إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة- الفين وهيدي توفلر - ترجمة: حافظ الجمالي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس الإمعان في المادية(1) Materialo- machicime أو الماتريالو ماشيسم

عندما كان رونالد ريغان مايزال يحتل البيت الأبيض، اجتمع فريق صغير ذات يوم حول طاولة غرفة الطعام العائلية" للنقاش حول المستقبل البعيد للولايات المتحدة. وكان بين هؤلاء ثمانية من علماء المستقبل يعني المختصين بشؤون المستقبل). وانضم إليهم نائب الرئيس وثلاثة مستشارين كبار للرئيس، منهم دونالد ريغان، الذي كان قد عيّن منذ فترة قصيرة، كرئيس لمجموعة موظفي القصر الأبيض.‏

وكان الاجتماع قد نُظِّم من قبل أو على يد) مؤلفي هذه السطور، بناءاً على طلب من البيت الأبيض: وانفتح الاجتماع على ملاحظة مشتركة هي أنه إذا كان علماء المستقبل يختلفون اختلافاً كبيراً حول عدد من المشكلات التقنية، والاجتماعية، والسياسية، فإنهم كانوا مؤتلفين جميعاً في التفكير بأن الاقتصاد الأمريكي على وشك أن يعاني تغيراً عميقاً.‏

وماكاد هذا الرأي يُعبر عنه، حتى انبرى رونالد ريغان، ليقول بعنف: "وإذن - وقال هذا متعجباً- أتظنون أننا سنعيش وبعضنا يقص للبعض الآخر شعره، أو سنعيش ونقطع الهمبورغر للأكلين؟! وأننا لن نكون أبداً دولة صناعية؟!‏

وكان الرئيس ونائب الرئيس ينظران إلى كل الجهات بانتظار جواب ما. ولكن الضيوف الذكور كانوا يظهرون وكأنهم مذهولون، في أكثريتهم، مما ظهر في هذا الهجوم من مفاجأة وعنف. وكانت هيدي توفلر هي التي ردّت على هذا التحدّي، وقالت: كلا أيها السيد ريغان، وتذرعت بالصبر. ثم أضافت القول. إن الولايات المتحدة ستبقى دولة عظمى. والفرق هو أن الأشخاص الذين سيعملون في المعامل، سيكونون - أقل بقليل من عددهم الآن..".‏

ثم أنها بعد أن شرحت مايفصل طرائق العمل التقليدية عن تلك التي تصلح لإنتاج الماسينتوش MACINTOSH (2) ذكرت أن الولايات المتحدة كانت، بلا أدنى ريب، واحدة من كبرى مصادر المنتجات الغذائية في العالم، على الرغم من أن الزراعة تشغلُ ما هو أقل من 2% من الشعب العامل. والواقع أنه في القرن الماضي، كلما تضاءل عدد العاملين في الزراعة، كانت هذه تعزّز مواقفها، ولا تتراجع. فلماذا لا يكون الأمر كذلك في القطاع الصناعي؟!‏

والحقيقة أن مما يبعثُ على الدهشة، هو أن حجم الاستخدام الصناعي في الولايات المتحدة، بعد طلعات ونزلات، كان عام 1988 مثله عام 1968 تقريباً، أي أكثر بقليل من 19 مليون شخص.وكانت -الصناعة عام 1988 تساهم في الدخل القومي، كما كانت تفعل قبل ثلاثين سنة: ولكنها كانت تفعل ذلك، بجزء أقل، من الشعب العامل.‏

ومن جهة أخرى، فإن ماحدث بعد ذلك شيء مكتوّبٌ، سهلٌ على الشرح. ذلك أن الشعب الأمريكي، من جهة أولى، وقسْمَهُ العامل من جهة ثانية، كان لهما أن يتابعها النمو كل المتابعة، ومن جهة أخرى فإن فريقاً كبيراً من الصناعيين أعادوا تنظيم صناعاتهم وأتمتوا طرق إنتاجهم في الثمانينات، وكان طبيعياً أن تهبط نسبة العاملين في الصناعة، بالنسبة إلى القطاعات الأخرى.‏

وتبعاً لبعض التقديرات، يكون على البلاد أن تنشئ في السنوات العشر اللاحقة مالا يقل عن عشرة آلاف فرصة عمل، في اليوم الواحد، إلا أن قسماً قليلاً جداً من هذه، يمضي إلى القطاع الصناعي- وربما لن يكون هناك أية فرصة ولا ينبغي أن يوجد أية فرصة. وقد حدث مثل هذا التطوّر في اقتصادات اليابان، وأوروبا، الغربية طبعاً).‏

بيد أننا نسمع أحياناً، مايشبه كلمات رونالد ريغان من فم الناس الصناعيين، عندما تكون مؤسساتهم لا تُدار إدارة حسنة، أو من فم بعض النقابيين الذين يرون أعداد عمالهم تتناقص بقوة، أو على لسان بعض رجال الاقتصاد أو المؤرخين الذين يَدُقون الطبول لحساب العظمة الصناعية- تماماً كما لو أن أحداً ما، صرّح ذات يوم أنه يريد تخفيض الصناعة.‏

وهناك وراء أكثر مايقال ويكتب، شعور من نوع ما، بأن الاستخدام في الأعمال اليدوية، أساساً، إذ ينتقل بالدرجة الأولى، إلى قطاع الخدمات والمهن الفكرية، لابُدَّ بصورة أو بأخرى، وأن يضير الاقتصاد في مجموعه، وأن قطاعاً صناعياً ضئيل الحجم بمصطلحات عدد الوظائف أو فرص العمل) "يفرغ" البلاد من مادّتها أو جوهرها. وهذا مايذكرِّ بتصورات الفيزيوقراطيين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، الذين كانوا لا يستطيعون تخيل قطاع الاقتصاد الصناعي ومستقبله بدون الزراعة لأنها هي النشاط المنتج الوحيد.‏

المعنى الجديد للبطالة البهالة )‏

تقوم الشكوى من "انحطاط الصناعة إلى حدٍّ كبير، على مصالح شخصية، وتستند إلى مفاهيم باطلة عن الثروة، والانتاج، والبطالة,‏

فمنذ الستينات، أصبح الانتقال من العمل اليدوي أيام الموجة الثانية، إلى الخدمات. والفعاليات العالمية الرمزية Sujersymleolique.... حادثة عامة، مدهشة، وغير قابلة للانعكاس غير عكوس). ذلك أن هذا النوع من الفعاليات، يشغلُ اليوم أكثر من ثلاثة أرباع الشعب العامل. أما على المستوى العالمي، فإن هذا الانتقال الكبير يجد مايوضحه، بشكل رائع، في هذا الحادث المدهش، فالصادارت العالمية من الخدمات ومن الخبرات العقلية، تبدو اليوم معادلة لصادرات الإلكترونيات والسيارات، أو، أيضاً، لمايُصدّر من المواد الغذائية والمحروقات.‏

وكان المستقبليون قد تنبؤوا بهذا التطور، منذ الستينات. وبحكم أن المعنيين، تجاهلوا نُذرنا الأولى فإن هذا التطور قد تمّ بصورة أكثر فوضوية، مما كان ضرورياً. وبمقدار ماكانت الصناعات المتقادمة العهد التي تأخرت في تزويد إداراتها بالحواسيب والروبوتات، و بطء الأنظمة الإعلامية، في إعادة بناها، كانت ترى أنها سُبقت من قبل مزاحمين أكثر سرعة ومهارة. وصارَ تسريح العمال عظيماً. وكذلك كثُرت الإفلاسات. وكثيرون أولئك الذين عَزُوا هذا الخطأ إلى عدوانية الأجنبي، وارتفاع الفوائد المسرف أو انخفاضها المسرف، وإلى الإفراط في القيود، وإلى ألف عامل آخر.‏

لاشك أن بعضاً من هذه الأسباب قد قامت بدورها، ولكن الخطأ لم يكن أقل من جانب الصناعات القديمة، مثل صناعة الصلب، والترسانات البحرية، وصناعات النسيج، وماكانت فيه من تصلب وعجرفة- وكانت هذه الشركات تهيمن منذ مدة طويلة على الاقتصاد، وانتهى قصر النظر، لدى إدارات هذه الصناعات، إلى معاقبة أولئك الذين كانوا بالتأكيد الأقل مسؤولية عن هذا الخطأ، والأقل قدرة على حماية أنفسهم- أي العمال.‏

ولئن كان عددُ عمالِ الصناعة، قد ظل حتى عام 1988 على نفس المستوى الذي كان عليه عام 1968. فهذا لا يعني أن العمال المسرحين قد عادوا فوجدوا أعمالهم القديمة، بل إن الذي حدثَ هو أنه قامت نقابات من الموجة الثالثة لتحل محل الثانية، وكانت الشركات آنئذ بحاجة إلى قوة عمل مختلفة جذرياً من سابقاتها.‏

وكانت مصانع الموجة الثانية تستخدم بالدرجة الأولى، عمالاً يمكن أن يحل أحدهم محل الآخر، وبالعكس، فإن عمليات الإنتاج المعاصرة للموجة الثالثة، كانت بحاجة إلى كفاءات متنوعة، ومتطورة باستمرار. وبتعبير آخر نقول إن العمال تنوعوا، ولم يعودوا قادرين على تبادل الأعمال، كسابقيهم، إلا بنسبة ضئيلة، وهذا مايعني أن مشكلة البطالة تطرح نفسها الآن، في أطر مختلفة جداً.‏

وكان يمكنُ في الشركات السابقة للموجة الثالثة، حفز الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، بحقن جديد للتوظيفات، أو بزيادة القدرة الشرائية لدى المستهلكين. فلو أنه وجد مليون عاطل عن العمل، لكان من الممكن عندئذ تدفئة المكنة الاقتصادية، تدفئة كافية لاستيعاب هؤلاء العاطلين عن العمل. ذلك أن الاستخدامات كانت متماثلة، ولا تتطلب إلا القليل من الكفاءات، بحيث أن العامل كان يتعلم صورة عمله في أقل من ساعة، وهذا يعني أن من السهل على أي عامل أن يحل محل الآخر.‏

أما في الاقتصاد العالي الرمزية، فإن الأمر ليس بنفس السهولة، ولهذا فإنه ليس يوسع نصائح كينيزي التقليدية، ولا المعالجات النقدية، أن تقدّم نتائج جيدة. ولنذكر أن John Maynard Keynes حون مينار كينزي) في محاولته التغلّب على الأزمة الكبرى، أزمة الثلاثينات، دعا إلى زيادة الانفاقات العامة المموّلة على حساب عجز الموازنة، والمُعدة لملء جيوب المستهلكين. ومتى حصل هؤلاء على المال، فإنهم سيندفعون وراء المشتريات. وهذا مما يحفز رجال الصناعة على تكبير تجهيزاتهم، واستخدام أكبر للعاملين، وعندئذ نقول: وداعاً للبطالة. وكان رجالُ النقدِ يوصون بوسائل أخرى: مثل تغيير نسبة الفائدة، وزيادة أو تقليل الكتلة النقدية، وكانت هذه التدابير كافية لتنمية أو إضعاف القدرة الشرائية تبعاً للحاجات.‏

أمّا في الاقتصاد العالمي اليوم، فإن مجرّد ملء جيوب المستهلكين بالمال، قد يؤدي بكل بساطة إلى جعله يمضي إلى ماوراء البحار، من غير أن يستفيد منه الاقتصاد الوطني أية فائدة. فالأمريكي الذي يشتري تلفزيوناً جديداً أو بلاتينة للأسطوانات المضغوطة)(3) ، لا يفعل شيئاً آخر غير نقل دولاراته إلى اليابان أو كوريا، أو ماليزيا، أو أي مكان آخر. وليس على المشتريات أن تزيد، بالضرورة، جملة الاستخدامات في الولايات المتحدة.‏

غير أن في الاستراتيجيات العتيقة ثغرة أخرى أيضاً، من حيث أنها تظلّ مركزة على تداول النقد، لا على تداول المعرفة. بيد أنه لم يعد ممكناً، أن نقلل من البطالة، بمجرد زيادة عدد الاستخدامات، ذلك أن المشكلة لم تعد كمية فقط، إن البطالة قد أصبحت قضية "كيفٍ" لا قضية كم.‏

وهؤلاء العاطلون عن العمل، بحاجة إلى المال، حاجة مُلحة، حفاظاً على بقائهم وبقاء أسرهم، وإنه لمن الضروري اجتماعياً، والمبرّر أخلاقياً، أن نقدّم لهم مساعدة من مستوى مقبول. غير أنّا في الاقتصاد العالي الرمزية، بحاجة إلى استراتيجية تقدّم بغية تخفيف حجم البطالة. ولا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تكون ناجعة إلا بشرط الاستناد، لا إلى مساعدة مالية، بل إلى هبة معرفية‏

وأكثر من ذلك أن الاستخدامات الجديدة قلّما يكون لها حظ في التحوِّل إلى معامل من النوع الذي مازلنا نتخيله. والشيء الذي يطلبونه أي يطلبه العاطلون عن العمل)، ليس فقط هذا الاختصاص أو ذاك في الميكانيك، فقط، حتى ولا في الرياضيات، على مايدّعيه بعضُ الصناعيين - بل هو مساحةُ واسعة من الكفاءات الثقافية والقدرات أو الاستعدادات لتقبل العلاقات الاجتماعية. ويجب علينا أن نهيئ الناس، عن طريق النظام التعليمي و التنظيمات المهنية) وبالتعليم المباشر.. لأعمال، من نوع صُوَر العناية التي يُمكن أن تقدم للشعب، شعب الموجة الثالثة الذي يتنامى بسرعة) أو للأطفال أو لتعليم بعض المهن المتصلة بالخدمات الصحية، أو الأمان الشخصي، أو تعليم الآخرين، أو حسن قضاء أوقات الفراغ، أو زيادة التسليات، أو في قطاع السياحة وأشياء أخرى من هذا النوع.‏

ويجب علينا أيضاً أن نبدأ باحترام هذه الخدمات، المقصورة حتى الآن على العالم الصناعي، بدلاً من شبه الاحتقار لأناس هذا القطاع، موحّدين بينه وبين صناع الهمبورغر، كما لو أن السيد ماكدونالد، يمكنه أن يرمز إلى مجموعة من الفعاليات، تشتمل في الوقت نفسه على التعليم، كما تشتمل على العمل في الوكالات العائلية ماتعلق منها بالزوجين، أو مايتعلق بالحقوق العائلية) أو في مركز التصوير الشعاعي في مستشفى ما.‏

وعدا ذلك، فإنه إذا كانت الأجور في قطاع الخدمات، هابطة جداً، فيما يقال، فإن الحلّ لا يكون في الأسى على الانحطاط النسبي للاستخدام في القطاع الصناعي، بل يكون في زيادة الإنتاجية في مختلف الخدمات، وابتكار صور مناسبة لتنظيم العمال، وللمفاوضات الجمعية. فالنقابات التي أُسست في الأصل، إما من أجل العمال المتخصصين، وإما لعمال الإنتاج الكثيف. يجب أن تتحول تحولاً كليّاً، أو ترك المجال حراً لبنى عالية الرمزية. فإذا أرادت النقابات أن تبقى حيّة، فإن عليها أن تَكُفَّ عن معاملة العمال، كما لو أنهم جمهور لا تميّز فيه، وأن تبدأ في النظر إليهم، كأفراد -شخصيات، وذلك بتقديم العون، لا بالوقوف ضد بعض التدابير الحسنة كالعمل في البيت والساعات المرنة، وتقاسم الوظائف والمراكز في العمل على سبيل المثال، بل في قبول هذا وأمثاله‏

والخلاصة، فإن نمو الاقتصاد العالي الرمزية، يرغمنا على إعادة التفكير إعادة كلّية في مشكله البطالة. أما إعادة البحث في أقوال مهترئة، فإن ذلك يعني تحدِّي أولئك الذين يستفيدون منها. وهكذا فإن نظام خلق الثروة، في الموجة الثالثة، يُهدد السلطات المسيطرة التي تشغُل مراكز أُحسن الدفاع عنها في الشركات الكبرى، وفي النقابات والدول.‏

طيف العمل العقلي.‏

إن الاقتصاد العالي الرمزية لا يقضي على تصوراتنا المتآكلة القديمة العهد، في البطالة فقط، بل ويقضي أيضاً على طريقتنا في النظر إلى العمل نفسه. وعلينا، إذا أردنا فهم الواقع والصراعات من أجل السلطة، التي تنشأ عنه، أن نستنعين بمفردات جديدة.‏

وهكذا فإن تقسيم الاقتصاد، إلى قطاعات يسمّونها مثلاً باسم "القطاع الزراعي" و"الصناعي" و"الخدمات، يزيد الموضوع غموضاً، بدلاً من أن يُوضّحهُ. ذلك أن سرعة التغيرات الحالية تقضي على هذه الصور من التمييز التي كانت، من قبل، شديدة الوضوح، وبدلاً من أن تتعلق بالتصنيفات القديمة، يكون من الأفضل أن ننظر إلى ماهو تحت الأسماء الشكلية، وأن نتساءل عما يجب أن يفعله المستخدمون في هذا المعمل أو ذاك، لكي يُنشئوا مايسمّى بالقيمة المضافة، ومتى طرحنا هذا السؤال، سرعان مانكتشف أن العمل في القطاعات الثلاثة، يقوم أكثر فأكثر على عمليات رمزية، في "عمل عقلي".‏

أما اليوم، فإن مربي الماشية يحسبون نسب الكسب gain بالاستعانة بالحواسيب، ويقوم عمال "صناعة الحديد" بمراقبة لوحات الكترونية؛ ويُشغّل رجال المصارف المختصون بالتوظيف، كلَّ ميكروياتهم" السهلة الحمل، لكي يعملوا أو يتدخلوا في الأسواق المالية. وليس بالعظيم الأهمية إذا كان رجال الاقتصاد يفضلون الإشارة إلى هذه النشاطات، بقولهم: "زراعية"، أو "صناعية" أو "من قطاع الخدمات".‏

وهكذا فإن المقولات المهنية نفسها تتخلخل. وعندما نقول عن شخص ما بأنه سائق مكنات أو مندوب تجاري، فهذا يعني تخيّل أشياء أكثر من تلك التي ينكشف عنها، ومن الأجدى والأنفع اليوم، أن نجمع العاملين تبعاً للعمليات الرمزية، أو العمل العقلي الذي يقومون به -من غير التوقف لمعرفة أي فئة يصنفون فيها وما إذا كانوا يعملون في متجر، أو في "نافلة" أو "معمل" أو "مستشفى" أو "ملعب". ونحن واجدون، فيما يمكن أن نسمِّيه."العمل العقلي"، الباحث العلمي، والمحلل المالي، والمبرمج الإعلامي، كما نجد المستخدم الوثائقي العادي. وقد يتساءل بعضهم، لم نحشرُ في نفس المجموعة، العالم والمستخدم في تجميع الوثائق؟! والجواب هو، فيما إذا كانت وظائفهما مختلفة فعلاً، أو أنهما يعملان كلا الاثنين في مستويات مختلفة جداً من التجريد.أو أنهما هما الاثنين- ومعهما ملايين الناس- لا يفعلون شيئاً آخر غير نقل الإعلام وإنشاء المزيد منه. إن عملهما رمزي كله.‏

وحول وسط الطيف، سنجد مساحة كبيرة من"الاستخدامات،"المختلطة" منها أعمال تتطلب شيئاً من العمل المادي، وكذلك بعض التعامل مع الإعلام. فالسائق- الموزع في الـ Federal Express أو في الـ United Parcel service، يتعامل مع صناديق وحُزَم، ويسوق سيارة خدمة Scrvice؛ أما اليوم، فإنه يستخدم حاسوباً ordinateur موضوعاً في غرفته في المصانع العالية التكنولوجيا- رجل إعلامي عالي المستوى. وقل مثل ذلك في المستقبل في الفندق، والممرضة، وكثيرين آخرين. وهؤلاء أفراد لهم علاقاتٌ وصلاتٌ مع الجمهور، ولكنهم يقضون قسماً كبيراً من وقتهم، أيضاً، في إنتاج الإعلام وتقديمه.‏

وإذا كنا في وكالات فورد، وجدنا أن الميكانيكين كانوا يظلون بلا ريب، ممتليء الأيدي بالشحم؛ ولكنهم، عما قريب، سيستخدمون نظاماً إعلامياً informatique أو معلوماتياً)، أنشأهHeulett Packard ، سيساعدهم على ملاحظة الأعطال، ويقدم لهم باستمرار مئة خريطة تكنيكية، ومعطيات مختزنة في الذاكرات الإلكترونية. ويطلب منهم هذا النظام معلومات تكميلية حول السيارة التي يصلحونها؛ ويساعدهم على البحث، حدسياً، عما ينبغي لهم أو ما يحتاجون إليه في كتل من الأدوات؛ وهو ينشئ لهم علاقات استنتاجية، ويقود الناس، خلال المراحل المتتالية للعمل. تُرى أيكون هؤلاء عندما يتحادثون مع النظام، ميكانيكيين أم أناس يفكرون؟‏

وتلك المهام اليدوية، القائمة في الطرف السفلي من الطيف، هي التي تبدو في طريقها إلى الزوال. ولما كانت البروليتاريا هي الأقل عدداً، فإنها من الآن فصاعداً، أقلية. وأدق من ذلك أن نقول: إنه بمقدار ما ينكشف الاقتصاد العالي الرمزية، بكل ماله من قوة، فإن البروليتاريا، تصير كونيياتاريا، الفئة المعرفية..‏

واليوم، فإن القضايا الأساسية التي يجب أن تُطرح، حول عمل شخص ما، هي هذه: ماهي درجة أو نسبة مايشتمل عليه العمل من المعالجة المعلوماتية؟ وبأية درجة هو من التكرار أو القابلية للبرمجة، وأي مستوى من التجريد يقتضيها، وأي إمكانية يملكها العامل في الوصول إلى المصرف المركزي للمعلومات؛ وأي استقلال وأي درجة من المسؤولية يملكها؟‏

"ابتدائي" ضد "العالي"‏

لا مجال لتغيّرات من هذا المستوى أو الضخامة، أن تتمّ من غير أن تؤدي إلى جملة صراعات على السلطة أو على محاولة التنبؤ: من سيربح فيها ومن سيخسر. وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى المعاملأو الشركات مثلاً)، هي أيضاً، من زاوية مكانها في طيف العمل العقلي..‏

ويجب علينا عندئذٍ ألا نصنفها في إطار"الصناعة" أو إطار"الخدمات" بل أن نُصنِّفها تبعاً لنوع العمل الذي يؤديه العاملون فيها، فعلياً.‏

فشركة الـ CSX، مثلاً، تملك شبكات سكك حديدية في نصف الولايات المتحدة: وهي، في الوقت نفسه، واحدةٌ من أوائل الشركات العالمية للنقل البحري، ضمن الحاويات، ولكنها تعتبر نفسها أكثر فأكثر، كما لو أن الإعلام هو مهمتُها الأولى.‏

ويرى Alex Mandl، أحد مديريها، أنّ الإعلام أحدُ العناصر الأعظم أهمية لخدمات شركته الناقلة. إنه لا يكفي أن نُسلِّم المنتجات. إذ أن الزبائن يريدون أن يكونوا مطلعين على مراحل تسليمها: فمتى تكون إرسالياتهم جاهزة، لكي يتم نقلها ثم ليتم استردادها؟ وأين هي في هذه اللحظة أو تلك؟ وكم ستكون الكلفة، وأي مشكلة يمكن أن توجد مع الجمارك، وأسئلة كثيرة أخرى. أما في شركاتنا، فإن الإعلام هو الذي يقوم بالدور الحركيأو المحرك). وبتعبير آخر، فإن نسبة المستخدمين في شركة CSX، الذين يقعون في المراتب المتوسطة أو العليا، للطيف، لا يفتأ بتزايد.‏

وهكذا نجد أننا مقودون إلى التفكير، أن الشركات يمكن، بالجملة، أن تَوزَّع بين"ابتدائية" و"وسطى"، و "عالية. وكما هي الحال في طيف العمل العقلي، فإنها تحتل في هذا الطيف، موقعاً يقابل حجم العمليات العقلية التي تقوم بها، كما يقابل التعقيد الموجود فيها.‏

أما من الناحيةالابتدائية) فإن العمل العقلي يظل من حصّة بعض القادة، وملكاً لهم، فلا يترك لباقي المستخدمين إلا جهد عضلي، أو غير عقلي، على كل حال: ذلك أن هؤلاء العمال يكونون جهلة، أو أن ما يمكن أن يعرفوه، لا جدوى له في الإنتاج.‏

وحتى في القطاع"العالي"، فإنه يمكن أن نلاحظ أمثلة كثيرة على"نقص الكفاءة"، أي تبسيط العمل، الذي يُرَدُّ إلى أدنى عناصرهأو مركباته) و مراقبته خطوة فخطوة. ومن حسن الحظ أن محاولات تطبيق هذه الطرائق التي أتمها أو قام بها فريدريك تايلور. F. TAYLOR، لاستخدامها في الإنتاج الصناعي، لبداية القرن العشرين، لم تعد الآن، إلا مجرد ظاهرة متخلفه من الماضي "الابتدائي" وليس تصوراً مسبقاً للمستقبل"الأعلى". ذلك أن كلّ مهمة بسيطة، يمكن تكرارها، دونما تفكير، ستدخل عما قريب في نظام"الروبتةRebotisation .‏

وبالمعنى المعاكس، نقول إنه كلما اتجه الاقتصاد إلى إنتاج، جدير بالموجة الثالثة: اضطرت المصانع إلى إعادة النظر في دور المعرفة. أما في القطاع العالي)، فإن الأكثر تقدماً من المصانع والشركات هي التي تقوم بها، بأكبر سرعة. وهي في الوقت نفسه، تُعيد تعريف العمل نفسه، وهذه تبدأ أو تعتمد على المبدأ القاتل: متى ردَدْنا العمل الجسدي إلى أدنى حدوده، وسلّمناه لآليات عالية التقنية، وتركنا العامل يعبر كل التعبير عن كفاياته الخاصة، رأينا أن الإنتاجية تعلو بوضوح، وتعلو معها الأرباح. إنهاأي المصانع العائدة للموجة الثالثة) تضع لنفسها هدفاً هو أن تستخدم عمالاً أو موظفين أقلّ عدداً،ولكنهم أكثر كفاءة، وأعلى راتباً.‏

وحتى النشاطات، التي هي من النموذج المتوسط، والتي تستمر في استخدام اليد العاملة العادية، سنجدها تعتمد أكثر فأكثر، على"المعرفة" وترقى على سلم الطيف، طيف العمل العقلي..‏

وليست الشركات"العليا" عادة، من المؤسسات الخيرية، على الرغم من أن العمل يمضي لديها إلى أن يكون أقلّ إرهاقاً جسدياً، مما هي حاله في الإنتاج"البدائي"، ويكون محيطه أكثر إسعاداً، بل إنها تتطلّب من العاملين لديها، درجة عمل أرقى. ذلك أن المستخدمين يكونون محفوزين لاستخدام طاقاتهم العقلية، وكذلك إلى أن يوظفوا في عملهم، عواطفهم، وملكاتهم الحدسية، وخيالهم. ولهذا كان أنصار MARCUSE يدينون هذه الممارسات كصورة استغلال للمستخدمين، أسوأ أيضاً من سابقاتها.‏

الأيديولوجيا"البدائية"‏

كانت الثورة، في الاقتصادات الصناعية"الأولية" تقاس،عادة، بامتلاك أموال كان إنتاجها يعتبرأو يُعَدُّ) جوهر الحياة الاقتصادية، وعلى العكس، فإن النشاطات الرمزية، أو نشاطات الخدمات، على الرغم من أنها لا يُستغنى عنها، لسوء الحظ، كانت تجد نفسها"غير منتجة". فإنتاج خيرات مادية- كالسيارات، والتراكتورات والتلفزيونات- كان يبدو كشيء "يقوم به الرجال أو لما هو أكثر من الرجال؛ وكانوا يشركون هذا بصفات أخرى مثل"العملي" و"الواقعي" أو"الإيجابي". وبالعكس فإن إنتاج المعرفة، بتبادل المعلومات، كان بالجملة" يرهق بأسوأ الأوصاف، ويُعَد"مجرد ورقيات".‏

وكانت هذه المواقف تؤدي إلى فيضان من النتائج المترتبة عليها. مثال ذلك. القول:‏

"إن الإنتاج يقوم على الجمع والتأليف بين موارد مالية، ومكنات، وقوة عمل يدوية. فالأولى " الأكثر أهميةً في مصنع ما، تكون مواد ملموسة أو أملاكاً محسوسة. ذلك أن الثروة القومية تنشأ من فائض الميزان التجاري. أما تبادل الخدمات فليس لها من الأهمية، إلا بقدر ما تيسّر تجارة البضائع؛ أما "التنشئة"أي تكوين العامل، وما يثقف به، وما يعرفه أو يحسنه من أعمال أخرى) فإنها لا تُمثَل إلا بتبذير للمال الحلال) ما لم يكن مهنياً وثيق الصلة بالعمل؛ أما البحث، فكان نوعاً من الهواية اللا واقعية؛ إذ ليس للفن وفن البحث خاصة) من علاقة بعالم الأعمال. والأسوأ من هذا، أنه ضارٌ. وبالجملة فإن الشيء المهم في كلّ مادة، كان هو المادة.‏

ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من الأفكار لم يكن وقفاً على رعاة الرأسمالية: بل إننا نجد ما يماثلها، في العالم الشيوعي. ذلك أنّ الرأسماليين الماركسيين شعروا -وهذا أقل ما يمكن أن يقال بحقهم- بصعوبة أكبر في دمج العمل"العالي" في هياكل (4) العمل عندهم. أما في المجال الفني، فإن الواقعية الاشتراكية، رسمت آلافاً من العمال السعداء، كانوا يبرزون نوعاً من العضلات على طريقة الـ SCHWARZENEGGER فوق بساط من آلات متراكبة، أو مداخن مصنع، أو قاطرة على البخار. والواقع أن تمجيد البروليتاريا- المنظور إليها، نظرياً، كما لو أنها طليعة التقدم، كان يعكس موضوعات اقتصاد"بدائي"..‏

وكانت النتيجة الكلية أكثر بكثير من تجميع لا شكل له من الآراء، والموضوعات والمواقف المعزولة. وكان الأمر أمرَ إيديولوجية قادرة على تبرير نفسها، وتعزيز قوتها، بالاعتماد على عزمها الخاص- وهي إيديولوجيا تقوم على ماتريالو- ما شيسم materialo- machisme نظرية مادية- ماكينية) وهذه تؤلف في الواقع إيديولوجية الصناعة الكثيفة الإنتاج، صناعة الموجة الثانية.‏

وحدث يوماً ما أن الماتيريالو- ماشيسممادية المكنات) كانت تعني شيئاً ما. أما اليوم، أي في الحين الذي نجد فيه أن أكثرية المنتجات، تدين بقيمتها الحقيقية إلى المعرفة التي تتجسد فيها، فإن من الحمق والرجعية أن نأخذ بها. وكل بلد يختار الاعتماد على سياسة قائمة على هذه الإيديولوجيا، تحكم على نفسها بنفسها، في أن تكون بنغلاديش القرن الواحد والعشرين.‏

الأيديولوجيا العالية)‏

إن المصانع والمؤسسات، والأشخاص المعنيين أكثر من كل الآخرين، بقدوم اقتصاد الموجة الثالثة، لم يُنضجوا بعد عقيدة منسجمة يقفون بها ضد المادية- الآلية؛ غير أن بعض الأفكار الأساسية بدأت تتجمع، لتكوين مثل هذه العقيدة.‏

وتبدو أولى المواد الجزئية، للاقتصاد الجديد، في أعمال مجهولة لمؤلفين مثل أوجين لوبيل Eugen Loebl . الذي مات حديثاً، والذي قضى إحد عشر عاماً في السجن، في تشبكو سلوفاكبا. وكان أثناءها يعيد التفكير في الموضوعات الأساسية للاقتصاد الماركسي، وكذلك في موضوعات(5) الاقتصاد الغربي) ومثل Henry K. Hwoo من هونغ كونغ، الذي حَلّل "الأبعاد اللا ملحوظة للثروة: ومثل Genevois orio Giarini ، الذي يطبق مفاهيم المغامرة واللا تعيين على تحليل مستقبل نشاط الخدمات sevices ومثل الامريكي WALTER WEISSKOPF الذي يبحث في دور شروط اللا توازن في نمو الاقتصاد.‏

أما الباحثون العلميون اليوم، فإنهم يتساءلون: كيف أن الأنظمة تتكيف في حالة الاضطراب، وكيف أن نظاماً ما، ينتهي بأن يتحرر من الأوضاع الفوضوية، وكيف أن نظماً في حالة التطور، تقفز إلى درجات عالية من النمو؟ وحقاً فإن كلّ هذه المسائل ذات أهمية كبيرة في فهم النشاط الاقتصادي. وهناك كتب في علم الإدارة تؤكد أنه يمكن "النجاح بفضل الفوضى". وهناك علماء اقتصاد يعيدون اكتشاف أعمال جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter الذي كان يرى أن"التهدم الخلاق" ضروري للتقدم. فمنخلال) عاصفة لعروض الشراء OPA(6) وإعادة بيع، وإعادة تنظيم، وإفلاسات ومشاركه في الرأسمال الخطر أو المخاطرة به capital - risque ..يعود الاقتصاد فيدخل في طريقه إلى إعادة بنيته التي تفوز بسنوات ضوئية في التقدم على الاقتصاد المصنعي القديم، بفضل تنوعه، وسرعة تطوره، وتعقده.‏

وتقتضي "القفزة" التي تلقي بنا إلى درجة عالية من، السرعة والتنوع والتعقيد، أن تتم قفزة أخرى، باتجاه أشكال من الاندماج، أكثر ارتقاءاً، وأعظم تأنقاً. ولا يميل هذا التحول، بدوره، إلى الاكتمال، إلا برفع معالجة الإعلام إلى مستويات عليا.‏

وكانت ثقافة العهد الصناعي المستلهمة من أعمال ديكارت العائدة إلى القرن السابع عشر، تفضل أولئك الذين يظهرون قدرة أكبر على رد المشكلات والسيرورات، إلى أصغر عناصرها. وعندما طبقت هذه الطريقة القائمة على الفصل المتتابع، والتحليل المكتمل Exhaustve، للإقتصاد على فهم الإنتاج، على صورة تتابع لمراحل معزولة.‏

ان نموذج الإنتاج الجديد الذي يثيره الاقتصاد العالي الرمزية، الموجود حالياً يعارض سلفه معارضة مشهودة، أي يعارض النموذج السابق. ولما كان الجديد، يقوم على منظور منهجي، أو دمجي، فإنه يتصور الإنتاج، كسيرورة متزايدة التركيب والتواقت، حيث نجد المجموع البسيط للأجزاء لا يؤلف الكل، وحيث ما من واحدٍ منها يستطيع بصورة مطلقة أن يظل بلا علاقات مع الأجزاء الأخرى.‏

والواقع هو أننا في الطريق إلى اكتشاف أن الإنتاج لا يبدأ ولا ينتهي، داخل المصنع. وهكذا فإن أحدث نماذج الإنتاج التي أنشئت من وجهة النظر الاقتصادية. تمدد دراسة السيرورة إلى ما فوقها، وما تحتها، وإلى ما تحتها خاصة، أي باتجاه المستقبل، على صورة خدمات بعد البيع، أو دعم للمنتج الذي تمّ بيعه، على نحو ما يُرى في حالة ضمان إصلاح السيارات أو العون الموعود للمشتري من قبل بائع الحواسيب، ولن يمضي إلا وقت قصير حتى يمتد مفهوم الإنتاج إلى أبعد من هذا أيضاً، فيشمل الفترة اللاحقة لاستهلاك المنتج أي حتى قبره، في شروط بيئية مقبولة. وعندئذٍ تكون المصانع مرغمة على وضع خطة مناسبة للقبر أو الدفن. وهذا ما يرغمها على إعادة النظر في خصائص مشاريعها، وحساباتها للكلفة، وصور إنتاجها. وأشياء أخرى أيضاً. فإذا هي أنجزت ذلك، فإنها تقدم مزيداً من الخدمات بالنسبة أو بالإضافة إلى وظيفة الإنتاج. وفي هذه اللحظة، سينظر إلى "الإنتاج" كما لو أنه جملة هذه الوظائف معاً.‏

ويمكن أن يرقى التفكير، إلى ما هو أعلى من ذلك، لكي يشمل تنشئة المواطنين أو العاملين، والبيئة المجاورة، وخدمات أخرى. وإذا وصلنا إلى الحدّ الأخير، وجدنا وسائل لتحويل العامل"اليدوي" المستاء من سوء حظه، إلى"شخصية منتجة". وعندما تكون النشاطاتالفعاليات) عالية الرمزية، فإن العمال السعداء يرفعون مستوى إنتاجهم. وينشأ عن ذلك، أن عوامل الإنتاجية تعود إلى ما قبل البداية الرسمية ليوم العمل. وبطبيعة الحال فإن الأوفياء للأيام القديمة السعيدة، ينظرون إلى إعادة التعريف الموسّعة هذه، للإنتاج، كما لو أنها غامضة تماماً وغير معقولة، بأية حال. أما بالنسبة للجيل الجديد من قادة الاقتصاد العالي الرمزية، المنشئين والمعوّدين على التفكير في صيغة نظامية، أكثر من تعوّدهم وظائف معزولة، فإن هذا المفهوم ينشأ مباشرة عن الينبوع.‏

والخلاصة، أن مفهوم الإنتاج، يعاد تكوينه حالياً، في إطار أكثر اتساعاً، وهو يشتمل على جوانبَ، ما كان لجيل الاقتصاديين ومؤدلجي التفكير"البدائي" أن يدخلوها في حساباتهم. ومنذ الآن، فإن ما يجسّد القيمة وينشئها، في كل لحظة، هو المعرفة، لا اليد العاملة، الرخيصة، والرموز، وليس المادة الأولية.‏

ولنضف إلى ما سبق، أن إعادة الفحص العميقة لمصادر القيمة المضافة، تؤدي إلى نتائج ضخمة: إنها تقضي على المواضيع المشتركة بين أنصار الليبرالية- المتطرفة، والماركسيين، بقضائها على المادية- الماشيسمية، التي تستلهم أفكارهم منها أولئك وهؤلاء. وهكذا فإن التصورين المتقابلين اللذين يريدان أن تنشأ القيمة من عمل العامل المضني وحده. أو من عمل الرأسمالي صاحب المشاريع- ينكشفان خاطئين معاً، وخطيرين خادعين على الأرضية السياسية، كما هي الحال في المجال الاقتصادي.‏

أما في الاقتصاد الجديد، فإن الآنسة المكلفة بشؤون الاستقبال ، شأنها شأن صاحب المصرف الممول، والميكانوغرافمصور الآلات)، أو واضع مشاريعها)، ومثل البائعة، كل هؤلاء بالإضافة إلى منشيء المنظومات الإعلامية، والمختص بالاتصالات، يشاركون جميعاً بخلق القيمة المضافة . والحادث الأكثر دلالة أيضاً، هو أن الزبون نفسه يقوم بمثل هذا هو أيضاً. ذلك أن القيمة تنشأ عن الجهد الجمعي، لا عن مرحلة معزولة في هذا المكان من السيرورة أو ذاك.‏

ومهما يَعلْ نعيق الغربان، في الحسرة على النتائج المحزنة"لموت" القاعدة الاقتصادية المادية،أو على المحاولات الهادفة إلى السخرية من مفهوم"اقتصاد الإعلام"، فإن الأهمية المتزايدة للعمل العقلي، تستمر في تأكيد وجودها. وسيكون الأمر كذلك فيما يتعلق بتصور خلق الثروة.‏

وهذا الذي نشهده، هو التقاء للتحولات التي تُلاحظ، في الآن نفسه في الإنتاج، وفي بنية رأس المال، وحتى في طبيعة العملة. ثم إنّ مجموع هذه التغيرات في طريقها إلى إقامة نظام ثوري يخلق الثروة، على مستوى الكرة الأرضية كلها.‏

وكان ماركس هو نفسه، الذي قدّم التعريف الكلاسيكي للوضع الثوري. إنه ينشأ، تبعاً له، عندما تكون علاقات الإنتاج أي طبيعة ملكيته ومراقبته أو التحكم فيه) عاملاً يَحدّ من نموّ وسائل الإنتاج أي التكنولوجيا، بالعربي الفصيح.).‏

وهذه الصيغة هي التي تجعلنا نفهم أزمة"العالم الاشتراكي". وكما أنّ هذه العلاقات عندما كانت إقطاعية، كانت تعرقل النموّ الصناعي، فإن علاقات النموذج الاشتراكي، قد حالت بين البلاد الاشتراكية وبين الاستفادة من النظام الجديد لخلق الثروة.‏

(1) عندما صدرت الطبعة العربية لكتاب توفلر: "تحول السلطة" كان عنوان مثل هذا الفصل يترجم بالإمعان في المادية.‏

(2) أردية للوقاية من المطر‏

(3) الاسطوانات المضغوطة هي نوع جديد من الاسطوانات التي اخترعت حديثاً.‏

(4) -لشيما CHEMAS المخطط الفكري الأساسي لنظرية أو لنقل هيكلها.‏

(5) الموضوعة: افتراض يقبله الانسان بدون برهان جدِّي ، حاسم، ولو كان له مايبرره.‏

(6) الـ OPA هي عروض الشراء العامة لشركة أو أخرى.أي أن تقوم شركة بشراء شركة أخرى، بسعر ما، تتفق فيه على الشركة البائدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244