الشــــــعر الموريتـاني الحـــديث مـــن 1970--- إلــى 1995 - تأليف د. مباركه بنت البراء (باته)

دراسة نقدية تحليلية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصــــــــل الســـــــادس : الصــــــورة الشــــــعرية

الصورة الشعرية في المدونة

تشكل الصورة عنصراً مهماً من العناصر المميزة للشعر، ذلك أن لغة الشعر لغة مجازية انفعالية وضعت لتؤثر في النفس وتهزها وكما يقول ابن سينا "كانت العرب تقول الشعر لوجهين: أحدهما: ليؤثر في النفس أمراً من الأمور تعد به، نحو فعل أو انفعال، والثاني: للعجب فقط فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبيه"(1) .

ويظهر من التعريفات المختلفة للشعر والمحددة له الارتباط الوثيق بالتخييل أو التشبيه أو المحاكاة، فهو عند ابن خلدون "الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف"(2) . ويقترن عند حازم القرطاجني "بالمحاكاة والتخييل"- وهو مفهوم أفلاطوني قديم- ويعرف حازم المحاكاة بأن هدفها تحسين أو تقبيح أو مطابقة يقول: "وقد تبين أن الوصف والمحاكاة لا يقع الكذب فيها إلا بالإفراط وترك الاقتصاد(3) ، أما التخييل فهدفه الاستفزاز والإثارة والاستغراب يقول حازم "والقول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس فربما أفاد التصديق والتخييل معاً، وربما شغل التخييل عن الإلتفات إلى التصديق(4) .

وقد رصد البلاغيون العرب تقنيات مختلفة للإثارة والإخبار في النص الأدبي محاولين بذلك تلمس مكامن إبداعية النص الأدبي، فذكروا التشبيه(5) والاستعارة(6) والمجاز(7) بنوعيه والكناية(8) وأضافوا حديثاً الرمز(9) والأسطورة(10) .

وتهدف هذه التقنيات البلاغية إلى تلوين العلامة القائمة بين الدال والمدلول عبر المثلث: دال- مفهوم- مرجع، من خلال تشويش العلاقات المعجمية والتركيبية والمرجعية، لكنه تشويش يحقق السمة الأسلوبية الجمالية للغة الشعرية "أي الغرابة في النص الشعري".

ويرى أصحاب المدرسة البنيوية "أن النصوص الإبداعية تكتسب غرابتها من خلال تدخل أصحابها تدخلاً مباشراً في اختيار اللغة والإيقاع والتشبيهات والاستعارات والصور، وذلك من أجل أن تؤدي إلى غرض مقصود، وتهدف إلى أشياء بعينها، فعملية "الخرق" أو "الانزياح" أوعملية الخروج عن السياق المتواضع عليه، عملية مقصودة، من أجل إثارة شعور القارئ بأنه أمام نص عادي، فالنص يصبح بعد ذلك ذا وظيفة تأثيرية على السامع والقارئ.

إن عملية الخرق هذه هي نوع من اللحن المبرر كما عند "تودوروف" أو نوع من الخطأ المقصود كما عند "جان كوهن" أو هي عملية نابعة عن اختيار منهج كما عند "جاكبسون"(11) .

ومن خلال هذه التعريفات السابقة نتبين أن النص الشعري نص خاص وأن اللغة الشعرية تعتمد تقنيات متعددة للتشويش أو العدول والانزياح عن اللغة العادية، ومن هذه التقنيات الصوتي والمعجمي والتركيبي والدلالي كما رأينا سابقاً ومنها البلاغي وهو ما سنركز عليه الآن تحت مصطلح الصورة الفنية، ويتسع هذا المفهوم ليشمل الأنواع المتعارفة والمقننة قديماً عند البلاغيين من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، إلى جانب الأنواع الجديدة كالرمز والأسطورة.

وللصورة بهذا المفهوم دور رئيسي في بناء القصيدة الحديثة بحيث أنها أصبحت أحد أسس التركيب الشعري "وانتقلت من كونها طرفاً من أطراف التشبيه يقصد منها إيضاح المعنى وتأكيده في الذهن، إلى أن أصبحت هي نفسها حالة شعرية تنبع من أعماقها المعاني الموحاة من الشاعر والمتخيلة من القارئ، لما للصورة من دفق شعوري فياض"(12) .

ويظهر من خلال هذه التعريفات شمولية المعنى الذي رمى إليه الناقد، حيث أخرج الصورة من إطارها القديم- التشبيه أو أحد طرفيه- ليضعها في إطار أوسع فتصبح حالة شعرية نابعة من المعاني دون أن يحدد لنا تمظهراتها التي يمكن أن تضبطها.

ولعل جوزيف شاريم كان أكثر دقة في تحديد مفهوم الصورة حيث يقول: "أستخدم هنا لفظة صورة على اعتبار أنها الكلمة الوحيدة الصالحة لتشتمل على كل نوع من أنواع التشبيه وعلى كل ماهو في الحقيقة تشبيه مكثف أي الاستعارة وأقترح أن نجرد أذهاننا من كل ما تحمله اللفظة في طياتها من إشارة إلى الصورة البصرية فقط، وأن نعتبرها في مشروعنا هذا وكأنها تتضمن كل صورة خيالية مهما كان شكلها، وكل تجربة أخرى -مهما كانت الواسطة التي تحملها إلينا، لا تصل إلى الشاعر من خلال حواسه فحسب بل بواسطة ذهنه وانفعالاته أيضاً وهو يستخدمها وفق مقتضيات التماثل في كل شكل من أشكال التشبيه والاستعارة في معناها الواسع، وقد تتسع هذه الصورة أو تلك لتشتمل على القسم الأكبر من مشهد مسرحية ما عمل ما) كما هي الحال بالنسبة للرمز... وقد يكون للصورة تماثل مع أمور الحياة العادية وقد تكون إحدى النزوات التي يستمدها الشاعر من عالم الخيال(13) .

إن هذا المفهوم للصورة يمكننا من الإحاطة بمجمل التقنيات البلاغية المستعملة خاصة:

- التجاور المعجمي.

- التجاور التركيبي.

- التجاور الدلالي.

ولتقريب هذا التصنيف من المفاهيم البلاغية العربية سنعتبر:

- الاستعارة علاقة استبدال معجمي، فقد عرفها عبد القاهر الجرجاني قائلاً: أعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف وتدل الشواهد على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل وينقله نقلاً غير لازم، فيكون هناك كالعارية"(14) وهو تعريف مشابه لما ذهب إليه جاكسبون حين اعتبر الاستعارة تنمية لمحور الاستبدال(15) .

- المجاز المرسل والتشبيه: علاقة تجاور تركيبي، ونجمع هنا بين المجاز المرسل والتشبيه في مقابل الاستعارة نظراً لتوفر القرائن المركبية والسياقية التي تجمع بين المعنى الأول والمعنى الثاني، يقول عبد القاهر الجرجاني في تعريف المجاز: "المجاز مفعل من جاز الشيء ، جوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة، وصف بأنه مجاز على أنهم جازوا به موضعه الأصلي أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولاً. ثم أعلم بعد أن في إطلاق المجاز على اللفظ المنقول عن أصله شرطاً وهو أن يقع نقله على وجه لا يعرى معه من ملاحظة الأصل ومعنى الملاحظة أن الأسم يقع لما تقول أنه مجاز فيه بسبب بينه وبين الذي تجعله حقيقة فيه"(16) وهو تعريف قريب من المفهوم الذي أعطاه جاكبسون للمجاز المرسل-

- الكناية : علاقة تجاوز دلالي منطقي تتم من خلال تجاور وتجاذب معنيين قريب وبعيد واستقلالهما مع القصد إلى تجاوز المعنى القريب نحو البعيد، يقول عبد القاهر الجرجاني: "والمراد بالكناية ها هنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ إليه ويجعله دليلاً عليه"(17) . هكذا ومع بعض التجوز نلاحظ العلاقة مابين البلاغتين؛ القديمة كما عرفت مع نقادنا القدامى والحديثة كما ظهرت مع اللسانيين المحدثين أمثال جاكبسون وغيره، هذا مع علمنا أن هذا لا يلغي الخصوصيات الإجرائية لكل بلاغة ولا الخصائص المميزة لمختلف الآداب الإنسانية كلا على حدة ومنها المدونة موضوع الدرس.

وهنا يجب التنبيه إلى أن حقول المصطلحات البلاغية تتسع وتتشعب وتضيق وتتقلص، تبعاً لمدلالولها عبر الحضارات والمراحل التاريخية والآداب والممارسات الأدبية.

إن كل هذه المفاهيم التي تحدثنا عنها من استعارة ومجاز وكناية تمثل "أنواعاً من الصورة الفنية أي أنها خرق للمتعارف عليه من العلاقات والدلالة، وهو ماتوضحه البلاغة العربية القديمة واللسانيات البنيوية خصوصاً مع جاكبسون.

فالاستعارة عند العرب بطريقة مبسطة هي تشبيه حذف أحد طرفيه(18) ، أي أنها كلمة تستعمل في غير معناها الأصلي على المشابهة، وحسب تحديد جاكسبون السابق هي علاقة أساسها التوارد والتشابه والانتقاء، يتم نموها على المحور الاستبدالي.

أما المجاز المرسل عند نقادنا القدامى فهو كلمة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إيراد المعنى الأصلي، وقد تكون هذه القرينة لفظية وقد تكون معنوية(19) ، وإن القول بلفظية هذه القرينة يقرب المجاز من التشبيه وهو ماذهب إليه جاكسبون عندما اعتبر المجاز المرسل نمواً على المحور التركيبي، فميز بين العلاقات المركبية والعلاقات الاستبدالية، واعتبر المجاز المرسل علاقة مرتبية تقوم على التنسيق والدمج والمجاورة، ويقول:"يمكن للخطاب أن يمتد في اتجاهين دلاليين مختلفين: إذ يمكن لمركز طيمي أن يأتي بآخر إما بواسطة التشابه التوارد) وإما بواسطة المجاورة الترابط) ومادامت العمليتان تجدان صياغتهما الأكثر كثافة في الاستعارة والمجاز فإنه من الأفضل الحديث عن عملية استعارية في الحالة الأولى وعملية مجازية نسبة إلى المجاز المرسل) في الحالة الثانية(20) .

ويمكن أن نضع الترسيمة التالية لمختلف العلاقات التي تحكم هذه الصور: العلاقة الاستبدالية والعلاقة المركبية حسب جاكسبون:

الحقيقة

التطابق

المجاز
الانزياح

 

- علاقة استبدالية

-القرينة المقالية المانعة

علاقة مركبية

القرينة المقالية

علاقة منطقية

- القرينة المقالية المانعة.

القرينة المقالية المانعة

 

التوارد

الترابط

التوازي

 

الاستعارة

التشبيه والمجاز المرسل

الكناية

 

وإذا كان اعتماد التشبيه والمجازات المرسلة يؤدي إلى التصوير والتشخيص، "فإن اعتماد الاستعارات بشكل مكثف ومتواتر قد يحولها إلى رموز"(21) ، كما أن توسيع مجال التوازي والتعالق بواسطة الكناية يؤدي إلى تطور الرمزية الأسطورية وهكذا يمكن الحديث عن ثلاث فعاليات بلاغية كبرى:

- الفعالية التركيبية : تربط التشابيه والمجازات المرسلة بهدف التشخيص والتصوير.

- الفعالية الاستبدالية : تراكم الاستعارات لتخلق منها رموزاً.

- الفعالية الذهنية : تحفز وتشحن الرموز والكنايات بهدف الأسطرة.

وإذا كنا قد توصلنا إلى هذا الاختزال المبسط للصور البلاغية، فإنه يحق لنا القول أن هذه العناصر البلاغية قد لا تتوافر في كل مدونتنا، وأن كل الشعراء يتفاوتون تفاوتاً فنياً بارزاً في مدى استيعابهم وسيطرتهم على الصورة وهم يبنونها ومن هنا يأتي التفاوت بين مدرسة فنية وأخرى وبين شاعر وآخر، ويتميز المبدع من الناظم والأصيل من الدخيل، بل إن الدراسة التطبيقية أحياناً لتبرز لنا التفاوت بين أجزاء النص الشعري الواحد يقول محمد مفتاح(22) :" إن الصور البلاغية لا تتوافر في جميع الأبيات والجمل الشعرية وإن الدراسات التطبيقية تثبت خلو كثير من الأشعار من أي صورة بلاغية، وإن اعتماد الصور بشكل مكثف يرتبط في الشعر بمراحل تاريخية محددة وتيارات أدبية معينة، ولا أدل على ذلك من تركيز البنيويين في دراساتهم المعدودة لبلاغة اللغة الشعرية على أشعار الرمزيين أمثال:

"أدجار آلان بو" و"شارل بودلير" و"استيفان مالارميه" والمستقبليين الروس وإلحاح المهتمين بالصورة من العرب على أدب المتصوفة، هذا بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من الصور يفقد الكثير من جماليته لفرط تكراره وتداوله".

والظاهر أن الوعي بهذا التفاوت الفني في مستويات الخطاب الشعري هو ماجعل محمد مفتاح يتخير في دراساته التطبيقية للشعر قصائد محددة تتوافر فيها من المقومات الأسلوبية والفنية مايمكنه من تطبيق نظرياته النقدية، كأشعار المتصوفة ورثائيات المدن(23) .

ولا يفوتنا أن نقول إن النظرية الثلاثية للصورة التي تقدم بها أحمد الطريسي في كتابه الرؤية والفن تصلح إطاراً للكثير من شعرنا العربي.

لقد صنف في دراسته الصور الفنية في الشعر إلى ثلاث مستويات(24) :

أ- الصورة الوثيقة : وهي صورة قصدت بها تلك الصيغة المألوفة التي تستند إلى الرؤية.

ب- الصورة النموذج: وتمتاز عن سابقتها بوعي الشاعر ببعض المفاهيم النقدية ومحاولته التخلص من اتباع النموذج فتصبح العلاقة بين الصورة النموذج والصور السابقة عليها لا علاقة استنساخ وإنما نوعاً من الحوار الذي يدركه محلل النص "الاستعارات الحية والتشبيهات المبدعة".

ج- الصورة الرؤيا : ويدخل الشعر في ظلها تجربة جديدة وهي تجربة أقل مايمكن أن نقول فيها، إنها مغامرة في دنيا الكشف سواء على مستوى اللغة أو الإيقاع أوالصورة "الأسطورة والرمز".

وإن مما يبرر اختيارنا هذه المدونة على امتداد مايناهز عقدين من الزمن تصورنا أن هذه المستويات الثلاثة للصورة متواجدة فيها، ولذلك كان أن حقبناها إلى المراحل الثلاث التي دخلت ضمن منهجنا الذي أقمناه، ويقتضي منا هذا المنهج متابعة الصورة بشتى أنواعها وتلوناتها وامتداداتها الأفقية والعمودية عبر هذه التجربة الشعرية المحددة زمنياً.

وسنجرب أن نطبق نظرية الصورة التي تبناها الطريسي في الفصل بين المستويات الفنية للقصيدة، ونظرية الأستاذ محمد مفتاح في "تناسل النص" على مدونتنا، ويحدد مفتاح ثلاث تقنيات كبرى للتناسل البلاغي هي: "التناسل الأفقي- التناسل العمودي- التناسل الدلالي"(25) وإذا ماقارنا بين المستويات الثلاثة حسب ورودها في كلتا النظريتين وجدنا بينهما تقاطعاً من حيث تحديد القيمة الفنية لكل مستوى من هذه المستويات ونتمكن من الفهم أكثر إذا ماوضعنا الرسم البياني التالي:

الصورة الوثيقة: / التناسل الأفقي.

الصورة النموذج: / التناسل العمودي.

الصورة الرؤيا: / التناسل الدلالي.

أ) التناسل الأفقي:

تظل الصورة في هذا المستوى رهينة المباشرة والوضوح وتعتمد الانتقال من المدلول الأول الاصطلاحي إلى المدلول الثاني المجازي لا تخرج عن دائرة المألوف في رسم لوحة أو تشخيص حالة، ويكثر في هذه المرحلة الاعتماد على الصورة الحسية وعلى أفعال وأدوات التشبيه ويكثر هذا النوع من الصور في الشعر العربي القديم لارتباط الصورة بالمدركات الحسية لدى الشاعر أي مايسمع ومايرى ومايحس.

إن العلاقة بين المداليل في هذه المرحلة علاقة ترابط وتوضيح لتقريب الصورة إلى المتلقي وقد سادت هذه التقنية البلاغية قصائد المرحلة الأولى وبعض المقاطع في قصائد المرحلة التالية:

نموذج أ: "لمن المستقبل" لمحمد بن إشدو

- من ذا الذي ينمو ويكبر في البلاد.

ومن البذور الحالمات بالنور يدفعها السماد.

ومن الشرارات التي تنساب من خلل الرماد.

الشعب أم قوى الخيانة والتقهقر والفساد.

ومن الذي يخبو ويخبو إلى أن يستحيل إلى رماد.

ومن الذي تبدو له الدنيا سواداً في سواد في سواد.

ومن الذي يندك في هوج الرياح العاتيات العاصفة.

الشعب أم قوى الظلام الرجعيات الخائفة؟

نموذج 2: "أطفالنا يتساءلون" لمحمد بن إشدو:

- فوزي يقول لأمه: بابا لماذا لا يعود؟.

وتجيبه الأم الحزينة في صمود.

أبوك حتماً سيعود

أبوك ليس بخائن أو مجرم أو مستفيد

هل يحبس القمر السياج؟ وهل يعاق عن الصعود

"تومي" يسائل أخته "آمي" أبي متى يعود؟

عمي لماذا لا يعود؟

أمي لماذا لا تعود؟

ماذا يريد بها الجنود.

وتجيبه الأخت الصغيرة في شرود.

هم غائبون يصارعون الغول في واد بعيد.

وسيرجعون برأسها وسيحملون لنا ورود..

وحمامة معتوقة بيضاء تصدح بالنشيد..

نموذج 3: ويكون بعد الفجر ثم لنا لقاء لمحمد الحافظ.

-أتسلق التاريخ صافنة من الخيل العتاق

وتغوص حمحمة البراق.

كالشمس دافئة بقلبي كالنخيل.

وأشد أحرفك الجميلة باليدين.

وأمرها بالصدر يورق بالسعاده.

وأدير حافظة الصور.

لتظل صورتك الجميلة كالقمر.

نلاحظ في هذه النماذج الإلحاح على إيراد طرفي التشبيه وفي النموذجين الأولين يستخدم الشاعر التشبيه التمثيلي(26) والمقابلة لرسم صورة الشعب والمستعمر البذور، الحالمات، الشرارات، الرماد، الدنيا، السواد) وغيبة الأب القمر في السياج)، كما يبرز في النموذج الثالث استخدام الشاعر التشبيه المفصل(27) واعتماده أداة التشبيه الكاف):

كالشمس دافئة- كالنخيل- الصورة كالقمر- كحمحمة البراق).

ويظهر في النموذج الثاني اعتماد الشاعر الاستعارة المألوفة حين يصبح الغول بديلاً للمستعمر والورود رمزاً للتحرر والسلام.

وإذا تابعنا مع النموذج الثالث نجد القصيدة تنفتح على متتالية من التشبيهات الحسية التي لا ترقى بها إلى مستوى الصورة الفنية المتكاملة فيتعدد المشبه به وتتراوح أدوات التشبيه بين أداتين "ك" و "مثل":

- وأراك رائعة كتكبير الفتوح

كالجاذبية كالكشوف

وأراك تنبسطين ثم كما السديم

كتدفق الينبوع

كتوهج المثل الرفيعة

كالنبوغ

... وأراك مثل المعبد الإغريقي.

وأراك دافئة كنبض عروقي.

إن هذه الصورة التي أراد الشاعر أن يرسمها لحبيبته عن طريق التشبيه تظهر مشوشة مائعة لا تضيف رغم تراكمها الكمي معنى إلى الصورة الكلية في النص، بل إننا نشك شكاً كبيراً في صدورها عن تجربة صادقة ونتعدى ذلك إلى الشك في استيعابه معنى الكلمات التي أوردها مشبهاً به الجاذبية، الكشوف، السديم، المعبد الإغريقي).

إن المتأول يمكن أن يجد مخرجاً يدافع به عن هذه التشبيهات ويرجعها كلها إلى التعلق بها هذه الألفاظ الجديدة على قاموسه فأراد أن يوظفها دون أن يوفق في ذلك.

والملاحظ أن الشاعر كتب القصيدة وهو يعيش هاجس قصيدة الشابي "صلوات في هيكل الحب" التي تقوم فيها الصورة على التشبيه المكثف والموحي معاً(28) .

وتظل الصورة في المرحلة الأولى تعتمد على تلاحق الصور الحسية بواسطة التشبيه والوصف وتستقي مادتها من عوالم الطبيعة والخرافة الورود- الحمام-القمر-الينبوع-الغول)، وهي عناصر كثيرة التواتر في أشعار الرومانسيين، مما يؤكد تأثر هذا الجيل بأشعارهم وصورهم رغم صدق المعاناة التي يصدرون عنها، ومن الطريف أن نجد بعض قصائد هذه المرحلة يعتمد المصارحة والمكاشفة ويبتعد عن التشبيه وإن ظهرت فيه استعارات خفيفة، فتأتي القصائد بيانات ثورية تنديدية مثل قصيدة فاضل "ياسيدي الهمام" وقصيدة محمد بن إشدو "ياموطني" وقصيدة أحمد "نشيد العمال".

2- التناسل العمودي:

يعتبر غاستون باشلار "العمودية" أساس الشعر حين يقول: "يمكننا أن نجد إذن في كل قصيدة حقيقية عناصر زمن متوقف غير خاضع للقياس، زمناً سنطلق عليه لكي نميزه عن الزمن العادي الذي يجري أفقياً مع النهر ومع الريح العابرة: الزمن العمودي ومن ثم ينشأ تناقض غريب لا بد من توضيحه فبينما يخضع زمن الصياغة التأليفية لخط أفقي، يخضع زمن الشعر لخط عمودي... إن الغاية الشعرية هي العمودية والعمق والعلو"(29) . وتعتمد هذه التقنية البلاغية على تداعي الصور التشبيهية أو الاستعارية على المحور الاستبدالي العمودي وتنمو الصورة عن طريق تداعيات وشحنات متتالية تكثف اللاحقة سابقتها: نقرأ من قصيدة "أنشودة الوفاء" لأحمد قوله(30) :

 

تموز ياأنشودة

غصت بها حنجرة الزمان

لأنها

أكبر من شأن الزمان والمكان

تموز يا أغنية عجيبة

عظيمة قوية جميلة

تزوبعت في عالم

الأنغام والألحان

تصدح في الأكوان

تعربد الأطيار في

أصدائها

عبر الصحارى النائيات

وتنتشي الأغصان والأطياف في

مجاهل الأدغال والوديان

تموز ياقلادة

من عسجد البارود من

عقائق الدخان من

ذوب النجيع من

جواهر الإيمان

تحملها ذاكرة الإنسان.

هكذا تنمو الصورة بواسطة التداعيات وتتكشف متنامية في فضاء النص. إن هذه الذكرى لقيام الثورة المصرية يستعيدها الشاعر ويضع تموز شهر قيامها رمزاً لها وتأخذ الصورة "تموز" في التنامي والتكثيف من خلال الاستعارات والتشبيهات الموحية فهو في:

مرحلة أولى: "أنشودة أكبر من شأن الزمان والمكان").

وفي مرحلة ثانية: "أغنية تزوبعت في عالم الأنغام").

وفي مرحلة ثالثة: "قلادة من عسجد البارود ، من عقائق

الدخان، من ذوب النجيع، من جواهر الإيمان").

هكذا تتشكل صورة تموز متنامية بشكل تصاعدي حتى تكتمل وتتمدد: تبدأ في المرحلة الأولى أنشودة تتردد وتكبر على الزمان والمكان إلا أن هذا الحد لا يرضي الشاعر فتصبح الأنشودة أغنية مما يعطيها أكثر زخماً على المستوى الدلالي وإذا بها لا تتردد وإنما تتزوبع بذاتها صادحة في الأكوان ثم في مرحلة ثالثة يعيد الشاعر الكرة إليها فتصبح قلادة تعج بالمتناقضات، كل العذابات في سبيلها تغدو أحجاراً كريمة تتوج حاملها: البارود عسجد/ الدخان عقائق/ النجيع ذوب/ الإيمان جواهر)، ويمكن أن نضع الخطاطه التالية لما أوردناه من تحليل للاستعارة في هذا النموذج:

المشبه

المشبه به

المقومات المتراكمة في كل استعارة

البؤرة

تموز

أنشودة

إطراب +اجتذاب

تميز

 

أغنية

إطراب+تردد+اجتذاب

تميز فرادة وشيوع

 

قلادة

لمعان +اجتذاب

تميز

وتنمو هذه التداعيات وتتعمق في قصائد أحمد "المجد للإنسان"(31) و"أميز الخالدين"(32) حيث نشهد بداية تجذير الصورة أوالرمز المحلي المستمد من البيئة الشحيحة وعالم القحط والجدب الطبيعي والسياسي مبتعداً بذلك عن العوالم الرومنسية التي لا تحيل إلى المحيط الصحراوي وبيئته القاسية يقول في قصيدته "أمير الخالدين":

رحلت وعندي من الذكريات

لشنقيط باقات ود حميم

تعيش مع القلب

تنبض دوماً

بعرف الوفاء

معي قبضة من تراب المحيط

تلألأ ماسا

وعرجون نخل

قديم لوته رياح السموم

وزحف الرمال

وكنت أشذب منه اليراع

أشعشع بالماء فحم السيال

وصمغ القتاد

وحبات قرط جناه الرعاه

فأسقي المحابر نور الحياة

يراعي تعلم سحر الوجود

وحبري وفي لعهد الجدود

إن هذا التداعي الذي كان في المرحلة الأولى حراً أخذ يتجه نحو إيجاد وبلورة منطق داخلي للانبناء يساعد على تأسيس لغة شعرية جديدة، ويهدف إلى تجاوز الصور المكررة من جهة والتداعيات الحرة التي لا يربطها نسق من جهة ثانية؛ هكذا أخذت الصور البلاغية تميل نحو التسلسل عبر الأسطر والقصائد لتتحول إلى متوالية من الاستعارت عبر المقاطع والقصائد وهو ماسيؤسس لبداية ظهور الرمز في القصيدة الموريتانية الحديثة.

فبمراجعتنا الصورة السابقة نلاحظ كيف تولدت بواسطة الانبثاق وبدأت تكبر رويداً رويداً حتى استوت.

ذكريات شنقيط- قبضة من التراب وعرجون نخل- يراع ومداد- حضارة عربية إسلامية ويمكن أن نمثل للمتوالية بالشكل الهرمي التالي:

الصورة 1 ذكرى شنقيط

الصورة 2 قبضة تراب

الصورة 3 يراع ومداد

الصورة 4 حضارة عربية إسلامية

وإذا تجاوزنا مستوى الصورة الانبثاقية الواحدة إلى مستوى التتابع الاستعاري داخل القصيدة أو داخل المرحلة ككل تبين لنا بأن هذا التوارد في الصورة أصبح يتدرج إلى قانون استعاري ترميزي واضح المعالم يتجلى في الميل إلى الإحالة على الواقع التاريخي أو الجغرافي أو الترابي بمعنى من المعاني شنقيط - بغداد- الرافدين- القدس- صهيل الخيل- السيف) عند أحمد وأبو لبابة - الخنساء- عمر- القدس) عند محمد حافظ.

وتنتشر هذه الإحالة بمختلفها في قصائد الثمانينات بل إنها تشكل رافداً مهماً من روافد المعجم للقصيدة كما أوضحنا ذلك في دراسة البنية المعجمية، وتشيع هذه الأسماء التاريخية والأماكن بشكل ملفت عند كل من ناجي محمد الإمام وعبد الله بن عمار ومحمد بن عبدي في محاولة لتأسيس الرمز في القصيدة ذلك أن "أسماء الأعلام تحمل تداعيات معقدة تربطها بقصص تاريخية أو أسطورية، وتشير قليلاً أو كثيراً إلى أبطال وأماكن تنتمي إلى ثقافات متباعدة في الزمان والمكان"(33) .

ويوازي هذا الاتجاه في أشعار الثمانينات اتجاه آخر لا يقل عنه أهمية عمد أصحابه إلى توظيف العالم الطبيعي المحلي بمكوناته المختلفة خاصة الرمال الزاحفة والرياح الهوج والقحط والتصحر والجدب وتدهور الغطاء النباتي وانقراض الثروة الحيوانية مما يخولنا أن نطلق عليه التيار الإيكولوجي في الشعر الموريتاني.

ويتزعم هذا الاتجاه كل من أحمد ومباركه في قصائد السفين- الكوابيس- انتظار- القافلة) كما نجده مع محمد بن عبدي في قصائد مدينة الكلاب- الدوائر- السراب).

وتقوم تجربة أصحاب هذا الاتجاه على الصياغة البلاغية للتجربة وتجسيدها من خلال هذه العناصر في الطبيعة وهكذا تتحول الصور إلى كيمياء مادتها: العناصر والمكونات الأساسية المشتركة، وفعاليتها: التجربة الإنسانية الخاصة والقابلة للتعميم، لهذا فالفشل النفسي مثلاً: مراقبة المد والجزر، كبوة للريح، سير في الرمل، تحول الأرض إلى غبار وعجاج. إن تفكيك هذه العناصر يفتح المجال أمام تركيبات وتلوينات جديدة، لكن الإلحاح عليها يحول الصور إلى رموز.

ولنا أن نتساءل كيف تتحول الصورة إلى رمز؟

يقول أوستين وارين "الصورة يمكن استثارتها مرة على سبيل المجاز، لكنها إذا عاودت الظهور بإلحاح كتقديم وتمثيل على السواء فإنها تغدو رمزاً وقد تصبح جزءاً من منظومة رمزية أو أسطورية... ومايحدث بتكرار ملح هو أن مايسمى في أعمال الكاتب الأول "خصائص" ينقلب إلى رموز في أعماله المتأخرة(34) .

وهنا نقول إن كلا الاتجاهين اللذين ذكرنا مهدت لظهورهما قصائد أواسط السبعينات غير أن الصور القابلة للترميز في المرحلة الثانية تحددت باختيار شخصيات عربية إسلامية مثال: عمر بن الخطاب، أبو لبابة الربيط، الخنساء، أبو الطيب المتنبي)، وكذلك بعض اللمحات في المحيط الطبيعي، مثل: حبات رمل، عرجون نخل)، فمحمد الحافظ يستدعي شخصية أبو لبابة) ليعبر عن الحالة المأساوية للأمة العربية ثم مايلبث أن يقفز بخياله ليحلم بمستقبل مشرق لهذه الأمة يفتح فيه عمر بن الخطاب القدس وتحاضر الخنساء في موسم الشعر يقول من قصيدته: "ويكون بعد الفجر ثم لنا لقاء"(35) .

وأراك خافقة البنود

تتقضقضين كما الطموح

في داخلي كخريطة الوطن الكبير...

والقدس يفتحها عمر

فتزيد رقعة أرضنا

وأرى القبائل من مضر

وتحاضر الخنساء في موسم الأفراح

وتصمم

فستاناً مريحاً بالقراءة تحلم

وتترجم الحلم الجميل قصيدة

وتعود تغسل حزنها

إن استدعاء الشخصيات عند محمد الحافظ يتخذ شكلاً سردياً قصصياً، استعارة للحظات التاريخية المشرقة وتعويضاً عن واقع يتسم بالارتداد والمهانة، يحمل نوعاً من التقابل بين ماض مجيد وحاضر مذل، بين أمة رائدة قائدة وشعب مقهور مستعبد، أما عند أحمد فإنه يقوم على استحضار الشخصية للتعبير عن واقع الأمة العربية وعن طموحاتها كما يتضح في قصيدته "أمير الخالدين"، مخاطباً المتنبي في رحلته إليه(36) :

أبا الفجر والنور هل ماأراه

جبينك والسيف؟

وهل ماسمعت

صهيل الجياد

وصاعقة المجد

تذرو رياح الهوان

فإن كان أنت

فقد عرف القدس

كيف يداوي

جراح القيود

إليك أبا العز والمكرمات

شكوت زماناً عقيماً.

يطارد روح الفداء

وأسيافه والرماح

تعربد كالرعد والبرق

ترثي فلسطين

تشدو أغاني الكفاح

ولكنها من قشور الكلام.

ومن الملاحظ أن استدعاء الشخصيات في هذه المرحلة اقتصر على ذكر أمجاد هذه الشخصيات وتحفيز الروح العربية أو استدعاء الفارس المخلص من خلالها لكننا لا نجد هذه الشخصية تتعمق وتتجذر وتشع في ثنايا النص لتكون الرمز بمعناه الفني حيث تنبثق التجربة النفسية والفكرية بشكل يكثف ويضمن عملية التواصل، وبهذه الطريقة تتحول الاستعارات المتتالية إلى رموز متواشجة تنتظمها العناصر الطبيعية والدوافع النفسية والأصول الرمزية قبل العلاقات المركبية السياقية، ومعلوم "أن الصور في الشعر المعاصر لم تعد تغتذي بنضارة الألفاظ بل بالاندغام المتين المؤلف بينها"(37) .

وسنرى في المرحلة الثالثة مع شعراء الثمانينات كيف تكثفت الاستعارات وتواترت وتعمقت أكثر لتشكل الرمز وكيف اتسع الرمز وقارب أن يلامس الأسطورة.

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244