الشــــــعر الموريتـاني الحـــديث مـــن 1970--- إلــى 1995 - تأليف د. مباركه بنت البراء (باته)

دراسة نقدية تحليلية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصـــــــــــل الثــــالــــث : البنيـــــــة الإيقــاعيـــــــة

البنية الإيقاعية

يعتبر الربط بين التجربة الشعرية وتشكيلها الموسيقي إنجازاً من إنجازات الشعر الحر الإبداعية، فكل قصيدة ترى أن تستمد موسيقاها من تشكيلها الذاتي، من غير أن تخضع لمنطق موسيقي ما قبلي لا يراعي خصائصها النفسية والشعورية، إلا أن هذه الثورة لم تصل إلى حد الخروج المطلق على النظام الموسيقي العربي، فما زال الشعر الحر يعتمد أسسه العروضية كالتفعيلة ونظام توالي المقاطع بحيث لا تعدو البنية الإيقاعية الجديدة أن تكون تطويراً للبنية الإيقاعية القديمة، فهناك عناصر أساسية في الشعر هي عناصر إيقاعية كالبحر والقافية والروي وهي كلها منظمة لحركة الإيقاع الخارجية، ويركز الشعر الحديث على إيقاع داخلي يبرر اختفاء القافية والروي والتفعيلة الموحدة، واستبدالها بالتفعيلة غير المحددة، والقافية المتنوعة، ولا يقتصر هذا الشعر على تشكيل التفعيلة وتلوين القافية وجرس الحروف وإنما يستجيب لحاجات نفسية أخرى يصبح معها "الإيقاع هو إيقاع النشاط النفسي الذي من خلاله ندرك ليس فقط صوت الكلمات بل ما فيها من معنى وشعور(1) .

ولتحديد المفاهيم سنعرض بإيجاز أهم المكونات الإيقاعية التي سنتعامل معها في دراستنا هذه المدونة علماً بأن من هذه المكونات القديم المتعارف في كتب العروض والشعر ومنها الجديد الذي عرف مع التنظير للقصيدة الجديدة، ونذكر من هذه المكونات الإيقاعية:

1- البحر : وهو أكبر وحدة عروضية ينتمي إليها البيت وهو السطر من الشعر القديم، ويتألف -عادة- من شطرين الصدر والعجز)، ويعتبر البيت تاماً إذا لم يصبه جزء ولا شطر ولا نهك(2) .

وتصنف نازك الملائكة البحور إلى صنفين: بحور صافية وهي ميدان الشعر الحر ومركبه الذلول، وبحور ممزوجة وتحظر استعمالها على الشاعر الحديث لأنها ترى أن موسيقى هذه البحور وإيقاعها لا يلائمان السطر الشعري(3) .

ورغم هذا فإن الشاعر الحديث تجاوز كل هذه التحديدات التي أسست لها نازك في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" ورأى فيها نظرة شكلية للشعر في حين أن "التجديد- كما يراه المحدثون- هو في العالم الذي يؤسسه، والرؤى التي يكشف عنها والآفاق التي يفتحها للحساسية والفكر، إذ لم يعد "الشكل" فيه هدفاً أو غاية، وإنما الهدف هو توليد فعالية جمالية جديدة(4) .

2-السطر الشعري : وهو البنية البديل للبيت ويضع له النقاد المحدثن حدوداً أقصاها أن يأتي تسع تفعيلات، وأقلها أن يكون تفعيلة واحدة(5) ، مع أن الشعراء المحدثين لم يأبهوا لهذه القوانين بل تجاوزوا به طوله المحدد أحياناً كما وصلوا به إلى أن يقتصر على وتد أو سبب خفيف.

3-التفعيلة : وهي الوحدة المكونة من مجموعة من الحركات والسكنات وما يعرف في عرف العروضيين بـ "الأسباب والأوتاد"(6) وهي ملتزمة العدد والنوع في البحر عادة، وتبرز في الشعر الحديث الوحدة الإيقاعية البديل للبيت بمفهومه القديم.

4-القافية : "وهي عدةة أصوات تتكرر في أواخر السطر والأبيات من القصيدة وتكرارها هذا يكون جزءاً هاماً من الموسيقى الشعرية فهي بمثابة الفواصل الموسيقية التي يتوقع السامع ترددها في فترات زمنية منتظمة"(7) .

وهذا التكرار ركن مهم في موسيقى القصيدة، وتمكن الشاعر من ضبط القافية حسب ما رسم له يعد فضلاً لأن "المطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي وأراك في صدر بيته عجزه وفي فاتحته قافيته")، وأي خروج أو شذوذ على هذا النظام يعتبره القدماء عيباً ويرد شعر صاحبه، وبالمقابل يرى المحدثون القافية أحد القيود التي تحد من انسياب الدفقة الشعورية في البيت) وترغمه على التوقف، وبذلك تتحول من كونها هي التي "تميز نهاية البيت إلى كون نهاية البيت هي التي تميز القافية").

5-الروي : وهو الحرف الأخير من البيت، لا يدخل في إطار الموسيقى إلا بصفاته الصوتية، والتزامه أقل حدة من التزام القافية وإن كان هو المتبع المستجاد، ويحاول الشاعر الحديث التخلص منه بطرق شتى).

وبرجوعنا إلى المتن موضوع الدراسة سنجد أن الشعراء انطلقوا في كثير من الأحيان من مماسات عروضية تقليدية، وقلما خرجوا على الإمكانات الإيقاعية المقننة.

وسننطلق في دراستنا البنية الموسيقية لهذا المتن الشعري من مستويين موسيقيين:

أ-موسيقى خارجية: ونقصد بها الأوزان العروضية والقوافي والروي.

ب- موسيقى داخلية: ويحددها التكرار وجرس الحروف والتوازي.

1-البحور المستعملة:

عند مراجعة القصائد يمكن أن نصنفها إلى معتمدة على البحور الصافية لا تخرج عنها إلا في القليل النادر، وبحور ممزوجة مزجاً ناتجاً عن دخول تفعيلة في سياق تفعيلة البحر الأصلية، أو بالاعتماد على الجوازات، وهو ما ستنتج عنه لبعض البحور أشكال تخرجها عن أصلها، كما أن هناك خروجاً لبعض القصائد إلى أفق السريع والمضارع وهما بحران ممزوجان، ويمكن أن نستنطق الجدول التالي لمعرفة البحور المستخدمة في هذه المدونة:

 

جدول البحور المستخدمة:

الشاعر

المتقارب

الكامل

الرجز

السريع

المضارع

المجموع

أحمد بن عبد القادر

4قصيدة

2قصيدة

2قصيدة

   

8قصيدة

محمد بن إشدو

 

3قصيدة

     

3قصيدة

محمد الحافظ

 

1قصيدة

     

1قصيدة

ناجي لمام

4قصيدة

     

1قصيدة

5قصيدة

محمد بن عبدى

2قصيدة

2قصيدة

     

4قصيدة

مباركه

 

1قصيدة

3قصيدة

   

4قصيدة

عبد الله بن عمار

 

1قصيدة

1قصيدة

   

2قصيدة

ابراهيم

   

1قصيدة

1قصيدة

 

2قصيدة

فاضل

   

1قصيدة

   

1قصيدة

العدد

10

10

8

1

1

30قصيدة

النسبة المائوية لكل بحر

33.3%

33.3%

26.20%

3.33%

3.33%

 

يكشف لنا هذا الجرد عن ظاهرتين أساسيتين أولاهما:

- سيطرة البحور الصافية على المتن بحيث لا يشذ عن هذه القاعدة إلا قصيدتان.

- أما الظاهرة الثانية فهي اختيار الشعراء ثلاثة بحور صافية من أصل ستة هي: المتقارب، الكامل، الرجز، لصوغ تجربتهم ويأتي بحر المتقارب بتفعيلته الراقصة على رأس بحور المدونة، أما الكامل فيكاد يكون أكثرها شيوعاً لدى الشعراء فثلثا شعراء المدونة نظموا فيه، والملاحظة الأساسية سيطرة البحر على الشاعر بحيث لا يكاد يخرج عنه إلا لماما، فناجي وأحمد يسيطر عليهما المتقارب، وقصائد محمد بن عبدي تأتي مناصفة بين المتقارب والكامل، ومباركه يغلب لديها الرجز، أما محمد بن إشدو فلم يخرج عن دائرة الكامل مطلقاً: وسنرى تشكل البحور ومدى خروج الشاعر عن التفعيلة الأصل:

1-المتقارب:

وقد ظلت تشكلته في مجمل القصائد محافظة على الأصل لا تخرج عنه إلا بتأشرة الجواز المعروفة ولنأخذ مقطعاً من قصيدة أحمد "أمير الخالدين" لنرى كيف تعامل مع هذا البحر:

رحلت وعند من الذكريات فعولن فعولن فعولن فعولُ

لشنقيط باقات ود حميم فعولن فعولن فعولن فعولن

تعيش مع القلب فعولُ فعولن فُ

تنبض دوما عول فعولن

بعرف الوفاء فعولن فعول

بالنظر إلى هذا المقطع نجد أن الشاعر لم يخرج على وزن المتقارب "فعولن" وإنما لحق السطر الأول والأخير زحاف القبض(8) وهو شائع معروف في هذا البحر كما اعتمد الشاعر نظام التفعيلة في التوزيع ونجد السطر الثالث يأخذ سبباً من السطر الرابع "ف" وهو فصل يسوغه التدوير وللتدقيق أكثر في وزن المتقارب سنرى توزيعاته من خلال نموذجين بارزين هما: "السفين" لأحمد و"هم الأهل" لناجي وسنحاول أن نرصد نوع هذه التفعيلات الأصلية للبحر وجوازاته قديماً ونسب تكرارها كما يلي:

 

النموذج1:

التفعيلة

القصيدة

فعولن

نسبة التكرار

فعول

نسبة التكرار

فعول

نسبة التكرار

السفين

190

42.6%

106

23.6%

35

7.8%

هم الأهل

93

46.9%

62

31.3%

10

0%

نلاحظ أن نسب التفعيلة الأصل مرتفعة بالمقارنة مع نسب التفعيلات الجوازية، وهذا ما يخول القول أن الارتباط بالتفعيلة وشكلها القديم ظل طاغياً وهو ما سيؤكده جدول التفعيلات الجديدة الداخلة في سياق البحر:

النموذج2:

التفعيلة القصيدة

فاعلن وجوازاتها

نسبة تكرارها

مستفعلن وجوازاتها

نسبة تكرارها

مفاعلين وجوازاتها

نسبة التكرار

السفين

93

20.8%

18

4%

3

0.6%

هم الأهل

25

12.6%

2

1%

6

3%

نلاحظ وكما أسلفنا ارتفاع نسبة التفعيلة تبعاً لمدى خضوعها للنهج القديم ولكن يستثنى من هذا "فعول" لأنها مصابة في نظر العروضيين بعلة القصر(9) كما نلاحظ تواتر "فاعلن" ومشتقاتها نسبياً حيث بلغ 20.8%) في السفين و12.6%) في "هم الأهل" ولذلك فإننا سنحاول إيجاد تحليل لدخول هذه التفعيلة في سياق المتقارب. لئن كان كمال أبو ديب يؤكد على العلاقة الموجودة بين هاتين الوحدتين ثم يصف دخول فعولن في سياق المتدارك فاعلن) ويقر بأنه لا يعرف "أمثلة للتحرك من فعولن) إلى فاعلن)(10) .

فإننا سوف نبين هذا التحول من فعولن إلى فاعلن وإن كان لا يصل حدا من الإطراد نستطيع معه أن نعمم أن فاعلن أصبحت من إيقاع المتقارب وإنما نشير إلى ذلك لإثارة الفضول المعرفي لدى الباحثين.

وبخصوص دخول فاعلن) في سياق فعولن في هاتين القصيدتين يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:

 

أ- تدخل هذه التفعيلة على شكل، فاعلن- فعلن- فاعل- ولكن بنسب متفاوتة كما يوضح الجدول التالي:

التفعيلة

القصيدة

عدد فاعلن ونسب تكرارها

عدد فعلن ونسب تكرارها

عدد فاعل ونسب تكرارها

عدد فاعل ونسب تكرارها

هم الأهل

8

7

4

7

 

4%

3.5%

2%

3.5%

السفين

35

26

01

23

 

7.8%

5.8%

0.20%

5.1%

ب- يلعب التدوير دوراً في تداخل التفعيلتين ذلك أن فعولن تنتهي بسبب وبه تبدأ فاعلن، وعلى هذا الأساس تدخل فاعلن) على النحو التالي:

تكون بداية كما في السطر الأول، من "هم الأهل"

و"تمتر ست الزهرة بالدمعة"

وهو ما نجده أوضح في السطرين الخامس والسادس

فطوبى لساكنه من طلل

حين يفقد رب الهجائن حاجزه

فمثلاً عندما نقرأ السطر الأخير دون اعتبار للتدوير، نجد أنه يبدأ بالتتابع فاعلن) أما إذا اعتبرنا التدوير فإننا نصل بين السطرين فيتواصل التتابع فعولن)

ولا يمكن أن نغفل في هذا الصدد الدوائر الخليلية حيث أن البحور تم تصنيفها فيها على أساس إيقاعي "والمتقارب" والمتدارك ينتميان لنفس دائرة المتفق(11) .

2-الكامل:

ويحتل نفس الدرجة التي يحتلها المتقارب من حيث التواتر، وتسيطر في تشكيلته الجوازات المعروفة أغلب الأحيان، نتبين ذلك من النماذج التالية:

 

نموذج 1:

تشكيلة التفعيلة

العدد

نسبة التكرار

نوع الزحاف أو العلة

مُتفاعِلُنٌ

72

48.97%

من النوع التام

مُتْفَاعِلُنٌ

44

29.9%

زحاف الأضمار)

مُتَفَاعِلاَنْ

15

10.20%

علة زيادة التذييل)

مُتْفَاعِلاَنْ

10

0.48%

إضمار+ تذييل

مُتَفَاعِلاتُنْ

1

0.68%

علة زيادة الترفيل )

مُتَفَاعِلُ

1

0.68%

زحاف الكف)

مُتْفَاعْ

1

0.68%

علة البتر)

مُتَفَاعِلْ

1

0.68%

علة القطع )

مُتْفَاعِلْ

1

0.68%

بتر+واضمار

مُتْفَا

1

0.68%

حذف)وإضمار

نموذج 2: قصيدة مباركة "القافلة(12)

تشكيلة التفعيلة

العدد

نسبة التكرار

نوع الزخارف أو العلة

مُتَفَاعُلنْ

29

29.89%

النوع التام

مُتْفَاعلُنْ

37

38.1%

إضمار زحاف)

مُتْفَاعِلانْ

17

17.52%

إضمار +تذييل علة وزحاف)

مُتَفَاعِلانْ

8

8.24%

تذييل علة)

مُتَفْعِلنْ أو مُتفَاعِلُنْ

5

5.05%

وقص وزحاف

مُتْفَاعِلاتُنْ

1

1.03%

ترفيل علة)

نموذج 3: الأرض السائبة لمحمد بن عبدى)

تشكيلة التفعيلة

العدد

نسبة التكرار

نوع الزحاف أو العلة

مُتَفاعلنْ

44

26.50%

تفعلة تامة

مُتْفاعلنْ

70

42.16%

إضمار

مُتَفاعلانْ

28

16.68%

تذييل

مُتْفاعِلانْ

20

12.40%

إضمار +تذييل

مَفَاعِلُنْ

1

0.6%

وقص

مُتَفَا

1

0.6%

حذف

فاعِلُنْ

2

1.2%

تخرج عن الجوازات العروفة لتفعلة الكامل

انطلاقاً من النماذج السابقة تتهيأ لنا الملاحظات التالية:

أولاً : أن هناك تشبثاً بنظام التفعلة في البحر وعدم الخروج عليه إلا في حدود ما تبيحه الجوازات العروضية المتواضع عليها.

ثانياً : سيطرة التفعلة الأصل لبحر الكامل متفاعلن أو متفاعلن في شتى النماذج السابقة، وهو ما تبرزه النسب المائوية.

ثالثاً : التداخل الواضح بين الكامل والرجز في هذه القصائد بحيث أن تسكين الثاني من متفاعلن يحولها إلى مستفعلن، واستغلال الشعراء هذا الجواز كاد يهيمن على التفعلة الأصلية وذلك لخفته وانسيابيته.

ففي القصيدة الأولى تمثل متفاعلن نسبة 48.97% ومتفاعلن أو مستفعلن 29.9% والقصيدة الثانية تمثل متفاعلن نسبة 29.89% ومتفاعلن أو مستفعلن 38.10% والقصيدة الثالثة تمثل متفاعلن نسبة 26.50% ومتفاعلن أو مستفعلن 42.16%.

وهذا ما يقودنا إلى الملاحظة الرابعة وهو أنه كلما تقدمنا زمنياً مع القصائد كلما خفت سيطرة التفعلة الأصل، واستعيض عنها بجوازاتها.

رابعاً : أن الشاعر الموريتاني، وإن تجنب الخروج على التفعيلة الأصل، فإنه استغل كل إمكاناتها عروضياً بحيث نجد في النموذج الأول استكمالاً يكاد يكون وافياً لكل تشكلات تفعيلة الكامل: بالزحافات المفردة والمزدوجة وبعلل الزيادة والنقص عشر تشكلات).

أما النموذج الوحيد الذي شذ عن القاعدة فهو استعمال محمد بن عبدي تفعيلة المتدارك وخلطه بين المستويين الإيقاعيين في السطرين -28و32- من قصيدته السالفة حيث يقول:

كان يا ما كان

كان يا ما كان أن ثار الركاب

فاعلن مستفعلن/ مستفعلان

فتشكله السطر وكما هو واضح ناشزة عن التفعلة الأصل.

أما الرجز ويحتل الدرجة الثانية في المدونة، فقد رأينا كيف تداخل مع الكامل، ولتفعلته الراقصة وسهولته أثر في ذلك حتى عد بحر الضعفاء.

وقد ظل الرجز في التراث الموريتاني المركب الذلول للأنظام الفقهية والنحوية والسير وضبط بعض المسائل إلا أنه يقل في الدواوين الشعرية.

ومن الملاحظ أن القصيدة التفعيلة أعطته دفعاً فاحتل مرتبة بين البحور الرائجة في القصيدة المعاصرة، وهذا ما يتضح في ميدان المقارنة.

-سنأخذ نموذجين للرجز ونرى من خلالهما مدى حفاظ الشاعر أو خروجه عن التفعيلة الأصل وهما قصيدة "يا سيدي الهمام" لفاضل بن الداه وقصيدة "الطير الأبابيل" لإبراهيم بن عبد الله:

النموذج 1:

تشكيلة التفعيلة

العدد

النسبة المائوية

نوع الزحاف أو العلة

مُسْتَفْعِلُنْ

38

42.69%

تفعيلة صحيحة

مُتَفْعلنْ

31

34.83%

خبن زحاف)

مُتَفْعلانْ

7

7.78%

خبن +تذييل علة)

مُسْتَفْعِلانْ

3

3.37%

تذييل

فَعُولُ

10

11.23%

خبن +قطع

وكما نلاحظ فإن التفعيلة الأخيرة تدخل ضمن تشكل المتقارب إلا أنها ترد في أضرب أعاريض الرجز مستعلن، مستفعلن، فعولن، أو فعول) ويسمون هذا الضرب مقطوعاً أو مكبول وقد لا يعي الشعراء حجية هذا الخلط بين المستويين الإيقاعيين عروضياً إلا أنهم يسيرون إليه بدافع النغم، لا يحسون فيه نشازاً وهذا ما دفع نازك إلى اعتبار هذه التشكلة المركبة من الرجز والمتقارب بحراً جديداً اكتشفته هي وأجازت للشعراء النظم فيه(13)

نموذج 2: الطير الأبابيل لابراهيم بن عبد الله

 

نوع التفعِلة

العدد

النسبة المئوية لورود البحر

الرجز

مُسْتفعلنْ

مُتَفعلن

مُتَعِلنْ

4

6

1

26.82%

المتدارك

فَاعلُنْ

فَعِلنْ

فَعْلنْ

فاعِلاَنْ

فَاعلْ

4

2

2

1

1

24.39%

***

المتقارب

فَعُولُنْ

فَعُولُ

فَعُولْ

5

3

1

21.95%

***

الرمل

فَاعلاَتُنْ

فَعِلاتُنْ

فَاعَاتُنْ

4

1

1

14.63%

***

الهزج

مَفاعيلُنْ

مفاعيلُ

مَفَاعِلُ

1

1

1

7.31%

***

الكامل

مَتَفَاعلُنْ

مُتَفَاعْ

1

1

4.87%

تبرز المقارنة بين النموذجين اختلاهما موسيقياً وإيقاعياً ففي الوقت الذي حافظ النموذج الأول على البنية الأصلية للبحر ولم يخرج عنها إلا في حدود نغمية مقبولة، نجد النموذج الثاني تحرك في حدود شرعية وغير شرعية، أصبح من الصعب معها، تصنيفه وزنياً فهو يتعدى دائرة المجتلب الرجز، الرمل، الهزج) إلى دائرة المتفق المتقارب، المتدارك) ثم إلى دائرة المؤتلف الكامل)، وهذا التعدي يمثل نقلة إيقاعية جديدة في المدونة. ويكاد الشاعر ابراهيم بن عبد الله يتميز بعدم الحفاظ على الوزن في شتى قصائده والتي صنفنا منها نموذجاً في البحر السريع، رغم أن فيه الكثير من التجاوز، ونلمس هذا الخلط بين الإيقاعات الوزنية المختلفة عند ناجي الإمام في قصائده الأخيرة، حتى السنبلة شابت، التيه والبحر والذاكرة) ومن الضروري أن نذكر في ختام حديثنا عن بحور المدونة، أن هناك سيطرة للبحور الصافية على هذا المتن الشعري بحيث لا تشذ عنها إلا قصيدتان في البحر السريع والبحر المضارع، وكان المعتمد في صوغ التجربة على أبحر "المتقارب"، والكامل، والرجز" وهو ما توضحه الجدولة.

ولعل تشبث شاعرنا بالبحور الصافية ووحدة التفعلة عائد إلى أن القصيدة الحرة ما زالت تبحث عن وسائل التكييف والحظوة لدى القارئ وهو من يعتبرها نثراً خالياً من الوزن.

لذلك قلما يخرج الشاعر على البحر الأساسي إلا ما نجده عند إبراهيم بن عبد الله أو عند ناجي من مزج بين فقرات نثرية وأخرى شعرية في قصيدتيهما "الطير الأبابيل" والتيه والبحر والذاكرة"

وإذا كان الخروج على الإيقاعات المعروفة للبحور ظل محدوداً في المدونة على اختلاف مراحلها فإنه يجب ألا ننسى أن عدول الشاعر المحمل بثقافة تقليدية راسخة عن النماذج التي ألف يبقى غير منسجم مع واقعه النفسي والثقافي والاجتماعي، كذلك فإن خروجه على نظام البيت ذي الشطرين أحياناً يكون مغالطة بصرية كتابية) بحيث لو أعدنا كتابة البيت أو السطر فإنه يعود سيرته الأولى نموذج من قصيدة "هم الأهل" لناجي)(14) .

.. ولى دونكم أهلون..

فوهة راجم..

وطلقة صارخ..

وثار ومخبأ.. وألف عشيق.

يحمل العزم مذهبا

ورفض وحلاج

وأحلام فارس

فإن نحن أعدنا كتابة هذه الأسطر تصبح على الشكل التالي:

ولي دونكم أهلون، فوهة راجم

 

وطلقة صاروخ وثأر ومخبأ

وألف عشيق يحمل العزم مذهبا

 

ورفض وحلاج وأحلام فارس

وواضح أنهما بيتان ملتزمان بتفعلة بحر الطويل، فإذا استثنينا التوزيع الفضائي للكلمات فلن نجد جديداً الآن عدم توحيد الروي ظاهرة قديمة وليست حديثة(15) .

ونجد أن نفس الظاهرة تتكرر عند ناجي في قصيدته "حتى السنبلة شابت":(16)

لها أيطلا جن

ولون غمامة

وآمال إنسان

ورفض ابن أدهم

فليست هذه الأسطر إلا تشطير لبيت تام من الطويل:

لها أيطلا جن ولون غمامة

 

وآمال إنسان ورفض ابن أدهم

وهو بيت يتناص تناصا واضحا مع قول امرئ القيس في معلقته يصف الفرس:

له أيطلا ظبي وساقا نعامة

 

وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

ثالثاً: إذا قارنا هذه المدونة بمدونتين موريتانيتين من الشعر العمودي سابقتين عليها، نلاحظ تراجع بعض البحور عن مكانها وقفز بحور أخرى إلى مرتبة أعلى، فإذا أخذنا مدونة الشعر العمودي لشعراء الوسيط(17) من ص1-190) نجد النسب كما يلي:

البسيط: 24.7%

الطويل: 23.8%

الخفيف: 11.46%

الكامل: 3.8%

المتقارب: 0.80%

المدونة الثانية:(18) وتمتد من 1960، وتضم 43 نصاً وتأتي فيها نسب البحور كما يلي:

الكامل: 34.91%

الخفيف: 23.30%

البسيط: 15.3%

المتقارب: 6.66%

الرمل: 5.81%

الوافر: 3.8%

الرجز: 2.95%

الطويل والمجتث: 1.90%

بمقارنة هذه النسب نجد أن المتقارب الذي كان في آخر درجة في مدونة الوسيط وشغل الدرجة الرابعة في مدونة الستينات أصبح في مدونتنا يتبوأ المرحلة الأولى، والكامل الذي ارتفع من الدرجة الرابعة في أشعار الوسيط إلى المرتبة الأولى احتفظ بهذه الصدارة، أما الرجز الذي كان غفلاً في المرحلة الأولى، واحتل المرتبة السابعة في مرحلة الستينات فقد أصبح يتبوأ الدرجة الثالثة، في حين تراجع الطويل والبسيط والخفيف والرمل والوافر، وبرزت بحور ممزوجة في هذه المدونة الحديثة كالسريع والمضارع لم تعرفها الفترتان السابقتان.

وتؤكد لنا هذه المقارنة أن لدى الشاعر الحديث وعياً بالاختيار الإيقاعي ومحاولة للربط بين هذا الإيقاع والحالة النفسية أو الإبداعية التي يعيشها بحيث يصبح الإيقاع ذا قيمة دلالية بارزة في البنية الكلية للنص.

فلو نظرنا إلى القصائد المعتمدة لوجدناها في مجملها تتناول واقعاً مأساوياً غنياً بالتناقضات ومتأرجحاً بين الحياة والموت، بين النهضة والاندثار، بين الأصالة والاستلاب، وتأسيساً على ذلك نتفهم تلك المزاوجة بين تفعيلات أصل ثابتة وأخرى فرع متغيرة وأحياناً خروجاً على التفعيلة، فعندما نأخذ مثالين من "السفين" وهم الأهل" نجد الكلمات التي تشكل نسقاً إيقاعياً خارجاً تكون في الغالب دالة على خلخلة أو تغيير إنذار بحدث خطير،، نتبين ذلك من الجدول التالي:

نموذج 1:

السطر أو الأسطر التي تحتوي تفعلة فرعا

مساهمة التفعيلة في التعبير عن التغير:

-واعجبا

سفينتكم رفعت كل المراسي

مبحرة

أن فعلن وفاعلن ومتفعلن بدخولها تعبر عن حدث جد يتفاقم كلما تقدمت مع النص حتى يصل إلى مفتعلن، فهو الإنذار بنبوءة العرافة ضاربة الرمل

أمقمرة مثل لون الحليب

أم هي داجية كقلوب الليالي الضريرة

كذلك خروج السطر الثاني عن النسق يدل على أن الاحتمال الأول هو السائد، أما الاحتمال الثاني -رغم أنهم يخشونه- فإنهم يرونه مستبعداً وهو ما يولد توتراً نفسياً وإحساساً بالتغيير ترجمة تغير التفعلة.

قالت: سأصدع بالحق حلفكم سفين

هنا مواجهة الواقع المأساوي تتطلب جهداً وعتاداً مما جعل التفعيلة الجديدة
مفعولن، متفاعلن)، تنبيها موسيقيا إلى ما سيحدث.

نموذج2:

السطر أو الأسطر التي تحوي تفعيلة فرعا

مساهمة التفعيلة في التعبير عن التغير

وتمترست الزهرة بالدمعة

فانداح الطل

على حاجبي طفلة

من بقايا بني عذرة

فطوبى لساكنه من طلل

هذا التغير في ذاته يعني منعرجاً نفسياً سواء بالانتقال من فعولن إلى فاعلن أو العكس كما هو هنا ولكن هنالك دلالة على شدة فاجعة المأساة لا نفهمها إلا بعد أن يتتابع النسق فعولن بانتظام، ذلك أن القصيدة بدأت بالتفعيلة الفرع.

وهذا التعبير المأساوي الناتج عن الانتقال من تفعيلة إلى أخرى يعبر عنه في بعض مدونتنا بالتمسك شبه التام بالتفعيلات القديمة ذلك أن المأساة في هذه الحالة متأتية من الماضي الموريتاني الذي يشكل الحاضر في ثوبه الجديد امتداداً له، حيث لا يبقى من هذا الماضي إلا سلبياته، وهو ما تعبر عنه قصائد "ولد عبدي" وخاصة "مدينة الكلاب" حيث يحافظ على التفعيلات القديمة فعولنُّ، فعولُ، فعولْ)

وأحياناً يتم التعبير عن المأساة إيقاعياً باللجوء إلى إمكانات بحر كثير الجوازات هو الرجز كما في قصيدة "انتظار".

ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا عللنا تداخل التشكيلات في النص الواحد بأنه محاولة من الشاعر -المقيد بتراثه ومجتمعه وواقعه -كسر التواطؤ والتوقع والروتين في الإيقاع الموسيقي للقصيدة، وهو ما يتجلى لنا أكثر في بنية السطر الشعري الجديد.

(1) عبد الحميد جيدة: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر/ ص356

(2) إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر/ ص45/ط1/1978 مكتبة الانجلو مصرية.

(3) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر/ ص89/90/ دار العلم للملايين.

(4) ماجد السامرائي: متوالية التجديد في الشعر العربي /ص12/ دار الحرية للطباعة /بغداد 1967.

(5) ابراهيم أنيس: موسيقى الشعر /ص245.

(6) المرجع السابق/ ص246

(7) المرجع السابق/ ص246

(8) ابن قتيبة: الشعر والشعراء /ص34

(9) محمد بنيس: ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب/ ص66

(10) صفاء خلوصي: فن التقطيع الشعري والقافية /ص38/ طه/ بيروت/ 1974

(11) القبض حذف الخامس الساكن من التفعيلة، راجع موسيقا الشعر العربي تأليف الدكتور النعمان القاضي ووحيد عبد الحكيم -دار الثقافة للطباعة والنشر القاهرة/ ص82

(12) من علل النقص وهو حذف ساكن السبب الخفيف في آخر التفعيلة وإسكان ما قبله، موسيقا الشعر العربي م .س.ذ) ص85.

(13) كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي/ ص90 دار العلم للملايين بيروت /ط1/1979

(14) محمد أحمد وريث: النظائر الإيقاعية في الشعر العربي/ ص123/ المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان -طرابلس /ط1 سنة 1985.

(15) يخص بحر الكامل وهو تسكين الثاني من متفاعلن -موسيقا الشعر العربي/ ص82.

(16) زيادة حرف ساكن على آخره وتد مجموع م.س/ 84.

(17) الترفيل: زيادة سبب خفيف على التفعيلة التي آخرها وتد مجموع م.س.ذ) ص84.

(18) الكف: حذف السابع الساكن من التفعيلة م.س/ ص8.

(19) البتر: علة مزدوجة وهو اجتماع الحذف والقطع في التفعيلة مثل فاعلاتن تصبح فاعل قد تحول إلى فعلن م.س.ذ) ص86.

(20) القطع والإضمار: سبق تعريفهما/ والحذف هو إسقاط السبب الخفيف من آخر التفعيلة م.س.ذ) ص85.

(21) حذف الوتد المجموع برمته مثل مستفعلن) تصبح مستفـ / م.س.ذ) ص85.

(22) المدونة/ ص45.

(23) المدونة /ص96.

(24) راجع نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر/ ص27

(25) المدونة/ ص80/81

(26) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر م. س. ذ) ص8.

(27) المدونة /ص83.

(28) أحمد لمين الشنقيطي: الوسيط في تراجم شنقيط من ص1 إلى 190/ط3 مصر.

(29) راجع الملحق الشعري لرسالة التجديد في الشعر الموريتاني م.س.ذ)

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244