|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث البديل الأخير إن كل شخص يقرأ هذه الصفحة، يملك قدرةً مدهشة جداً. إنه يعرف القراءة. ولقد اتّسع نطاق التعليم اتساعاً يحملنا على التذكر بأننا جميعاً، كان لنا أجداد أميون: لم يكونوا أغبياء، ولا جهلة، ولكنهم كانوا "غير متعلمين". ولم يكن أجدادُنا أميين فقط، بل كانوا أيضاً لا يعرفون من الحساب شيئاً، وكانوا عاجزين أيضاً عن القيام بأبسط العمليات الحسابية، وأولئك النادرون جداً، الذين يحسنونها، كان يُنظر إليهم "كأناس خطرين". ويُروى عن القديس أوغسطين، نصٌّ أو كلام مستغربٌ جداً، يؤكد بأن علىالمسيحيين أن يبتعدوا عن أولئك الذين يعرفون الجمع والطرح، هؤلاء بلا أدنى ريب، قد عقدوا حلفاً مع الشيطان" وكان يجب أن ننتظر ألف سنة لكي يظهر أوائل "معلّمي الحساب"، والذين يهيئون تلاميذهم، لمهن تجارية. إن هذه الأمثلة، توضح أن أبسط القدرات، المفروض توفرّها تلقائياً، في الحياة الاقتصادية الحالية، كانت ثمرة قرون وآلاف السنين من النمو الثقافي المتراكم. وهذه المعرفة، التي وُرثت عن الصين، والهند، والعرب، وعن طريق التجار الفينيقيين، كما نقلت عن طريق الغربيين، جزء لا يتجزّأ، ولو أنه لا يُعترف به عادة، من التراث الذي يستخدمه اليوم أفراد وقادة للعالم كله، وفي كل جيل، كان بعض الناس يتعلمون هذه الطرائق، ويلائمون بينها وبين حاجات زمانهم، وينقلونها، وينشئون بالتدريج، بناءً شامخاً بالاعتماد على النتائج التي توصلوا إليها. وتقوم الأنظمة الاقتصادية كلُّها على "قاعدة للمعرفة". ومامن مشروعٍ يمكن أن يوجدَ من غير هذا الوضع السابق في الوجود، الذي أنضجه المجتمع. وخلافاً لرأس المال، والعمل، والأرض، لم يهتم علماء، الاقتصاد، كما هي الحال مع مديري الأعمال، بهذا العنصر المعرفي، وخاصة عندما يحسبون "رأس المال" الضروري للإنتاج. بيد أن هذا العنصر - الذي اكتسب مقابل أجر بالنسبة لبعض الناس، ومجاناً بالنسبة لبعضهم الآخر- قد أصبح الآن، العنصر الأهم من كل عنصر آخر. واليوم، انتهى بنا الأمر إلى نقطة من نقاط التعجب التي تَبرزُ من حين لآخرَ في التاريخ، أي في لحظةٍ من اللحظات التي تختفي فيها الحدود القديمة، وتهتز فيها مرة أخرى، بنيةُ المعرفة، فنحن لم نعد نكتفي بمراكمة إضافية ""للوقائع" ، مهما تكن طبيعة هذه الوقائع، كما أننا نعيدُ النظر في بنية المشاريع، وفي اقتصاديات كاملة، ونحن الآن في الطريق إلى إعادة تنظيم إنتاج المعرفة، وتوزيعها، وتحويل الرموز التي تصلح لنشرها. تُرى ما الذي يعنيه هذا كله؟! إنه يعني أننا ننشئ شبكات جديدة للمعرفة، ونصل المفاهيم بعضها ببعض، بعلاقاتٍ مدهشة، ونبني تراتب استنتاجات غريبة، وننضج نظريات جديدة، وفرضيات وصوراً نقيمها على موضوعات مجدِّدة، وعلى لغات جديدة، ورواميز وأنظمة منطقية. فالمشاريع، والدول والأشخاص يجمعون ويحفظون اليوم من الوقائع الخام أكثر بكثير من أي جيل عرفه التاريخ. وهناك شيءٌ آخر أكثرُ أهمية: فنحن ننشئُ بين المعطيات علاقاتٍ متبادلة، أكثر عدداً، ونضمُها في إطارٍ ما ونحولها إلى إعلام، ثم نجمع مختلف كتل الإعلامات هذه، لكي نبني نماذج أكثر فأكثر اتساعاً، وبنى هندسية حقيقية للمعرفة. لكن المعرفة الجديدة ليست دوماً من نظام الوقائع، ولا هي ظاهرة، بالمعنى الذي نستخدم فيه هذه الكلمة، بل إن النظام الذي نتحدث عنه، يظلُّ إلى حد كبيرٍ غير مقول: ويتعلق الأمر عندئذٍ بموضوعات تتراكم فوق موضوعات أخرى، ونماذج مجزأة ومشابهات غير ملحوظة؛ ولا يتضمن هذا المجموع معطيات إعلامية فقط، أو منطقية، من غير وزن عاطفي، في الظاهر، بل يتضمن أيضاً قيماً. وهذه إنما تنشأ عن الهوى والهيجان إذا لم نقل شيئاً عن الخيال والحدس. إن هذا الانقلاب الضخم، انقلاب قاعدة المعرفة في مجتمعنا - ليس بأثر تخدير ناشئ عن الحواسيب، ولا بأثر تلاعبات مالية- بل هو تلك المعرفة التي تشرح تنامي اقتصادٍ عالي الرمزية، هو اقتصاد الموجة الثالثة. خيمياء الإعلام كثيرةٌ -بين التغيرات التي تتدخل في منظومة المعرفة- هي تلك التي تترجم مباشرة في عمليات اقتصادية، ثم إن منظومة المعرفة أكثر حضوراً، عالمياً، في محيط كلِّ مشروع، من النظام المصرفي، والسياسي، أو نظام الطاقة، من حيث هي كذلك. وبغض النظر عن أنه ليس هناك من مشروع يستطيع أن يفتح أبوابه في غياب اللغة والثقافة ومعطيات الإعلام، فإنه يجب -وبصورة أعمق- أن نفهم أن -بين كل العناصر الضرورية لخلق الثروة- لا يوجدُ ماهو أيسرُ للتلاؤم مع مختلف صور الاستخدام- من تلك التي أشرنا إليها أعني اللغة والثقافة ومعطيات الإعلام). والحقيقة أن المعرفة التي كثيراً ما تردُ إلى إعلامنا أو إلى معطيات خام، يمكن أن تقوم مقام موارد أخرى كثيرة. ولننظر إلى الانتاج الكثيف، إنتاج الموجة الثانية. ففي أكثر المعامل القديمة كان من المكلف جداً أن نغيِّر أي شيء ننتجة عادة، وكان يجب لذلك، صناعُ أدوات، ومنظمات، واختصاصيون من ذوي الأجور العالية؛ كانت العملية تقتضي تجميداً طويلاً للمعمل، تكون المكنات أثناءه في حالة الراحة، وتصبح بذلك عبئاً على رأس المال، وتكلفة دفع فوائد ونفقات عامة أخرى باهظة، وعلى ذلك، فإنه كلما كانت مجموعة المنتجات أكثر تماثلاً، كان سعر التكلفة أقل. وهذا ما نشأت منه نظرية "اقتصادات السُلم" أو المدرج. Economie ol echelle) غير أن التكنولوجيا تقلب، قلباً كلياً، نظريات الموجة الثانية. وبدلاً من الانتاج الكثيف، صرنا نتجه نحو الانتاج القليل الذي يعبر عن نفسه بتفجر المنتجات أو الخدمات، في كل شيء، أو بصورة جزئية على القياس. وقد أصبح بالإمكان بفضل التقنيات الحديثة، التي يساعدها الحاسوب، أن ننتج أنواعاً كثيرة بأرخص كلفة. والواقع أن التقنيات الحاسوبية تهدف إلى جعل كلفة الإنتاج المتنوع، ضئيلة جداً، وردّ دور اقتصاد السلّم(1) الحيوي سابقاً إلى حدّه الأدنى. ولنأخذ المواد الأولية). فإذا نحن طلبناها من حاسوب logicel ذكي أمكنه أن يستخرج من كمية معينة من الصلب، عدداً من القطع المفردة، أكبر مما يستطيعه أكثر المختصين العاديين. ومن ناحية أخرى، نجد أنه كلّما كان التصغير ممكناً، استطاعت المعرفة أن تعطي منتجات أصغر حجماً وأخف وزناً، مما يخفف من أعباء الخزن والنقل، ويحقق عندئذٍ أصحاب العلاقة توفيرات أكبر، في عمليات النقل، وفي متابعتها على خطوط النقل، دقيقة فدقيقة. وهذا يعني تحسين الإعلام. وتتيح لنا المعرفة الجديدة، أن ننشئ مواد جديدة تماماً، كالأليات المتعددة العناصر، المعدّة لإنشاء الطائرات أو المنتجات البيولوجية؛ وهي تزيد إمكانية التعويض عن مادة بمادة أخرى. بل إن تقدّم المعرفة يسمحُ لنا بإنشاء تركيبات ذرّية أو جزيئية) على القياس، ذات مميزات حرارية، أو كهربائية، أو ميكانيكية، سبق تحديدها.. والسبب الوحيد الذي يرغمنا على نقل كميات ضخمة أولية مثل البوكسيت، والنيكل أو النحاس، من مختلف مناطق الأرض، هو أننا لم نكتسب بعدُ تلك المعرفة الضرورية، لإنتاج بدائل قابلة للاستخدام من مواردنا المحلية.. وعندما يستطاع تخطي العقبات، فإنه سينشأ عنها توفيرات كبيرة في أجور النقل. وخلاصة القول: إن الحصول على هذه المعارف يقدِّم لنا بديلاً للمواد الأولية، والسفن التي تنقلها. ولا يختلف الأمر في هذا القسم الآخر الذي نسميه الطاقة. فلاشيء يوضح هذا أكثر من قدراتنا الجديدة على معرفة صور الاستبدال، يدلّ على ذلك تلك الاكتشافات التي تحققت حديثاً في مجال قابلية النقل العالمية، وهذه اكتشافات ستقدّم لنا، على الأقل، قدرةً على اختزال الطاقة اللازمة للنقل، بالنسبة إلى كل وحدة من المنتج. ولا تقدّم المعرفة بدائل عن المادة الأولية ووسائل النقل، في مجال الطاقة فقط، بل إنها توفّر علينا الوقت. وحتى إذا كانت قيمة الوقت لا تظهر في أي جدول من جداول الحسابات، إلا أن ذلك لا يحول دون أن يكون هذا الوقت أحد المصادر الاقتصادية الأكثر أهمية. والحقيقة أنه يؤلف "مدخلاً" غير مرئي. وعندما تتسارع التغيرات- في وسائل الاتصال مثلاً- أو في إنتاج مادة جديدة، فإن الوقت يصبح عاملاً حاسماً بدرجة يعوِّض فيها عن الخسارة، إذا كان لابدّ منها، ويُكسَبُ فيها ربح يُستقبل بكثير من الارتياح. إن المعرفة الجديدة تُضاعف سرعةَ العمليات، وتقربنا من فعالية اقتصادية، في زمن فعلي، وشبه فوري، وكذلك فإنها تقدم بديلاً عن نفقات الزمن إنفاق الوقت). ثم إنها تقتصد المكان: وتسيطر عليه فقسم النقليات في شركة الجنرال الكتريك، تنشئ قاطرات. وعندما بدأت باستخدام تقنيات متقدمة للمعالجة المعلوماتية، والاتصالات في علاقاتها مع المموّنين، استطاعت أن تضمن دوراناً للبضائع المختزنة بسرعة توازي اثنتي عشرة مرة أكثر من ذي قبل، كما أنها وفرّت على نفسها إشغال نصف هكتار من سطوح التخزين. وبغض النظر عن التصغير ومايتحقق من فراغ في الأمكنة، فإن هناك أرباحاً أو توفيرات أخرى ممكنة، إذ أن تقانات الإعلام المتقدمة، بما في ذلك القراءة الإلكترونية، تحملنا على الأمل على الأقل بشيء من الضغط Compression والشي الأكثر أهمية، هو أنّ الإمكانيات الجديدة من قطاع الاتصالات الهاتفية المستندة إلى الحواسيب، والتقدم العلمي الجديد أو المستجدات العلمية) تسمح لنا، منذ الآن، بجعل الإنتاج في نجوة من التكاليف الباهظة للمراكز المدنية، وبالتالي، إقلال النفقات في الطاقة والنقل. المعرفة في مواجهة رأس المال كُتب الكثير حول التعويض عن الجهد الإنساني بالتجهيزات المعلوماتية بحيث أننا كثيراً ما نجهل التعويض المقابل عن رأس المال. بيد أن كل التطبيقات المشار إليها أعلاه، تترجم أيضاً، بتوفيرات في رأس المال. وبمعنى ما، يمكن القول إن المعرفة تُمثِّل، على المدى الطويل بالنسبة للسلطة المالية، تهديداً أخطر بكثير من النقابات العمالية أو الأحزاب السياسية المعادية للرأسمالية. ويمكن القول نسبياً إن الثورة المعلوماتية أو الإعلامية informatique) تؤدي إلى التقليل من الحاجة إلى رأس المال، إذا حُسِبَ ذلك على أساس الوحدة. وعندما يكون الاقتصاد رأسمالي النزوع، فإن آثاره تكون ذات أهمية أساسية. ونذكرُ على سبيل المثال، إن فيتوريو ميرلوني VITTDRIO MERLONI 64 سنة) يملك شركة تنتج 10% من جملة مكنات الغسيل، والثلاجات البرادات)، والأجهزة المنزلية، التي تباع في أوروبا. أما منافسوه الكبار فإنهم يُسمون Eleelectrolu في السويد، وفيليبس في هولندا أي شركات كبيرة جداً وعظيمة رأس المال).. ويرى هذا الرجل أن صُوَرَ التقدم والاقتصاد الحديثة في البلاد يقودُنا إلى إلى صنع الأشياء نفسها، ولكن برأسمال أقل مما كان من قبل. وهذا يعني أن بلداً فقيراً يستطيع تدّبر أموره، بنفس الموارد، بأحسن بكثير مما كان قبل خمس سنوات أو عشر.. أي أنه ينتج الكثير برأسمال أقل مما كان يحتاج إليه من قبل، بسبب ذيوع المعلوماتية). ويضيف الرجل قائلاً: إن السبب هو أن التقانات القائمة على أساس المعرفة نتيح الإقلال من رأس المال الذي كان ضرورياً من قبل، لإنتاج الغسالات أو الجلايات أو المكانس الكهربائية. وفي المقام الأول، نقول إن الإعلام يَحُلُّ محَلَّ المخزون من البضائع ذات الكلفة العالية. فالإعلام السّريع والأفضل يختزل زمن القدرة على التصنيع طبقاً لحاجات السوق، ويسمحُ بالإنتاج على صورة مجموعات صغيرة، ويختصر كمية المخزون من المواد الضرورية للتصنيع الكامل، والتي كثيراً ما تنتظر من يستخدمها، إما في المستودعات، أو على خطوط المرائب. وقد قلّت نفقات التخزين بنسبة 60% وهي نسبة مدهشة. ولقد صار ميرلوني هذا مثالاً يحتذى في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، حيث تستطيع كل الشركات، بفضل الأنظمة المعلوماتية informatiques أن تسلّم بضائعها في الوقت الذي يكون فيه الزبائن محتاجين إليها، متخففة عندئذ من مخزونها. وبغض النظر عن أن هذه الطريقة تقتضي مساحة أو مجالاً أقل، أو تُقلل من نفقات عقاراتها أو مخزوناتها المشار إليها أعلاه، فإن هذا التخفيف من المخزونات يسمحُ بتقليل الضرائب والتأمينات، والنفقات العامة. ويشرحُ ميرلوني نظرتيهُ قائلاً: "وحتى إذا كانت الكلفة البدئية بالحواسيب، وLogiciels والإعلام، والاتصالات الهاتفية، مرتفعة، فإن الاقتصاد العام في النفقات) الناشئ من ذلك، يتيح لشركته أن تقوم بالأعمال نفسها، برأسمال أدنى. ويُعبّر ميخائيل ميلكين الذي يعرف هذه القضية بما لها من خير وشر، عن نفس الفكرة بثماني كلمات، إذ لقد قال: "إن رأس المال الإنساني حل محل رأس المال -بالدولارات". وبحكم أنَّ هذه الطريقة تقلل الحاجة إلى المواد الأولية، والوقت، والعمل، والمجال، ورأس المال، فإن المعرفة تصبح البديل النهائي: أو المصدر الحاسم للاقتصاد المتقدم. وهكذا نجد قيمتها قيمة المعرفة) ترتفع أكثر فأكثر. (1) يعني هذا المفهوم أنه كلما علا سُلم الإنتاج أي كميته) يرخص سعره أو كلفته، وعندما نضع ألف دزينة من الكؤوس المتشابهة، يرخص سعر الكأس أو الدزينة الواحدة، والعكس بالعكس. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |