إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة- الفين وهيدي توفلر - ترجمة: حافظ الجمالي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني صدمة الحضارة

لقد تأخر الناس بعض التأخر في فهم وصول الحضارة الصناعية إلى نهاية عمرها. أما الذي اتضح عندما كنا في صدمة المستقبل 1970) نستعرض الأزمة العامة للعهد الصناعي، فإنه يَعدُنا لا بحروب أقل، بل بحروب أكثر، ولكن من نوع آخر.‏

ولما كانت التغيرات الاجتماعية لا تتم أبداً من غير صراع، فإننا نعتقد أن صورة أو رمز) الموجات، موجات التغيير- إن شئنا الحديث عن التاريخ- أكثر دينامية و كشفاً من كل انتقال باتجاه مابعد الحداثة. فالموجات دينامية، وعندما نتصادم الموجات، فإنها تحرّر تيارات قوية في العمق. وعندما تصطدم الموجات التاريخية، بعضها ببعض، فإن ذلك يعني أن حضارات كاملة تتصادم، وهذا مايوضح كثيراً من جوانب العالم الحالي التي كان يمكن، في الظاهر، أن تبدو، لولا ذلك، سخيفة وعرضية.‏

وتبعاً لنظرية الصراع القائم على مفهوم الموجات، فإن الصراع الأساسي، لا يقوم بين الإسلام والغرب ولابين الغرب وبقية العالم،" على نحو ما أشار إليه أخيراً، Samuel .Huntington .وخلافاً لما يؤكّده بول كينيدي، فإن أمريكا ليست في مرحلة الانحدار. وكذلك فإننا لا نصل إلى "نهاية التاريخ"، على مايدَّعي Franeis Fukuyama. بل يمكن القول: إن من بين كل التغيرات الاقتصادية والاستراتيجية، كان الأكثر عمقاً، هو "انقسام العالم" الذي يلوح في الأفق، بين ثلاث حضارات متميزة ومختلفة، وضمنياً متصارعة. ومن العسير علينا أن نرسم أطرُها، بالتعريفات التقليدية. أما حضارة الموجة الأولى، فإنها كانت وستظل مرتبطة بالأرض، لا محالة. ومهما تكن صورها المحلية، و لغات كلامها، وأديانها، أو منظوماتها العقائدية، فإنها كانت حصيلة الثورة الزراعية، ومايزال يوجدُ، حتى اليوم، أعدادُ كبيرة من الناس، تعيشُ وتموتُ في مجتمعات زراعية سابقة للحداثة، حارثة أرضاً قليلة الخيرات، على نحو ما كان يفعله أجدادُنا، منذ قرون كثيرة.‏

وأما أصول حضارة الموجة الثانية، فإنها موضعُ جدل أكبر. ويرى بعض المؤرخين أنها تمتدّ بأصولها إلى عصر النهضة، بل وإلى ماهو أسبق من ذلك. ولكن جماعات كثيرة من الناس، لا ترى أن حياتها قد تغيّرت تغيراً أساسياً، منذ ثلاثة قرون تقريباً، في العهد الذي أصبح فيه العلم النيوتوني مكيناً، أو حيث بدأ الناس استغلال المحرك الانفجاري اقتصادياً، وحيث بدأت المعامل الأولى بالتكاثر في بريطانيا، وفرنسا وإيطاليا. عندئذ بدأ الفلاحون بالهجرة إلى المدن، وبدأت أفكارٌ جديدة وجريئة، تنتشر بين الناس، كفكرة التقدّم، والعقيدة الغريبة التي تؤمن بحقوق الفرد، ومفهوم روسو في العقد الاجتماعي، والعلمانية، والفصل بين الدين والدولة، من غير أن ننسى الفكرة الجديدة التي ترى أن القادة ينبغي أن يكونوا تعبيراً عن الإرادة الشعبية، لا عن الحق الإلهي.‏

وبدأت يومئذ تغيراتٌ كثيرةٌ، تتناول طريقة جديدة لإنشاء الثروات: بعد فكرة المعمل والمصنع. وبسرعة ما اجتمعت العناصر المتعددة في منظومة كلية systeme: تعني الإنتاج الكثيف، والاستهلاك الكبير، وتربية الجماهير، ونشوء الصحف. فهذه كلها حوادث موصولة بعضها ببعض، تقوم عليها مؤسسات متخصصة- كالمدارس والمصانع، والأحزاب السياسية- ومامن شيء، حتى البنية العائلية الأسرة) ظلّ على حاله: فمن الأسرة الكبيرة ذات النموذج الزراعي، حيث كانت تعيش أجيال كثيرة تحت سقف واحد، مضى الناس إلى الأسرة الصغيرة، أو الأسرة النووية، التي رُدت إلى أبسط تعابيرها، كنموذج للمجتمعات الصناعية.‏

ولابدّ أن الحياة بدت للناس الذين عاشوا هذه التغيرات المشخّصة، كحياة فوضوية. ومع ذلك فإن كل هذه التغيرات كانت مترابطة فيما بينها، ترابطاً وثيقاً، ولم تكن إلا خطوات بسيطة، إلى الأمام، باتجاه الازدهار الذي سميناه باسم الحداثة، فالمجتمع الصناعي كان يُعبِّر عن الموجة الثانية.‏

وقد تبدو كلمة "الحضارة" مفرطة الادّعاء. وخاصة بالنسبة إلى الآذان الأمريكية، ولكننا لا نجد كلمة أخرى فيها من الاتساع مايكفي للدلالة على أشياء يختلف بعضُها عن بعض، كالتكنولوجيا والحياة العائلية، والديانة، والثقافة، والسياسة، والأعمال، والتراتب، والسلطة والقيم، والحياة الجنسية، والابيستمولوجيا المعارفية). وكانت هنالك تغيرات سريعة وجذرية تنشط لعملها في كلِّ هذه الأبعاد الاجتماعية. فإذا أنت غيرت هذا القدر من العناصر الاجتماعية والتقنية، والثقافية، معاً، فإنك لن تحصل على مجرّد انتقال، ولكن تحصل على تحوّل، ولا على مجتمع جديد، بل على الأقٌل، على بداية حضارة جديدة.‏

ولقد دخلت هذه الحضارةُ بضجيج كبير في أوروبا الغربية، واصطدمت، في كل مرحلة، بمعارضة عنيفة.‏

الصراع الرئيسي‏

وقد انفجرت في كل البلاد الماضية في طريق التصنيع صراعات ضخمة، كثيراً ماكانت دموية، بين الجماعات الصناعية، والتجارية، المنتسبة إلى الموجة الثانية، وبين ملاكي الأراضي من المنتسبين إلى الموجة الأولى، والمتحالفين فيما بينهم. وكان ذلك حال الكنيسة التي كانت تملك ملكيات واسعة). إذ لقد طردت جماعات من الفلاحين من أراضيهم، لكي يصبحوا عمالاً في "المعامل الشيطانية" أو في المشاريع التي كانت تتكاثر في أرجاء البلاد..‏

وعلى حين أن الحرب انفجرت بين مصالح فئة الموجة الأولى، وفئات الموجة الثانية، وكان صراعها هو الأكبر.كان التوتر الرئيسي الذي تنشأ عنه الصراعات الأخرى- كالإضرابات والتمردات، وثورات المدن، والخلافات على الحدود، والانتفاضات القومية - يمضي متضاعفاً.‏

وقد تكرر هذا النموذج هذا المثال) في كل البلاد الماضية في طريق التصنيع، تقريباً، وأرغم هذا التوتر جملة المصالح التجارية والصناعية الشمالية، على الدخول في حرب مدنية مخيفة، من أجل التغلب على المصالح الزراعية في الجنوب. وبعد عدة سنوات فقط، انفجرت ثورة الميجي Meiji في اليابان، ومرة أخرى أيضاً كان النصر للمحدثين من جماعة الموجة الثانية، على التقليديين. جماعة الموجة الأولى.‏

وقد أدّى انطلاقُ حضارة المرحلة الثانية، بما كان لها من طرق غريبة في خلق الثروات، إلى إشاعة الاضطراب في العلاقات بين البلدان، فأدّى هذا لا إلى فراغات هنا وهناك، فقط، بل أيضاً إلى انتقال للسلطة. ولما كان هذا حصيلة الموجة الثانية من التغير، فإن آثاره استقرت على الشواطئ الشمالية لحوض الأطلسي، بالدرجة الأولى، لأن حضارة هذه الموجة انتشرت عليها، بسرعة أكبر من تلك البعيدة عنها، واحتاجت الدول الأطلسية، تبعاً لدرجة تصنيعها، إلى أسواق ومواد أولية، رخيصة الثمن، في البلاد البعيدة. وهكذا، فإن دول الموجة الثانية، المتقدمة، قامت بحروب، وغزو استعماري، وانتهت إلى إرساء سلطانها على الدول التي بقيت في طور الموجة الأولى، وعلى الوحدات القبلية في آسيا وافريقيا كليهما.‏

ولقد قام الصراع الكبير- هو نفسه -بين الدول الصناعية، بنات الموجة الثانية، وبين الدول الزراعية، بنات الموجة الأولى، ولكن على مستوى الكرة الأرضية كلها، هذه المرة، لا على مستوى داخل البلاد. وهذا الصراع هو الذي حدّد، آخر الأمر، صورة العالم، حتى عهد قريب. بل إنه هو نفسه الذي رسم الإطار الذي جرت فيه أكثر الحروب.‏

لكن الحروب القبلية، والحروب حول الأراضي، بين مختلف الجماعات البدائية والزراعية، تتابعت، على ماكانت عليه الحال منذ آلاف السنوات السابقة. ولكن هذه ظلت ثانوية، وأهميتها محدودة، ولم يكن لها من أثرٍ غير إضعاف الأطراف المتنازعة، وجعلها جميعاً فريسة سهلة بالنسبة إلى القوى الاستعمارية الناشئة عن الحضارة الصناعية. وهذا ماحدث، على سبيل المثال، في افريقيا الجنوبية، عندما انتزع Cecil Rhodes سيسيل ردُوس) وعملاؤه مساحات واسعة من الجماعات القبلية، التي كانت مشغولة بحربها بالأدوات البدائية. وقد قامت حروب كثيرة، ما من صلة ظاهرة لها بعضها بالبعض الآخر، في أماكن أخرى- وكانت بالجملة تعبيراً عن الصراع العالمي الكبير أو الأكبر) الذي كان يحتم المواجهة، لا بين الدول، بل بين الحضارات.‏

وكانت أكبر الحروب، وأكثرها قتلاً، في العهد الصناعي، حروباً بين الدول الصناعية نفسِها مثل بريطاينا وألمانيا) أي بين بلاد كلها من الموجة الثانية. وكانت كلّ واحدة تحارب طمعاً في السيطرة على العالم، على إبقائها وضع شعوب الموجة الأولى، في مواقع ثانوية.‏

ونشأ عن ذلك تقسيم واضح جداً. ذلك أن العهد الصناعي، قسم العالم إلى قسمين: أي بين حضارة من الموجة الثانية، مسيطرة ومهيمنة من جهة، وبين مجموعة كبيرة من المستعمرات التي بقيت في طور الموجة الأولى، وكانت جماعاتها متحفظة، ولكنها خاضعة، وكثيرون منا عاشوا وكبروا في هذا العالم، المقسّم بين بلاد من الموجة الثانية، وأخرى من الموجة الأولى، ولم يكن هنالك من شك، فيمن يملك السلطة.‏

أما اليوم فإن شكل الحضارات العالمية قد تغيّر. ذلك أننا نتقدم باتجاه بنى للسلطة، مختلفة تماماً، ستخلق عالماً منقسماً، لابين حضارتين، بل بين ثلاث، متضادة ، أما الأولى فتظل موسومة بسمتها الريفية والثانية تمثّل بسلاسل التركيب chaine de montage وأخيراً. تميز الثالثة بأنها معلوماتية . (1) .‏

وفي هذا العالم المنقسم إلى ثلاثة عوالم، أي عالم الموجة الأولى الذي يقدم الموارد الزراعية والمعدنية، وعالم الموجة الثانية الذي يقدّم يداً عاملة رخيصة على حين أن قسماً من الموجة الثالثة، مسرعاً في الانتشار، يقيم سلطانه على صُورٍ جديدة من خلق المعرفة واستغلالها.‏

وتبيع شعوبُ الموجة الثالثة، إعلاماً، وتجديداً، وإدارة، وثقافة عالية، وثقافة شعبية، وتقنية متقدمة وحواسيب وتربية، وتنشئة، وعناية طبية، وخدمات مالية وغيرها. ويمكن لواحدٍ منها أن يكون في آخر المطاف، محمية عسكرية قائمة على امتلاك قوى عظمى من طراز الموجة الثالثة. وهذا ماتصنعه الشعوب العالية التقدم، للكويت والعربية السعودية وأمثالها من الدول البدائية، أو ما صنعته فعلاً في حرب الخليج، في المرة الأولى عام 1980، والمرة الثانية عام 1998.‏

الشركات المحجّمة:‏

إن الموجة الثالثة أنشأت شركات كبيرة على صورة الإنتاج الكثيف الذي كان ضرورياً لها أما في اقتصاديات الموجة الثالثة، التي تقوم على الذكاء، فإن الإنتاج الكثيف الذي يمكن عدُّه بمثابة العلامة المميزة للمجتمع الصناعي- قد أصبح شكلاً أكل الدهر عليه وشرب. لكن الإنتاج المحجّم - أي المشكّل من منتجات مشخّصة بدرجة عالية، في مجموعات صغيرة- هو أداة الانطلاق للصناعة الحديثة. وهكذا يمحّي التسويق أمامَ تجزؤ السوق "أو التسويق المصغر"، على صورة التغيرات التي تحلّ في الإنتاج. ونرى الرجال الضخام الذين عرفوا في العهد الصناعي، ينهارون تحت ثقلهم نفسه. وهم مهدّدون بالقضاء عليهم. وكذلك فإن النقابات العائدة لقطاع الصناعة الكبرى تنكمش وتنحسر. وفي الوقت نفسه يتحجم الإعلام بصورة موازية للإنتاج، و تتقوقع شبكات التلفزة، أمام تكاثر الشبكات الجديدة. وحتى الأسرة نفسها فإنها تتحجّم هي أيضاً، إذ أن الأسرة النووية التي كانت فيما مضى، الشكل العصري للأسرة، تصبح شكلاً خاصاً بالأقلية، على حين أن الأسرة الوحيدة القرابات، والأزواج المزواجين(2) . تتكاثر وتكوِّن الأسرة التي لا تعرف الأطفال، وجماعة العزاب، هي التي تحل محلها.‏

وهذا يعني أن البنيية الاجتماعية كلها تتغير وبدلاً من التجانس المميّز لمجتمع الموجة الثانية، سيتم اللاتجانس لحضارة الموجة الثالثة. وهكذا يتم انتصار التحجيم على ماكان موجوداً من التضخيم.‏

ثم إن تعقيد النظام الجديد يقتضي بدوره مبادلات في الإعلام، تزداد كماً، بين مختلف وحداتة: أي الشركات والإدارات العامة، والمشافي والمؤسسات الأخرى، والأفراد، وهذا يقتضي نشوء حاجة كبيرة للحواسيب وللاتصالات البرقية بالأصابع، ولشبكات اتصال، ووسائل إعلام جديدة.‏

وفي الوقت نفسه، نجد أن نسق التغيير التقني، والمعاملات التجارية، والحياة اليومية، يتسارع. والواقع إن اقتصاديات الموجة الثالثة تمضي بسرعةٍ، يجد الممولون عناءاً في متابعتها. وأكثر منذ ذلك، أنه على حين أن الأعلام يَحلُّ مَحَلَّ المواد الأولية، أكثر فأكثر، ومحل اليد العاملة، ومحل الموارد الأخرى، فإن بلاد الموجة الثالثة ستكون أقل تبعية من أمثالها التي عاشت أيام الموجة الأولى والثانية، وهي تتعامل. بعضها مع بعض، أكثر فأكثر: وفي آخر الحساب، سنلاحظ أن تكنولوجيتها الرأسمالية العالية، والقائمة على المعرفة، ستؤدّي المهمات التي تقوم بها اليوم بلاد اليد العاملة الرخيصة، وستؤديها بصورة أفضل، وبسرعة أكبر، وبثمن أرخص.‏

وبتعبير آخر، نقول إن هذه التغيرات تهدّد بقطع عدد من العلاقات الاقتصادية الحالية القائمة بين الاقتصادات الغنية والفقيرة.‏

أما الفصل الكامل، فإنه مستبعد. ذلك أن من المستحيل منع التلوث، والمرض، والهجرة من دخول بلاد الموجة الثالثة. وكذلك فإن البلاد الغنية لا يمكنها أن تبقى إذا قامت البلاد الفقيرة، بحرب بيئية ضدها، أي إذا هي سلكت تجاه بيئتها سلوكاً ضاراً بالجميع. ولهذه الأسباب كلها، نجدُ أن التوترات تستمر في التصاعد بين حضارة الموجة الثالثة، وصورتي الحضارة الأقدم منها، وستضطر الحضارة الجديدة للحرب، لكي تضمن سيطرتها على الكرة الأرضية، على مثال جماعة الموجة الثانية، في مجابهتها للمجتمعات السابقة للحداثة، أي مجتمعات الموجة الأولى، أثناء العصور السابقة الماضية.‏

ومتى فهمنا جيداً فكرة صدمة الحضارات، وجدنا أنها تساعدنا على استخلاص معنى جملة من الحوادث الغريبة: مثل استفحال النزعة القومية. فالفكرة القومية هي إيديولوجية الدولة - الوطن، التي هي إحدى نتائج الثورة الصناعية. وهكذا فإن المجتمعات الزراعية، في الحين الذي تحاول فيه بدء أو إنهاء تصنيعها، نجدها بحاجة إلى سمات الأمة وأبهتها. وهكذا نرى الجمهوريات السوفييتية، مثل أوكرانيا، واستونيا، وجورجيا، تطالب بعنف باستقلالها الذاتي، وتحرص على علامات حداثة الأمس: كالأعلام الوطنية، والجيش، والعملة، والقطع النادر، التي كانت تُعرَّف بها -الدولة- الوطن، في فترة العهد الصناعي أو فترة الموجة الثانية. (3)

وكثيرون في عالم التكنولوجيا المتقدمة، يجدون عناءاً في فهم دواعي هذه المبالغة في الشعور الوطني، ومشاعر الوطنيين. ومن الناس من يتهكم علىوطنيتهم، المترعة بالكبرياء. ويدعنا هذا نفكر بالفريدونيا Freedonia ، في حساء البط التي كتبها الأخوان Marx Bralhers والتي تهزأ بفكرة التفوق القومي، في الحين الذي يكون فيه شعبان وهميان يمضيان إلى الحرب، الواحد ضد الآخر.‏

وعلى نقيض القوميين الذين لا يفهمون أن تدع بعض البلاد بلاداً أخرى، تنتهك استقلالها المزعوم أنه مقدّس يظل ويبقى صحيحاً أن "العولمة" عولمة الأعمال والقضايا المالية التي يقتضيها انطلاقُ اقتصادات الموجة الثالثة، قليلة المبالاة بالسيادة الوطنية، العزيزة جداً على القوميين الجدد.‏

وعلى حين أن الموجة الثالثة تغيّر عالم الاقتصاد، فإن الاقتصادات مرغمة على ترك جزء من هذه السيادة، وقبول التسللات الاقتصادية والثقافية المتزايدة من قبل زملائها. وهكذا، فإنه في الوقت الذي نجد فيه الشعراء والمثقفين في المناطق المتخلفة اقتصادياً، ينشدون أناشيد وطنية، فإن الشعراء والمثقفين في دول الموجة الثالثة، يتغنون "بفضائل عالم" لا حدود فيه. "لكن الاصطدامات التي تنشأ عن ذلك، تبعاً لصورة الحاجات المتباينة أصلاً، بين حضارتين مختلفتين اختلافاً أساسياً، يمكنها أن تثير في السنوات القادمة، واحداً من أسوأ حمامات الدم المعروفة.‏

ولئن كانت إعادة تقسيم العالم ذي القسمين إلى عالم ذي ثلاثة أقسام تبدو أقل وضوحاً في فترتنا هذه، فإن السبب في ذلك، بسيط: ذلك أن انتقال اقتصادات القوة الخام، النموذجية في عالم الموجة الثانية، إلى اقتصادات الموجة الثالثة، القائمة على القوة الدماغية، لم تكتمل في أي مكان.‏

وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، سنجد المعركة الداخلية من أجل السلطة، بين نخب عالم الموجة الثانية، والموجة الثالثة، لم تنته بعد. إذ يبقى أو مايزال يبقى قطاعات إنتاج هامة، ومؤسّسات من عالم الموجة الثانية، على حين أن اللوبيات السياسية لهذه الموجة نفسها، تظل تحرص كل الحرص على السلطة.‏

ولنشر إلى أن "اختلاط" عناصر الموجة الثانية والثالثة في كل البلدان "ذات التقنية العالية"، يضفي على كلّ منها، "تنشئته المتميزة. ومع ذلك فإن المسارات ليست أقل وضوحاً. وسيكسب السباق العالمي، المتزاحم، تلك البلاد التي تستكمل تحوّلات الموجة الثالثة، بأقل مايمكن من الاضطرابات الداخلية.‏

وبانتظار ذلك، فإن الانتقال التاريخي من عالم ذي قسمين إلى عالم منقسم ثلاثة أقسام، يمكنه أن يثير في الأرض صراعات هائلة، من أجل السلطة، من حيث أن كل بلد يحاول أن يُقيم وضعه في البنية الجديدة ذات الثلاثة أدوار التي تلوح أمامه. ومن وراء إعادة التوزيع الضخمة جداً للسلطة، يلوح في الأفق تغيّر في دور المعرفة، ومعناها وطبيعتها.‏

(1) سلاسل التركيب، مجموعة المكنات التي تنشئ قطع المنتج كالسيارة مثلاً) وتضمها بعضها إلى بعض لتصبح المنتج في شكله الأخير.‏

(2) المزواج، الرجل الذي يكرر زواجه مرة بعد مرة، ووحدة القرابة هي أن يعرف الطفل أمه وحدها. دون أبيه، أو العكس.‏

(3) من الملاحظ أن هذه الدول استقلت تماماً لا جزئياً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244