|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
إذا كانت القافية هي الجزء الثاني من حد القدماء الشعر.. "مقفى"، فإن المحدثين حاولوا الخروج عليها بشكلها القديم، وإن كانت تعتبر دون شك مميزاً أساسياً من حيث هي وقفة للنفس في الخطاب الشعري(1) ولن نتناول هنا وظيفة القافية إلا من حيث هي "النهاية التي تنتهي عندها الدفقة الموسيقية الجزئية في السطر الشعري(2) ، ومع ذلك فإننا نعتمد القافية من الناحية الشكلية كما يحددها العروضيون باعتبارها "الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك قبل الساكن الأول"(3) ، وقد يبدو بين هاتين المسألتين تعارض ذلك أن نهاية الدفقة الموسيقية يجب أن تتناسب مع الحالة النفسية والشعورية للشاعر، وبذلك لا يشترط في القافية من هذه الناحية أن تكون نهاية السطر وإنما هي وقفة ارتياح قبل متابعة دفقة موسيقية جديدة.
وبالنظر إلى مدونتنا نجد أنها تحتوي على القافية بهذين المفهومين، أما أحدهما فلا يقيم كبير وزن لوحدة البيت وإنما يعتمد الجملة الشعرية أساساً وهي التي "تقال في نفس واحد وإن جزئت على ثلاث أسطر أو أربعة أو خمسة(4) ، وأما الآخر ونسميه القافية "الأصلية" فهو الذي يعتمد القافية مع تنوع في الروي:
أولاً: القافية الأصلية في هذا المستوى نلاحظ اعتماد بعض القصائد القافية المقيدة المردوفة(5) في أغلب أسطرها مع تنوع في الروي، ويمثل هذا المستوى "أطفالنا يتساءلون ولمن المستقبل ويا وطني "لمحمد بن إشدو وكل قصائد مباركه، وقصيدتا فاضل ومحمد الحافظ ثم قصيدتا محمد بن عبدي "الأرض السائبة وقدم الملح"، وهنالك قصائد تتأرجح بين اعتماد القافية الأصل واعتماد الجملة الشعرية نهاية إيقاعية.
وسنأخذ نماذج لاعتماد القافية الأصلية:
|
القصيدة |
التفعيلة |
البحر |
حروف الروي عددها |
القافية |
نوعها |
|
يا موطني لمحمد بن إشدو |
متفاعلن متفاعلن |
الكامل |
اعتمد رويا موحدا في السطور هو النون ورد 20 مرة |
موطني النيف الغني عبر الزمن تنحني |
المتدارك مطلقة المتدارك المتدارك المتراكب المتدارك |
|
نشيد العمال لأحمد |
فعولن |
المتقارب |
الدال: 9مرة الحاء: 2مرة النون: 8مرة اللام: 4مرة الميم: 5مرة |
ضحايا الفساد البلاد ماذا نريد أكبادنا آمالنا |
المترادف مقيدة المترادف المترادف مطلقة متدارك متدارك |
|
انتظار لمباركه |
مستفعلن |
الرجز |
الباء: 10مرة النون: 10مرة الدال: 4مرة الهمزة: 2مرة الراء: 1مرة الهاء: 1مرة |
بقايا وذباب كل باب الدفين في سكون |
مترادف مقيدة مترادف مترادف مترادف
|
|
القصيدة |
التفعيلة |
البحر |
حروف الروي عددها |
القافية |
نوعها |
|
القافلة لمباركه |
متفاعلن |
الكامل |
النون: 3مرة الراء: 9مرة القاف: 2مرة التاء: 4مرة الدال: 2مرة |
أكون هتون الصغار انتظار |
مترادف مقيدة مترادف مترادف مترادف
|
|
يا سيدي الهمام الفاضل |
مستفعلن |
الرجز |
الميم: 12مرة النون: 10مرة التاء: 4مرة الباء: 6مرة اللام: 2مرة |
الهمام عام ولترحلوا من فوقنا من أرضنا |
مترادف مقيدة مترادف متدارك مطلقة متدارك متدارك |
|
الأرض السائبة لمحمد بن عبدي |
متفاعلن |
الكامل |
الدال: 4مرة الفاء: 6مرة الباء: 11مرة النون: 7مرة القاف: 4مرة |
الأعصاب عجاف السراب بساحه كاملا |
مترادف مقيدة
متواتر مطلقة متدارك |
والملاحظ أن جل القصائد إن لم نقل كلها قد اعتمدت القافية المقيدة، وتتشبث بعض هذه القصائد، كما هو واضح، بنظام القافية إلا أن تعدد الروي كما رأينا يحد من الرتابة.
وبالنظر إلى المدونتين السابقتي الذكر فإن هناك تجديداً واضحاً على مستوى القافية بحيث انتقلت من الإطلاق الكامل واللامحدود إلى التكميم فأصبحت مقيدة، فهل أن الشاعر أراد من وراء ذلك إسقاط حالته الشعورية عليها أم أن نظام التفعيلة ينسجم أكثر مع القوافي المقيدة؟
ويتخذ الروي هو الآخر مساراً جديداً في القصيدة المعاصرة، فيبدأ بالتنويع والمزاوجة كما رأينا بين حروف مختلفة وينتهي بالاختفاء في بعض القصائد خصوصاً عند ناجي وإبراهيم بن عبد الله.
ولتعدد حروف الروي في بعض القصائد أكثر من معنى حيث يكون الانتقال من روي إلى روي آخر معبرا عن الحالة الشعورية ففي قصيدة انتظار تتوزع الروي حروف الباء، النون الدال، الراء، العين، وفي الانتقال من صوت الباء الشفوية إلى صوت النون الخيشومية دلالة على الصراع الذي تقوم عليه القصيدة ونبرة حزينة على ماض ولى مأسوفاً عليه:
يحكون عن باخرة تمخر في العباب
وتحمل الأطنان قمحاً وزيوتاً وثياب
يوما- ستأتي من وراء البحر تمخر العباب
وتسكت الوليد لا بكاء عذاب
وفي انتظار
قد تربح البضاعه..
تنمو الأحاديث عن الأيام والماضي الدفين
فالأصوات هنا تتلاءم مع الحالة الشعورية العامة كالعين الملحقة بالهاء التي تمثل استراحة في انتظار المستقبل، وتأتي الهمزة، في قولها متى تجيء) لتكرر نفس الاستراحة وهذه الوقفة يعتبرها عبد السلام لمسدي "اتخاذ محطات كالأقفال تشد عماد الإيقاع"(6) .
ويتخذ الروي في مدونتنا عدة تمظهرات، بحيث يأتي أحياناً مزدوجاً فيكون لكل سطرين أو ثلاثة رويهما كما في قصيدة أحمد أنشودة جرح)، وأحياناً يستقل كل مقطع بروي كما في قصيدة "تحية بغداد"، وانتظار "لمباركه، كما يكون أحياناً هناك حروف روي معتمد يرجع إليه بعد أسطر غير محددة، مثل قصيدة الكلاب لمحمد بن عبدي، وهنالك بعض القصائد التي يكاد الروي يختفي فيها كقصائد أحمد الأخيرة "الكوابيس والسفين"، وقصائد ناجي: "حتى السنبلة شابت، التيه والبحر والذاكرة "وقصائد إبراهيم، إلا أن الشاعر في هذه الحالة يلجأ أكثر الأحيان إلى إيجاد إيقاع داخلي منبعث من استخدام "التكرار" أو انسجام أصوات بعينها وهو ما سنتحدث عنه في الموسيقى الداخلية.
ثانياً: الجملة الشعرية: وإذا نأخذ هذا المفهوم نعبر به عن تتابع موسيقي في القصائد المتناولة لا يقبل التمفصل، وإن كانت له نهاية تتخللها وقفات جزئية، ومعلوم أن الجملة الشعرية بالمفهوم الذي تحتوي عدة أسطر(7) ، وعلى ذلك فالأسطر الحشو إن صح التعبير، قد تحوي قوافي، أو فواصل، وقد لا تقبل التمفصل.
الجملة الشعرية ذات الفاصلة ونريد بها أسطر تتدفق ولكنها تحتوي على إيقاع داخلي متمثل في فاصلة تعتبر نفساً أو استراحة قبل نهاية الجملة الشعرية، وقبل أن نعرض أمثلة على هذه المسألة، نشير إلى أن عبد الحميد جيدة أثناء تعرضه للرافد القرآني في الشعر العربي المعاصر اعتبر الفاصلة مما ورثه هذا الشعر عن القرآن ويقدم تعريفها بأنها.. "كلمة تأتي في آخر الآية كقافية الشعر وسجعه، والتفصيل توافق آخر الآية في حروف الروي أو في الوزن مما يقتضيه المعني وتستريح إليه النفوس"(8) .
وعلى هذا الأساس فإن ما نسميه الجملة الشعرية ذات الفاصلة يعني عندنا احتواءها على أصوات متساوية، ونعني بالفاصلة ذات الوزن ما يعنيه "جيده" باتفاق الوزن.
والجملة الشعرية ذات الفاصلة ترد في عدد من القصائد وإن كانت أكثر ظهوراً في "السفين" و"هم الأهل"، وسنقدم منهما بعض النماذج:
السفين:
تقول لنا ضاربة الرمل
-واعجبا
سفينتكم رفعت كل المراسي
-مبحرة
ألا تشعرون؟
وكذلك في قوله:
وعادت براحتها إلى التراب
ترسم فيها
ظلال أصابعها
وتنقصها يمنة فتزيد
وتمسحها يسرة
فتمد الخطوط
شاردة بنظرتها
جنوبا
مرنمة
رحلنا.. رحلنا
ففي المثال الأول نجد إيقاعا داخلياً متمثلاً في واعجبا) ومبحرة) وهي فواصل يسترجع فيها النفس قبل نهاية الجملة الشعرية، ويعتبر المثال الثاني أكثر تجسيداً لهذه القضية ذلك أن الجملة فيه طويلة وتتطلب استراحة، مما جعل الوقفات تتنوع من حيث النغمة ومن حيث مكانها في السطر فكانت أصابعها) ونظرتها) تشكل إحدى هذه الوقفات كما تشكل يمنة) ويسرة) وشاردة) وجنوبا) ومرنمة) الوقفة الداخلية الثانية.
ويوجد هذا النوع أيضاً في هم الأهل) وإن كانت تفرض قراءتها قراءة كل مقطع في نفس واحد، ونأخذ مثالاً واحداً منها:
وتمترست الزهرة بالدمعة
فانداح الطل
على حاجبي طفلة
من بقايا بني عذرة
فطوبى لساكنه من طلل
وهنا تكون الدمعة) وعذرة) فاصلة تولد نوعاً من الحسرة والتأوه والتفجع، وتقوم الفاصلة على هذا الشكل لتولد إيقاعا داخليا، ولكن الجملة الشعرية قد تحتوي فاصلة تولد إيقاعا من تتابع محطات النفس قبل نهاية الجملة.
الجملة الشعرية ذات الوقفة النفس: وتظهر هنا إذ يتطلب السياق استرسالاً لتقديم جزء من نبوءة العرافة عن المستقبل كما في قولها:
رأيت خياما من الصوف
تطوى بأطنابها وأوتادها
مكدسة
داخل القمرة
المشحونة من كل جنس..
وقولها: رأيت رؤوساً من المعز
تقضم أخشاب
بعض العوارض
وتلحس صارية
صدئت
فهاتان الجملتان تتتابع أسطر كل واحدة منهما في دفقة تتخللها سيرورة النفس بين الشهيق والزفير مشكلة فواصل نفسية دون أن تختم الأسطر بأصوات متساوية ونجد هذا النوع من قصيدة "هم الأهل" حين تبلغ الأمور حداً من اليأس لا يجابه إلا بالوقف السلبي وهو البكاء حيث تقول:
قفا نبك..
.. حندج..
.. سقط اللوى..
.. عنيزة.. والهودج الخدر في وقعتيه
وتأتي بعد ذلك جملة شعرية تحمل نوعا من الفاصلة الوزنية إضافة إلى الوقفة النفسية:
يومها الأمر والخمر
صارا وليدي مراح
رضيعي لبان..
ثملنا عقرنا المطايا
وعدنا حفاة فلا عجبا
هذه الوقفات التي تتخللها موسيقى نفسية -وزنية أحياناً ثملنا- عقرنا- وعدنا) ووزنية أحياناً أخرى وليدي مراح- رضيعي لبان) تولد ثراء موسيقيا داخلياً وخارجياً معبراً عن شدة وقع المأساة.
وفي نهاية حديثنا عن القوافي أود أن أشير إلى أن هذا الفصل الذي قمنا به بين ما اعتبرناه "قافية أصلية" و"جملة شعرية" بفواصلها النغمية والزمنية إنما هو فصل منهجي اخترناه لنوضح مدى احتواء هذه القصائد على تنوع في الموسيقى، ولد قافية مخصوصة لكل قصيدة على اعتبار أن القافية نهاية السطر أو الجملة الشعرية، مما تنشأ عنه موسيقى داخلية يمثل التكرار أهم مرتكزاتها كما رأينا، وسنتعرف على هذه الموسيقى الداخلية.
يعوض الشاعر الحديث خفوت الموسيقى الخارجية في قصيدته بإثراء الموسيقى الداخلية والنبض النفسي الإيقاعي.
وتجتمع الموسيقى الداخلية بين وقع الكلام والحالة النفسية التي يعيشها الشاعر عن طريق النغم ومحاولة المزاوجة بين المعنى والشكل مزاوجة يلتحم فيها المتلقي بالباث.
وتتجلى الموسيقا الداخلية في مظاهر متعددة: ابتداء بالصوت، فالكلمة فالعبارة أو الجملة الشعرية، كما تنشأ الموسيقى من مظاهر بديعية ورثتها القصيدة الحديثة عن القديمة أبرزها الترصيع (9) والإرداف(10) ، ويساعد في إثرائها أحياناً التوازي والتعادل(11) بين التراكيب المبنية لنص الشعري وسنركز على التكرار باعتباره الجامع لكل هذه المظاهر مع الإشارة إلى قيمته الإيقاعية والدلالية والنفسية.
ويكون التكرار على مستوى الصوت وهو ما تناولنا جزءاً منه في تكرار الروي كما يكون على مستوى الكلمة أو العبارة أو البنية التركيبية.
وسننطلق من نماذج محددة لكل مستوى من هذه المستويات الإيقاعية لنتبين حضوره في مدونتنا وماله من دور تنغيمي ومعنوي:
من الظواهر المميزة في الشعر، وقديما عرف زهير بن أبي سلمى بأنه صاحب "من ومن" وتتكرر كثيراً في معلقته:
|
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم |
بحومانة الدراج فالمتثلم |
وقد بحث البلاغيون العرب ظاهرة التكرار وأجمعوا على أن منه معيباً وحسناً، والمعيب في نظرهم أكثر لأن البلاغة تعتمد الإيجاز، يقول ابن رشيق "وللتكرار مواضع يحسن فيها ومواضع يقبح فيها، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإن تكرر اللفظ والمعنى فذلك الخذلان بعينه(12) إلا أن هذا الحكم غير مطلق فللتكرار اللفظي خاصة مواضع لا يستغنى عنه فيها ويكون دالاً ذا قيمة، ولنا في القرآن الكريم أكبر شاهد على ذلك.
أما في القصيدة الحديثة فله وظيفة تتجه نحو المعنى والإيقاع ويختلف الباحثون في تعليل انتشاره فيها، فنازك تعلله تعليلاً اجتماعياً نفسياً حيث ترى أنه أسلوب من أساليب التعبير التي أعقبت الحرب العالمية الثانية(13) .
أما عبد الحميد جيدة فيعلله تعليلاً تراثياً ويرى أن بروزه في القصيدة الحديثة مظهر من مظاهر الرافد القرآني(14) ، في حين ينعي آخرون على الشعر الحديث ظاهرة التكرار ويرون فيها مظهراً للعجز التعبيري وضيق الأفق(15) .
ولظاهرة التكرار في مدونة الدرس ثلاث مستويات بدءاً بالحرف فالكلمة فالجملة أو العبارة الشعرية وحتى المقطع أحياناً، وكلها تثري الموسيقى الإيقاعية للنص، وسنرى من خلال نماذج محددة دور الموسيقى الداخلية في بناء إيقاع النص وتعويض الموسيقى الخارجية أحياناً.
نموذج1: أحمد)
أمير الخالدين:
وها أنت والخيل
يا ابن الحسين
وها أنت والليل ليل الشجون
يغالبك الدهر
عبر القرون
وتبقى عظيما
كليم الفؤاد
يريد بك الخصم ما لا تريد
وتأبى الحقيقة ما لا يكون
وتهديك عبقر تاج الخلود
لتحيا أميرا على الخالدين
نموذج2: مباركه) تحية بغداد
هل تذكر امرأة سمراء في لون الرمال
يعنو لوجهها الجمال
قد خرجت يوما مع الجند تبارك الرجال
تبلسم الجراح في معمعة القتال
وطبعت سمرتها على الوهاد والتلال
سيفا صقيل
وواحة من النخيل
عناؤها كان طويلا وطويل
غدوها شهر ولكن الرواح
يا للرواح
ويا للآلام الجراح
يلتزم كلا النموذجين وحدة التفعلة المتقارب) الرجز) أما القافية فإنها تلتزم رويا يراوح بين النون والدال في النموذج الأول واللام والحاء في النموذج الثاني.
إلا أن الموسيقى الداخلية في كليهما لعبت دوراً هاماً في بناء النغم وهو بديل إيقاعي تعتمده القصيدة الحديثة كثيراً فتدعم بذلك إيقاعها وتحافظ على ميزة هامة في الشعر هي: "الموسيقى" فالشعر كلام موزون مقفى قبل أن يكون شيئاً آخر.
ففي النموذج الأول تتكرر حروف معينة:
|
الحرف: |
ل |
ي |
ت |
ب |
ر |
د |
ن |
|
العدد |
13 |
10 |
9 |
7 |
6 |
6 |
5 |
|
النموذج الثاني |
|||||||
|
الحرف |
ل |
م |
ت |
ر |
|||
|
العدد |
12 |
8 |
8 |
7 |
تلعب هذه الموسيقا الداخلية دوراً كبيراً في تعضيد الموسيقى الخارجية وهو ما يقوي الدفقة الموسيقية للنص ويشد القارئ أو السامع من حيث لا يعلم، كما يبث إيحاءات دلالية ونفسية تركز الرؤية العامة للنصين وهي رؤية تستمد من ذاكرة التاريخ في عصوره الزاهية أيام قوة الحضارة العربية وامتداد الفتوحات الإسلامية. وتترجم الحروف المهيمنة في النصين هذه القوة للحظة التاريخية بحيث تأتي الحروف مهجورة في أكثرها، ولا أحسبنا مغالين فيما ذهبنا إليه من تأويل لتواتر حروف معينة، وإن كان هناك اعتراض قائم وهو ما يثبته أنصار المدرسة السوسيرية من اعتباطية الدليل، غير أن هناك بعض الظواهر التي تكون من التميز والوضوح بحيث لا يمكن إغفالها. ومن أبرز اللسانيين الذين حاولوا مقاربة المشكل "أميل بنفنست" الذي يميز بهذا الصدد بين أربعة عناصر: الدال والمرجع والمفهوم والمدلول ويبين "بأنه إذا كانت العلاقة بين الدال والمرجع اعتباطية فإن العلاقة بين المفهوم والمدلول ضرورية إذا لم تكن قصدية، وإن التحفيز والإركام كلها تسهم في جعل هذه العلاقة قصدية"(16) .
ومن هذا نصل إلى أن أطراد وإركام مجموعة من الخصائص الإيقاعية مثل الجرس والوزن والقافية، تساهم بشكل كبير في إضفاء الطابع القصدي على اللغة الشعرية.
وقد فطن ابن جني بناء اللغة النفسي فعقد باباً في كتابه الخصائص ليبرز العلاقة بين الصوت والمعنى تحت عنوان "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني". يقول مبيناً أن لبعض الحروف إذا تألفت دلالات لا تكاد تختل: "ذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن هذه المعاني، فكلما ازدادت العبارة شبهاً بالمعنى كانت أدل عليه وأشهد بالغرض فيه.(17) ، ويدعم أصحاب نظرية المحاكاة في اللغة هذا المنحى ويجدون في أسماء الأصوات مجالاً خصباً لتعضيد نظريتهم.
وسنحاول أن نبرز دور الموسيقى الداخلية في بناء المعنى الكلي لقصيدة الكوابيس ولنقرأ هذا المقطع:
ونادى مناد
يولول
أن العفاريت سارت
عواصمها
في صحارى المريه
وأن السعالي
صبغن الوجوه
وحلينها مساحيق عام الرماده
ويرقصن يطربن
يغزلن إيقاع جعجعة
والرحى يدورها
مارد أغلف
يعد رغيفا
لياجوج، ماجوج
حامت على السد
وأخلت كهوف الهبا للهبا
وطارت إلينا
وطارت كهوف
أصداؤها
تسابيح تطعم أسماعنا
رسالة طسم ورؤيا جديس
تبلغ الأزمة ذروتها في هذا المقطع من القصيدة وتطغى الحركية والسرعة على العناصر المتواجدة على مسرح القصة، وتتداخل المشاهد معبرة عن التحول والاضطراب والحيرة، وإذا ننظر في الإيقاع نجده أسهم بليغا في بناء هذه الصورة الرهيبة، فشكلت أصوات بعينها إيقاعا حيا عوض غياب القافية والروي وكان معبراً عن الجو القاتم للحدث.
لقد هيمنت الحروف المجهورة ل15) ن16) م12) ر15) ع10) د9) ج7) غ4) في هذا المقطع، وإذا كانت الصورة فيه تقوم على الهول والرعب فإن الحروف المجهورة الانفجارية تلائم الصورة، خاصة وأن الحروف الإطباقية الاستعلائية التي لها دلالتها على الشدة والثقل تظاهرها، حيث يتكرر الطاء (5) مرات والراء كذلك كما يتكرر الصوت الصفيري السين(9) مرات وكل هذه الحروف المذكورة بتواترها بنت إيقاعا داخلياً للنص ينسجم مع الجو العام للصورة المرعبة والأصوات المخيفة للكائنات الغريبة.
ويلجأ جل الشعراء المعاصرين إلى التركيز على الكلمة أوالعبارة الشعرية حتى عد ذلك مظهراً من المظاهر الفنية، فلبعض الكلمات مساحة متميزة في النص لقيمتها المعنوية، أو لسيطرتها على ذهن الشاعر.
والتركيز الإيقاعي على اللفظة الواحدة أو العبارة ينشأ عنه إيقاع موسيقي مساعد أو معوض للروي، وقد ظهرت هذه البدايات متأثرة بشكل الموشح وهو تأثر نابع من قراءة أدبائنا الشعر المهجري رغم أن شكل الموشح عرف عند شعرائنا قديماً، إلا أن استلهام الجيل الجديد تراثه القديم ظل محدوداً وهو ما سبقت الإشارة إليه.
يستهل محمد بن إشدو قصيدته "لمن المستقبل"(18) بنفس الكلمة وتتكرر على مدى النص ثماني مرات في الأسطر 1-8-18-24-29-38-42 وتبرز قيمتها باستقالالها سطرياً في أربع من هذه الحالات، فيأتي تكرارها وقفة إيقاعية بعد انتهاء كل مقطع ورابطا بين أجزائه التي تتركز حول الكلمة "رفيقتي" وهو ما يبرز قيمة هذا النداء الثوري الموجه للرفيقة المناضلة في مجتمع محافظ يحظر على المرأة كل خروج أو تميز، وهذا ما يكسب النص قيمته السياسية والاجتماعية بالنظر إلى شرطه التاريخي.
رفيقتي
هذا النباح المر ليس علامة للانتصار
هذا النباح المستميت علامة للانهيار
هذا التكالب ضدنا هذا التصابح والخوار
يعني احتداد صراعنا يعني اقتراب الانفجار
رفيقتي
من ذا الذي ينمو ويكبر في البلاد؟
ومن البذور الحالمات بالنور يدفعها السماد؟
ومن الشرارات التي تنساب من خلل الرماد؟
الشعب أم قوى الخيانة والتقهقر والفساد؟
رفيقتي..
تحافظ القصيدة كما هو واضح على وحدة القافية وتعدد الروي بين المقاطع وبذا تبقى ملتزمة للإيقاع في شكله القديم، غير أن كلمة "رفيقتي" إلى دورها المعنوي، تلعب دوراً إيقاعياً واضحاً بتكرارها المنتظم، وتأتي في كل مرة مؤشراً على نظام إيقاعي جديد.
ويبرز دور التكرار إيقاعياً ودلالياً أكثر من القصائد المرسلة، كما نجد عند إبراهيم بن عبد الله في قصيدته مصرع "أدونيس":
يا مرتع الأطيار الصيفية
وموطن الندى
وطن التفاهات البهية
يا وطن اللعنة الأزلية
وطن النهايات الأبدية
وطن الشيطان الملاك
وطن الألف سبب
يقع التركيز على كلمة "وطن" منذ بدء القصيدة في بدايات الأسطر، ويلخص هذا التركيز على المفردة رحلة الشاعر المشرد عن وطنه، وتتكثف الأبعاد الدلالية والنفسية للكلمة لتجسد مأساة الشاعر صراحة وضمناً من خلال بعض الثنائيات: العز/ الذل، فالوطن عزيز غال "مرتع الأطيار الصيفية" موطن الندى "وكلها تحيل إلى الدعة والاطمئنان ولكن الموجه الثاني للوطن يبرزه مبتذ لا حقيراً، "وطن التفاهات" "وطن اللعنة"، "وطن النهايات" وتلتحم الثنائية الصريحة في السطر الأول من المقطع الرابع: "وطن الشيطان الملاك،
فهو وطن مجزأ، مقسم، يعيش فيه الفدائيون ممثلين في الملاك ويعيش فيه العميل الغاصب ممثلاً في الشيطان، وقد استدعت هذه الثنائية البارزة في النص ثنائية أعمق تتشكل خارج النص وهي ثنائية الماضي/ الحاضر، ماضيالوطن حين كان ينعم بالهدوء والاستقرار وحاضره وهو تحت سوط الجلاد، ويلجأ الشاعر إلى استبدال كلمة وطن بعد أن استنفدت طاقتها الإيقاعية والدلالية بكلمة أرض ليعمق مقصدية النص ويجذرها أكثر في وجدان المتلقي فتتكرر هي الأخرى محكومة بنفس الثنائية:
أرض المحبة.. يا أرض النسيان
أرض الجدائل.. يا أرض لبنان
يا مهبط الإلهام.. يا سر الجمال
أعيدي الأطيار إلى أوكارها
وتبرز القيمة الموسيقية لكلمة أرض في هذا المقطع من خلال التركيب الإضافي في الحالات الأربع وهو ما ينشأ عنه إيقاع داخلي خاص يقوم على التوازي التركيبي وهومساعد فني إيقاعي يكثر في الشعر قديمه وحديثه:
أرض المحبة
أرض النسيان
أرض الجدائل
أرض لبنان-
ومن القصيدتين نتبين الأبعاد والإيحاءات الدلالية والإيقاعية والنفسية التي تثيرها المفردة إذا استغلت استغلالاً ناجحاً في نص ما.
ويأخذ التكرار دلالة أعمق عندما يكون تكرار الجملة، أو بنية تركيبية ما.
نموذج من قصيدة "السفين":
رأيت خياما من الصوف
تطوى بأطنابها وأوتادها
***
رأيت رؤوساً من المعز
تقضم أخشاب
بعض العوارض
***
رأيت عجائز
طالت أظافرهن
يرتلن شعر البوصيري
شوقا إلى الحج
***
رأيت رجالا
يشربون الأتاي
لقد جاء الفعل "رأيت" متصدراً أربع متتاليات ذا حمولة مستجدة في كل مقطع، مؤكداً تلاحق الأحداث سواء اعتبرنا الرؤية رؤية بصرية أو رؤية قلبية فهو الرحيل الحسي في المقطع الأول رأيت خياما) وهو الجفاف والمحل في المقطع الثاني رأيت رؤسا من المعز تقضم).. وهو المسخ الحضاري متمثلاً في العجائز حمر الشفاه، رأيت عجائز..) وهو العبث واللامسؤولية مع الرجال.. رأيت رجالاً يشربون الأتاي)..
وقد اختص كل حدث برؤية لأن لكل مفعول دلالته، ويثري هذا التكرار الإيقاعي لفعل رأيت التوازي التركيبي في بداية كل مقطع بحيث جاءت الكلمات متفقة مع التفعلة:
رأيت /خياما رأيت/ رؤوسا رأيت رجالاً
-- /---/-/ -- /-----/-- ---/-/--/
فَعُولُ / فُعُولُنْ فعولُ/ فعولنْ فعولُ/ فعولنْ
وهنا نذكر أن قصائد أحمد من أكثر القصائد موسيقية وأغناها إيقاعاً والمتتبع لكل شعره يلاحظ عنده قدرة فذة على إثراء النغم والموسيقى في القصيدة.
وإذا كانت القصيدة القديمة قد أسرفت في ظاهرة التكرار كمساعد إيقاعي في الروي والقافية فإن الشاعر الحديث لجأ إليه كوسيلة إيقاعية حديثة لكن بشكل أكثر تركيزاً إذا اعتمده في الكلمة والعبارة والحرف، ومن هنا نستطيع القول إن القصيدة الموريتانية الحديثة قد ارتبطت بنبرة إيقاعية مكررة قد تطغى على المعنى في بعض الأحيان وهو ما يبرز التواصل مع الإيقاع القديم، أي أن الشاعر الحديث لم يستطع بعد التخلص من ظاهرة الإيقاع الوزني، وإنما استبدل وزناً بآخر وإيقاعاً بآخر وهذا ما كان له حضور بارز في أكثر شعر المدونة، فالشاعر ظل مرتبطاً بالعروض والوزن الخليليين وإن حملت تجربته بعض العصيان عليهما، ويمكن تفسير محاولة الخروج هذه بأنها نوع من تمرد الشاعر المعاصر على الواقع ومحاولة تجاوزه وتغييره في حين تظل النظم القديمة تفرض عليه التشبث بها ولا تسلمه لتحرر نهائي كامل، ذلك أنه قد تكونت في لا وعي "الشاعر" مثل وقيم أحكمت قبضتها عليه وانعكست في سلوكه مهما حاول التمرد عليها والتملص منهما، ولعل الشاعر الحديث لم يفطن إلى أن هذا سيسم قصيدته بنوع من النمطية التي كانت تهرب منه وتتجاوزه، أي أن ظاهرة التكرار أصبحت نمطاً متبعاً وسلوكاً عادياً في القصيدة الحديثة، حتى أصبح هناك نوع من التشابه في أسلوب القصيدة، ويرى بعض الأدباء "أن هذا كفيل بأن يقودها إلى نهايتها(19) .
نصل إلى أن ظاهرة التكرار -إن على مستوى الصوت أو الكلمة أو العبارة الشعرية -لعبت دوراً بارزاً في التشكيل الفني والجمالي لقصيدتنا المعاصرة، كما ساعدت في توليد إيقاعات متميزة في النص وكان لها دورها المعنوي الواضح في تعضيد دلالاته.
أحمد ولد الحسن: أسلوبية أمحمد ولد الطلبه اليعقوبي /ص17. عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر/ ط3/ ص67. موسى الأحمدي: المتوسط الكافي في علمي العروض والقوافي/ص 18. عز الدين اسماعيل: المرجع السابق/ ص73 أي التي سكن رويها وسبق بمد، راجع: صفاء خلوصي: فن التقطيع والقافية/ ص95 مقال بعنوان الشعر ومتغيرات المرحلة: مهرجان المربد السادس بغداد، دار الشؤون الثقافية /ص28. نتبنى مصطلح السطر من جملة مصطلحات هي: السطر مع نازك والشطر مع عز الدين اسماعيل، والبيت مع محمد بنيس. عبد الحميد جيدة: الاتجاهات الجديدة في الشعر ص87. الترصيع: هو تقطيع البيت تقطيعاً موسيقياً مع مراعاة التقفية كقول أبي تمام يمدح المعتصم:تدبير
معتصم بالله منتقم في الله مرتقب لله مرتهب الإرداف: هو تتابع الكلمتين في البيت الشعري مع تطابق رويهما ووزنهما. محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري/ ص105 ابن رشيق القيرواني: العمدة/ص73/ تحقيق محيي الدين عبد الحميد، القاهرة دائر الجميل، ج /2ط4/ 1974 نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر/ ص275 عبد الحميد جيدة: الاتجاهات الجديدة في الشعر/ ص67 شربل داغر: التحديات التي تواجه القصيدة الحديثة /ص67/ دار الحرية للطباعة/ بغداد 1988.(16) E.BENVENISTE: PROBL Emes DE LINGUISTIQUE: GENERALE: I.P. 49-55-ED GALLIMARD COL 1974
ابن جني: الخصائص ج2/ص154/ مطبعة الكتب المصرية/ القاهرة 1952. المدونة /ص4 زاهر الجيزاني: القصيدة الحديثة الموزونة، أقلام /ص128/ العدد 8 السنة 22 آب 1987).