إنشاء حضارة جديدة سياسة الموجة الثالثة- الفين وهيدي توفلر - ترجمة: حافظ الجمالي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع تجابه الموكَّلين

إن قائمة المشكلات التي تجابه مجتمعنا، لا نهاية لها، ونحن نعاني من التفسخ الأخلاقي لحضارة صناعية، شبه ميتة، نرى فيها المؤسسات تنهار واحدة بعد أخرى، بسبب قلة النجع والفساد المتشابكين تشابكاً عنيفاً. وهكذا فإن الجو العام يميل إلى الجفاف والمطالبة بتغييرات سياسية. وكان لدينا ردّاً على كل هذا البؤس، آلاف من الاقتراحات التي تحسب كلها أنها"أساسية"، بل وثورية أيضاً. ولكن يبقى أولاً وأخيراً أن القواعد، والقوانين، والتنظيمات الجديدة، والخطط والممارسات المقدر أنها ستحل مشاكلنا -تحمل في طياتها، باستمرار، آثار ردود الفعل المتبادلة، ولا تؤدّي إلا إلى زيادة خطورة الأوضاع، فضلاً عن أنها تغذي الشعور بالعجز، وتقدم الانطباع بأنه ما من شيء سليم في حياتنا. وما لم نبرهن على أن لدينا الشجاعة والخيال الكافيين، فإننا نغامر بأن نقبل بدورنا، أن نوضع في قمامة التاريخ.‏

وتقدم وسائل إعلامنا الحياة السياسية الأمريكية، كما لو أنها معركة دائمة بين سَيّافي(1) حزبين سياسيين، غير أن الأمريكيين يصبحون أكثر فأكثر انزعاجاً، يعضّهم الإرهاق بأنيابه، ويتضايقون من الصحافة والساسة معاً. أما السياسة المنحازة، فإنها تبدو لأكثرية الناس مسرح ظلال غير نزيه، ومكلفاً، ومفعما بالفساد. بل إن هؤلاء الأمريكيين يتساءلون أكثر فأكثر: أحقاً يملك اسم الظافر أهميةً ما، مهما تكن قليلة؟.*)‏

والجواب عندنا هو: بلى، ولكن لا للأسباب التي تقال لنا، ففي عام 1980، كنا نكتب في الموجة الثالثة، ما يلي:‏

"إن الحادث السياسي الأكبر في زمننا، هو دخول جيشين كبيرين في معركة: أما الأول فهو يدافع عن حضارة: الموجة الثانية، وأما الثاني فهو الذي يزداد قوة، كما لو أنه بطل الموجة الثالثة. ويتمسك الأول بعناد بحماية المؤسسات المتصلة بقاعدة المجتمع الصناعي المهتم بالإنتاج الكثيف- أي الأسرة النووية، والتعليم الجماهيري، والدولة- الأمة الممركزة، وصيغة للحكم تعتمد على ما يشبه التمثيل الشعبي والنقابات الجماهيرية. وأما الثاني فإنه يرى أن المشكلات الكبيرة الأهمية المطروحة على عالم اليوم، بدءاً من مشكلة الطاقة، والحرب، والفقر، حتى مشكلة انحطاط البيئة، وانحلال الروابط العائلية، لا تستطيع أن نجد حلاً في إطار حضارة، من النموذج الصناعي.‏

لكن الحدود بين هذين المعسكرين ما تزال غامضة ومائعة. ولكلٍ منا، نحن جميعاً، رجل هنا، ورجل هناك.. أما المنازعات فتبدو غامضة، دونما علاقةٍ بينهماأو بينها). وأكثر من ذلك أن هذين المعسكرين يتألفان كلاهما من جماعات عديدة تبحث عن إرواء مآربها، الأنانية الشديدة الضيق، من غير رؤية للكل. ومن جهة أخرى، ما من واحد من المعسكرين يملك التفرد بالفضيلة، والأخلاق. وهناك أناس شرفاء في الجانبين. بيد أن الخلافات بين هاتين المنظومتين السياسيتين والكامنة وراء السطوح، تظل كبيرة.‏

مؤامرات، من أجل الماضي‏

ولئن كان الجمهور العام، لا يزال، حتى اليوم، غافلاً عن الأهمية الحاسمة لهذا الفصل بين الطرفين، فذلك لأن الصحافة تقضي قسماً كبيراً من الوقت، في ترديد صدى المألوف السياسي المعتاد، أي الصراع بين طرفي الموجة الثانية اللذين يتنازعان رفات النظام القديم، ولكن هذه الجماعات، على الرغم من اختلافاتها، تسرع أو تستعجل في إقامة السدود أمام مبادرات الموجة الثالثة.‏

ولهذا حدث ما نعرفه عام 1984(2) ، عندما رشح غاري هارت Gary Hart نفسه عن الحزب الديمقراطي، وكسب الانتخابات الأولية في نيوها مشير New Hamqshire، بإعرابه عن تمنياته بقيام "تفكير جديد" . لكن زعماء للموجة الثانية القدماء، داخل الحزب الديمقراطي، جمعوا قواهم لقطع الطريق عليه وتزعيم Walter Mondale، البطل الموثوق والصلب ضد الموجة الثانية..‏

ولهذا السبب أيضاً تعاون حديثاً النادريون Naderiens، نادريو الموجة الثانية ضد الـ Alena، مع البوكانيان Buchaniens، بوشانيي الموجة الثانية.(3)

ولهذا السبب أيضاً لوحظ أنه عندما وضع الكونغرس، قانوناً حول البنى التحتية" عام 1991، وظف فيه 150 مليار دولار للطرق، والطرق الكبيرة الأوتوسترادات) والجسور، وإزالة الحفر - ضامناً بذلك أرباحاً كبيرة لـ شركات الموجة الثانية،و للاستخدامات في نقابات الموجة الثانية. وفي الوقت نفسه، خُصص المبلغ التافه، مبلغ المليار دولار لإقامة أوتوسترادات الإعلام المشهورة Reseau )ومهما تكن الطرق والأتوسترادات ضرورية، فإنها على كل حال، تظل جزءاً من البنية التحتية للموجة الثانية، على حين أن الشبكات الإصبعية Reseauxdigitaux (4) ، تقع في قلب الموجة الثالثة. وليست المشكلة، في هذه المناسبة، أن نعرف ما إذا كان على السلطات العامة أن تساعد أو لا تساعد الشبكة الإصبعية، بل المشكلة هي اتصالها بعدم التوازن بين قوى الموجتين الثانية والثالثة في واشنطن.‏

وبسبب عدم التوازن هذا، لم ينجح نائب ريئس الجمهورية آل غور Gore- الذي كان له موطئ قدم في الموجة الثالثة- على الرغم مما بذله من جهد- في إعادة خلق الحكومة التي تتمتع بالروح التي تقتضيها الموجة الثالثة. وفي الحين الذي كانت فيه الشركات- بضغط من المزاحمة- تحاول يائسة أن تفكك بيروقراطياتها، واختراع أشكال جديدة للإدارة، خاصة بالموجة الثالثة، فإن الإدارات، المشلولة بنقابات موظفي الموجة الثانية، ظلت -إلى حد كبير- في المؤخرة: والخلاصة، إنها إذ ترفض أي إعادة لانبساط، وأي إعادة اختراع، نراها تحتفظ ببناها المعروفة في عهد الموجة الثانية.‏

هذا وإن نخب الموجة الثانية تناضل وتحارب بغية الاحتفاظ بماضٍ تجاوزه الزمن، بحكم أنها تحصل الآن على ثرواتها وسلطاتها، عن طريق تطبيق مبادئ الموجة الثانية. أما الأخذ بصورة حياةٍ جديدةٍ، فإنه قد يضع موضع البحث هذه الثروة وهذه السلطة. لكن النخب ليست وحيدة في هذا المجال. ذلك أن ملايين من الامريكيين الفقراء أو من الطبقة المتوسطة، تقاوم هي أيضاً هذا الانتقال إلى الموجة الثالثة، لأنها تخشى -وكثيراً ما تكون في هذا على حق- أن تبقى في المؤخرة، وأن تفقد استخداماتها، و الانحدار بعض الشيء عن مستواها الاقتصادي والاجتماعي..‏

وإذا شئنا أن نفهم قوة العطالة، لدى كتائب الموجة الثانية في أمريكا، فإن علينا أن ننظر إلى ماوراء الصناعات القائمة على الجهد الجسدي. بل علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من نقاباتها وعمالها. ذلك أن قطاع الموجة الثانية يتمتع بدعم الـ Wall Street ورجاله الذين يضمنون له حاجاته. وكذلك فإنه مدعوم به من قبل المثقفين والجامعيين، الذين كثيراً ما يتقاضون رواتب حقيقية، بلا عمل حقيقي. وكثيراً ما يتلقون منحاً من المؤسسات والتعاونيات النقابية. أو من اللوبيات التي يخدمونها.‏

أما عملهم فإنه يقوم على جمع المعطيات الملائمة لأهوائهم، وتنميق الحجج والشعارات الأيديولوجية الخاصة بالموجة الثانية: مثال ذلك أن يقال: إن الإدارات ذات الإتصالات الإعلامية الكثيفة، غير منتجة، وإن مستخدمي هذا القطاع محكومون، بتقديم الهامبورغر لطالبيه، أو أن على الصناعة أن تعمل في إطار"الفبركة" أي تظل دائماً دائرة، لتنتج إنتاجاً كثيفاً) وأمام هذا النوع من إقامة السدود، بصورة متصلة، فإنه ليسَ من المستغرب أن حزبينا السياسيين يعكسان فكر الموجة الثانية. ثم إن نظريات"النجع" التابعة لهذه الموجة، تكشف لنا عن شرح استسلام الديمقراطيين استسلاماً شبيهاً بردّ الفعل" لحلول بيروقراطية متمركزة، لحل مشكلاتٍ، من نوع أزمة الضمان الاجتماعي. وعلى الرغم من أنه يوجد رجل سياسي، متفرد، مثل نائب رئيس الجمهورية، غور Gore- وهو نائب رئيس الـ Congressionnal Clearing house on the future، سابقاً- الذي يعترف بأهمية التقانة المتقدمة، فإن الديمقراطيين يظلون شركاء في دعمهم للموجة الثانية، وشركاء إلى الدرجة التي يبقى فيها حزبهم، في كل ما هو شيء أساسي، مشلولاً أمام القرن الواحد والعشرين.‏

ومن هارت Hart، في الثمانينات، إلى Gore في التسعينات، نجد النواة الصلبة لوكلاء الحزب الديمقراطي، تمنع الحزب من السير على الطريق التي يشير إليها رؤساؤهم الأكثر بعد نظر.أو الأكثر وعياً). وهكذا فإن الحزب يجد نفسه شبه فريسة لتصوره للواقع- أي واقع الياقات الزرقاء. وهذا النوع بين الإخفاق، لدى الديمقراطيين -العاجزين عن البروز كحزب مستقلكما كان من قبل)- هو الذي يترك الباب مفتوحاً جداً لأعدائه. ولما كان الجمهوريون أقل تجذّراً في الشمال الشرقي الصناعي القديم، فإن الفرصة متاحة لهم للاتسام بسماتهم، أي في الظهور كحزب الموجة الثالثة، على الرغم من أن رؤساءهم الأخيرين قد فوّتوا على أنفسهم هذه الفرصة.‏

وهكذا نجد الجمهوريين، يستسلمون، هم أيضاً، لما يشبه المنعكس الرضفي أو الشرطي) في كل خطاب يتصل بالموجة الثانية.‏

ولا شك أن الجمهوريين على حق في الدعوة إلى خلع الأنظمة القائمة الموروثة ، على مقياس واسع، وذلك لأن الشركات بحاجة لكل المرونة لمجابهة المزاحمة العالمية.. ولهؤلاء الجمهوريين كل الحق في الدعوة إلى تخصيص الخدمات العامة، ذلك أن الادارات التي تستفيد من"اللا مزاحمة" تؤدي واجباتها الإدارية بصورة سنية بدرجة كافية. وللجمهوريين أيضاً كل الحق في الدعوة إلى الإستفادة، إلى أعلى درجة ممكنة، من الدينامية والقدرة على الخلق، اللتين تجعلان اقتصادات السوق ممكنة. إلا أنهم يبقون هم أيضاً، أسرى النظرية الاقتصادية المعروفة في الموجة الثانية. وحتى أنصار اقتصاد السوق الذين يستند إليهم الجمهوريون، مثلاً"، لم يحسنوا التلائم مع الدور الجديد للمعرفة.‏

ثم إن الجمهوريين مايزالون أسرى بعض العمالقة الذين ينتسبون إلى ماضي الموجة الثانية، وهم مدينون لها بأنديتهم المهنية، ولوبياتهمجمع لوبّي)، وبطاولاتهم المستديرة التي تعرف فيها السياسة.‏

وثالثة الأثافي، هي أن لديهم ميلاً إلى الغضّ من قيمة الانقلابات الاجتماعية الضخمة التي يمكن توقعها من أي تغيير له عمق الموجة الثالثة. مثال ذلك أننا في زمن تصبح فيه الكفاءات عديمة القيمةأو فات أوانها)، بين يوم وآخر، وجماهير المستخدمين من أبناء الطبقة الوسطى، الذين قد يكونون ممتازين في تخصصاتهم، كل هؤلاء يمكن أن يفقدوا فجأة أعمالهم، ويصبحوا بلا عمل، يدل على ذلك وضع الباحثين والمهندسين الكاليفورنيين، المختصين بمشاكل الدفاع، وهذه حالة مبئسة جداً. و ليس اقتصاد السوق، واقتصاد النقطة بعد النقطة اللذان جُمّدا وتحولا إلى عقائد لاهوتية، بالجواب الكافي. وعلى كل حزب ينظر إلى المستقبل، أن يلفت الانتباه إلى المشكلات القادمة، وأن يضع تدابير وقائية، تحول دون الوقوع فيها. مثال ذلك، هذه الثورة الإعلاميةالصحفية، وما يجاورها من وسائل الإعلام) التي يمكن أن تقدم أرباحاً ضخمة للاقتصاد الناشئ من الثورة الإعلامية.. غير أن المشتريات التي تتم عن طريق الهاتفأو الفاكس مثلاً). والخدمات الإلكترونية الأخرى، يمكن أن تقلل من عدد الدكاكين الصغيرة، في القطاع التقليدي للبيع بالمفرّق، الذي يتيح للشباب الضعفاء الإختصاص، أن يدخلوا في الحياة النشيطةأو الفاعلة)..‏

ولكن يبقى اقتصاد السوق والديمقراطية، حيَّين، وعلى الرغم من التغييرات الضخمة، والاضطرابات القادمة، فإنه ينبغي على السياسة أن تكون بعيدة النظر، ووقائية أيضاً. بيد أن من الصعب أو من النكران للجميل، أن نطلب من أحزابنا السياسية أن تفكر فيما هو أبعد من الانتخابات القادمة.‏

والحزبان اللذان نملكهما، مشغولان بحقن الشوق في عروق وكلائهم. ومنذ بعض السنين، مثلاً، كان الديمقراطيون يتحدثون عن "إعادة التصنيع" أو عن إعادة بناء الصناعة الأمريكية، بأمَل أن تجد عظمتها التي عُرفت لها في الخمسيناتوالحقيقة أنهم يتحدثون عن عودة مستحيلة إلى اقتصاد الإنتاج الكثيف). وفي الوقت نفسه، كان الجمهوريون الذين وقعوا فيما يشبه الصورة في المرآةالصورة المرءآوية) يعظّمون الشوق، بخطاباتهم عن الثقافة والقيم، كما لو أنه يمكن إعادة الإتصال بقيم عام 1950 وأخلاقه -أي قبل ظهور التلفزيون العالميأو الكلي)، وقبل حبة منع الحمل، وقبل الطيران النفاث، وقبل الأقمار الصناعية، والحواسيب الفردية- من غير العودة، في الوقت نفسه، إلى المجتمع الصناعي ذي الإنتاج الكثيف الذي توسم به الموجة الثانية. وكان بعضهم يتحدث عن Rireer rouge، والآخرون يتحدثون عن أوزي وهارييت OZZIE et Harriette.‏

وكان الجناح الديني للحزب الجمهوري، يرى أن"الليبراليين" و"الإنسانيين" والديمقراطيين، هم المسؤولون عن تدهور الأخلاق. وهو لا يرى أن أزمة نظام القيم لدينا تكشف عن أزمة أعمّ لحضارة الموجةِ الثانية. وبدلاً من أن نتساءل كيف ندعو إلى أمريكا جديدة من طراز الموجة الثالثة، غنية الكرامة، والأخلاق، والديمقراطية، كان أكثر رؤسائها يكتفون بتحبيذ العودة إلى الماضي. وبدلاً من التساؤل، عن: كيف نبني مجتمعاً أخلاقياً، عادلاً، غير متكتل، كان الكثيرون يقدمون لنا الانطباع بأن ما يريدونه حقاً في الواقع هو إعادة تكتيل وزيادة حجم الولايات المتحدة remassifier.‏

ومع ذلك، فإن هناك فرقاً بين الحزبين. فعلى حين أن التواقين إلى الموجة الثانية، داخل حزب الديمقراطيين، مؤتلفون ومجتمعون في النواة الصلبة، نجد أنهم لا يؤلفون إلا هامشاً من"المثارين أو المتعصبين في الحزب الجمهوري. فإذا عَبرً هذا من قدرته على التجميع، وانفتح للتغيير، فإن المستقيل، يكون من، أو بسببالعصبة المركزية) للحزب.‏

وتلك هيأو ذلك هو) النداء الذي حاول Newt Gingrich، رئيس مجموعة الجمهوريين في الكونغريس، أن يعلنه، بنجاح محدود، أو يوصله إلى حزبه، فإذا هو نجح، فإن الديمقراطيين يغامرون كل المغامرة، في التعلق بأهداب غبار الباحة السياسية.‏

وفي عام 1980 كان لي أتويتر Lee ATWTER مستشاراً سياسياً مسموع الكلمة لدى الرئيس ريغان. ثم إنه، فيما بعد، صار رفيق الرئيسBush في ألعابه الرياضية، ومدير حملته الانتخابية. وبعد فترة قصيرة من انتخابات ريغان، وزّع نماذج من كتاب"الموجة الثالثة، على موظفي البيت الأبيض. ثم إنه اتصل بنا، وكان لنا في السنين التالية، محادثات منتظمة معه. وعندما كنا في آخر عشاء لنا يحضره هو، قلنا له: إن من المؤسف أن لا نجد لدى الديمقراطيين، رؤية إيجابية لأمريكة الموجة الثالثة. ورأى أتواتر أننا على حق، ولكنه فاجأنا بإضافة جميلة في الحديث، قال فيها"وحتى الجمهوريون لا يملكون ما تقول. " وأضاف شارحاً كلامه: إنه ما من حزب يملك صورة إيجابية عن المستقبل: "وهذا هو السبب في أن الحملة كانت سلبية إلى هذه الدرجة." لا ريب إذن أن قصر النظر في الجهتين يشعرنا بأن أمريكا قد افتقرت.‏

متنبئو الغد‏

مهما تكن أو تبدُ لنا قوى الموجة الثانية، فإن مستقبلها شديد القلق. وفي بداية العهد الصناعي، كانت قوى الموجة الأولى تسود المجتمع والحياة السياسية. وكانت النخب الريفية تبدو وكأنها ستظل تتحكم في الحياة العامة إلى الأبد. ولكن ذلك لم يكن صحيحاً... ولو أنها احتفظت بالسلطة، إذن لما كان للثورة الصناعية أن تغير صورة العالم.‏

إن العالم اليوم في طريقه إلى التغير. والأكثرية الساحقة من الأمريكيين، ليست مزارعين، ولا عمالاً، إلا أنهم يمارسون شكلاً أو آخر من أشكال العمل القائمة على المعرفة. وأهم الصناعات التي تتقدم في أمريكا بأكبر سرعة، هي الصناعات التي تملك الإعلام الأقوى. ولا يقتصر قطاع الموجة الثالثة على الإعلام المتقدم، أو الإليكترونيات أو البيوتكنولوجيات أي الصناعات الإلكترونية. والتقانة الحيوية أو الحياتية). بل إنه، بفضل التصنيع المغمور بالمعلوماتية infonmatise. يصل إلى كل القطاعات، بما في ذلك من إدارات مثل المالية، وأنظمة الحواسيب، وصور اللهو، ووسائل الإعلام، والاتصالات المتقدمة والخدمات الطبية، والاستشارة، والتنشئة والتعليم، وبالجملة، كل النشاطات القائمة على العمل العقلي، أكثر مما هي قائمة على القوة العضلية. ولن يطول الأمر بشعب هذا القطاع، حتى يكون هو الفئة الناخبة، في الحياة السياسية الأمريكية.‏

وخلافاً "لجماهير" العصر الصناعي، نجد أن جماعة الموجة الثالثة، متنوعة جداً. وهي تتألف من أشخاص أو فرديات، تتميز باختلافها. بل إن اختلافها نفسه يعبّر عن نقص الوعي السياسي عندها. إنها أصعب على التوحيد من جماهير الأيام الخالية.‏

وعلى هذا، فإنه يجب على جماعة الموجة الثالثة أن تشغّيل ما لديها من عقول مفكرة، وإنضاج إيديولوجية سياسية. إنها لما تتلق الدعم المنتظم للانتيليجانسيا في واشنطن،.فأنديتها ولوبياتها تظل جديدة نسبياً، وغير متسقة فيما بينها، ثم إن ما لدى وكلاتها من الأسلحة التشريعية، باستثناء نقطة واحدة هي الألينا Alena، حبت غلبت جماعة الموجة الثانية ضئيل / قليل.‏

ومع ذلك، فإن هناك قضايا مصيريةحاسمة) يستطيع الناخبونمن جماعة الموجة الثالثة) الذين هم على وشك أن يصبحوا الأكثرية) أن يتفقوا عليها، بدءاً من التحرير: أي التحرر من مجموعة القواعد والأنظمة، والضرائب، والقوانين العائدة للمجموعة الثانية، التي أسست لمصلحة بارونات العهد الصناعي، وبيروقراطيية. ولما كانت قد وضعت في العهد الذي كانت فيه الموجة الثانية، تؤلف أو تشكل قلب الإقتصاد الأمريكي، فإنها -كتدابير- تعرقل اليوم تنامي الموجة الثالثة.‏

ولما كانت معايير الضرائب قد وُضعت بضغط من رجال المصالح الصناعية، مثلاً.. فإن مدة استهلاكهاالمحسوب على أساس تغيير المصنع وأدواته بعمر ما أو زمن ما) تقتضي أن تكون المكنات والمنتجات، ذات حياة طويلة.. ولكن الأمر يختلف مع الصناعات المتقدمة التي تتجدد بسرعة، وخاصةً في الأنفورماتيك informatique. وحقاً فإن عمرها يقاس بالأشهر، بل وبالأسابيع.. وهكذا، فإن معيار الضريبة السابق يؤذي التقانة المتقدمة. ثم إن الاستنتاجات "المقبولة" حول نفقات"البحث" و"التنمية" تتحيّز للشركات الكبرى، التابعة للموجة الثانية، ضد الشركات الدينامية التي تشكل مركز الانطلاق للموجة الثالثة. والواقع أن الضريبة على ما لايحس به، ومالا يُشغل عمالاً كثيرين، ستكون متحيزة بالضرورة(5) عند ما يحسب عدد العمال، وعدد المكنات، بغض النظر عما فيها من حداثة، أو تقادم. ويبقى أخيراً أنه سيكون مستحيلاً أن تغيَّر هذه القواعد من غير أن تقوم معركة سياسية تحسم المشكلة..‏

إن شركات الموجة الثالثة ذات ميزات مشتركة. فهي فتية، بصورة عامة، بالقياس إلى تاريخ نشوئها، أو بالنسبة للعمر المتوسط لموظفيها. فإذا قورنت بشركات القطاع الصناعي، وجدنا أنها منظمة على أساس وحدات عمل صغيرة وهي توظف أموالاً أكثر من المتوسطالمألوف) سواء أكان ذلك في مجال الأبحاث أوالتنمية، أوالتنشئة، أم في الموارد الإنسانية. ذلك أنها دوماً تجاه مزاجمة عنيفة جداً ترغمها على التجديد باستمرار: ومن هنا تنشأ دورات حياة قصيرة، تحتاج إلى تجديد العاملين والأدوات والممارسات الإدارية. أما رأس مالها الحقيقي والأساسي، فإنه يتألف من رموز معشعشة في أدمغة مستخدميها. أفيمكن أن نتوقع من هذه الشركات وهذا النوع من الفعاليات أن تحترم قواعد اللعبة التقليدية، التي إذا هي طبقت عليها، كانت نوعاً من العقاب لها؟.‏

إن جزءاً كبيراً من قطاع الموجة الثالثة، يشغل نفسه بتقديم مجموعة هائلة ومتجددة من الخدمات. وبدلاً من التنديد بنشاط هذا القطاع من الخدمات، ولومه باستمرار على أنه مصدر قليل الإنتاجية، ألا يكون من الأفضل أن ندعمه، ونزيد ثروتهأو رأسماله)- أو، على أقل تقدير، تحريره من المعوقات القديمة؟ إن على أمريكا" طمعاً بتحسين صورة الحياة لشعبها، أن تقدم له الكثير من الخدمات، لا العدد الأقل منها. وهذا ما يعني: تقديم العمل لكثيرين من الناس، أو لكل الناس: بدءاً من صيانة الأجهزة الإلكترونية، إلى المخطط الجديد، مروراً بالمساعدين الطبيين.. وتقديم الخدمات للأشخاص المعمرين، والشرطة، ورجال الإطفاء، حتى رعاية الأطفال، وخدم البيوت إذا مست الضرورة، لا سيما إذا كان الأبوان يعملان. وعلى سياسة الاقتصاد الجديد، اقتصاد الموجة الثالثة، أن لا تنتقي الرابحين والخاسرين، بل أن تقضي على كل ما يعرقل تنمية المهن. وزيادة الخدمات، بحيث نجعل الحياة أقل توتراً، وغبناً، وإمحاءاً للذاتية، ولكن يبقى أن نلاحظ أن هذه المقاربة ليست من عناصر أو مطالب أي حزب سياسي.‏

وعلى الرغم من هذا النوع من التخلف، فإن محامي الموجة الثالثة يرتفع شأنهم يوماً بعد يوم. وهم يعبرون عن أفكارهم أكثر فأكثر بعيداً عن الأحزاب السياسية التقليدية، لأنه ما من واحد من الحزبين، انتبه لوجودهم، ونراهم يمضون ليزيدوا وجودهم في المنظمات المتزايدة العدد، كل يوم، والشديدة القوى، التي تتناثر داخل البلاد، وهم الذين يسودون المجتمعات الإلكترونية الجديدة التي تتكاثر حول الـ : Imternet الإنترنيت) وهم أيضاً الذين يعملون على تفكيك وسائل إعلام الموجة الثانية، وعلى خلق حلول بديلة. أما الساسة التقليديون، الذين لا يريدون أن يفهموا هذه الحقائق، فسوف يكنسون من الطريق، تماماً كالنواب الإنجليز في القرن التاسع عشر الذين كانوا يتحينون الفرصة للاستفادة من الرواتب دون عمل لأنهم كانوا منتخبين.. من الضواحي الفاسدة..من القصبات الغضة) ..‏

وحتى الآن لم تجد قوى الموجة الثالثة ناطقاً باسمها في أمريكا. فإذا وجد حزب يتكلم بلسانها، فإنه بالتأكيد سيسيطر على مستقبل أمريكا. ومنذ الآن، سنجد أو سنرى من خلال ركام القرن العشرين الموشك على الانتهاء ظهور أمريكا جديدة. مختلفة جوهرياً من التي سبقتها.‏

(1) السياف: هو الذي يحمل السيف ، استعداداً للشر.‏

*) الظافر هنا، هو من يظفر بالانتخابات ، ويتولى الحكم.‏

(2) ثلاث سنوات قبل أن يتهم بفساد حياته الشخصية.‏

(3) من الواضح أن المشار إليهم زعماء يمثلون اتجاهات متباينة، مع أو ضد الموجة الثالثة.‏

(4) يبدو أن هذا الإصطلاح من عالم المعلوماتية، وربما عنى الإعلام باللمس‏

(5) ما من ضريبة تفرض من قبل السلطات العامة إلا وهي تتحيز للتوظيف المادي، ضد التوظيف الإعلامي، والموارد الإنسانية والتوظيفات اللامحسوسة الأخرى. وهذه، على ما نعلم، هي الأهم بالنسبة لشركات الموجة الثالثة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244