إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة- الفين وهيدي توفلر - ترجمة: حافظ الجمالي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول المعركة الأسمى - BATMCO -SUPER

إننا نشهد ولادة واحدة من الحضارات. وهنالك في كل مكان، عُميٌ يبذلون أقصى الجهد لخنقها في مهدها، وهي حضارة تحمل معها نماذج جديدة للبنية العائلية، وتُغير صور عملنا وحبنا، وحياتنا، وننشئ نظاماً اقتصادياً جديداً، وتثير صراعات سياسية جديدة، وتنشر أيضاً، وبصورة خاصة، نوعاً جديداً من الوعي conscience.‏

إن الإنسانية تتهيأ للقيام بقفزة كوانتية إلى الأمام، وهي تُواجه الانقلاب الاجتماعي، وسيرورة إعادة التبنية الخلاقة، الأكثر حدّة، من أيّ زمان آخر، ومن غير أن نعي أمرها تمام الوعي، نجد أنفسنا في وضع من يبني، بدءاً من الصفر، حضارةً لا مثيل لها من قبل، وذلك هو معنى الموجة الثالثة.‏

ومنذ بدء الخليقة حتى الآن، عرفت الإنسانية موجتين كبيرتين من التغيير، كلٌّ منهما ألغت، إلى حدٍّ كبير، ثقافات ومدنيات سابقة، وأحَلَتْ محلها صُوَرَ حياةٍ لم تكن تُدركُها الأجيالُ القديمة. أما الموجة الأولى- أي الثورة الزراعية- فقد امتدّت آلافاً من السنين. وأما الموجة الثانية- وأعني بذلك انطلاق الحضارة الصناعية فقد اقتضت نحواً من ثلاث مئة سنة، وكانت كافية.‏

أما اليوم، فأن تسارعَ خطوات التاريخ، أكثر بروزاً .ومن المرجَّح أن تقوم الموجة الثالثة، وتصبح واقعاً مقرّراً، خلال عدة عشرات من السنين، وعلى ذلك، فإن الذين سيسكنون هذا الكوكب في مثل هذه اللحظة الحرجة سيعيشون ويشهدون صدمة الحضارة الثالثة.‏

وستحمل الموجة الثالثة معها، صورة حياة تتجدّد بأصالة وتستند إلى موارد متنوعة من الطاقة، قابلة للتجدد، وطرق إنتاج تستبدل بأكثر سلاسل التصنيع المعهودة في المصانع الحالية؛ نموذجاً جديداً للصناعة وصورة من الحياة العائلية، تتميز بعلاقات أكثر رخاوة أو حرية): وبمؤسسة لم يَرَها أحد من قبل، يمكن أن نُسميها باسم "البيت الإلكتروني"، وصورة من التربية طريفة جذرياً، ومصانع وشركات الغد. إن الحضارة الناشئة تقيم صيغة جديدة للسلوك، تدفعنا بعيداً عن طريق الإنتاج الموحّد، ونوعاً من التزامن والمركزية أو التمركز) يتخطى بدرجة كبيرة مانسميه تكثيف الطاقة والمال والسلطة.‏

وتملك هذه الحضارة الجديدة، مفاهيمها الخاصة، في الزمان والمكان، والمنطق، والسببية، وكذلك تملك مبادئها الخاصة فيما يتصل بسياسة الغد.‏

الطليعة الثورية‏

هنالك صورتان للمستقبل، متعارضتان في الظاهر، تساوران الخيال الشعبي اليوم، فأكثرية الناس -بمقدار ما يكون المستقبل من اهتماماتها- تضع، كمبدأ لها، أن العالم الذي نعرفه سيستمر إلى مالا نهاية له. ومن الصعب عليهم أن يتصوروا طريقة حياة مختلفة فعلياً بالنسبة إليهم. كما يصعب عليهم بطبيعة الحال أو بالأحرى) أن يتصوّروا حضارة جديدة تماماً. وصحيح أنهم يقبلون أن الاشياء تتحرك، ولكنهم يحسبون، حسباناً جدّياً، أن تحولات حاضرنا، ستمرُّ بجانبهم، وأنه لاشيء يهزُّ الإطار الاقتصادي، ولا البِنَى السياسية المألوفة لديهم. وهم ينتظرون بكامل الثقة أن المستقبل سيكون على شاكلة الحاضر.‏

ولكن الأحداث الجديدة، قد زعزعت هذه الصورة المطمَئنَة للمستقبل. وبمقدار ما تتصدرُ الأزماتُ الكثيرة، الصفحة الأولى من الجرائد، وتنفجر إيران، وتنتزع من ماو صورةُ الإله، ويتصاعد(1) ثمن النفط بقوة، ويصبح التضخم مثيراً للغضب، "ويتنامى الإرهاب، وتعرب السلطات العامة عن عجزها تجاهه، كانت رؤيةٌ أخرى، أشد سواداً، تفرضُ نفسَها أكثر فأكثر، وانتهى ذلك إلى أن كثيراً من الناس- المشبعين بالأخبار السيئة، والأفلام الكارثية، وبقصص رؤيوية توراتية تصوّر نهاية العالم، وبسيناريوهات تصيب الإنسان بالكوابيس، تنشئها مكنات للتفكير، تحمل سمات السحر والاستغراب- يصلون ظاهرياً إلى النتيجة القائلة، إنه لا يسعنا تمديد مجتمع اليوم، وإضفاؤه على المستقبل، بحكم أنه لن يوجد مستقبل. وفي مثل هذا المنظور، يتراءى للجميع، أننا على بعد عدة دقائق من المصيبة الكبرى، وأن الأرض تحني رأسها باتجاه الكارثة النهائية.‏

ويقوم هذا الكتاب على ما أسمّيه بالطليعة الثورية. وهو يؤكد أنه، حتى إذا كان على بعض عشرات السنين المقبلة، وهذا هو الأرجح- أن تكون خصبةٌ بالاضطرابات، والتشنجات بل وحتى باندلاع العنف، فإننا لن يُقضى علينا تماماً، وهو يأخذ بالرأي القائل: إن الهزات العنيفة التي نتحمّلُ اليوم وزرها ليست بثمرة لمجرَّد المصادفة، ولكنها تؤلّف، على العكس، صورةً مبسطة لأشكال التطور الواضحة والسهلة التمييز. وهو يؤكد أن هذه التغيرات، تراكمية السمات، وأنها تؤدّي بتجمعّها، إلى تحوّل غير مألوف، لصور حياتنا وعملنا، وتسلياتنا، وتفكيرنا. وهو يؤكد أخيراً أن مستقبلاً سليماً، ومرغوباً به يظل شيئاً ممكناً. إذ أنَّ كل مايحدث أمام أعيننا، ليس بشيء أقل من ثورة عالمية، أو قفزة كمومية في التاريخ. وبتعبير آخر، إن نقطة البداية في هذا الكتاب يمكن أن تلخص كما يلي: إننا آخر جيل من حضارة قديمة وأول جيل من حضارة جديدة، ويجب أن نضيف إلى هذا، أن جزءاً كبيراً مما نُعانيه من الاضطراب، والقلق، والضياع، يصدرُ مباشرة عن الصراع الذي يُمزقنا، ويداخل أيضاً مؤسساتنا السياسية، وهذا الصراع هو الذي يقوم بين حضارة الموجة الثانية، التي تدخل في دور الاحتضار، وبين الحضارة الفتية، حضارة الموجة الثالثة، التي تتهيأ للهجوم، لاقتلاع ماسبقها.‏

وعندما نكون قد فهمنا هذا، نجد أن جملةً من الأحداث غير المفهومة، في الظاهر، تتضح فجأة. ذلك أن المحاور الكبيرة، للتغيير بدأت في البروز بشكل واضح، غير أن العمل من أجل الاحتفاظ بالبقاء، يصبح ممكناً ومقبولاً. وبكلمة واحدة، مثلها مثل مئة كلمة، نقول إن الطلائع أو المقدمات) الثورية تحرِّر عقلنا وإرادتنا.‏

قمة الموجة‏

هنالك طريقة بحث، متميّزة وناجعة في البحث، يمكن تسميتها باسم "التحليل الاجتماعي، لسلسلة الموجات. ويمكننا من خلال هذا المنظور، أن نتصوَّر التاريخ كتابع لموجات التغيّر، وأن نتساءل إلى أين تقودُنا قمّةُ كل منها. وعندئذ نركزُ على استمراريات التاريخ، مهما تكن ضخمة، بأقل مما نركز على تقطعاته - كالتجديدات ونقاط القطيعة ثم نتعرَّف، فيما بعد، صيغ التغير الحسّاسة، بمقدار ماتبرز أو تثبت وجودها. ومنذئذ، نصبح قادرين على توجيهها.‏

وهنا نبدأ بهذه الملاحظة البسيطة جداً، ونقول إن دخول الزراعة، كان أوَّل انعطاف في مسار التطور الاجتماعي للإنسانية وكانت الثورة الصناعية كانت الخطوة الكبيرة الثانية. وهذان الحادثان، إذا نُظر إليهما بالصورة التي أشرنا إليها، لا يظهران كمرحلتين دقيقتين، ومستقلتين، بل كموجة تغيير تنتقل بسرعة معينة.‏

وكان الناس قبل الموجة الأولى، يعيشون، في أكثريتهم متجمعين في مجموعات صغيرة، كثيراً ما تكون بدوية، ولا تحصل على قوتها إلا بجمع أو قطف مايمكن أن يؤكل، ثم جاءت مرحلة الصيد وتربية الحيوانات.‏

ولكن حدث بعد ما يقربُ من عشرة آلاف سنة، أن الزراعة بدأت في الظهور، وأشاعت بالتدريج مانسمّيه بالثورة الزراعية، على سطح الأرض، وحينئذ بدأت تظهر قرى هنا وهناك، ومساحات سكنية، ومناطق تُصلح للزراعة، وانتهى ذلك كله إلى صيغة حياة جديدة.‏

ولم تكد الموجة الاولى تصلُ إلى نهاية مسارها، حتى قام في أواخر القرن السابع عشر مانسمّيه بالثورة الصناعية، وانتشرت في أوروبا، وأثارت الموجة الثانية العالمية. لكن هذه السيرورة - أي حركة التصنيع- انتشرت بسرعة أكبر بين الأمم والقارات. وهكذا فإن حادثين مختلفين ومتميزين، كانا يُدخلان تغييراتٍ هامة، في آن واحد، ولكن بسرعاتٍ متباينة.‏

أما الآن، فإن عهد الموجة الأولى قد انتهى عملياً. وليس هناك إلا بضعة شعوب قبلية في أمريكا اللاتينية أو في الـ Papouasie أي غينيا الجديدة- مثلاً، لم تمسَسْها الزراعة، ولكن دينامية هذه الحركة ،حركة الموجة الأولى، تبدو وكأنها استنفدت قوتها.‏

وأما الموجة الثانية- أي حركة التصنيع- فإنها بعد أن أحدثت انقلاباً حقيقياً في أوروبا، وأمريكا الشمالية، وبعض مناطق أخرى من الكرة الأرضية، أثناء قلة من القرون، فإنها ماتزال تُشيع جَوَّها. وهنالك بلاد عديدة ماتزال في عهدها الزراعي، بدأت الآن تنشئُ بسرعة محمومةٍ مصانع الصلب، والسيارات، ومعامل النسيج، وسكك الحديد، ومصانع زراعية تنتج المواد الغذائية، وهذا العزم الذي عرفناه للتصنيع مايزال محسوساً. وهكذا فإن دينامية الموجة الثانية لم تنفذ بعد.‏

ولكن حتى في الوقت الذي تتتابع فيه أو ماتزال تتتابع) حركة التصنيع، نجد حركة أخرى، أعظم أهمية، قد بدأت بالبروز، وحقاً فإنه، بعد عشرات السنين التي تبعت الحرب العالمية الثانية، وبعد أن بلغت حركة التصنيع أوجها، بدأنا نلاحظ موجة ثالثة، غامضة، يُساء فهمها، قد أخذت تهجم على الأرض محدثة التغيير في كل شيء.‏

وهكذا فإن عدداً كبيراً من البلدان مايزال تعاني في آن واحد، صدمة الموجتين، بل إن موجة صدمات ثلاث مختلفة تماماً، بدأت تنتقل بسرعات مختلفة، تحفزها قوى حية بدرجات مختلفة.‏

وفي وسعنا هنا القول إن عهد الموجة الأولى قد بدأ حوالي العام 8000 ق.م. وإنه لم يلقَ بعدُ من ندٍّ حتى اللحظة الواقعة بين 1650-1750، ب.م، ومنذئذٍ أخذ يفقد نشاطه، في الحين الذين كانت فيه الموجة الثانية بدأت تحل محلّها بالتدريج. وما الحرب العالمية الثانية، التي كانت حصيلة الموجة الثانية، إلا علامة على سيادة الحضارة الصناعية و بلوغها أوجها، غير أن منعطفاً آخر أخذ بعدئذ مَن يَبرُز للعيون اليقظة. وكان ذلك في الولايات المتحدة، مابين 1955 و 1965، وقد شهد الناس خلال هذه السنوات العشر، أن الياقات البيضاء والمقيمين على الخدمات، يتجاوزون في العدد أصحاب الياقات الزرقاء، وكذلك شهد الناسُ، خلال هذه الفترة الثالثة ظهورَ الحاسوب، ظهوراً يكاد يعمّ الناس، ثم ظهور الطائرة النفاثة، على الخطوط التجارية، وحبّةَ منع الحمل (2) ، وكثيراً من التجديدات الأخرى التي كان تأثيرها عظيماً. وأثناء هذه السنوات، تماماً، أخذت الموجةُ الثالثة، تزداد قوة، في الولايات المتحدة. ولقد ظهرت -في تواريخ مختلفة قليلاً- وبالقوة المتزايدة في أكثر الشعوب الصناعية، مثل بريطانيا، وفرنسا، والسويد وألمانيا، والاتحاد السوفييتي، واليابان. واليوم نجد كل هذه البلاد، ذات التكنولوجيا المتقدّمة، تترنح تحت تأثير صدمة الموجة الثالثة، التي تهز الشؤون الاقتصادية العتيقة والمتصلبة التي عرفتها الموجة الثانية.‏

ان فهم هذا الواقع، هو السرّ الذي يَسمحُ لنا، إلى حد كبير، بالكشف عن المعنى العميق للصراع السياسي والاجتماعي، الذي نراه يتنامى من حولنا.‏

موجات المستقبل‏

ولنلاحظ أنه عندما تكون هناك موجةٌ وحيدةٌ، من موجات التغيير، وتكون هي التي تبرز في مجتمع معيّن، فإن تمييزَ لحمةِ تطورها المقبل، أمر سهلٌ نسبياً. وفي أوروبا القرن التاسع عشر، مثلاً، كان الكثيرون من المفكرين والمثقفين، ورجال الأعمال، والسياسيين، والناس العاديين، يملكون فكرة واضحة، وصحيحة في جوهرها، عن الوجه الذي سيرتسم فيه المستقبل. كانوا يستشعرون أن التاريخ يمضي في اتجاه انتصار الصناعة على الزراعة السابقة للمكننة، ويتوقعون، بدرجةً رائعة من الدقة، جملة من التحوّلات التي كان على الموجة الثانية أن تأتي بها: كالتقنيات الأكثر نجعاً والمدن الأكثر ضخامة، والتنقلات الأكثر سرعة، والتربية الجماهيرية الأوسع مجالاً... الخ.‏

وكان لهذا الاستشعار الواضح للمستقبل نتائج سياسية مباشرة: فالأحزاب والحركات السياسية كانت قادرة على تصوّر نفسها، داخل منظور المستقبل، وكانت المصالح الزراعية السابقة للصناعة، تستطيعُ تنظيمَ نفسها، بغيةَ القيام بمعركة المؤخرة، ضد تجاوزات النزعة الصناعية، وضد الـ big business كبار رجال الأعمال)، وضدّ القادة النقابيين، وضدّ "المدن الملعونة". وكانت الطبقة العاملة، وأصحاب المعامل، يستطيعون التنازع فيما بينهم للاستيلاء على مقاليد السلطة في المجتمع الصناعي. وكانت الأقليات العرقية تحددُ حقوقها على أساس اتخاذ موقعٍ أفضل في العالم الجديد، وتطالبُ بالوصولُ إلى مختلف المراتب والوظائف ذات المسؤوليات الكبرى في المصانع‎، وتطمحُ إلى سكن أرقى، وإلى تعميم التعليم، الخ...‏

غير أنه كان للرؤية التصنيعية للمستقبل، انعكاسات ملحوظة على المستوى النفسي. وكان في وسع الناس، أن يختلفوا أو أن يتنازعوا بعنف، في مجابهاتٍ قد تكونُ أو ربّما كانت داميةً أحياناً. وكانت الأزمات وصور التقدم الاقتصادية، قادرةً على قلب حياتهم. وعلى كل حال، فإن صورة المستقبل الصناعي، التي كانت مشتركة بينهم تميل إلى تحديد الاختيارات، وكانت تجعل الأفراد يعون، لا ماكانوا فيه فقط، ولكن أيضاً ماكان يمكن أن تكون عليه حظوظهم في المستقبل، وحتى إذا كانوا في قلب التغيرات الاجتماعية الكبيرة، كانو يشعرون بأن هذه التطورات ستجلُبُ لهم بعض الاستقرار، ومعنىً ما، لهوياتهم.‏

وبالمقابل، فإنه عندما تكون موجتان ضخمتان من موجات التغيير أو أكثر من موجتين) تهبطان على مجتمع ما، من غير أن تكون إحداهما أقوى من الأخرى، فإن صورة المستقبل عندهما، تبدو وكأنها تعودَ إلينا من مرآة محطمة. وعندئذٍ يكون من الصعب أن نتبيّن معنى التغيرات والصراعات التي تحدث. غير أن اصطدام الجبهات، يثير عاصفةً عنيفةً وتيارات متناقضة، ودوامات من تلاطم الأمواج التاريخية أكثر عمقاً وأكبر أهمية.‏

وفي أيامنا هذه، وفي الولايات المتحدة، كما هي الحال في عدد غير قليل من البلدان، ينشئ الاصطدام بين الموجتين الثانية والثالثة، توتراتٍ اجتماعيةً عنيفة، وصراعات خطيرة، ومجابهات سياسية غريبةً، غير معهودةً، لا تحسب حساب خطوط الفصل المألوفة، تبعاً للطبقات، والعروق، والجنس، أو الأحزاب. كما أنها تقصي على المصطلحات السياسية الكلاسيكية، ويصبح من الصعب أن نفضل "التقدميين" عن "الرجعيين" والأصدقاء من الأعداء، وهكذا تنفجر الاستقطابات القديمة والتحالفات العتيقة.‏

ويعكس تفتت الشخصية مانراهُ من فقدان الانسجام في الحياة السياسية. إن الأطباء النفسانيين والشيوخ الروحيين يجنون ذهباً كثيراً، والناس يتنقلون من صورة علاج إلى أخرى، ومن "الصراخ الأساسي" إلى "الطب الذي لايدرك بالحسّ medecine cxtrasensoriel ومن طائفة دينية ما، إلى طائفة أخرى، هذا إن لم يغرقوا في نرجسية مرضية، معتقدين أن الواقع غير معقول، أو منحرف، أو مجرّد من أي معنى. أما أن تكون الحياة غير معقولة، في اتجاه أوسع، أو كوني، فإن هذا ممكن، ولكن ذلك لا يبرهن أبداً على أنّ الأحداث التي تنسج لحمة الحياة في أيامنا"، مجردة من أية دلالة، أو أي معنى. والحقيقة أن هناك نظاماً خفياً، يمكن تعرفه بدءاً من اللحظة التي نكون فيها قادرين على تمييز التغيرات المرتبطة بالموجة الثالثة، من تلك التي تخصُّ الثانية، والتي تتباطأ سرعتها شيئاً فشيئاً.‏

وتنعكس العواصف الناشئة عن أمواج التغيير هذه، على حياتنا المهنية والعائلية، وعلى صور سلوكنا الجنسية وأخلاقنا الشخصية. إنها تعبّر عن نفسها في أسلوب حياتنا، وفي عاداتنا في التصويت في الانتخابات) غير أننا إن وعينا مايحدثُ في حياتنا اليومية الخاصة وفي أعمالنا السياسية أو لم نعِه نجدُ أكثريةُ الناس من سكان البلاد الغنية. سواء، أكانوا رجالاً أم نساءً من عالم الموجة الثانية، وحريصين على إنقاذ نظام مريض، أم كانوا رجالاً ونساءً من جماعة الموجة الثالثة، تحرّص على إقامة مستقبل مختلف جذرياً، مالم نكن من المتوسطين بين الفئتين، ضلَوا الطريق إلى ماتريدُ الوصول إليه. ذلك أن هؤلاء يعتقدون أن النظامين، يُعدِّل أحدهما الآخر.‏

وهذا الصراع القائم بين جماعات الموجة الثانية، وجماعات الموجة الثالثة، يؤلف -في الواقع- ذلك الانفصام السياسي الرئيسي للمجتمع المعاصر. ومهما تقل لنا الأحزاب والمرشحون، اليوم، فإن خصوماتهم ليست بأكثر من معركة، موضوعها كله تحديدُ من سيحصل على أكثر الفوائد، مما يبقى من النظام الصناعي، الماضي إلى حتفه، وهذا الصراع هو "المعركة العظمى، من أجل الغد".‏

وهذه المجابهة بين المصالح القائمة في ظل الموجة الثانية "وبين جماعة أو أنصار الموجة الثالثة، تنتشر على مثال التيار الكهربائي الذي يجتاز الحياة السياسية لكل الشعوب.. وحتى في البلاد اللامصنّعة، نجد مراكز النفوذ القديمة، قد أرغمت على تغيير موقعها بحكم بروز الموجة الثالثة. وهذا التضاد القديم قدم الدهر، الذي يقوم بين المصالح الزراعية، التي كثيراً ماتكون إقطاعية وبين النخب المصنِّعة، سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية، يكتسب بعداً جديداً، على ضوء التقادم الذي يُهدد تيار التصنيع. تُرى هل يقتضي التصنيع المتزايد مع تنامي الموجة الثالثة، "موت الاستعمار الجديد" أم يقتضي، في الواقع، تخليداً للعبودية؟!‏

وليس في وسعنا أن نبدأ بفهم معنى العناوين الكبيرة، واستخلاص الأولويات،وإنضاج استراتيجيات ذكية، بغية السيطرة على التغيرات الحديثة، التي تؤثر في وجودنا، إلا بالعودة إلى أرضية الأفكار الأساسية التي أشرنا إليها في سياق هذا الحديث.‏

وعندما نعي وجودَ أو قيام معركة عنيفة، بين أولئك الذين يحاولون إنقاذ النظام القديم، وأولئك الذين يحاولون الانتهاء منه، نجد لدينا مفتاحاً ناجعاً للكشف عن حقيقة العالم. والشيء الاكثر أهمية أيضاً- سواء أتعلق الأمر بتعريف الخيارات السياسية لشعب ما، أم بإنضاج استراتيجية لمشروع ما، أم لتعيين أو تحديد هدفٍ ما للحياة الشخصية - هو أننا نملك أداة جديدة لتغيير هذا العالم.‏

ولكي تكون هذه الأداة قابلة للاستخدام، يجب علينا، إما أن نكون قادرين على إيضاح التغيرات التي تطيل عمر الحضارة الصناعية القديمة، من جهة أولى أو أن نقوم بانضاج ايضاح التغيرات الأخرى التي تُيَسِّرُ قيام الحضارة الجديدة، من جهة أخرى. وبكلمة واحدة، نقول إن المهمّ هو فهم الطرفين، أي القديمة والجديدة، للنظام الصناعي الذي نعرفه للموجة الثانية، التي ولد فيها الكثيرون منا، ونظام حضارة الموجة الثالثة التي ستكون عالم أبنائنا.‏

(1) والحقيقة هي أنه ينهار ولا يتصاعد.بانتظار وصول الموجة الثالثة .‏

(2) وكذلك حبات الفياغرا الآن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244