إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة- الفين وهيدي توفلر - ترجمة: حافظ الجمالي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس اصطدام الاشتراكية بالمستقبل.

إن انتهاء اشتراكية الشرق أو زوالها، الذي تم على أرضية مؤلمة من إراقة الدم في بوخارست، وباكو، وبيكين، ليست مجرد نتيجة للمصادفة. إذ لقد دخلت الاشتراكية، في مرحلة الاصطدام بالمستقبل. ولم تسقط الأنظمة الاشتراكية بفعل المؤامرات التي حاكتها ااـ CIA، أو بسبب محاصرة رأسمالية، ولابسبب عن اختناق اقتصادي أعِدَّ من الخارج. ثم إن حكومات أوروبا الشيوعية في الشرق، تخلّت عن مبادئ نظرية الأقنعة dominos، منذ أن أعلنت موسكو أنها لن ترسل بعد الآن كتائب عسكرية لحمايتها من شعوبها. غير أن أزمة الاشتراكية، في الاتحاد السوفييتي، والصين، وأماكن أخرى، تقول أن هذه الأزمة قضت على الاشتراكية، من حيث هي نظام، بفعل عوامل أكثر عمقاً.‏

وكما أن اختراع طريقة الطباعة بحروفٍ متحركةِ تخيَّلها رجلٌ اسمه غوتنبرغ Gutenberg، في منتصف القرن الخامس عشر، قد أدى إلى الإصلاح البروتستانتي، فإن ظهور الأنفورماتيك infonmatique، في منتصف القرن العشرين وظهور وسائل الاتصال الجديدة،قد حطم هيمنة موسكو على الفكر في البلاد التي كان يحكمها أو يوجهها أو يبقيها في قبضته.‏

أما أن يكون الاقتصاديون الماركسيونوكثيرون آخرون، أكثر كلاسيكية) قد استطاعوا وصف العمال العقليين بكونهم "غير منتجين، فذلك من سخرية التاريخ نفسها، وذلك أن هؤلاء العمال "غير المنتجين" هم الذين عملوا أكثر من غيرهم، لدفع عجلة الاقتصادات الغربية، بدءاً من منتصف الخمسينيات. واليوم، حتى مع كل ما يقال عن "تناقضات" غير محلولة، فإن البلاد الرأسمالية ذات التقانة العالية أو المتقدمة، قد سبقت بقية العالم- سبقاً كبيراً،على المستوى الاقتصادي، إلى الدرجة التي يصبح معها حلم خروتشيف مشجياً. إنها رأسمالية تقوم على الأنفورماتيكعلم المعلوميات؟) وليست الاشتراكية المصنعية التي أنجزت ما يسميه الماركسيون"بالقفزة النوعية". وأمام انتشار الثورة في البلاد ذات التقانة المتقدمة، لم يكن للبلاد الاشتراكية من رد آخر، غير التحول إلى كتلة رجعية مفرطة، يقودها شيوخ كبار مشبعون بإيديولوجية القرن التاسع عشر، وكان ميخائيل غورباتشيف أول قائد سوفييتي، يعترف بهذا الواقع التاريخي.‏

ففي خطاب له ألقي عام 1989، أي بعد ثلاثين سنة من ظهور النظام الجديد لخلق الثروة في الولايات المتحدة، كان يقول: "نكاد أن نكون آخر من فهم أنه" في عهد علم المعلوماتية" ليس هنالك من سيد قوي إلا المعرفة .‏

وكان ماركس قد قدم التعريف الكلاسيكي للوضع الثوري. وهو يرى أن هذا الوضع يبرز، عندما تكون"علاقات الإنتاج" أي طبيعة ملكيتها، والتحكم بها) تحد من تزايد نمو"وسائل الإنتاج" أي التكنولوجيا بالقلم العريض)..‏

إن هذه الصيغة تقدم لنا شرحاً لأزمة العالم الاشتراكي.. فكما أن"العلاقات الإقطاعية" حالت دون التنمية الصناعية، فكذلك الحال في"علاقات الإنتاج" الاشتراكية، عندما منعت البلاد الاشتراكية من الاستفادة من النظام الجديد لخلق الثروة، القائم على " المعلوماتية linformatique"(1) .وسرعة الاتصالات. ويقوم الخطأ الأساسي الملازم لتجربة الشعب الكبير الاشتراكي، على أفكارٍ تقادم العهدُ عليها، وظلّ هو يعمل بها، في نطاق جدوى المعرفة..‏

المكنة السابقة لعلم التوجيه.‏

وبغض النظر عن بعض الإستثناءات القليلة، يمكن القول: إن الاشتراكية لم تؤد إلى غزارة الإنتاج، ولا إلى المساواة، ولا إلى الحرية. ولكنها أدت إلى نظام الحزب الواحد، والبيروقراطية الكثيفة،و شرطة سرّية عوجاء، ومراقبة حكومية عنيفة لوسائل الإعلام، والاحتفاظ بسر أو أسرار الحكم، وقمع الحرية الفكرية والفنية.‏

وإذا تركنا جانباً أنهار الدم التي أُريقت من أجل إقامة هذا النظام، ودعمه وضمان استقراره، فإن نظرة سريعة إليه تكشف عن أن كل عنصر من هذه العناصر، ليس مجرد طريقة لتنظيم حياة الأفراد، بل- وبصورة أكثر عمقاً، بل هو صورةً لتنظيم المعرفة، وتقنينها، والرقابة عليها.‏

إن وظيفة النظام السياسي القائم على الحزب الواحد، هو مراقبة الاتصالات السياسية، ولما لم يكن هنالك من حزب آخر، فإنهأي النظام) يضيّق من تنوّع الإعلام السياسي الذي يتداول في المجتمع، ويكون حائلاً دون الأثر الإرتجاعي retroaetion، ومعمياً أولئك الذين يحتلون مراكز السلطة.. عن تعقيد المشاكل. ومنذئذٍ يصبح من الصعب جداً على النظام أن يلاحظ الأخطاء أو أن يُصَحّحها بمقدار ما يصعد فيه الإعلام- المتطابق بين مختلف عناصره- من القاعدة إلى القمة، بالطرق الوحيدة المرخَص بها، وبمقدار ما تنزل الأوامر، بنفس الطرق.‏

وكانت الرقابة، من فوق إلى تحت- المعمول بها في البلاد الاشتراكية، تقوم على الكذب، وتشويه الإعلام، أو منعه. وذلك لأنه كان من أعسر الأشياء وأخطرها، نقل أخبار سيئة، فإذا نحن اخترنا أن نُحكم تبعاً لنظام الحزب الواحد، فهذا يعني في الواقع، أن نتخذ كل القرارات في شأن المعرفة. ثم إن البيروقراطية الساحقة التي أقامتها الاشتراكية في كل حلقة من حلقات الحياة. كانت وسيلة للتضييق على المعرفة.‏

وكانت هذه البيروقراطية، تحبسها في جيوب معينة سلفاً، وتضيق الخناق على الاتصالات، بحيث تقصرها على "طرق رسمية" جاعلة كل اتصال، وكل تنظيم إعلامي، شيئاً غير مشروع.‏

فالشرطة السرّية، ووضع يد الدولة على وسائل الإعلام، وإرهاب المفكرين، وقمع الحريات الفنية، كانت من بعض المحاولات الكثيرة للحد من الإعلام، وفرض الرقابة عليه ويستند كل واحد من هذه العناصر إلى موضوعةٍ وحيدة مهترئة ومتجاوَزة- حول المعرفة. وهي موضوعة توحي بالرأي المتعجرف الذي يرى أن أولئك الذين يملكون السلطة- من حقهم أن يعرفوا ما يجب على الآخرين أن يعرفوه.‏

وكانت هذه الخصائص المشتركة بين كل البلاد الاشتراكية، تنشأ عن مفهوم المكنة السابقة للتوجيه(2) ، على نحو ما كان مطبّقاً على المجتمع، والحياة معاً، وكانت تضمن، في الاقتصاد، غباءاً ظاهراً. وكانت مكنات الموجة الثانية،، تماماً كتلك التي كانت جزءاً من عالم ماركس في القرن التاسع عشر- تعمل، في أغلبيتها من دون أي مفعول رجعي. وكأنما يقال للعمال: حركوها؛ أشعلوا المحرك، وتبدأ هي، عندئذٍ، عملها دون أيِّ حساب لما يجري في محيطها الخارجي.‏

وبالمقابل، فإن مكنات الموجة الثالثة، ذكية. فهي مجهزة بلواقط تعترض الإعلام من المحيط، وتلاحظ التغيرات الحاصلة، وتتلاءم معها بالنتيجة. إنها تنظم نفسها بنفسها. وهكذا يكون الفارق بينها وبين سابقاتها، فارقاً ثورياً..‏

وكان المنظّرون الماركسيون، تماماً كما تكشف عن ذلك مصطلحاتهم، يظلون متعثرين. بماضي الموجة الثانية، غائصين فيها. وهكذا فإن الصراع الطبقي كان يُمثل بالنسبة للاشتراكيين الماركسيين "قاطرة التاريخ". كانت إحدى المهام الأساسية لديهم أن يضعوا اليد على"مكنة الدولة"، وحتى على المجتمع نفسه، كأنه مكنة تماماً، يمكن أن تُمتح لتفيض رخاءاً وحرية على الناس. وعندما تولى لينين عام 1917 زمام السلطة صار الميكانيكي الأعلى. وكان يفهم، كمثقف لامع، أهمية الأفكار، ولكنه كان يحسب أن الإنتاج الرمزي -أي العقل نفسه- يمكنه هو أيضاً أن يبرمج. وهناك حيث كان ماركس يتحدث عن الحرية، كان لينبن، بعد استيلائه على السلطة، يحّمل نفسه مسؤولية المعرفة. وهكذا، فإنه ألحّ دوماً على أن يكون الفن، والثقافة، والعلم، والصحافة، وأي نشاط آخر، في خدمة استراتيجية كلية، وفي الوقت المراد، كانت فروع التربية المختلفة، بانتظار تنظيمها، في إدارات معيّنة، تمنح درجات بيروقراطية محدّدة، على أن تخضع هذه وغيرُها لسلطة الحزب والدولة. عندئذٍ سيستخدم "العمال المثقفون" في مؤسسات تراقبها، وتتحكم فيها وزارة للثقافة. وكذلك فإن النشر والإذاعة وأمثالها، تكون تحت إشراف الدولة، كما أن المعرفة تصبح هي نفسها دولاباً من دواليب الدولة.‏

وهذه المقاربة الناقصة للمعرفة، والمتعارضة كل التعارض مع المبادئ الأساسية لكل تقدم اقتصادي في عصر "علم المعلوماتية" هي التي حالت دون كل تقدم في المصانع ذات المستوى الهابط.‏

معضلة الملكية‏

ويؤلف الانتشار الحالي لنظام خلق الثروة، في عهد الموجة الثالثة، تحدياً لأعمدة العقيدة الاشتراكية. ولنأخذ على سبيل المثال، موضوع الملكية.‏

ومنذ زمن طويل، كان الاشتراكيون يتهمّون الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، بأنها السبب في القهر، والوهن، والبطالة، ومصائب العهد الصناعي الأخرى. ولكنْ لكل هذه القضايا حَل هو: ردّ المصانع إلى العمال، سواء أكان ذلك عن طريق الدولة، أم على يد المصانع الجماعية.‏

وعندما تمت هذه المرحلة أو عندما تتم، فإن الأمور تتغير: فما من تبديد ينشأ عن التزاحم، بالإضافة إلى تخطيط عقلاني جداً، وإنتاج يُوَجَّه لمنفعة الناس، لا لربح بعض الناس، وتوظيف ذكي، مهمته أن يعمل على تقدم الاقتصاد. وبالجملة، فإن حلم الرخاء، لأول مرة في التاريخ، سيتحقق للجميع..‏

وفي القرن التاسع عشر، كانت هذه الأفكار تبدو وكأنها تعكس المعرفة العلمية الأكثر تقدماً. وحقاً، فإن الماركسيين كانوا يدّعون أنهم مضوا إلى ما بعد المثل العليا الطوباوية. وكانوا قد وصلوا إلى"اشتراكية علمية" حقيقية. وكان في وسع الطوباويين أن يحلموا بإنشاء مجموعات مستقلة داخلياً. وكان الاشتراكيون العلميون يعرفون أن مثل هذه التصورات، في مجتمع صناعي، في طور النموّ، لن تكون قابلة للتطبيق. ولئن كان بعض الطوباويين مثل شارل فوربيه، يلتفتون إلى الماضي الزراعي، فإن الاشتراكيين العلميين، كانوا يلتفتون إلى ما كان يسمى عندئذٍ باسم المستقبل الصناعي.‏

وهكذا، فإنه لما جاءت النظم الاشتراكية، بعد ذلك، لتجرب التعاونيات، والإدارة العمالية، والتأميم، وحلولاً أخرى مشابهة، كان التدويل أو التأميم (3) الشكل المهيمن للملكية، في العالم الشيوعي كله. وحيثما كان، كانت الدولة -لا العمال- هي التي تصبح المستفيد الأول من الثورة الاشتراكية.‏

وهكذا فإن الاشتراكية لم يتحقق لها الوفاء بوعودها، أي أنها لم تحقق تحسين شروط الحياة، تحسيناً جذرياً، للناس، وعندما هبط مستوى الحياة في الاتحاد السوفيتي، بعد الثورة، عُزي ذلك لا من غير بعض الحق، إلى آثار الحرب العالمية الأولى، وآثار الثورة المضادة. ثم بعد ذلك، جُعل الحصار الرأسمالي مسؤولاً عن صور العجز.ثم وثم كانت الحرب العالمية الثانية هي المجرم الأكبر المسؤول عن ذلك. ولكن لمَ كانت البضائع الأساسية، كالقهوة والبرتقال ناقصة أيضاً في موسكو، بعد ثلاثين سنة؟‏

وبصورة غريبة، وعلى الرغم من أن الاشتراكيين الأورثوذكس كانوا يتناقصون عدداً، فإنهم استمروا في الإيمان بضرورة تأميم الصناعة، والمالية. ففي البرازيل وبيرو، وجنوب أفريقيا، وحتى في البلاد الغربية المصنّعة، ما يزال يوجد أشياء لا تردد فيها، ولا شرط عليها، على الرغم من البراهين العكسية التي قدّمها التاريخ، إذ لا يزال بين الاشتراكيين من يرى أن "الإدارة العامة" للبلاد وأي التأميم) شيء تقدمي، ويرفض العدول عن التأميم وعن تخصيص الاقتصاد.‏

وصحيح أن الاقتصاد العالمي، المتزايد التحرّر، أكثر فأكثر، والمشادبه ، بصورة عمياء من قبل الشركات المتعددة الجنسية، يظل قلقا.ً ومن المؤسف أيضاً، أن اللبرلة لا تعود بخير على الفقراء، دوماً، إلا تبعاً للنموذج المعروف: نقطة فنقطة. و مع ذلك فإن لدينا عدداً كبيراً من الشهادات التي لا مراء فيها بأن الشركات المدولة تسيئ إلى عمالها، وتلوث الجو، وتؤذي أو تسيء التعامل مع الجمهور العام، بقدر ما تفعله الشركات الخاصة، على الأقل. والكثير منها أصبح شياطين في اللانجع ، والفساد والنهم. وكثيراً ما تشجع سوقاً سوداء كبيرة، تنسف مشروعية الدولة.‏

ومن سخرية القدر، أن الشركات المؤممة، بدلاً من أن تكون طليعة التقدم التقني، كما هو موعود، أصبحت كلها، دون استثناء، رجعية -بل قل هي الشركات الأكثر بيروقراطية، والأبطأ في إعادة التنظيم.والأقل استعداداً للتلاؤم مع الحاجات المتغيرة للزبائن، والأكثر هلعاً من إشاعة الإعلام في المواطنين، وآخر من يتبنى التقانات الجديدة.‏

وخلال أكثر من قرن، كان الاشتراكيون وأنصار الرأسمالية يتجابهون بعنف حول مشكلة الملكية الخاصة والملكية العامة. وكان مئات من الرجال والنساء يهبون حياتهم لمثل هذه المعركة. ولكن ما لم يتصوره أولئك وهؤلاء، هو أن نظاماً جديداً لخلق الثروة يجعل حججهم كلها باطلة تقريباً.‏

ومع ذلك فإن هذا هو الذي حدث. ذلك أن شكل الملكية الأكثر أهمية، هو الذي لا تجد له أثراً بين يديك إنه عالي الرمزية. ويسمى"معرفة. ثم إن المعرفة نفسها يمكن أن يستخدمها أشخاص كثيرون، كي يخلقوا الثروة ويزيدوا إنتاج المعرفة. وعلى عكس المصانع والحقول، فإن المعرفة لا تقبل النضوب.‏

التخطيط أوكم من برغي تسلّل على اليسار)‏

وكان التخطيط المركزي هو العمود الثاني في كاتدرائية النظرية الاشتراكية. وبدلاً من أن يدع الفوضى تجتاج السوق، وتفسد الاقتصاد، يأتي التخطيط الذكي، من فوق إلى تحت، ليركز الموارد على قطاعات أساسية، ويزيد في النمو التكنولوجي.‏

وعلى كل حال، فإن هذا التخطيط كان يتعلق بالمعرفة. ومنذ العشرينات من القرن العشرين كان الاقتصادي النمسوي، Luolwig von mises.يصف النقطة الضعيفة في هذا التخطيط. "بكونها، كعب أخيل(4) ، الاشتراكي.‏

ترى كم يجب على مصنع في أيركوتسك IRWKOUTSK أن ينتج من الأحذية؟ ومن أي نوع من مقاييس الأرجل؟ وكم من برغي سيُلولبُ إلى اليسار، ومن أي نوع من الورق؟ وأي نوع من النسب نضعها بين المحرق carlIuRa-teur والخيال، وكم روبل، أو زلوطي أوينّ يجب أن توظف في كلّ من العشرة آلاف من القطاعات الإنتاجية؟.‏

إن أجيالاً من المخططين الاشتراكيين السليمي الوجدان، كانوا يتمزقون أمام مثل هذه الصعوبة. إنهم كانوا دوماً، يتطلبون المزيد من المعطيات، ويحصلون على مزيد من الأكاذيب. كانوا يعززون البيروقراطية. ولما لم يكونوا قادرين على الاعتماد على مؤشرات العرض والطلب الناشئة عن سوق تغمره المزاحمة. فقد حاولوا أن يقيسوا الاقتصاد بمصطلح الساعات، أو بالنظر إلى الأشياء تبعاً لما هي فيه، أكثر مما كانت تمثله بمصطلخات القيمة. ثم إنهم حاولوا، فيما بعد أن يقيسوه بالنموذج الإيكونومتري والتحليلالدخولات، والخروجات)‏

وما من شيء كان ينتظم أو ينجح. وكلما ازداد عليهم الإعلام، كان الاقتصاد يصبح أكثر تعقيداً وفوضى. وبعد أن مضى على الثورة الروسية 65 سنة، كان شعار الاتحاد الروسي الأذناب الطويلة الواقفة أمام المخازن، وليس المطرقة والمنجل.‏

واليوم، في العالم الاشتراكي كله، أو الاشتراكي سابقاً، يتزاحم الناس، بغية إدخال اقتصاد السوق - إما كلياً كبولونياً؛ أو ببعض الخجل داخل النظام المخطط، كما هي الحال في الاتحاد السوفييتي.‏

وعندئذ نجد المجدّدين الاشتراكيين يجمعون على الاعتراف بأن قضية ترك العرض والطلب، يتحكم في الأسعار- في بعض المجالات على الأقل- يقدم لهم مالم يكن التخطيط المركزي يؤمنه لهم،- أي علاقات تشير إلى ما يتطلبه الاقتصاد وما هو بحاجة إليه.‏

بيد أن الاقتصاديين، عندما يتناقشون حول فهم هذه العلامات signaux، يهملون النظر إلى التغيير الأساسي الذي يقتضيه هذا المبدأ، وإلى الانتقالات الهائلة في السلطة، التي تنشأ عنه. وعلى هذا كان الفرق الأساسي بين اقتصاد مخطط مركزياً، وبين اقتصاد يساعده السوق، إنما يقوم على واقع أن الإعلام يمضي عمودياً، في الاقتصاد المركزي، على حين أن الكثير من الإعلام، في الاقتصاد الثانيالحر) يمضي إما أفقياً وإما قطرياً، داخل النظام، فالمشترون والباعة يتبادلون المعلومات على كل المستويات، وفي كل الاتجاهات.‏

ولا يهدّد هذا التغير، جملة كبار الموظفين في مجال التخطيط، أو القادة أنفسهم، بل يهدد ملايين من صغار البيروقراطيين، يقوم مصدر سلطتهم على مراقبة الإعلام المقدم على طول الطريق الرسمية.‏

إن الطرائق الجديدة في خلق الثروة، تتطلب، الكثير الكثير من المعرفة، والكثير الكثير من الإعلام، ووسائل الاتصال، مما لايمكن أن تحظى به الاقتصادات المخططة. وهكذا فإن انطلاق الاقتصاد العالي الرمزية، قد مزق القاعدة الثانية للأرثوذكسية الاشتراكية...‏

قمامة التاريخ.‏

إن التركيز القوي الذي قامت به الاشتراكية، على التجهيزات الميكانيكية، وطريقتها في التركيز على الصناعة المعملية، وعدم اهتمامها بالزراعة وبالعمل الفكري، كل هذا يؤلف العمود الثالث، الذي انهار وتهدم.‏

ففي الأعوام التي تبعت ثورة عام 1917، وعندما كان المال ضئيلاً لا يقوم بعبء بناء معامل الصلب، والسدود، ومصانع السيارات، التي كان الروس بحاجة إليها، تبنىّ القادة السوفييت نظرية التراكم الاشتراكي البدائي، الذي وضع خطوطه الاقتصادي E.A . PREOBRAJENSKL ! ويرى هذا الرجل، أنه يمكن أن نأخذ من الفلاحين، ذلك الرأسمال الضروري، عن طريق تخفيض مستوى حياتهم بالقوة إلى الحد الأدنى. وهكذا نحصل على الفوائض التي ستستخدم في تغذية الصناعة الثقيلة، ودفع أجور العمال..‏

وكنتيجة لهذا الانحياز إلى الصناعة، على نحو ما يُقال في الصين، صارت الزراعة وما تزال، قطاعاً منكوباً، في كل الاقتصادات الاشتراكية تقريباً. وبتعبير آخر نقول: إن البلاد الاشتراكية تابعت العمل ضمن استراتيجية الموجة الثانية، على حساب أفراد من الموجة الأولى.‏

وزيادة على ذلك، فإن الاشتراكيين لم يحرموا أنفسهم من احتقار الخدمات وأصحاب الياقة البيضاء. ووضع العمل الجسديالفيزيائي) في منصة الشرف، لأن الهدف الأول للاشتراكية كان"التصنيع" بالقوة. وكان هذا الموقف الكثير الشيوع يتوازى مع الانتباه المركز على الإنتاج، لا على الاستهلاك.‏

وكان الماركسيون الأنقياء، والقساة، يؤكدون الفكرة القائلة بأن الإعلام، والفن، والثقافة، والقانون، وكل إنتاج آخر للفكر ولا يصنع باليد"... كل هذه تنشأ" كبنية علوية فوقية"معلقة، إذا صح هذا التعبير، فوق"القاعدة الاقتصادية للمجتمع، على حين أنّ الرأي العام يرى أنه لابد من نوع من التفاعل بين الشيئين، يجد فيه كل واحد منهما ينعكس على الآخر. كانوا يرون أن البنية التحتية هي التي تحدد نوعية البنية الفوقية، وليس العكس. وأولئك الذين كانوا يؤمنون بالرأي المعاكس، كان ينظر إليهم"كمثاليين". وهذه صفة كانت في ذلك العهد لا يمكن أن يوصف الإنسان بما هو أسوأ منها.‏

وكان الماركسيون يعتقدون أن للعمل الشاق أو العضلي من الأهمية أكثر مما للعمل العقلي. ولكن الثورة المعلوماتية برهنت على أن العكس هو الصحيح. ومع ذلك فإن المجتمعات ليست مجرد مكنات، ولا مجرد حواسيب، ولا يمكن أن تردّ إلى العمل اليدوي وحده، ولا إلى العمل العقلي وحده، ولا إلى القاعدة من تحت، والبنية العلوية من فوق. فإذا وضعت لهذا كله، صيغة أكثر دقة من هذا، قلت: إن المجتمعات تتألف من عدد كبير من العناصر. وإن هذه تتواصل فيما بينها، وفيما يشبه الفعل ورد الفعل، ولكن بتعقيد كبير في بنية هذا التآثر، وإن هذا كله يظل، كمجموعة حلقات ينعطف تآثرها بعضه على بعض. وبمقدار ما يزداد التعقيد ويتنامى يصبح أكثر حيوية لاقتصادها واستمرار بقائها البيئي.‏

والخلاصة، إن هذا الاقتصاد الجديد، ذا المادة الأولية أو المواد الأولية التي لا تلمس ولا تحس، قد أحسن الانطلاق كمقابل لاشتراكية عالمية، لم تكن مهيأة له. إن صدمة الاشتراكية بالمستقبل كانت شؤماً عليها.‏

(1) يطلق رجال"المعلوماتية" على كلمة linformatique اسم"علم المعلوماتية. وأظن أن هذا الإصطلاح غير موفق.‏

(2) المكنة السابقة للتوجيه الذاتي: أي التي تصمم على أساس أن توجه نفسها بنفسها.‏

(3) التأميم يعني ردّ الملكية إلى الأمة، ظاهرياً أما الواقع فإن هذا التأميم يُسَمى تدويلاً، أي ردّ كل الملكيات إلى الدولة، والأصح أنه رَدٌ إلى رجال الدولة، لاإلى الدولة بالمعنى الجدي.‏

(4) كعب أخيل أو آشيل- وهذا بطل يوناني خرافي إلى حد كبير، وكان معروفاً أنه لا يموت إلا بإصابة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244