر، ولم يكن نتاج كثير من هؤلاء الكتاب يدل على فهم سليم للفن القصصي، بل كان العديد منهم يفتقر إلى الموهبة الأدبية.‏

وظهر مع هذه الموجة نصوص لا تعدو أن تكون حكايات "لا تبرهن على موهبة أو أصالة أو تمكن سواء من ناحية الأسلوب، أو المحتوى أو الفهم العميق للواقع وأبعاده)(11).‏

ومع مطلع السبعينات بدأت تتميز بعض أعمال قصصية بذل أصحابها جهوداً كبيرة في سبيل تطوير كتاباتهم الأدبية، والقصصية على الخصوص، ولذلك فإن العديد من الباحثين يعدون بداية السبعينات هي بداية المرحلة الأدبية الجديدة للكتاب الشباب أو جيل هذه المرحلة من الأدباء الذين يتمتعون بمواهب أدبية، وبحس فني ملحوظ، ويحاولون التجديد سواء في الموضوع أو الشكل، وكذلك في الرؤية والنظرة للواقع(12).‏

وتبع هذا التطور وعي كبير بالفن الأدبي ودوره في المجتمع، وهو ما عبروا عنه في الملتقى الأدبي الوطني الذي عقد في مدينة قسنطينة في‏

(أفريل 1972) وفي ختامه أصدروا توصياتهم في بيان جاء فيه:‏

1- على الشركة الوطنية للنشر والتوزيع أن تمنح فرصة النشر المنتظم للإنتاج الجزائري، خاصة أدب الشباب.‏

2- يطالبون الصحافة المكتوبة أن تحمل مسؤولياتها تجاه كل كاتب وكذلك المسموعة والمرئية.‏

3- يطالبون الصحافة بتخصيص مساحة أوسع للثقافة، وذلك بإصدار الملحقات ويتمنون خلق حركة نقدية واعية تهتم بكافة التيارات الأدبية، وإيجاد سياسة مستمرة لحركة الترجمة.‏

4- يقترحون الاتصال الدائم بالجمهور، وذلك عن طريق تنظيم لقاءات ومحاضرات وأمسيات، ومناقشات(13).‏

ويعد تاريخ هذا الملتقى بداية حقيقية لحركة أدبية جديدة، فقد ظهر بعده نتاج أدبي غزير ومتنوع احتلت فيه القصة القصيرة مكاناً متميزاً، والتفتت الأنظار في هذه المرحلة إلى مرزاق بقطاش(14). وأحمد منور، والعيد بن عروس، ومصطفى فاسي، وجروة علاوة وهبي وعبد الله بن الضيف وغيرهم من كتاب القصة القصيرة الشباب.‏

في مصطلح الأدباء الشباب:‏

لم تكد هذه الحركة تنتشر حتى بدأت بعض الكتابات تطلق عليها أسماء متنوعة أهمها "الحركة الأدبية الشابة" و "جيل السبعينات الأدبي" و "جيل الاستقلال الأدبي".‏

وقد أثارت هذه التسمية نقاشاً حاداً بين كتاب جيل الثورة الكبار والأدباء الجدد، وتركز النقاش حول مصطلح "الحركة الأدبية الشابة" إذ رأى فيه الكتاب الجدد انتقاصاً من قيمة نتاجهم الأدبي بينما رأى الكتاب الكبار أنه مصطلح يطلق على سن معين، من عمر الأدباء الجدد.‏

واشتد غيظ الشباب -شأن كل دعوة جديدة- حينما أدركوا أن كتاباتهم التي يرسلونها إلى الصحف والمجلات لا يحظى بالنشر منها إلا القليل، وأن الكثير منها يعد محاولات أدبية يرد عليها في البريد الأدبي، وقد تولد عن هذا إحساس لدى الكتاب الجدد بأن القائمين على الأركان الثقافية لا ينشرون أعمالهم لا لأنها دون المستوى، وإنما خوفاً على أنفسهم وعلى نتاجهم أن يتكسر أمام قوة الموجة الجديدة التي تعالج موضوعات على صلة مباشرة باهتمام المثقفين الجدد، ومن هذه الأصوات التي عبرت عن تذمرها من تصرفات الأدباء الكبار محمد زتيلي الذي أبدى رأيه في كثير من الانفعال والخطابية، ووصف حال الأديب الشاب بأنه "مخنوق في عقر داره، مضروبة أسوار حديدية حوله، حتى صار الحديث عن الأدب الشاب كالحديث عن تهريب المخدرات، أسكتونا حتى عن إثبات وجودنا، وسدوا في وجوهنا كل نافذة يمكن أن يدخلنا منها بصيص من نور، كبلونا بسلاسل من النسيان وأرهقوا نفوسنا بقناطير من الصمت الفتاك، مارسوا علينا أحدث ما توصلت إليه البيروقراطية الثقافية من اختراعات (15)‏

إن الأدب في نظر هؤلاء الشباب هو النتاج الفكري والإبداعي الذي يعمل على تغيير القاعدة المادية للمجتمع، وعلى تجسيد الفكر العلمي، ورفض القيم الإقطاعية والبرجوازية الرجعية وتحطيمها وخلق علاقات اجتماعية وثقافية جديدة، هدفها المساواة والحرية والعدالة، واحترام إنسانية الإنسان(16).‏

كما رفض بعض الأدباء الشباب أن تكون الحركة الأدبية الجديدة امتداداً للمراحل الأدبية السابقة، إذ أنها "مستقلة عن الحركات السابقة، ومختلفة عنها تماماً، وحتى عن تيار الثورة التحريرية الذي يعد أكثر تقدماً(17)، ولا يخلو هذا الرأي من غلو ومبالغة، فبصمات الطاهر وطار في نتاج: عمار بلحسن والسايح الحبيب والأدرع الشريف واضحة، كما أن آثار عبد الحميد بن هدوقة ظاهرة في قصص مرزاق بقطاش، وأحمد منور وجلالي خلاص، ولا نعني بهذا أبدأً نزع صفة التميز عن كل كاتب أو عن كل تجربة مما يكاد يكون خاصية طبيعية تتسم بها الأجيال الأدبية.‏

فإضافات الكتاب الجدد، خصوصاً على صعيد الشكل القصصي لا يمكن إنكارها، ويمكن القول إن المصطلح الأنسب لهذه الموجة من الكتاب هو "الحركة الأدبية الجديدة"، ذلك لأن التجديد صفة كل مجتمع بشري نام، وقد حددنا هذا بإطار زمني بقصد تسهيل الدراسة فجعلناه بدءاً من الكتابات التي ظهرت منذ عام 1972، وسمينا (القصة الجديدة) مصطلحاً لما نشر في هذه المرحلة.‏

ويمكن التمييز بين عدة ظواهر فنية ومعنوية، تجلت في الحركة الأدبية الجديدة التي نحن بصد الكلام عليها، فمن الناحية الفنية نجد:‏

أ-القصة الملتزمة بالقواعد الفنية:‏

ويلاحظ على كتاب هذا النوع رصانة العقل والاعتدال في إبداء الرأيأيااميسمنيسنمكبيسننيسنمكيسكنميمكنأي، والابتعاد عن الغلو والتغريب سواء في الشكل الفني أو في الرؤية الفكرية، ورغم أنهم سعوا إلى تطوير أساليبهم القصصية، والتعبير عن الموضوعات الجديدة في صدق ووضوح فإن ذلك يعد امتداداً لتجارب المرحلة السابقة، خصوصاً تجربة عبد الحميد بن هدوقة وأبي العيد دودو، والطاهر وطار. وبذلك أكدوا تواصل الأجيال القصصية في الجزائر، وأهم أعلام هذا النوع القصصي: مصطفى فاسي، ومرزاق بقطاش وأحمد منور، وجيلالي خلاص، وجميلة زنير، وبشير خلف.(18)‏

ب-القصة التجريبية:‏

أولع بعض القاصين الشباب ولعاً كبيراً بكتابة ما أسميناه بالقصة التجريبية حتى كادت كتابات بعض منهم تتحول إلى "مخبر للتجريب" لأشكال القصة، وكادت كل قصة لدى القاص الواحد تتميز بشكل فني خاص... مختلف تماماً عن بقية أشكال قصصه الأخرى.‏

حيث يعمد إلى تجزئه قصته إلى مجموعة من الفقرات تكاد كل واحدة تستقل ببنيتها، ثم يربط بين هذه الفقرات إما بجملة تتكرر في كل فترة على شكل لازمة، وإما بفكرة رئيسة تلخص الأفكار الجزئية المتناثرة في فقرات النص أو مقاطعه(19).‏

كما يتركز اهتمام القاص بالدرجة الأولى على البناء الفني، ولا شبيه فيما يكتبه، أي يتجاوز كل فنيات القصة المتداولة مبتعداً عن الطريق المألوف في السرد القصصي، وعن الخط التطوري في القصة، ويلجأ كذلك إلى تجاوز الفوارق بين لغة الشعر، ولغة النثر، حيث يستخدم كل الأساليب البيانية والصور الشعرية، وقد تتضمن قصته مجموعة من الأبيات الشعرية أو بعض المقاطع لشعراء معروفين، ويمزج فيها بين الحلم والواقع، وبين التاريخ والخيال.‏

وأهم القاصين الجزائريين الذين يمكن تصنيفهم في هذا الاتجاه: جروة علاوة وهبي ومحمد الصالح حرز الله، وعبد الحميد بواريو، والأعرج واسيني الذي قال عنه محمد الأمين الزاوي: "كاد يكون شاعراً أحسن منه قاصاً، لاعتماده المفرط على النهاية الشعورية، والخط الدرامي والقاموس الشعري المكشوف..."(20)‏

وعموماً فإن أنصار هذا الشكل الفني -الذي قد يبدو غريباً، وشاذاً، ولم يتعود عليه القارئ- استطاعوا أن يكوّنوا اتجاهاً قوياً داخل مسار القصة الجزائرية المعاصرة، ولذا وجب دراسة هذه الظاهرة وأبراز خصائصها وإضافاتها للفن القصصي الجزائري الحديث.‏

الرؤية الفكرية:‏

لقد ظهرت هذه القصة الجديدة في مرحلة عرفت خلالها الجزائر تحولات اجتماعية، وعدة إنجازات اقتصادية وثقافية كبرى، ولم يكن الكتاب الشباب بعيدين عن مناخات هذا التغيير، وأجواء هذه النهضة الشاملة، وإنما فتحوا لها صدورهم، وارتووا من ينابيعها، خصوصاً الفكرية. كما أن انتماءاتهم الاجتماعية إذ أن معظمهم منحدر من الريف لحينه، أو على صلات قريبة به -قد ساعدتهم على الانحياز الواعي إلى جانب الفئة الضعيفة، ليعبروا عن معاناتها اليومية، وليصوروا واقعها، ونضالاتها المرة ضد أعدائها، كما اتخذ البطل القصصي بعداً حديداً، حيث صار يواجه في صراعه عدواً من مواطنيه نظراً لخلافات سياسية(21)، أو صراعات حول المكاسب المادية، خصوصاً على المنصب الكبير الذي تحقق به الشخصية كسباً مادياً أو معنوياً، لذلك فإن القصة القصيرة الجديدة، قد تبنت الواقعية منهجاً في معالجة قضايا المجتمع الجزائري، ولم يتوان بعض الكتاب في التصريح بدعوتهم للأخذ بالمنهج المادي للواقعية، وطالبوا المبدع بألا يكتفي بنقل الواقع كما هو بصراعاته وتناقضاته، وأحداثه، وإنما يجب أن يضيف إلى ذلك رؤية مستقبلية مؤمنة بالثورة(22).‏

ويمكن التمييز بين اتجاهين للواقعية يسيطران حالياً على الرؤية الفكرية للقصة الجزائرية القصيرة.‏

-الواقعية النقدية أو الانتقادية:‏

ويسعى الكتاب في ضوئها إلى نقد الواقع الاجتماعي والارتقاء به إلى واقع أفضل، وتفضل الواقعية الانتقادية عدم الدخول في عداء عقيم ضد الموروث المحلي سواء المعنوي أو المادي، بل بالعكس تمجده، وتراه الدرع الذي يمكن أن تحتمي به الجماهير الشعبية في صدامها مع أعدائها، ويتبنى هذا الاتجاه كتاب القصة الملتزمة بالقواعد كمرزاق بقطاش، وأحمد منور، وجيلالي خلاص.‏

-الواقعية الاشتراكية:‏

وهي التي تسعى إلى ترسيخ المبادئ الاشتراكية، ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه بحتمية وصول المجتمع إلى مرحلة الاشتراكية العلمية، ولهذا السبب وجدنا بعض القاصين يدينون بشدة الأشكال التعبيرية القديمة لأنها في نظرهم تكرس مفهومات البرجوازية والاقطاعية وللسبب ذاته ركزوا جل اهتماماتهم على خلق أشكال تعبيرية جديدة بدعوى أنها تستوعب أفكارهم وميولهم الأيديولوجية. وقد تبنى معظم كتاب القصة التجريبية هذا الاتجاه كجروة علاوة وهبي، ومحمد الصالح حرز الله، وعمار بلحسن، والأعرج واسيني، ومحمد الأمين الزاوي.‏

1-القصة الملتزمة بالقواعد الفنية:‏

نركز فيما يلي على دراسة نتاج الكتاب الجدد الذين ظهروا مع السبعينات، وظلوا ملتزمين بالقواعد الفنية، ونظراً لغزارة ما أنتجوه وكثرة عدد المجموعات القصصية التي أصدروها منذ 1972، والبالغة نحو ثلاثين مجموعة -عدا عشرات القصص التي نشروها في الصحف والمجلات، مما لم يجمع في كتاب- فقد عمدنا إلى دراسة كل قاص على حدة وانتقاء نموذجين له يمثلان تطوره الأدبي وسماته الفنية العامة ومكانته في هذا الاتجاه.‏

1-مصطفى فاسي:‏

مصطفى فاسي باحث قاص مجتهد يطور تجربته الأدبية دوماً، ويختار شخصياته الأدبية من جميع البيئات، خصوصاً بيئة المدينة، ولذلك فالحياة الجزائرية إحدى مصادره الأولى، ويمكن التمييز بين عالمين رئيسين يشغلانه دوماً، هما:‏

1-عالم الثورة التحريرية، وقد تضاءلت مساحته مؤخراً.‏

2-عالم الحياة الجديدة، التي يعيشها المجتمع الجزائري في ظل الاستقلال وهو يتنامى باضطراد، وسندرس سماته من خلال نموذجين من مجموعته القصصية "الأضواء والفئران" التي نشرها‏

عام 1980(23).‏

أ-في قصته "وطلعت الشمس" عرض الحديث القصصي بطريقة السرد معتمداً على ضمير المتكلم المفرد "أنا"، وجاءت القصة على شكل مذكرات تنقل فيها الخيال بين زمنين متساويين: الماضي والحاضر، استعان فيها الراوي بأسلوب الخطف خلفاً لنقل أحداث الماضي أيام الحرب التحريرية وتصوير الأساليب اللاشرعية التي كان الخونة يستولون بها على أراضي الفلاحين والضعفاء، حيث استولى عم الراوي على أراضي أرملة الشهيد عبد الغني: "تذكرت أن هذه الأرض كانت قد انتزعت من الأرملة في وقت ما وأن الذي انتزعها منها هو عمي..(24)، وهكذا انتقل إلى الماضي وإلى الأحداث التي جرت فيه.‏

ولم يركز القاص على حدث واحد، فقد ورد في بداية قصته قول الراوي "كنت أفكر وأنا في فراشي في ذلك الربح الذي حصلت عليه أمس عندما بعت الخضر لأحد الخضارين بالجملة...(25)". ويعد هذا الراوي أداة لربط الحاضر بالماضي.‏

كما تعد شخصية الراوي هي الرئيسة في القصة، وقد عرضها مصطفى فاسي بالطريقة التمثيلية، وجعلها تعيش في مرحلتين من تاريخ الجزائر المعاصر، تحتل الثانية الجزء الأوفى من حجم القصة. وقد قطع القاص المرحلة الأولى عدة مرات بوساطة ارتداد الراوي إلى الماضي لتصوير الوضعية الاجتماعية، إلى أن تطورت ظروف الفلاحين بعد الاستقلال، وقد عبر عن هذه الصورة بقوله "واتكأت على الوسادة العريضة المليئة بالصوف؟ وتثاءبت، وأنا أهتف في أعماق نفسي، ما أحلى أن ينال الإنسان مقابلاً لما بذله من عرق الجبين...(26)"‏

أما المرحلة الثانية التي جرت فيها الأحداث، فتظهر الراوي بعد أن مات والده في بيت عمه (أحمد الهادي)، وتتحدد حياته من خلال صلته بعمه الخائن المستغل: "إن عمي رغم غناه، ورغم ما كان يملكه من مال يقتر علي كثيراً، حتى ملابسي كانت ممزقة في أغلب الأحيان. لم يكن يعطف علي رغم ما كنت أقدم له من خدمات.(27)‏

وقد طرده من بيته عندما رفض أن يحرث أرض أرملة الشهيد عبد الغني فعاش حياة التشرد والغربة عن أرضه وبيته.‏

فإذا جمعنا المرحلتين معاً، فإن الشخصية تكون نامية متطورة، وكان القاص جعلها قناة لنقل أفكاره وآرائه.‏

وقدم فاسي شخصية (فاتحة) بالطريقة التحليلية على لسان الراوي‏

(ابن عمها) الذي كان يصور حياة الفلاحين قبل الاستقلال، وهي على نقيض والدها، وقد تطور موقفها إلى أن بلغ درجة أنها أنبت والدها، وصرخت في وجهه عندما أخبرها بأنه قد ربح قضية أرض أرملة الشهيد عبد الغني.(28) كما تطور عطفها على الراوي حتى انتهى إلى زواج، ويرمز هذا الارتباط الروحي إلى الجيل الجديد الذي التف حول أفكار الوحدة الوطنية من أجل تحرير البلاد واستقلالها.‏

إن عم الراوي هو الشخصية المضادة في القصة، وقد استخدم القاص عدة طرق لتصوير ملامحه، مما يدل على الكره الشديد الذي يشعر به القاص نحو الشخصية المستغلة ودورها الخطير في حياة الفلاحين بمساعدة الإدارة الاستعمارية، ولا يخلو أسلوبه من سخرية وتهكم وإيحاء بشذوذ مثل هذه الشخصيات.(29)‏

وتعبر هذه القصة بصدق عن المرحلة الأولى لعمر تجربة مصطفى فاسي الأدبية.‏

ب-قصة (الأَضواء والفئران):‏

إن طريقة عرض الحدث في هذه القصة مبني على التمهيد، ثم العقدة، ثم الحل، حيث تدرج الحدث لكشف بعض ملامح (المعلم) الشخصية المحورية في القصة.‏

وقد صوره في البداية في حالة هروب من صخب المدرسة تصويراً يدل على علاقته المتصدعة مع محيط المدرسة، وهي لا تخلو من سخرية(30)، ثم تدرج به نحو العقدة، وخلال ذلك كان الغموض يلف شخصيته لبروز أحداث ثانوية في أثناء تداعيات البطل، وهو يشق شوارع المدينة المزدانة بالأضواء الملونة، فيتذكر صور القصر التي قدمها لتلاميذه في حصة التعبير(31)، وهي ترمز إلى قمة المفارقة بين موضوعات، دروسه، وواقع حياته والذي كشفه القاص بأسلوب التأجيل. إذ أنه أجل الإعلان عن السبب الذي جعل بطل قصته لا يقدم على الزواج بإحدى المعلمات المعجبات به رغم كبر سنه.(32).‏

وبلغ الحدث القصصي ذروته، عندما وقف بطل القصة أمام إحدى العمارات الجاهزة للسكن، ثم أخذ يتفحص شرفاتها بادئاً من الطابق الأول، صاعداً إلى الطابق الأعلى، ثم نازلاً من جديد إلى الأول(33).‏

لقد أثار هذا الموقف في نفسه إحساساً بعدم اختلاف شخصيته عمن يحصلون على هذه المساكن، وأن من حقه أن يحلم مثلما يحلمون، وفقد بعد ذلك وعيه، ثم اقتحم باب العمارة، ولكنه عندما كان منهمكاً في تجريب المفتاح الرابع أحسّ بيد قوية ترتمي على كتفه(34).‏

إن عرض حدث القصة مبني على مبدأ السببية الذي هو أهم خصائص هذه الطريقة التقليدية، إذ أن شدة حاجة البطل إلى مسكن اضطرته إلى أن يفقد وعيه فيقتحم العمارة.‏

ونلحظ في القصة اهتماماً بتصوير الحدث الرئيس، فكل الأحاديث الثانوية في خدمته، وهذا كله يدل على وعي الكاتب بالخصوصيات الفنية للأنواع الأدبية.‏

وتتضح شخصية بطل القصة (المعلم) في أثناء السرد، والتداعيات، والحوار- سواء حواره هو مع الآخرين، أو حديث الآخرين عنه- مثل الحديث الذي جاء على لسان تلامذته(35). وكذلك "المونولوج الداخلي"، وهو كثير، برزت فيه كل ملامح شخصيته الداخلية.‏

وينتقد الكاتب على لسان البطل الوضع الاجتماعي والمظاهر البيروقراطية في مكاتب، مصالح السكن، وفي هذا إبراز لمستوى ثقافة المعلم، إذ أن حديثه الداخلي يشوبه "تفلسف"(36)، بالطريقة الساخرة كقوله: "لست أدري ما قيمة وجود إنسان يعيش خارج الحياة تماماً..."(37)وكقوله للسجان بعد أن أغلق باب الزنزانة عليه: "أسمع يا خو. يرحم والديك، تقدر تقول لي أشحال ثمن الكرا هنا.. وعاد يملأ الغرفة بقهقهاته المتواصلة..."(38).‏

لقد نجح مصطفى فاسي في رسم هذه الشخصية نجاحاً كبيراً. إنها شخصية قوية ومتفلسفة وثائرة(39)، تدرج في الكشف عن ملامحها تدرجاً هادئاً، ورغم أن المصير الذي وصلت إليه في نهاية القصة قد يعده بعض الباحثين حكماً قاسياً على مصير هذه الفئة، فإن الشخصية تعد إيجابية بدليل أنها سعت لتمزيق شرنقة الواقع المأساوي الذي فرض عليها. مستخدمة في ذلك إمكانياتها لتحسين وضعها الاجتماعي، ولو أن طريقة أسلوب التعبير لم تكن مشروعة في نظر الإدارة.‏

وهكذا ركز القاص على شخصية (المعلم)، وجعل الأشخاص الثانويين كالتلاميذ، وصاحب الدكان والشرطي أدوات فنية تسهم في بلورة الشخصية والتعريف بها.‏

والخلاصة أن مصطفى فاسي منذ كتابة قصته "الأضواء والفئران"(40) ابتدأ مرحلة فنية جديدة، اتسمت ببناء فني متين ووعي كبير بالواقع الاجتماعي المادي والمعنوي.‏

مرزاق بقطاش:‏

مرزاق بقطاش من كتاب الجيل الجديد البارزين، بدأ الكتابة منذ نهاية الستينات، وتمكن من أن يكون لنفسه طريقاً، فهو "يكتب من خلفية فكرية وحضارية جديرة بالإعجاب"(41)، قرأ التراث العربي الإسلامي، وتأثر به، ورأى أن الكتابة موقف ميتافيزيقي(42)، ورفض المضامين التي تفرضها الثقافة الغربية على العديد من الأدباء والمثقفين العرب، ودعا إلى اتخاذ موقف إيجابي من التراث العربي فقال "لاحظت أن هذا الموقف لم يستغل بمقدار كاف من طرف الكتاب العرب المعاصرين، بالرغم من أن هؤلاء يتبجحون بالانتماء إلى التراث العربي الإسلامي، إنني أرغب في المكان الأول في كتابة رواية تستوحي من مبادئ إسلامية قبل استعارة الأفكار من العالم الحديث(43).‏

ويكاد يتفرد عن زملائه باتخاذه البيئة البحرية، ومناخاتها عالماً لقصصه القصيرة والروائية، ويعود هذا إلى انتسابه إلى أسرة مارس معظم أفرادها هواية الصيد البحري علاوة على نشأته في حي يطل على البحر في مدينة الجزائر وقد كونت هذه العوامل في نفسه إحساساً بحب البحر وعالمه الغني. ورموزه ودلالاته. إذ يكاد(44) البحر يكون نسيجاً يربط بين قصصه، ويشدها إلى بعضها، فهو فيها طرف إيجابي ورمز للخلاص من حمأة التخلف والاغتراب(45).‏

ففي قصته "عندما يجوع البشر(46)"، يتركز الحدث حول شخصيتين نموذجيتين الأولى هي (الحسين)، بطل القصة، والثانية شخصية (بيدور).‏

وهناك أشخاص آخرون يمثلون صف المعارضة.‏

إن الشخصية الرئيسة (حسين) مصنوعة بتقينات كثيرة عبر السرد والحوار، كهذا الحوار القصير الذي بدأ مرزاق قصته به:‏

"سأله (بيدور) فيما كانا يدفعان القارب الصغير ويسندانه إلى الجدار الصخري المليس:‏

-هل نخرج للصيد غداً؟‏

-وبقي حسين لحظة دون أن يجيب ثم هز رأسه علامة على النفي دون أن يلتفت إليه، وغرق في بحر من التفكير...(47)".‏

إن هذا الحوار يكوّن فضولاً لدى المتلقي لمعرفة شخصية حسين، وهو عنصر تشويق نجح القاص في رسمه ريثما يكشف عنصر السرد عن شخصية (حسين) الداخلية، فهي تتصف بالاضطراب والقلق الشديد من المستقبل المجهول، ثم يهتدي إلى سبيل خلاصه، فيغادر ملجأه البحري، "بحي القصبة" الذي يعد أحد حصون الثورة الجزائرية خلال حرب التحرير الوطنية الكبرى، وأسهم السرد كذلك في التعريف بشخصية (حسين) قبل أن يتصل (ببيد رو) ويعمل معه في صيد السمك، فقد قضى في السجن ثلاث سنوات عقاباً على سرقة ارتكبها.)(48).‏

وتنمو عنده الأفكار الوطنية بسرعة، بعد أن عرف موقف سكان الحي البحري منه، فقد شكوه إلى أفراد الثكنة العسكرية بحيّهم، فباغته الجنود وهو في ملجئه، وعاملوه بقسوة ووحشية واقتادوه إلى الثكنة حيث قضى يوماً كاملاً فيها كسجين، وقد كان لهذه الحادثة، أثر كبير في الوعي الوطني لديه وكشف نوايا الفرنسيين، فتحركت كوامن الحقد والغضب في أعماق نفسه، وعقد العزم على أن ينتقم منهم(49).‏

وتجلى تطور وعيه من خلال رؤيته الجديدة لسكان (حي القصبة) وشبانه الذين غادروا حياة التشرد والتسكع إلى عالم النضال والفداء في سبيل حرية الوطن، فهم يكيلون الضربات القاصمة للمستعمرين(50)، وقد عبر عن موقفه ووعيه في قوله عن المستعمرين "لقد جاءوا عن طريق البحر... وسيعودون عن طريق البحر...(51)".‏

وبطل هذه القصة شخصية نامية متطورة، انتقلت من حياة التسكع والتشرد إلى حياة الملاجئ، التي لم تلب حاجته النفسية، إلا أنه شفي عندما فتح قلبه لاحتضان الأفكار الوطنية والاقتداء بشباب (حي القصبة)، وأصر على الوصول إليه، واختراق الحواجز العسكرية، ثم الالتحاق بصفوف الفدائيين(52)، وقد اضطر إلى الهجوم على الثكنة العسكرية الموجودة في الحي البحري، وذلك بعد أن أخفق في الوصول إلى حي القصبة(53).‏

وتتوافر في هذه الشخصية صفات كثيرة من خصائص الشخصية الفنية في القصة القصيرة، كتركيز الحدث حولها، وتطورها، ووحدة المعنى القصصي الذي سعت إليه، وهو التخلص من الجوع النفسي الذي جاء من خلال إشباع قلوب الشباب بحب الوطن ونمو روح الفداء والتضحية في نفوسهم، ولولا تأثير حوادث القصة العديدة في بنائها، وكذلك تركيز بقطاش على عنصر السرد حتى في أثناء التداعي النفسي والحوار، لكانت شخصية نموذجية لتطور الوعي القصصي في الأدب الجزائري المعاصر.‏

أما الشخصية المساعدة (بيد رو) فقد وظف بقطاش عدة أساليب لعرضها، وسلك أسلوب التأجيل في تقديمها، فلم يقدمها دفعة واحدة، وإنما قدم في كل مرة جانباً من ملامحها إلى أن اكتمل النص القصصي، وهكذا فإنها تتنامى كلما اقتربت القصة من نهايتها، إذ أن شخصية (بيد رو) في بداية القصة كانت مبهمة، حتى على بطل القصة (حسين) نفسه الذي ظنه جاء "ليتجسس عليه ويكشف عن سبب وجوده بالملجأ"(54)، إلا أنه سرعان ما أنس له عندما اكتشف أنه مشرد مثله، ومنحه ثقة كبيرة، وباح له بأسرار خطيرة، لو اطلع عليها جنود العدو لفتكوا به على الفور، فقد ذكر له أنه ذهب لكي يلتحق بالفدائيين في حي القصبة وقال: "سأريهم ما الذي يستطيع الضحايا أن يقوموا به، سأهجم على الثكنة وسأسحقهم(55)"، وكذلك فإن موقف السكان الأوروبيين من (بيدرو) عبر عن بعض صفاته المعنوية، حيث اتهموه بالشيوعية، ولكن القاص منحه أحياناً الفرصة للحديث عن نفسه، وسرد تاريخ حياته، وسبب مجيئه من إسبانيا إلى الجزائر كقوله: "إنني لم أغير جنسيتي مثلما فعلوا هم.. لقد لذات بالفرار عندما سقطت مدريد في يد الفاشية."(56)‏

أدت الشخصية المساعدة في هذه القصة دوراً مهماً في بناء الحدث القصصي، وإيضاح الشخصية الرئيسة، ومواقفها وتطوير وعيها الوطني ونموه في الاتجاه الصحيح.‏

ويلتقى (بيدرو) مع الشخصية الأجنبية التي تقوم بدور الشخصية المساعدة في بعض أعمال الطاهر وطار، خصوصاً في رواية اللاز.‏

(فبيد رو) ينتمي إيديولوجياً إلى الحركة اليسارية، ويغادر بلده مكرهاً، وعندما استقر به المقام في الجزائر رفض أن تذوب شخصيته الأصلية في الشخصية الفرنسية الاستعمارية، ومارس دور المتشرد الذي يترقب العودة في أية لحظة، آثر مساعدة الشعب في كفاحه مع عدوه على الذوبان في الشخصية الاستعمارية. وهذا ما فعلته بعض الشخصيات الأجنبية في رواية اللاز، حيث انضمت إلى صفوف الثورة الجزائرية، وكافحت من أجل استقلال الجزائر(57).‏

ووجود مثل هذه الشخصية يثبت الرأي الذي ذهب إلى أن الثورة الجزائرية، هي ثورة عالمية، جاءت لتحرير الإنسان من ربقة الاستعمار وأنواع التخلف، ولذلك فإنها قد احتضنت بعض المناضلين من شعوب أخرى، ممن صدقت مشاعرهم، وحسنت نواياهم(58).‏

ونحلل فيما يلي بنية الحدث في قصة "عندما يجوع البشر"، فقد عرضه بقطاش بالطريقة الحديثة، أي أنه شرع في بناء حدث قصته من وسطه، ثم عاد إلى سرد ماضيه، وبعد ذلك رجع إلى آخره فأتمه، وهكذا تنقل الحدث عبر الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل مع أن الأفعال المضارعة التي تدل على الزمن الحاضر فقد طغت على عنصر السرد.‏

وتبدأ الحادثة بتصوير نمو وعي (حسين) الذي قرر الالتحاق بصفوف الفدائيين في حي القصبة، وصار لا يطيق حياة الملاجئ ذات الرائحة النتنة، وعفونة الشاطئ، بل تيقن أن حياته لا معنى لها إلا بمغادرة الملجأ(59).‏

وعندما سيطرت عليه هذه الفكرة رجع إلى ماضيه وتذكر حياته في السجن لمدة ثلاث سنوات بسبب سرقة كان قد ارتكبها، ووقف عند نصيحة مدير السجن له، قبيل الإفراج عنه: "حذار أن تنخرط في صفوف هؤلاء العصاة، فقد نعفو عنك إذا ما ارتكبت سرقة من جديد ولكن عقوبة صارمة تنتظرك إذا انخرطت في صفوف هؤلاء العصاة(60)".‏

ولم يثر كلام مدير السجن غضبه، وإنما "تقبله كما يتقبل الطفل نصيحة أبيه"(61)، ويعبر هذا الموقف عن الحياة السلبية التي كانت تميز شخصيته، وعن إحساسه بالسعادة عندما خرج من السجن. كانت الدقائق التي تلت خروجه من السجن أسعد لحظات حياته(62)". وما كاد يلتقي الواقع المتجهم حتى أصيب بصدمة عنيفة استفاق على إثرها، فقد اتضح له أن والدته توفيت في أثناء سجنه، واحتلت أسرة جديدة بيتها، كما أن الحياة هي الأخرى تغيرت تماماً(63)، ويرمز هذا التغيير إلى الظروف الجديدة التي تميزت بها سنوات الحرب التحريرية وإلى انتشار الوعي الوطني بين أوساط الجزائريين، خصوصاً بين الشباب.‏

ثم سار القاص بحدث قصته نحو الذروة التي بلغها عندما قرر بطل القصة الهجوم على ثكنة الحي الحربي بمفرده(64)، عن طريق البحر، وذلك بعد أن أخفق في الوصول إلى حي القصبة في مغامرته الأولى.‏

وبينما هو يشق موج البحر على متن قارب صغير متجهاً نحو الثكنة "شعر بأن ثقلاً هائلاً ينزاح عن كتفه ساعة راح القارب يشق الماء(65)".‏

وفي تصوير بقطاش لعملية الهجوم على الثكنة، صورة لمغامرة لايقوى على القيام بها إلا أبطال السير والقصص الشعبية، وإن حماسة القاص الفياضة للقضايا الوطنية جعلته يبالغ في وصف أحاسيس شخصيته وقد قاده هذا إلى المبالغة في وصفه لعملية الهجوم وما تلاها من مطاردة العساكر الفرنسيين لحسين بطل القصة.‏

ولعل تعدد الأحداث في هذه القصة شتت جهود القاص، ومنعه من تركيزها حول حدث رئيس واحد، فمن السهل تحويل هذه الأحداث إلى أحداث ناجحة لعدة قصص قصيرة، مثل هجوم (حسين) على الثكنة العسكرية، وكذلك حصار العساكر الفرنسيين له داخل المقبرة، كما كان بإمكانه أن يحول حياته مع (بيد رو) إلى قصة ناجحة، وكذلك حديث (حسين) مع مدير السجن، فهذه موضوعات جيدة لقصص قصيرة، ثم إن الحدث الذي رجع على أثره (حسين) إلى الملجأ لا يناسب إمكانيات القصة القصيرة، وإنما يتلاءم والنص القصصي الطويل. ورغم هذه الملاحظات، فإن الأحداث ظلت مترابطة، وقامت شخصية القصة بدور واضح في ربط هذه الأحداث ببعضها، فجاء كل حدث ليصور مرحلة معينة من عمر (حسين)، مما يدل إلى امتلاك الكاتب ناصية فن القصة القصيرة:‏

وظيفة البيئة البحرية في القصة:‏

يكاد المعجم البحري في قصة "عندما يجوع البشر"، يكون ظاهرة لغوية، حيث تواترت كلمة "البحر"، (31) إحدى وثلاثين مرة، وبلغ عدد الصيغ التي تدل عليه (23) ثلاثاً وعشرين وهذا يعني أن المصطلح البحري يعد من بين أركان النص القصصي.‏

فما وظيفة البحر في بناء القصة؟‏

أ-الوظيفة الإيجابية:‏

قام البحر فيها بدور الشخصية المساعدة، ووجد القاص فيه عوناً مؤازراً على حل أزمات (حسين) الاجتماعية، وطموحه النضالي، فكلما أظلمت الدنيا في وجهه وأحسّ بضائقة شديدة، كان البحر آخر فرصة تحقق له أمانيه، وتنقذه من ضياعه النفسي على الخصوص.‏

فقد التجأ إليه عندما لم يعثر على عمل، ولا مأوى بعد خروجه من السجن(66) واستعان به أيضاً على تحقيق حلمه الثوري، وتطهير أعماقه من الجوع النفسي بعد إخفاقه في الالتحاق بصفوف الفدائيين في حي القصبة فاختار عن وعي طريق البحر لتنفيذ هجومه على الثكنة العسكرية الفرنسية، وقد أحس وهو يشق عباب البحر نحو الثكنة بأن "ثقلاً هائلاً ينزاح عن كتفه"(67).‏

وكان كلما أحس بضيق وقف على الشاطئ، وأجال طرفه في عرض البحر، في الضفة الشرقية من خليج الجزائر(68)،كما أن الاغتسال بمياه البحر جاء في القصة بعد أن أحس (حسين) بتبديد كل أحزانه، وكأنه ولد من جديد(69)، ويرمز هذا إلى الألفة الروحية التي تربطه بالبحر الذي سيكون سبيلاً للحرية والعدل مثلما كان طريقاً للعبودية والاستغلال، وقد لخص بطل القصة (حسين) هذا كله في قوله لرفيقه (بيد رو): " لقد جاؤوا عن طريق البحر.. وسيعودون عن طريق البحر..(70)".‏

وهكذا أدى البحر دوراً مهماً في بناء الأحداث الفنية للقصة وتطويرها وبلورة الروح الوطنية لدى الشخصية.‏

ب-الوظيفة السلبية:‏

اتصفت صلة الشخصية بالبحر في قصة "عندما يجوع البشر" بعدم التوافق، حيث كره بطل القصة البحر، ووّد التخلص منه بأية طريقة، وأنه لم يعد يوفر له الراحة النفسية، وإنما صار يصدمه بعفوية مياهه، فتغيرت أحاسيسه نحوه بحيث صار لا يجد معنى لحياته، إلا إذا غادره إلى غير رجعة(71).‏

وقد عكس مشاعره الداخلية على الأشياء المحسوسة التي تحيط به، حيث أن "الأعمدة المنتصبة تعطي الانطباع القوي بأنها سجن، والبيوت الغارقة في الصمت توحي بعدم اكتراث أصحابها لمصير الحسين، وتزيده شعوراً بالوحدة والضياع والتفاهة، بينما الأمواج المتطامنة المندفعة عبر الأعمدة هي امتداد لما يجيش في أعماق بطل القصة من أمواج الرفض والتمرد، ثم الثورة(72)".‏

البحر هنا هو منبع للقلق والسأم، والإحساس بعدمية الحياة، وقد تولد هذا الموقف عن الانعكاس الرومانسي لحالة نفسية (حسين) على الأشياء التي لها صلة بالبحر، مثل الأمواج والأعمدة المنتصبة في مياهه، وكذلك الروائح الكريهة التي تنبعث من مياه الشاطئ، كما أن هذا الإحساس ناشئ عن الشعور الباطني لدى الشخصية عن البحر الذي حمل إلى الجزائر جيوش الاستعمار والدمار. وإن الغاية من هذا الشعور، هي أن البطل لا يرغب في إقامة أية صلة ودية مع البحر قبل تطهيره، وقبل أن يكفر عن ذنوبه، وقد تجلى هذا البعد في اختياره للبحر طريقاً للهجوم على الثكنة العسكرية.‏

ومهما يكن، فإن للبحر في هذه القصة حضوراً كثيفاً انطوى على فوائد فنية ثرية وقد قام بدور الشخصية المساعدة، وبدور الشخصية المعارضة في الآن نفسه، إلا أن الانتصار كان للشخصية الخيرة والمعاونة على رسم الحدث القصصي ضمن الرؤية الفكرية التي أراد بقطاش تصويرها.‏

ثانياً: قصة جراد البحر:‏

تدل قصة "جراد البحر" على مدى تطور الوعي الفني لدى مرزاق بقطاش، وعلى تطوير أدواته الفنية لاستغلال إمكانيات البحر بكل ما يشيعه من إيحاء وأجواء.‏

وتتبين كثافة البحر في القصة من خلال سيطرة القاموس اللغوي البحري عليها، حيث تواترت كلمة البحر في (15) خمس عشرة جملة أساسية، كما تواترت المعاني التي تدل عليه أربعاً وعشرين مرة.‏

وقد عرض مرزاق بقطاش حدث قصته "جراد البحر" بالطريقة التقليدية التي تعتمد على النمو السببي للحدث القصصي، وركز في بداية القصة على إبراز ملامح البيئة البحرية فنقل صورة الشاطئ نقلاً مكثفاً وموحياً، وضمنه كل عناصر الحدث التي تطورت فيما بعد. إن رائحة الأعشاب البحرية اليابسة تزخم أنف البطل و "الزورق منطرح على الرمل، وقد انعكست على جوفه أضواء ليس يدري مصدرها. فالقمر غائب، والنجوم بعيدة جداً. خرخرة الموجة تتردد بانتظام على الرمل تتطامن قليلاً، وتعاود الكرة(73)".‏

ولم يهمل في المقدمة الإشارة إلى المنارة التي جعلها تقوم بدور مهم في تنامي الحدث، وكذلك الإشارة إلى الصخور التي كونت خليجاً واسعاً تحول فيما بعد إلى مرتع خصب لجراد البحر.‏

إن مقدمة هذه القصة لتعد نموذجاً جيداً للمقدمة الناجحة لما تحمله من إشارات وكثافة وإيحاء، فقد مهدت للشخصية والبيئة والزمن إلى غير ذلك من عناصر اتضحت معالمها خلال تطور الحدث القصصي الذي بلغ ذروته عندما خطا البطل بضع خطوات على رمل الشاطئ، ثم توقف حيث أصابه خوف من أن يهاجمه الحراس وتنامى ذعره حين سمع صفيراً حاداً قطع هدوء الشاطئ، وببراعة صور بقطاش شعور البطل بالخوف في هذه اللحظة بقوله: "وأحس برعشة الخوف تعروه. لعلهم تبادلوا الكلمة لإلقاء القبض عليه، قد يكونون وراء القصب الملتف، ووقف في مكانه، وقد غاصت رجلاه في الرمل الندي(74)".‏

إلا أن الحدث بدأ في الانحدار، وبسرعة نحو نهاية القصة عندما سمع الصياد صفيراً آخر حاداً خرج أثره طائر ضخم من قلب القصب وعرج فوق الخليج ثم غاب(75)، فطوى الصياد سرواله، ثم ألقى بقفته داخل الزورق، ودفع به نحو ماء البحر(76).‏

وتدل خاتمة القصة على استمرار الصراع بين بطل القصة، والحراس، كما تصور الظروف النفسية والاجتماعية التي يعمل فيها(77).‏

وبهذا نجح بقطاش نجاحاً كبيراً في توظيف الطريقة التقليدية لبناء الحدث وتطويره معتمداً على نظام السببية، وقد بررت المقدمة والعقدة والنهاية في النص القصصي بوضوح ولعل أبرز مزية فنية هي وحدة الحدث الذي ظل القاص طوال النص مركزاً جهوده لإبرازه وتصوير أركانه.‏

ب-الشخصية:‏

اعتمد مرزاق بقطاش الطريقة التحليلية في رسم شخصية (الصياد) في قصته (جراد البحر)، وجعل سرد الحدث على لسان ضمير الغائب المفرد المذكر "هو"، واعتمد عدة مرات على أسلوب التداعي من خلال جمل قصيرة لإبراز بعض الصفات الداخلية لبطل القصة.‏

وأسهم عنصر السرد أيضاً في تصوير بعض صفات هذه الشخصية والتعبير عن حالتها النفسية "إنه يحس بنوع من القشعريرة تسري في جسمه"(78) كما عبر السرد عن مواقف الصياد من النقابة الوطنية للصيادين، إنها أنشئت من أجل استغلال الصياد واستنزاف الخبرات التي اكتسبها طوال أربعين سنة أتقن خلالها مهنة الصيد أحسن الاتقان، واكتشف مناطق الصيد الجيدة كلها، وقد تجلت كراهيته لحراس البحر من خلال بعض الصفات التي شتمهم بها كنعتهم بالكلاب(79)، وبالملاعين(80)، والسخرية بهم، جاء على لسانه: "بالأمس القريب فقط كانوا يحملون السلع في الميناء على ظهورهم، واليوم أصبحوا صيّادين مهرة(81)، كما تمنى أنه لو لم يتزوج، وأنه لو لم ينجب خمسة أطفال لأذاقهم ألواناً من السخرية(82)، وبذلك حاول القاص أن يغزو(83)، أعماق نفس بطل قصته ونجح نجاحاً كبيراً، ووفق في التعبير عن معاناته الفردية، ومع ذلك فإنه قد سقط فكرياً، وأسقط مواقفه من بعض القرارات السياسية التي اتخذت منذ عام 1972 لصالح الفئات الشعبية، كتأميم الصيد البحري وإخضاعه للقطاع العام.‏

ولم يستطع القاص إخفاء انحيازه ومعاضدته لأفكار الصياد والتي يبدو بعضها ساذجاً، مثل ندمه على الزواج وإنجاب خمسة أطفال ضاعفوا مصيبته، وحملوه مسؤولية شاقة، وأمنيته بأن يذيق الحراس ألواناً من السخرية(84).‏

ولا تعني هذه الملاحظات إخفاق القاص في عرض شخصية البطل، عرضاً فنياً، فقد كان نجاحه في تصويرها باهراً، هذا زيادة على التزامه بوحدة الشخصية طوال النص القصصي، وتركيز همه على تصوير ملامحها الداخلية.‏

وقد تعد هذه القصة نموذجاً راقياً للأدب الواقعي، تعبر أصدق تعبير عن المرحلة الجديدة لعمر التجربة الإبداعية للقاص مرزاق بقطاش.‏

3-أحمد منّور:‏

القاص أحمد منوّر واحد من أدباء الحركة الأدبية الجديدة، قال عنه الناقد الجزائري الدكتور محمد مصايف إنه "الكاتب الواعي الذي يريد خدمة الأدب الجزائري المعاصر في صمت، وتطوير هذا الأدب في إطار المسيرة الثورية التاريخية العامة التي تشهدها بلادنا منذ الاستقلال...(85)".‏

ركز أحمد منور على تصوير المظاهر المتناقضة التي نشأت بين فئات المجتمع الجزائري عقب الاستقلال، والتي أدت إلى تمايز طبقتين الأولى تميزت بالثراء والغنى، بينما تكوّن الثانية مجموع السواد الأعظم من المجتمع الجزائري، وتتصف بالسعي الدؤوب من أجل الحصول على قوت حياتها، أو توفير بعض شروط الحياة الجديدة.‏

كتب منور حول هذا التناقض الذي نشأ ونما وفضح الظروف التي أوجدته، ولذلك فإن شخصيات قصصه ينتمون في معظمهم إلى أوساط شعبية بسيطة وفقيرة وطيبة(86)، وقد نتج عن هذه الرؤية عدم اهتمامه بفكرة البطل في القصة، وكذلك فإن تطلعات شخصياته القصصية بقيت محدودة، لكنها تتميز بوعيها بمحيطها الاجتماعي الذي تعيش فيه(87)، وقد جعلتها هذه الخاصية تحافظ على نكهة الطابع المحلي(88)، مما يعبر عن أصالة الكاتب وصدقه الفني واحترامه لأحاسيس شعبه، وكثيراً ما استلهم من حكايات بيئته أشكالاً فنية لقصصه.‏

وبهذا نالت أعماله الأدبية احترام العديد من الباحثين والنقاد. قال عنه الدكتور عبد الله خليفة ركيبي "الذي يطمئنني هو أن الكاتب يسير بثبات ويسعى جاهداً لتطوير أسلوبه الرؤية، ويؤمن بالإنسان البسيط الذي يناضل ضد ظروفه وضد العوامل التي تشده إلى الخلف وحين يؤمن الكاتب بقضية فإن موقفه يشفع له فيما يمكن أن تختلف معه فيه، كذلك حين نلمس الصدق في الأديب فإننا نبتهج بما يضيفه للأدب والفن من جديد..."(89).‏

أما محمد زتيلي فرأى فيه أدباً هادئاً عميقاً" يعمل بعيداً عن التهريج(90)، وتعد قصته "هلال"(91)، نموذجاً لمرحلته القصصية الأولى، أما قصته "الصداع"(92) فتعد نموذجاً للعمل القصصي المتكامل في مرحلته الثانية، والتي أثبت فيها موهبته الأدبية، فنال عليها جائزة الأدب في مسابقة الذكرى العشرين لثورة نوفمبر المجيدة(93).‏

(1) د.محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث: اتجاهاته وقضاياه الفنية (1925-1975) - (ط1)- دار المغرب الإسلامي- بيروت 1985م-ص 161‏

(2) بلقاسم بن عبد الله (حوار أجراه مرزوق عبد الرحيم) - جريدة النصر 7 ماي 1980 -ص 11‏

(3) د. عبد الله خليفة ركيبي: "احتراق" -"مجلة المجاهد الثقافي" -عدد 8 جوان 1969م‏

(4) مقالنا: نظرة من الداخل إلى مسيرة الحركة الأدبية في الجزائر -مجلة (الطليعة الأدبية) -وزارة الأعلام العراقية -عدد 6. بغداد 1979- ص16‏

(5) د. عبد الله خليفة ركيبي: الأوراس ودراسات أخرى (دراسة) -(ط1) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -الجزائر عام 1982-ص 178.‏

(6) د. محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث- ص166‏

(7) مجلة آمال العدد الأول أفريل 1969 -وزارة الأخبار (وزارة الثقافة والسياحة حالياً). الجزائر‏

(8) مالك حداد: كلمة العدد (مقال) -المرجع نفسه -ص3‏

(9) نظرة من الداخل إلى مسيرة الحركة الأدبية في الجزائر- ص20‏

(10) عبد الله بن حلي، القصة العربية الحديثة في الشمال الافريقي ص 194.‏

(11) د. عبد الله خليفة ركيبي: الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى -ص163‏

(12) د. عبد الله خليفة ركيبي: تطور القصة الجزائرية القصيرة -مجلة الآداب ع 10- سنة 1977، بيروت -ص 102‏

(13) حمدان الجزائري: ملتقى الشعراء الشباب- مجلة (الأثير) السنة الأولى العدد الثاني 1 ماي 1972-ص 11‏

(14) فاز بالجائزة التشجيعية عام 1969 في مسابقة أحمد رضا حوحو لأحسن قصة، وكان عنوان قصته: "عندما يجوع البشر"‏

(15) محمد زيتلي ( حوار مع محمد زتيلي مجلة الشباب - عدد 157- الجزائر- ص45.‏

(16) مصطفى صواق: الحركة الأدبية في الجزائر بين موضة الشيوخ والشباب والأيديولوجيا (مقال) -مجلة الثقافة والثورة- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي -عدد 2-ص 97و98‏

(17) محمد الصالح حرز الله: حوار معه أجراه راضي صالح -نشرته مجلة الكفاح العربي- بيروت -في 28/9/1981م - ص 48‏

(18) مقالنا: نظرة من الداخل إلى مسيرة الحركة الأدبية في الجزائر -ص 21‏

(19) د. عبد الله خليفة ركيبي: الأوراس ودراسات أخرى -ص 164‏

(20)محمد أمين الزاوي: مشروع رؤية نقدية للقصة القصيرة في الجزائر ما بين (1970-1997) -(مقال)- مجلة آمال- عدد 46- الجزائر 1978م -ص 11‏

(21) عبد الله بن حلي: القصة العربية الحديثة في الشمال الإفريقي -ص 223‏

(22) مصطفى صواق: الحركة الأدبية في الجزائر (مقال) مجلة الثقافة والثورة -عدد 2- ص 97-98‏

(23) مصطفى فاسي: الأضواء والفئران، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1980‏

(24) الأضواء والفئران- ص9‏

(25) المصدر نفسه- ص7‏

(26) ص 7‏

(27) ص 12‏

(28) ص 13‏

(29) ص 10‏

(30) ص 54‏

(31) ص 53‏

(32) ص 53‏

(33) ص 59‏

(34) ص60‏

(35) ص56‏

(36) ص58‏

(37) ص 61‏

(38) ص62‏

(39) د. عبد الملك مرتاض: الشخصية في القصة الجزائرية المعاصرة (مقال). مجلة الكاتب العربي دمشق- العدد 7- 1984-ص31‏

(40) واسيني الأعرج: بانوراما القصة الجزائرية القصيرة من سنة (1970-1978) (مقال) -مجلة الموقف الأدبي- دمشق- العدد 99 تموز 1979-ص 63‏

(41) لقاء مع أديب البحر مرزاق بقطاش- حوار نقله إلى العربية ديواني عبد الغني جريدة النصر - 8-4-1985-ص11‏

(42) نفسه ص 11‏

(43) ص11‏

(44) زهير العلاف: مرزاق بقطاش بين المخاض والولادة (مقال) جريدة الشعب -الجزائر 15-9-1985-ص11‏

(45) مصطفى نطور: جراد البحر (مقال)- مجلة آمال عدد 53- الجزائر 1978- ص 74‏

(46) مرزاق بقطاش: جراد البحر (مجموعة قصصية) -مجلة آمال عدد45- الجزائر 1978-ص 13‏

(47) جراد البحر -ص 13‏

(48) المصدر نفسه 20‏

(49) ص 18 و 19‏

(50) ص 20‏

(51) ص 20‏

(52) ص 25‏

(53) ص26‏

(54)‏

(55) ص 24‏

(56) ص 25‏

(57) الطاهر وطار: اللاز (رواية) - (ط2)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر 1978-ص 223‏

(58) أبرز هؤلاء المناضلين، الدكتور فرانز فانون‏

(59) جراد البحر -ص13‏

(60) المصدر نفسه - ص16‏

(61) ص 16‏

(62) ص 19‏

(63) ص19‏

(64) ص 26‏

(65) ص26‏

(66) ص17‏

(67) ص26‏

(68) ص16‏

(69) ص24‏

(70) ص21‏

(71)ص 13‏

(72) بوجادي علاوة: ثورة نوفمبر في إبداعات القاصين الشباب (مقال) مجلة الجيش -تصدرها الإدارة المركزية للمحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي- الجزائر- عدد 212- نوفمبر 1981-ص41‏

(73) مرزاق بقطاش: جراد البحر -ص139‏

(74) جراد البحر -ص 139‏

(75) ص139‏

(76) ص136‏

(77) ص136‏

(78) ص136‏

(79) ص137‏

(80) ص138‏

(81) ص138‏

(82) ص138‏

(83) زهير العلاف: مرزاق بقطاش -بين المخاض والولادة (مقال) -صحيفة الشعب‏

15/4/1980-ص11‏

(84) مرزاق بقطاش: جراد البحر-ص138‏

(85) د. محمد مصايف: دراسات في النقد والأدب -ص151‏

(86) حسين نصر الله حوار مع أحمد منور، مجلة الهدف -ع 476-ص20‏

(87) نفسه -ص20‏

(88) اسماعيل غموقات: الصراع (مقال) -مجلة المجاهد، عدد 1033-ص42‏

(89) د.عبد الله خليفة ركيبي: مقدنة الصداع وقصص أخرى -الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر 1979-ص9‏

(90) محمد زتيلي: الجانب الاجتماعي في مجموعة "الصداع"، (مقال)- جريدة النصر قسنطينة 15/10/1980- ص11‏

(91) أحمد منور: الصداع وقصص أخرى أخرى (مجموعة قصصية) -ص105 إلى 112‏

(92) الصداع وقصص أخرى -ص 73 إلى 77‏

(93)د. عبد الله خليفة ركيبي: مقدمة الصداع وقصص أخرى -ص6‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244