|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع رسالة الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين أيها الآباء المؤسسون إنكم الثوريون الموتى أنتم، رجالاً ونساءاً ومزارعين، وباعة، وصناعاً، ومحامين، وعمال المطابع، والهجائين، والتجار، والجنود، الذين أسسوا جميعاً أمة على الشواطئ البعيدة لأمريكا، إن بينكم أولئك الخمسة والخمسون الذين اجتمعوا في الصيف الحار لعام 1787 في فيلادلفيا، لكي يكتبوا هذه الوثيقة الخارقة للعادة، التي هي دستور الولايات المتحدة. أنكم أنشأتم وابتكرتم مستقبلاً، أصبح الآن حاضرنا. إن هذا النص، وإعلان حقوق الإنسان، الذي جاء متمماً له عام 1791 واحدة، بلا ريب، من قمم التاريخ الإنساني. ونخلص منه إلى أنكم كنتم فيه مرغمين -بحكم خوفكم من أن تنهار حكومة أصيبت بالعجز، ومشلولة بحكم مبادئ غير متلائمة مع العصر، وببنى تجاوزها الدهر وكنتم محمولين بموجة الأحداث العميقة. واليوم أيضاً، نجد هذه المبادئ محركة للمشاعر، كما حرّكت مشاعر الملايين من الناس، على هذه الأرض. وإنه لعسير علينا أن نقرأ بعض مقاطع من كلام جفرسون أو باين PAYNE من غير أن يمضي بنا جمالها، ومعناها العميق، إلى حافة ذرف الدموع. إننا نريد أن نشكركم، أنتم الثوريين الموتى، لأنكم عملتم بصورة، تجعلنا، نحن، نعيش نصف قرن، باعتبارنا مواطنين أمريكيين، تحت حكم القوانين، لاتحت حكم الأشخاص، ونريد شكركم أيضاً بصورة خاصة، من أجل هذا الشيء الثمين الذي هو حقوق الإنسان، الذي جعلنا نتمكن من التفكير والتعبير عن آراء غير شعبية، ولأنكم عشتم بين حضارتين -أي في نقطة تشعب عالم زراعي قديم تهزه علائم العالم الصناعي القادم -وفهمتم معنى النقاء السياسي. وهكذا فقد فهمتم لماذا كان ضرورياً أن يعاد النظر في الدستور الأمريكي، وأن يُغيّر - لا من أجل اقتطاعات واضحة في الموازنة الفيدرالية، أو لإبراز هذا المبدأ المحدود أو ذاك، ولكن من أجل توسعة مجال إعلان الحقوق، مع الأخذ بعين الاعتبار تهديدات كانت خارج دائرة التصور. وكانت سيئة تثقل كاهل الحرية. ومن أجل خلق بنية جديدة لحكومة قادرة على اتخاذ قرارات ذكية وديمقراطية لا يستغنى عنها، إذا أردنا البقاء على قيد الحياة في أمريكا، أمريكا الموجة الثالثة. أمريكا القرن الواحد والعشرين. ونحن لا نحمل معنا نموذج الدستور القادم، ونحذر من أولئك الذين يعتقدون أنهم وجدوا الجواب، على حين أننا ما نزال نحاول صياغة الأسئلة، ولكن الوقت قد حان لكي نتخيل خيارات كلّها جديدة، وأن نناقش، ونتشاور، ونتخيل من الألف إلى الياء هندسة الديمقراطية الآتية غداً. وكل ذلك لا في جو شكس أودوغماتي، ولا في ثورة غضب، ولكن على أساس أوسع التشاور والمشاركة السلمية للجمهور -ذلك أننا بحاجة إلى أن نجتمع لكي نعيد خلق أمريكا. وكان ينبغي أن تفهموا هذا الأمر، في أيامنا هذه. أو لم يكن رجل من زمانكم - أعني جيفرسون- يعلن بعد تفكير ناضج بأن "بعضهم ينظرون إلى الدساتير باحترام يشبه التقديس، ويعتبرونها كتابوت عهد، مفرط القداسة، بحيث لا يمكن معها مسُّه.إنهم يعزون إلى العهد السابق حكمة أكثر من الحكمة الإنسانية. ويصرون على أن عملهم لا يمكن تصحيحه. ونحن حقاً لسنا من أنصار من يقول بأنه يجب أن يكثر من التعديلات، من غير أن تكون قد برهنت على سلامتها.. ولكننا نعرف أيضاً أن الدساتير والقوانين ينبغي أن يسيرا متوازية واليد باليد، مع تقدم العقل الإنساني. وبمقدار ما تنشأ اكتشافات جديدة، وتظهر حقائق جديدة. وبمقدار ما تتقلب الأفكار على حسب الظروف المتغيرة، يكون على المؤسسات أن تتقدم هي أيضاً، وأن تتزاوج مع عصرها. ومن أجل هذه الحكمة، نشكر السيد جيفرسون الذي ساهم في خلق نظام، انتفع به الناس لمدة طويلة، إلا أن عليه الآن، بدوره، أن يموت، لكي يحل محله نظام آخر. الفين وهيدي توفلر. ومن المؤكد أن في بلاد كثيرة، أناساً كثيرين سيعبرون لو أتيحت لهم الفرصة، عن عواطف مماثلة لتلك التي تحتويها هذه الرسالة المتخيلة. ذلك أن غفلة حكومات معاصرة كثيرة، ليست بسر مكتوم، ونحن الوحيدون الذين اكتشفنا هذا السر. وكذلك فإن هذا البؤس ليس ببؤس مقصور على الأمريكيين. إنه لا يمكن الخروج منه إلا بإنشاء حضارة للموجة الثالثة على أنقاض مؤسسات الموجة الثانية. ولابد من إقامة بنى سياسية جديدة "مناسبة، في عدد من البلاد في الوقت نفسه، وهذا مشروع شاق، لكنه ضروري، بل إن حجمه يصيبنا بالدوار، وسيحتاج بلا أدنى شك إلى زمن طويل. وتبعاً لكل الاحتمالات، لا بد من خوض معركة مديدة لإعادة النظر إعادة كاملة، أو لإلقاء الكونغرس في سلة القمامة، هو واللجان المركزية والمكاتب السياسية للدول الصناعية الشيوعية، والجمعية الوطنية الفرنسية، ومجلس اللوردات، والبوندستاغ، والدييت الياباني، والوزارات الشديدة التضخم، والإدارات المتحصنة بقوة العدد غير القليل من الدول، والدساتير والمكنات القضائية، أي لا بد من تعديل كبير للجهاز الثقيل، المتزايد الصعوبة على التداول لأنظمة الحكم التمثيلية. إلا أن هذه المعركة لن تقف عند حدود الأمم. وخلال أشهر أو عشرات السنين القادمة، سيكون على مكنة صناعة القوانين الكلية أوالشاملة) في جملتها- من الأمم المتحدة من جهة أولى، إلى الجمعية المحلية، أو المجلس البلدي، من الجهة الثانية - أن تجابه هجوماً متزايداً "لا يقاوم إلى فرض إعادة التشكيل". وعلى كل هذه البنى، أن تتغيّر تغيراً أساسياً، لا لأنها سيئة في الجوهر، ولا لأنها خاضعة لرقابة هذه الطبقة أو تلك، ولهذه الفئة أو تلك، ولكن لأنها أقل فأقل إجرائية، ولأنها لم تعد متلائمة مع حاجات عالم تطورّ تطوراً أساسياً. وحباً بإنشاء نظم للتحكم، متجدّدة وقابلة للبقاء، وبإنجاز ما سيكونُ المهمة الأساسية والعظمى أهمية لجيلنا- فإنه سيكون من الضروري أن نقذف إلى البحر بكل المحنطات المتراكمة التابعة للموجة الثانية، وأن نعيد التفكير بالحياة تبعاً لثلاثة مبادئ أساسية، وهي مبادئ ربما بدت وكأنها أحجار الزاوية الثلاث لحكومات الموجة الثالثة. سلطة الأقليات أما المبدأ الأول - وهو مبدأ مخالف للمألوف -في حكم الموجة الثالثة، فإنه مبدأ سلطان الأقليات. وخلاصته هي أن الحكم الخاضع لنظام الأكثرية وهو نظام أساسي في العهد الصناعي -يتزايد تهافتاً على مرّ الأيام. وليست الأكثرية بالأمر المهم، بل الأقلية هي الشيء المهم، وعلى نظم الحكم السياسية أن تترجم هذا الواقع. كان جيفرسون مرة أخرى - وهو الذي يعبّر عن رغبات الجيل الثوري - يؤكّد أن على الحكومات أن تنقاد كل الانقياد لقرارات الأكثرية". وكانت الولايات المتحدة وأوروبا في بداية عهد الموجة الثانية، تبدأ عندئذ تلك المسيرة الطويلة التي كان عليها أن تحوّلها إلى مجتمعات صناعية جماهيرية. وكان مفهوم الأكثرية يناسب حاجات مثل هذه المجتمعات. وما ديمقراطيتنا الجماهيرية الحالية إلا التعبير السياسي عن إنتاج واستهلاك وتربية للجمهور وللإعلام الجماهيري وللمجتمع الجماهيري. ولكننا رأينا أننا نخرج اليوم من العهد الصناعي. وأن المجتمع يتناثر بسرعة. وفي مثل هذه الشروط يكون من الصعب أكثر فأكثر -إذا لم نقل مستحيلاً- أن نجمع أكثرية أو حتى تحالفاً حكومياً. ولهذا فإن هولندا وإيطاليا بقيتا أحياناً ستة أشهر لهولندا) أو خمسة لايطاليا) من دون حكومة. ويعلن الاستاذ في العلوم السياسية WALTER Dean BURNHAM ويترديمن برنهام من الماساشوسيت أو لتقل من معهد ماسوشوسيت للتكنولوجيا. "إنني لا أرى اليوم من أساس لأكثرية حقيقية حول أية قضية". وبدلاً من مجتمع قوي التراتب، تتحالف فيه جماعات كبرى لتأليف الأكثرية، سيكون لدينا مجتمع خليط من العناصر، توجد فيه آلاف من الأقليات، الكثير منها في وضع لا يستقر على حال، فتراهم يدورون ويتخابطون بغية خلق تراكيب موقنة، قلّما يبلغ تآلفها حدود الـ 51% حول المشكلات الكبرى. وهكذا فإن انبثاق حضارة الموجة الثالثة، يُضعف أو يقلل من مشروعية الحكومات. وكذلك فإن هذا الانبثاق يضع موضع البحث مسلماتنا التقليدية المتصلة بعلاقة "القاعدة" أي قاعدة الأكثرية) بالعدالة الاجتماعية. وأثناء أو طيلة عهد الحضارة الزراعية الموجة الأولى) ظلت المعركة حول انتصار قاعدة الأكثرية إنسانية وتحريرية. ويمكن أن نقول مثل هذا عن البلاد التي تمضي إلى التصنيع، مثل جنوب افريقيا. ولقد كانت قاعدة الأكثرية، في عهد الموجة الثانية، شبه مرادفة للانتصار، بالنسبة للفقراء، لأن هؤلاء كانوا يشكلون الأكثرية. أما اليوم، وفي البلاد التي تعصف بها ثورة الموجة الثالثة، فإن العكس هو الصحيح،. ذلك أن الفقراء حقاً لم يعودوا يشكلون الأكثرية بالضرورة. وقد أصبحوا في عدد لا بأس به من الأمم- تماماً كبقية الناس، أقلية بين الأقليات. وعلى ذلك يمكن القول: إن قاعدة الأكثرية لم تعد معياراً للمشروعية المتوازنة، ولكنها أيضاً -وبالإضافة إلى ذلك- ليست حتماً إنسانية أو ديمقراطية في المجتمعات الماضية إلى حضارة الموجة الثالثة. ومن عادة أيديولوجيي الموجة الثانية أن يأسفوا على انهيار المجتمع الجماهيري. وبدلاً من النظر إلى التنوع الغني الذي ينشأ عن ذلك، كما لو أنه الأرض الخصبة للتقدم الإنساني، نراهم يدينونه، من حيث أنه تجزؤ أو "بلقنة" ويجعلونه مسؤولاً عن أنانية الأقليات. لكن هذا التفسير العامي، ينظر إلى الأثر، كما لو أنه السبب. ذلك أن العدوان المتزايد للأقليات لا ينشأ، فعلاً، عن نموّ مفاجئ للأنانية، بل هو انعكاس -بين أشياء أخرى- لمقتضيات ذاتية للطريقة الجديدة في الإنتاج، التي يقتضي وجودها مجتمعات أكثر تنوعاً وألواناً، وأعظم انفتاحاً، واختلافاً، من كل المجتمعات التي عرفها الناس في الماضي. وفي وسعنا إما أن نقاوم هذا التنوع بمعركة كبيرة من رجال المؤخرة، إنقاذاً لمؤسسات الموجة الثانية وإما أن نعترف بالتنوع، وتغيير المؤسسات تبعاً له. ولا يمكن أن نطبق الاستراتيجية الأولى، إلا بالاعتماد على طرائق جماعية، وهي تؤدي بالضرورة إلى ركود اقتصادي وثقافي. أما الطريقة الثانية، فإنها تطل على التطور الاجتماعي، كما تطل على ديمقراطية القرن الواحد والعشرين القائم على مبدأ الأقليات. وطمعاً بإعادة بناء الديمقراطية كما ينبغي للموجة الثالثة، يكون علينا، في هذه الحال، أن نلوي عنق العقيدة المخيفة- على كونها خاطئة- التي ترى أن التنوع المتزايد يزيد، آلياً، خطورة الصراعات داخل المجتمع. والواقع أن العقيدة المعاكسة يمكن أن تكون معقولة ومقبولة كالأولى. ذلك أن الصراع ليس ضرورياً للمجتمع فقط: بل هو أيضاً، مطلوب ومُتَمنّى في بعض الحدود. فإن أراد مئة شخص ليس لديهم ما يفقدونه أن يتملكوا الشيء نفسه، فإنهم سيتضاربون بالأيدي. وبالمقابل إذا كان لكل واحد منهم هدف مختلف، فإنه سيكون من الأجدر لهم أن يتفاوضوا وأن ينشئوا علاقات تكافلية، فإذا نحن قمنا ببعض الاصلاحات المناسبة، وجدنا في التنوّع ضماناً لحضارة مريحة وثابتة. وفي رأينا أن غياب المؤسسات السياسية المناسبة هو الذي تثير الأقليات وتدفعها، حتى إلى العنف، هو المسؤول عن عنادها وتطرفها. وهو الذي يجعل الأكثريات تفقد أكثر فأكثر. ولن نحل هذه المشكلات، بزيادة التناقضات، ولا باتهام الأقليات بالأنانية كما لو أن النخب والخبراء الذين يقومون بخدمة الأكثرية لا تبتغون إرواء المصالح الشخصية). والحل هو إنشاء إجراءات خلاقة ودينامية، تأخذ التنوع بعين الاعتبار، وتجعله مشروعاً وتُحدث مؤسسات جديدة قادرة على الاستجابة. ولعل مؤرخي الغد، يجدون في التصويت والبحث عن أكثرية، مراسم بالية أنشأها بدائيون يشكون من نقص التواصل فيما بينهم. غير أنه لا يسعنا في العالم الخطير الذي هو اليوم عالمنا، أن نسمح لأنفسنا بتفويض السلطة إلى أي إنسان، بل ولا أن نستغني عن التأثير المتواضع الذي يملكه الشعب، في الأنظمة التي تسود فيها قاعدة الأكثرية، ولا يمكن أن ندع الأقليات تتخذ تدابير ذات عواقب خطيرة تثير عليها أقليات أخرى. ولهذا يجب علينا أن نعيد النظر، من البداية إلى النهاية ومن تحت إلى فوق، في تلك الطرائق البدائية العائدة لنظام الموجة الثانية، التي نعتمدها في بحثنا عن أكثريات لا يُحصل عليها. إننا بحاجة إلى مقاربات جديدة متلائمة أو حسنة التلاؤم مع ديمقراطية الأقليات.. وإلى أساليب تهدف إلى كشف الفروق بدلاً من سحقها، تحت ثقل أكثريات القيادة، أو الأكثريات المزيفة القائمة على الحقوق الانتخابية، وإلى تزييف المشكلات المتنازع على حلّها، أو إلى تضييق حقوق الانتخابات. إن ما هو ضروري لنا أخيراً، هو تحديث كلي للنظام، بغية تعزيز دور مختلف الأقليات، من غير أن نحرمها الحق في تكوين الأكثريات أو الأكثرية الواحدة. ولا شك أن الانتخاب المهيأ لمعرفة الإرادة الشعبية، أداة هامة للتغذية الراجعة (1) ، لحساب قادة مجتمعات الموجة الثانية، فإذا أصبح الوضع لسبب أو لآخر، غير محتمل لدى الأكثرية. وكانت أكثرية، الـ 51% للناخبين تعرب عن استيائها، فإن النخب كانت تستطيع أن تغيرّ إرادتها السابقة، وتعديل الاتجاهات أو اتخاذ تدابير أخرى من أجل المحافظة على مراكزها). بيد أن حاجز الـ 51% حتى في إطار مجتمع جماهيري، كان معياراً سخيفاً وكمياً بالدرجة الأولى. فالانتخاب من أجل الحصول على أكثرية، شيء له معناه. أما البحث عن رأي الناس على المستوى الكيفي لا الكمي) فإنه شيء آخر. إن هذا الأسلوب يدُلنا على عدد الأشخاص الذين يتمنون في لحظة ما أن يكون س) في السلطة، ولكنه لا يدلنا على شدة الرغبة فيه حاكما،ً بل، وبصورة خاصة، هو لا يقول لنا ما يمكن أن يقبله أنصاره من التضحيات من أجل س) ولكن هذا شيء هام جداً في مجتمع مؤلف من جملة أقليات. ومن جهة أخرى، فإن طريقة الأكثرية، لا تقول لنا شيئاً أكثر، عندما تشعر إحدى الأقليات أنها مهدّدة إلى هذا الحد، أو أنها تعلق أهمية إلى هذا الحد أو ذاك، في نقطة معينة، بحيث أن وجهة نظرها ينبغي أن يحسب حسابها(2) . إن نقاط الضعف هذه في المجتمع الكثير السكان أو الجماهيري) يعني نقاط الضعف في قاعدة الأكثرية) فإنها كانت لا تثير أحداً أو كانت مسموحاً بها، لا لشيء إلا لأن أغلبية الأقليات لم تكن تملك القوة الاستراتيجية الضرورية لقلب النظام. غير أن تطور الأوضاع في مجتمع متشابك الأطراف، بالقوة التي نعرفها اليوم، حيث ما من أحد إلا وهو ينتسب قليلاً أو كثيراً إلى مجموعة من الأقليات، جعل ذلك الأمر غير صحيح. لكن أنظمة التغذية الراجعة) المألوفة في العهد الصناعي، مفرطة البدائية، بالنسبة لمجتمع الموجة الثالثة المتناثر، الذي سيواجهنا أثناء الموجة الثالثة. وهكذا يجب علينا استخدام التصويت الشامل، والقيام بعمليات سبر الرأي، بصور، جديدة تماماً. ومن حسن الحظ أن تقانات الموجة الثالثة، تفتح الطريق أمام ديمقراطية مناسبة لعهد الموجة الثالثة.. وهي تفتح في سياق جديد جداً، اضبارات أساسية عكف عليها آباؤنا المؤسسون، منذ قرنين. هي تتيح للناس أشكالاً جديدة من الديمقراطية لم تكن كما يمكن تصوره حتى هذه الساعة. الديمقراطية نصف المباشرة. أما الصخرة الثانية التي ستبنى عليها هندسة سياسة الغد، فإنها تبدأ بالديمقراطية نصف المباشرة، حيث نقوم نحن مقام ممثلينا. وكما رأينا، فإن انحلال أو إنهيار مبدأ الإجماع أو الأكثرية، يقضي على مفهوم التمثيل نفسه، وعندما يختلف الناخبون فيما بينهم، فمن هو الجزء الذي يمثل الشعب حقاً؟ ومن جهة أخرى، فإن المشرّعين انتهوا من هذا إلى استدعاء الدعم اللوجيستيكي أو المشورة) لمجموعة داخلية، وأحياناً إلى خبراء من الخارج ينضافون إليها. ومن الواضح جداً أن النواب البريطانيين يظلون في موقف ضعيف أمام بيروقراطية الوايتهول Whitehall لعدم وجود تنظيم ملائم، وهذا مما يؤدي إلى نقل السلطة من البرلمان إلى موظفين غير منتجين. وعندما حاول الكونغرس، في الولايات المتحدة، أن يقيم توازناً بين تأثير البيروقراطية التابعة للسلطة التنفيذية وبينه، أقام هو بيروقراطيته الخاصة به، وهكذا أنشأ دائرة للموازنة، وأخرى للدراسات التكنولوجية، وأضاف إليها وكالات ودوائر تابعة له، لا يستغني عنها. ولكن هذا لم يعد بطائل غير نقل المشكلة من خارج جدرانه إلى داخلها. وهكذا فإن ممثلي الشعب المنتخبين، قلّما يحيطون علماً بجملة التدابير التي يجب أن يحدّدوا منها موقفهم، وهم مرغمون دوماً على الاعتماد أكثر فأكثر على أحكام الآخرين. إن الممثل لم يعد يمثل شيئاً، حتى ولا نفسه. وكانت البرلمانات، والكونغرس، والجمعيات الوطنية، في الأصل، مجالات، تملك نظرياً أن تؤلف بين وجهات نظر متضادة. وكان ممثلو وجهات النظر هذه يستطيعون التفاوض للوصول إلى مصالحة ما. غير أنه ليس من برلمان، ذي أدوات عرجاء، ومبتذلة، كالتي ذكرناها، يستطيع أن يعرف مطالب الكثرة الهائلة للجماعات الصغيرة، على كونه كما يقال، يمثلها، حتى ولا أن يكون وسيطاً أو "سمساراً". وكلما ازدادت الأعباء على الكونغرس الأمريكي والبوندستاغ الألماني، أو الستورتينج النروجي، ازداد الوضع سوءاً. والآن نحن نفهم بصورة أفضل ذلك العناد الذي أظهرته المجموعات الضاغطة. ولما كانت إمكانية المساومة أو الوصول إلى حدً وسط، محدودة في إطار المؤسّسة البرلمانية، فإن مقتضيات أو مطالب الفئات المتخاصمة تصبح شبه انذارات لا مفاوضة فيها. وهكذا فإن الحكومة التمثيلة، بوصفها وسيطة نهائية، تنهار هي أيضاً. إن تفجر بنى المفاوضة، والاحتكاك بين مراكز القرار، والشلل المتصاعد الذي يصيب الهيئات التمثيلية، أمور ربما كان من نتائجها أن الكثير من القرارات المتخذة اليوم، سترّد بالتدريج إلى الناخبين أنفسهم. وعندما يستطيع الوسطاء الذين هم نوابنا أن يفاوضوا بالنيابة عنا، نتساءل لِمَ لانتفاوض نحن بدلاً منهم. ولئن كانت القوانين التي يسنونها غريبة عن حاجاتنا، أولاً تحسن تقدير هذه الحاجات، فلا أقل إذن من أن نضع، نحن أنفسنا، هذه القوانين التي نحتاج إليها. إلا أن ذلك يوجب علينا أن نملك مؤسسات تقانات جديدة. وهؤلاء ثوريو الموجة الثانية الذين ابتكروا أو ابتدعوا آلية المؤسسات الحالية، لم يكونوا يجهلون الطرف الاخر من المعادلة أي تلك الديمقراطية المباشرة. وكذلك فإن الآباء المؤسسين لم يكونوا يجهلون شيئاً، من النظام البلدي، أو الموافقة الشعبية، على المستوى الصغير، الموجود في انجلترا الجديدة، غير أن نقاط الضعف في الديمقراطية المباشرة، وحددوها، كانت بارزة أيضاً -وفي ذلك العهد، كانت محازيرها أكبر وزناً من حسناتها. "وكان الفيديرالي يثير اعتراضين أمام هذا التجديد" تبعاً للسيد Mc Cauley والسيد Rood وجونسون Johnson وهم أصحاب الاقتراح الذي يدعو إلى الاستفتاء العام في الولايات المتحدة. وأول ما يقال، هو أن الديمقراطية المباشرة لم تكن تسمح لا بضبط ولا بتأخير ردود الفعل العاطفية المؤقتة، لدى الجماهير- والحجة الثانية، هي أن المواصلات في ذلك العهد، لم تكن قادرة على ضمان عملها عمل الاقتراع). ولاشك أن لدينا هنا مشكلات مشروعة. فلو أن الشعب دُعيَ لإبداء الرأي، من أواسط العام 1960 في إمكانية إلقاء قنبلة نووية على هانوي، ترى كيف نتصور أن الرأي العام الأمريكي المغبون الملتهب سيصوت؟ وكيف كان يمكن أن يرد ألمان الغرب المتميزون غيظاً على عصابة Baades meinhof على الاقتراح القائل بسجن المتعاطفين مع إرهابييّ المعسكرات؟ وماذا كان يمكن أن يجري لو وجد هناك استفتاء شعبي حول كيبك، بعد ثمانية أيام على وصول رينيه ليفسك Rene Levesque إلى السلطة؟ إن الممثلين المختارين يقدر أنهم من الذين يظن بهم الخير، وقلة الاندفاع مع العواطف، والإصغاء إلى ما يقوله العقل أكثر من الآخرين. ومع ذلك فإن لدينا وسائل مختلفة نستطيع بها السيطرة على ما لدى الجمهور من شدة التأثر بالعاطفة- مثال ذلك، فرض فترة للتفكير في الأمر المطروح، أو إعادة الاستفتاء أو الانتخابات) بعد تطبيق القرارات الهامة المتبناة بالاستفتاء، أو أي صورة أخرى للديمقراطية المباشرة؟ وكذلك فإن من الممكن دحض الاعتراض الثاني. والحقيقة، أن ضيق وسائل الاتصال القديمة، لم تعد تشكل عقبة أمام انتشار الديمقراطية المباشرة. ذلك أن التقدم المدهش في تقانة الاتصالات تفتح لأول مرة شبكة خارقة للعادة من وسائل المشاركة المباشرة للمواطنين، في القرار السياسي. ولقد سُررنا منذ مدة بسيرة عندما شهدنا حادثاً تاريخياً يؤلف سابقة عالمية: إذ لقد شهدنا وسمعنا نقاشاً بلدياً في المجلس البلدي) تلفزيونياً. فبفضل التلفزيون، والاتصال الممكن بين الناس عن طريقه، بعد أن جرّبه Qube كوب) إذ استطاع سكان ضاحية من ضواحي Colombus في أوهايو أن يشاركوا حقاً في أعمال لجنتهم في الخطة plan.وكان يكفيهم من غير أن يتركوا أو يتخلوا عن أعمالهم الطبيعية، أن يضغطوا على زر معيّن، لكي يعبروا آنياً أو فوراً عن رأيهم في أمور من طبيعة سياسية، كالتهيئة المدنية، ووضع نظام للمساكن، أو العقارات أو وضع مشروع بناء أوتوستراد. ولم يكونوا قادرين على التصويب بـ "نعم" أو "لا" ولكنهم كانوا يستطيعون التدخل في النقاش أيضاً، وأن يعربوا عن وجهة نظرهم. وفي وسعهم أيضاً بالضغط على زر آخر، أن يقولوا للرئيس، أن ينتقل إلى نقطة أخرى من نقاط البحث. وليس هذا إلا العلامة الأولى، والأكثر بدائية، على بداية الديمقراطية المباشرة الموعود بها للغد. ولأول مرة في التاريخ تستطيع هيئة انتخابية مطلقة، أن تتخذ قراراتها، بفضل الحاسوب، والقمر الصناعي، والهاتف، ثم التلفزيون Par Cable . وكذلك بتقنيات سبر الرأي، وأدوات متقدمة أخرى غير هذه. وليست القضية أن نحل نظاماً محل نظام آخر، ولا أن نخلق بلديات الكترونية، على نحو ما تصوره Ross perotبشكل موجز. بل إن سيرورات ديمقراطية أكثر حساسية وأرهف، أصبحت ممكنة، وكذلك ليست القضية أن نختار بين الديمقراطية المباشرة أو الديمقراطية اللامباشرة، أو بين التمثيل الذاتي، أو التمثيل عن طريق تفويض الآخرين بالسلطة. بل إن في وسعنا أن نتخيل الكثير من الأشكال التي تؤلف بين الديمقراطية المباشرة،والديمقراطية اللامباشرة. وفي أيامنا هذه، سواء أكنا في الكونغرس أم في أكثر البرلمانات أو الجمعيات، نجد أن النواب ينشئون لجانهم الخاصة، من غير أن يكون للمواطنين أية وسيلة لإرغام المشرعين على إنشاء لجنة ما، أو جملة لجانٍ تدرسُ مشكلةً مهملة، أو مشكلة يطول فيها أو طال الجدل. ولكن نتساءل: لم لا يكون للناخبين القدرة بعد تقديم طلب ما على إرغام الجمعية الوطنية، على إنشاء لجنة لدراسة مشكلةٍ، يرى الجمهور -خلافاً للمشرع- أنها مسألة هامة؟ ولا يعني هذا كله أننا نمتدحُ هذه الآراء الخيالية، لأننا سلفاً نقرّ بها ونحرص عليها، بل نحن نريد فقط أن نلحّ على فكرة من نظام أكثر شمولاً: إن هناك وسائل ناجحة لإدخال الديمقراطية على نظام يقتَّرب من نهايته، في إطار لا نجد فيه إلا قليلاً من الناس- هذا إن افترضنا أن مثل هذا العدد موجود -يشعرون بأنهم ممثَّلون فعلاً. ولكن يجب علينا أن نتخلى عن عاداتنا العقلية القديمة، ونهمل ماضياً صار عمره ثلاثة قرون. ذلك أننا لم نعد نستطيع حل المشكلات التي نعانيها بالاعتماد على الأيديولوجيات، أو على بقايا بنى ورثناها من الموجة الثانية. ولكن يجب أيضاً أن نمتحن مثل هذه المقترحات ذات المقتضيات اللامؤكدة، على الأرض، وعلى مقياس صغير، من قبل أن نوسع مجال التطبيق. ولكن مهما يكن رأينا في مثل هذه الأفكار، فإن الاعتراضات القديمة، التي كانت تقف في وجه الديمقراطية المباشرة تضعف، وذلك في اللحظات التي تتعزز فيها الاعتراضات التي تثار في وجه الديمقراطية التمثيلية. ومهما يكن خطر الديمقراطية نصف المباشرة التي ندعو إليها، ومهما تكن، في عيون بعض الناس، فإنه يبقى أن ما ندعو إليه، هو مبدأ معتدل يمكن أن يساعدنا على اقتراح مؤسسات جديدة قابلة للتطبيق. تقسيم القرار إن زيادة فتح أبواب السلطة للأقليات، وإتاحة الفرصة للمواطنين للتدخل بشكل أوسع في حكومتهم، هما قضيتان ضروريتان بدرجة واحدة، ولكن هذا لا يكفي. وعلى هذا فإن المبدأ الحيوي الثالث، في سياسة الغد يتجه إلى كسر القفل على القرار، ونقله إلى حيث ينبغي نقله- وهذا -وليس فقط تغيير القادة- هو النقيض للشكل السياسي. وهناك دواء نسميه بـ: بتقسيم القرار". هناك مشكلات لا يمكن أن تسوّي على المستوى المحلي. وهنالك مشكلات أخرى لا يمكن تسويتها، على المستوى الوطني. وبعضها يقتضي عملاً متوازياً ومتواقتاً على مستويات مختلفة. وعدا ذلك، فإن المكان الملائم لتسوية مشكلة ما. ليس ثابتاً بل إنه يتغير مع الزمن. فإذا أردنا أن ننهي عهد محاصرة القرارات، الذي هو نتيجة إرهاق المؤسسات بالعمل، فإن من المهمّ آنئذ أن نجزّئ القرارات. ونعيد توزيعها- وتقسيمها بشكل أوسع، وتحديد المكان الذي يتخذ فيه القرار، طبقاً لنوعية المشكلات. ولنقل إن الجهاز السياسي الحالي متناقض تناقضاً فعلياً مع هذا المبدأ: إذ أن المشكلات قد تغيّرت، ولكن سلطة اتخاذ القرار لم تتغير. وهكذا نرى مثلاً أن كثيراً من القرارات ما يزال يخضع للمركزية، على حين أن هندسة المؤسسات أُنضجت أمثلَ الانضاج، على المستوى الوطني. وبالمقابل فإنه لا يوجد ما يكفي من القرارات على المستوى المحلي، وكل البنى الموجودة في هذا الميدان، ما تزال متخلفة جذرياً. وكل هذا من غير أن نشير إلى أن لدينا قليلاً جداً من القرارات، المتروكة على المستوى التحت الوطني أي المناطق والدول، والمحافظات والجماعات المحلية، أو التجمعات الاجتماعية، الخالية من الاقتصاد الجغرافي. ونحن، على المستوى العالمي، بدائيون، ومتخلفون ولانزال في هذا الموضوع كما كنا منذ 300عام. ولئن وُجد عدد من القررات، ينتقل إلى الدرجة الأعلى، خارج الدولة، فإننا سنكون قادرين على التدخل، بدرجة أكبر من النجاح، في هذا المستوى الذي هو مهد الاختيار أو التعرض) للمشكلات المهددة بالانفجار، والمرشحة لمواجهتنا نحن. وبحكم ذلك، سيجد مركز القرار أنه مثقل بالأعباء، أعني أن الدولة -الأمة، ستخفف من عبئها بعض الشيء. إن تقسيم تقاسم) القرار، شيء أساسي. ومهما يكن من أمر، فإننا لن نكون قد قطعنا إلا نصف الطريق، وبديهي أن من الأهمية بمكان أن "نُنزل" جزءاً كبيراً من مراكز القرار، أو أن نهبط بمستواه. غير أننا هنا نجد المبدأ القائل: "إما الكل وإما لا شيء"، لا يعمل أو لا يستقيم. فالقضية ليست في معارضة المركزية باللامركزية، بالمعنى المطلق، إذ أن المشكلة المطروحة هي إعادة تأطير آلية القرار داخل نظام تضخمت فيه المركزية تضخماً كبيراً، حتى لنجد أن سبل الإعلامات يخنق مراكز القرار. وبطبيعة الحال فإن حذف أو تخفيف المركزية، ليس بضمان لوجود الديمقراطية. ذلك أن إمكانية بروز بعض الاستبدادات الصغيرة والعديمة الشفقة، ليست محذوفة.، كثيراً ما تكون السياسه المحلية أكثر فساداً من السياسة الوطنية. وهذا من غير أن نقول: إن ذاك الذي يوهمك بأنه "لا مركزية" ليس في الحقيقة إلا نوعاً من التزييف لهذه اللامركزية، أما المستفيدون منها، فسيكونون من هواة المركزية. ومع ذلك، يستطيع الإنسان أن يناقش بقدر ما يريد، إلا أنه لا يمكن أن يتم اعادة الحس السليم والنظام والنجاح في الإدارة ) -ويصح هذا على الكثيرين من الدول- إلا بنقل جوهري للسلطة المركزية. ويجب وجوباً مطلقاً تجزئة عبء القرار، وجعلها إلى حدّ كبير في يد السلطات الدنيا. لا بدعوى أن بعض الفوضويين الرومانطيقيين، يريدون أن نعود إلى ديمقراطية القرية او أن بعض كبار المكلفين بالضرائب والمستائين من ذلك يطالبون باقتطاعات كبيرة من المخصصات الموضوعة للمساعدات الاجتماعية الخاصة بالمعوزين)،بل لسبب أبسط بكثير من هذا: فالبنية السياسية حتى ولو جهزت بمجموعة من الحواسيب، لا تستطيع أن تستوعب إلا جزءاً معيناً من القرارات، من نوعية معينة، ولكن الحكومات- بحكم كثرة واجبات القرار- قد تجاوزت نقطة اللاعودة. وشيء آخر أيضاً هو أن المؤسسات الحكومية لا بُدّ لها من أن تنسجم مع بنية الاقتصاد، ونظام الإعلام، والاعتبارات الأخرى الناشئة عن حضارة الزمن الذي تعمل فيه.ذلك أننا تشهد اليوم تناثر المركزية، والتجزؤ المحلي للإنتاج والنشاط الاقتصادي. والحقيقة أن من الممكن جداً ألا يكون الاقتصاد الوطني وحدة هو القاعدة. وعلى نحو ما لاحظنا سابقاً فإننا نشهد داخل الاقتصادات الوطنية، بروز اقتصادات جزئية في المناطق، تزداد أهميتها. وعندئذ نرى الشركات لاتبذل جهداً من أجل القيام بتجزئة داخلية فقط، بل إنها أيضاً تقوم بتجزئة مركزيتها تبعاً للمناطق الموجودة فعلاً. وينشأ هذا كله، جزئياً، عن التحول الضخم في سييل المعلومات التي تسقي المجتمع. ومع ضعف التشعب المركزي نشهد، على ما لاحظنا من قبل- تفكك المركزية الأساسية للاتصالات، إننا نشهد تكاثراً مريعاً في عدد التلفزيونات ذات الكابلات، والحواسيب وأنظمة التواصل الالكترونية الخاصة، التي تمضي كلها في اتجاه اللامركزية. وليس في الإمكان أن تقوم شركة ما، بنثر النشاط الاقتصادي، والاتصالات، والكثير من طرائق العمل الأساسية، من دون أن ترى نفسها، ذات يوم، مرغمة أيضاً على نثر القرار أي نثر القرار بين فروع الشركة). إن هذا كله ليقتضي شيئاً آخر غير مجرد ارتقاء المؤسسات السياسية، كما يقتضي معارك عنيفة، هدفها هو الرقابة على الموازنات والضرائب، والأرض، والطاقة، والمصادر الأخرى. إن نثر أو تناثر مراكز القرار لن يكون مطلباً سهل الانتزاع،ولكنه شيء لا بد منه، أو محتوم في البلاد المشبعة جداً بالمركزية. ازدهار النخب ولكي نفهم ماهية الديمقراطية لا بدّ من الاعتراف بأن مفهوم عبء القرار ذو أهمية كبيرة. إن شيئاً من الكم وشيئاً من الكيف في القرارات السياسية، أمرٌ لا بد منه لعمل كل المجتمعات. والحقيقة أن لكل واحدة من هذه، بنية خاصة لاتخاذ القرار. وكلما ازدادت القرارات عدداً، وتنوعت، وتعقدت، ازداد عبء القرار السياسي: ثم إن الطريقة التي يُوزّعُ بها هذا العبء لتؤثر بصورة أساسية في مستوى المجتمع الذي ينظر إليه. وفي المجتمعات السابقة للصناعة، حيث يكون تنوع العمل ضئيلاً، والتغيرّ قليلاً، كانت كمية القرارات السياسية أو الادارية المطلوبة فعلاً، لتشغيل مكنة العمل، ضئيلة. وكان عبء القرار قليلاً. وكانت نخبة محدودة جداً نصف مثقفة وغير مختصة، قادرة على تشغيل المكنة، دون عون من أصحاب الدرجات الدنيا. وكانت وحدها تحمل عبء القرار كله. أما ما نسمِّيه اليوم ديمقراطية، فإنه لم يظهر إلا في اللحظة التي كان فيها عبء القرار، يتخذ أهمية ضخمة، لم يكن في وسع النخبة القديمة أن تحمله.. وعندما ظهرت الموجة الثانية، حاملة معها، اتساع السوق، وتقسيماً أكبر للعمل ، وانتقالاً إلى مستوى أرقى من التعقيد الاجتماعي، أثارت، في زمانها، حادثة انبثاق للقرار، شبيهة بتلك التي تسبب انفجار الموجة الثالثة، اليوم. وكانت كفاءة اتخاذ القرار لدى الفئات القيادية تجد أن ظروف الحياة الجديدة قد تجاوزتها. وكان يجب أن تُختار نُخبٌ ذات كفاءة عالية ونخب دونها بقليل، كعناصر مساعدة لمجابهة الشروط الجديدة.وإنشاء معاهد ومؤسسات سياسية ثورية وغير معهودة لتهيئة الكفاءات المطلوبة. وعندما لوحظ تنامي المجتمع الصناعي، وازداد تعقيداً اضطر" تقنيو السلطة" بدورهم، للبحث باستمرار عن دم جديد لمساعدتهم في حمل العبء، عبء اتخاذ القرار الذي يظل متضخماً. وهذه السيرورة، اللامرئية، على كونها محتومة، هي التي أدخلت في صفوفها، تلك الطبقة الوسطى في الحياة السياسية، بأعداد متراصة باستمرار، وهذه الحاجة الماسة إلى اتخاذ القرارات هي التي أدت إلى اتساع دائرة الحصانات، وإفساح المجال، بصورة متزايدة، لدخول أناس جدد من الطبقة الأدنى. وحتى إذا لم يكن هذا الوصف إلا تقريبياً، أو غير دقيق كل الدقة، فإنه يبرهن على أن تنامي الديمقراطية متعلق بالثقافة، ويتجابه الطبقات العزيز على الماركسيين، والشجاعة في المعركة" وحسن الخطابة، والإرادة السياسية، بأقل مما يتعلق بتضخم عبء القرار الذي يقع على عاتق كل المجتمعات. وعندما يصبح هذا العبء مفرط الثقل، يجب حتماً أن يجد من يقوم به، بتوزيعه على أعداد أكبر، عن طريق المشاركة الديمقراطية.. وعلى ذلك فإنه عندما يتمدّد عبء القرار الذي يتحمله النظام الاجتماعي، تصبح الديمقراطية ضرورة من ضرورات التطور، وليست مجال اختيار حر. ذلك أن النظام لا يقوم إلا بها. وهذا كلّه يحملنا على التفكير، من جهة أخرى، على أننا ربما كنا على عتبة القيام بقفزة كبيرة في ميدان الديمقراطية. ذلك أن الحاجة نفسها إلى القرار. -التي تشل رؤساءنا، ورؤساء وزرائنا، وحكوماتنا- هي التي تفتح لنا الطريق، لأول مرة منذ بداية الثورة الصناعية - إلى توسّع ضخم وأساسي في المشاركة السياسية. ثم إن الحاجة إلى خلق مؤسّسات أو معاهد سياسية تتلازم والحاجة التي نشعر بها، إلى مؤسّسات عائلية تربوية واقتصادية، متصلة اتصالاً وثيقاً بالبحث عن قاعدة شديدة العزم. وهي تعكس الانقلاب الذي يؤثر أو يتناول مجال الاتصالات. وهذا الاقتضاء، أي إعادة النظر في بنى العلاقات التي نقيمها مع العالم اللاصناعي، أو قل إنه، جملة مترجمة، على المستوى السياسي للتحولات المتسارعة التي تتدخل في مختلف هذه الدوائر. وإذا نحن لم نر هذه الترابطات، لم نفهم شيئاً من الأخبار التي تملأ صفحات الجرائد. وليس التجابه السياسي الكبير، اليوم، هو الصراع الذي يقوم بين الأغنياء، والفقراء، والجماعات العرقية التي تتصدر الناس في كل مكان، وبين تلك التي حُرم عليها كل شيء، ولا بين الرأسمالية والشيوعية، بل يعني أن المعركة الحاسمة هي تلك التي تقوم بين من يحاولون إنقاذ المجتمع الصناعي، وبين أولئك المستعدين سلفاً، لتجاوزه.. إن هذه المعركة هي أم معارك الغد. مصير يجب خلقه هنالك أجيال، قدرها أن تخلق، أن تبدع حضارة، وأخرى، قدرها أن تبقي على هذه الحضارة، وتلك التي أطلقت الموجة الثانية من التغيير التاريخي، كانت يحكم الضرورة أجيالاً خلاقه. فمونتسكيو، وستوارت ميل والماديسيون les Maldisons هم الذين اخترعوا أكثر البنى السياسية التي تبدو لنا، وكأنها أشياء طبيعية. وكان دور هؤلاء، في نقطة الفصل بين حضارتين، دور خلق الحضارة الجديدة. وفي اللحظة الحاضرة، وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية، سواء أتعلق الأمر بالأسرة، أم بالمدرسة، أم بشركة ما، أم بالدين، أم بأنظمة الطاقة، أم بشبكات الاتصال، نجد أنفسنا، نحن أيضاً، أمام ضرورة خلق أشكال ملائمة جديدة، للموجة الثالثة. وهنالك، في بلاد كثيرة، ملايين من الناس قد تعهدوا القيام بهذه المهمة. ولكن ما من بلد يظهر فيه تهافت البنى، وخطورة الوضع، كما هي الحال في حياتنا السياسية، وما من بلد في العالم، يتسم بمثل هذا النقص في الخيال، والتجريب، وكراهية التغيرات الأساسية، مثل بلدنا. لكن الناس الذين يبرهنون على روح جريئة في التجديد في عملهم، سواء أكانوا في مكاتبهم، كمحامين، أم في مخابرهم، أم في مطابخهم أم في صفوفهم طبقاتهم) أم في شركاتهم. يبدون وكأنهم يذهلون متى حدثناهم بالقليل القليل، عن مساوئ دستورنا وبنانا السياسية، وعن ضرورة تجديدها تجديداً جذرياً. إن مجرد الإشارة إلى تغيير سياسي عميق، بما فيه من أخطار يخيفهم إلى الدرجة التي تراهم فيها يعتقدون أن الإبقاء على الوضع القائم، مهما يكن سريالياً ومؤسفاً -هو الخير الأعظم لبلد هو أحسن بلاد العالم. وبالعكس فإن هناك في كل المجتمعات، فئة من أشباه الثوريين، المتجذرين في العقائد البالية العائدة للموجة الثانية، ترى أنه ما من تغيير مقترح، هو جذري، بالدرجة الكافية- إنهم ماركسيون متخلفون أو فوضويون رومانطيقيون، أو من أقصى اليمين، أو ثوار بالبابوح ، أو إرهابيون غيفون.، يحلمون بحكومات فنيين، مقيدة بطوبائيات القرون الوسطى. وفي الحين الذي ندخل نحن فيه. بسرعة كبيرة. في عهد تاريخي جديد، تراهم يهذون بنماذج من الثورات، استُمدت من البيانات السياسية، المصفرة مما صدر البارحة الأيام الماضية). ولكن في الحين الذي تشتد فيه المعركة الكبرى، نجد أننا لن نشهد استعادة أية درامة ثورية من الزمن الماضي -ولن نشهد أيضاً إنقلاباً للنخب بقوم به حزب طليعي) يجرُّ إليه الجماهير، ولا تمرّداً عفوياً، مزيف الطهارة، يكون الإرهاب أداة لتخمره. إن إنشاء بنى جديدة سياسية ملائمة لحضارة من الموجة الثالثة، لا يتم كثمرة لأي "ليلة قدر" أو شكل احتفالي، بل سيكون نتيجة ألف تجديد، وألف صدام، تتدخل على مستويات عديدة، في أماكن كثيرة، على مدى عشرات السنين. وهذا لا ينفي إمكانية العنف على الطريق الذي يؤدي بنا إلى الغد. وكان الانتقال من حضارة الموجة الأولى، إلى الثانية طويلاً، كمأساة دامية، أو نسيج من الحروب، أو تمردات، ومجاعات وهجرات ارغامية ، وانقلابات عسكرية. ومصائب. أما اليوم ، فإن الرهانات أعلى بكثير، والزمن أقصر، والتسارع أوضح، والأخطار أكبر وأكبر. وكثيرة هي الأشياء التي تتعلق بالمرونة، وبالذكاء الذي تملكه النخبة، أو من هو فوق النخبة، أو تحتها حالياً، فإذا بدا أنها قصيرة النظر، مجرّدة من قوة الخيال، ومرعوبة كأكثر الفئات القيادية، في الماضي، فإنها ستقاوم الموجة الثالثة، مضاعفة بذلك أخطار العنف، ومسرعة للقضاء على جماعاتها. وبالمقابل، فإنها إذا قبلت أن تمضي مع الموجة الثالثة وإذا اعترفت بضرورة توسيع الديمقراطية، عندئذ يمكنها أن تشارك في تأسيس حضارة جديدة، تماماً كالنخب الأكثر تبصّراً أيام الموجة الأولى التي شاركت في ولادة الحضارة الصناعية، عندما استبقت الأحداث وفهمت مغزاها. لكنّ الوضع يختلف بين بلد وآخر. إذ لم يوجد قط في التاريخ، عددٌ بهذه الكثرة من الناس المتمتعين بمستوى ثقافي معقول، والمزوّدين، بجملتهم، بمعرفة، بمثل هذه القوة والتألق. وكذلك لم يوجد قط عدد من الناس يملكون سعة مادية، لها كل هذا اليسار- الذي ربما كان مؤقتاً، ولكنه كان، يتيح لهم أن يخصصوا جزءاً من أوقاتهم وطاقاتهم من أجل التفكير والعمل المدني. ولنقل أيضاً لم يوجد قط هذا العدد من الناس الذين يستطيعون الاتصال، والسفر، والاحتكاك بثقافات أخرى، وكذلك، وبصورة خاصة أيضاً، تقول أنه لم يوجد قط مثل هذا العدد من الناس الذين يستفيدون عندمايسهرون على أن تتم التغيرات مهما تكن عميقة، بصورة سلمية. وهذه النخب المثقفة أكثر من غيرها، لا تستطيع وحدها إن تبني حضارة جديدة. بل إن من الضروري أن تتآزر الطاقات بكاملها. وفعلاً فإن هذه الطاقات موجودة. ولا تنتظر إلا أن يتم تجنيدها. والحقيقة أننا إذا عهدنا للجيل القادم، وخاصة في البلاد ذات التقانات العالية، بخلق أو إنشاء مؤسسات ودساتير جديدة فعلاً، "فلربما حررنا عندئذ شيئاً أكثر بكثير من الطاقة: أي من الخيال الجمعي. وكلما بكرنا في رسم صورة المؤسسات السياسية الجديدة، المؤسسة على المبادئ الثلاثة المشار إليها سابقاً، أي تحرير الأقليات، والديمقراطية نصف المباشرة، وتقسيم أدوات القرار- نكون عندئذ قد ضمنا الانتقال السلمي- وسرّعنا خطواته.إن إرادة تبطئه هذه التغيرات، لا التغييرات نفسها، هي التي تزيد الأخطار. ثم إن الإرادة العمياء في الدفاع عما قد فات أوانه، هي التي تزيد أخطار المجابهات الدموية. ونتيجة ذلك، اننا إذا أردنا تجنب الاضطرابات العنيفة بترتب علينا، منذ الآن، أن نركز الجهود على مشكلة تقادم العهد على البنى السياسية في العالم، وعدم تسليم هذه المشكلة إلى الخبراء وحدهم -مثل الاختصاصيين في الحقوق الدستورية، والمحامين والسياسيين- ولكن إلى المؤسسات المدنية، والنقابات والكنائس، والجماعات النسائية، والأقليات العرقية، والعلماء وربات البيوت، ولرجال الأعمال. ويجب علينا، في المرحلة الأولى،أن نفتح نقاشاً عاماً، موسعاً بقدر الإمكان، حول موضوع: ضرورة الدعوة إلى نظام سياسي يتلاءم مع حاجات الموجة الثالثة. ويجب أن نكثر من المحاضرات، والإذاعات المرئية، والندوات حول طاولة مستديرة، والتدريب على تمثيل صور الحضارة القادمة. وإنشاء ما يشبه الجمعيات الدستورية المجالس الدستورية) أملاً باستخلاص مجموعة من المقترحات المتصلة بإعادة البنى السياسية، وبفتح الطرق للحصول على سيل من الأفكار الجديدة. وعلينا أن نهيء أنفسنا لاستخدام كل ما يمكن استخدامه من أفكار عادية، أو مؤنقة، مما نحن قادرون على الاستفادة منه، بدءاً من الأقمار الصناعية والحواسيب حتى ما يسمى بال VIDEO- DISQUE (3) في التلفزيون ال INTERACTIVE وما من إنسان يعرف بدقة ما سيكون عليه المستقبل، ولا مم يتألف منه ولا ما يتلاءم أفضل التلاؤم مع الموجة الثالثة. ولهذا السبب، فإن ما يجب أن نتصوره ونضعه في حسابنا ليس إعادة تنظيم كتلة واحدة ووحيدة، وليس باستحالة ثورية وحيدة، مفروضة من الخارج، بل الذي نريده هو آلاف التجارب اللامتمركزة الخالية من المركزية) التي تتيح لنا أن نتحقق من قيمة نماذج جديدة لانضاج القرار، على المستويين المحلي والمناطقي، تسبق تطبيقات أخرى وطنية، وأكثر من وطنية. وعلينا في الوقت نفسه أن نبدأ بإنشاء مركز انتخابي بغية القيام بتجريب مشابه، يتناول المؤسسات الوطنية، والتي تشمل أكثر من بلد واحد، بغية إعادة صهرها، وتنظيمها من جديد. وفي يومنا هذا ربما استطاع انقشاع الوهم المشترك بين الكثيرين من الناس، والتعصب، والمرارة، من حكومات الموجة الثانية، أن تتحول، بالقوة نفسها،إما إلى استشاطة الغيظ العصبي والطائفي، استجابة لبعض الديماغوجيين المتعطشين إلى الدماء، وإما إلى ما يغذي سيرورة إعادة بناء الديمقراطية. وعندما نقوم بحملة تربوية واسعة -هي تجربة للديمقراطية المسبقة في عدد كبير من البلاد في الوقت نفسه -نستطيع أن نقيم عقبة أمام الهجمات الدكتاتورية التوليتارية): ونستطيع أن نهيء الجماهير للتشتت والأزمات المهلكة التي ترقبنا. ونستطيع أن نمارس تأثيرات محلية مركّزة استراتيجياً في الأجهزة السياسية الموجودة، بغية تسريع التغيرات الضرورية. فإذا غضضنا النظر عن هذا الضغط الضخم، المتجه من تحت إلى فوق- فعلينا ألا نأمل ألا يتحرك القادة الحاليون الرسميون - كالرؤساء ورجال السياسة، والشيوخ وأعضاء اللجان المركزية- لإدانة مؤسساتٍ مهما تكن قلقة أو متفسخة- تظل بالنسبة إليهم مصادر نفوذ وثروة، وهذا من غير أن ندخل في الحساب، أنها تقدم لهم الشعور بامتلاك شكل السلطة كبديل عن حقيقتها. إن بعض رجال السياسة المطلعين واليقظين، وبعض الشخصيات المتميزة، سيقدمون يد المساعدة في المعركة الهادفة إلى تغيير المؤسسات السياسية، إلا أن أكثرهم لن يتحركوا، قبل أن تكون المطالب الخارجية قد اكتسبت قوة لا تقاوم، أو قبل أن تكون الأزمة التي بلغت الكثير من النضج، وملأت الدنيا عنفاً، بحيث لا يرى في الأفق إمكانية أخرى. وعلى ذلك فإننا نحن -آخر الأمر- المسؤولون عن حركة التغيير. ولنقل إن علينا أن نبدأ بتغيير أنفسنا عن طريق التعلم بأن لا تغلق عقولنا قبل الأوان، على ما هو جديد. وهذا يعني أن نقف ضد خانقي الأفكار السريعين إلى القضاء على كل موقف جديد، بدعوى أنه غير واقعي، أولاً يمكن تحقيقه، نعني أولئك المدافعين باستمرار عن كل ما سبق أن وُجدَ، حتى ولو كان سخيفاً، قاهراً أو غير قابل للاستغلال- بدعوى أنه صالح للاستخدام. وهذا يعني ضرورة القتال -أو النضال من أجل حرية التعبير - ومن أجل حق الناس في صياغة آرائهم حتى ولو كانت من نوع الهرطفة. وهذا يعني بشكل خاص أن نقوم دون تباطؤ، بتيسير سيرورة إعادة البناء، قبل أن تصاب النظم السياسية القائمة بالانحلال، وقبل أن تكون قد وصلت إلى العتبة الكريهة، التي تتفلت بعدها قوى الاستبداد، وتجعل من المستحيل أن يتم الانتقال بصورة سليمة إلى ديمقراطية القرن الواحد والعشرين. فإذا نحن بدأنا العمل دون تأخير، فإننا نستطيع نحن وأبناؤنا أن نساهم في هذا العمل المثير لحماسة الإنسان، ونعني به، لا مجرد إعادة بناء بنانا السياسية التي عفى عليها الزمن، بل إعادة بناء الحضارة نفسها. وكما كانت حال جيل الثوريين سابقاً، فإن قدرنا نحن هو أن نخلق مصيرنا. من أجل المزيد من المعلومات حيّت الصحافة الأمريكية، وصحافة بلاد كثيرة أخرى ظهور كتبنا السابقة، كتب ألفين وهيدي توفلر، التي وصفت بأنها رائعة حسب تعبير "الواشنطن بوست، "وشبيهه بالمتفجرات، و"مكتوبة بأسلوب رائع" بلغة ال WALL STREET JOURNAL أو ذات طراوة لا تموت، طبقاً لقول ال BUSINESS WEEK وتُرجمت هذه الكتب إلى ما هو أكثر من ثلاثين لغة، وطُبع منها عدة ملايين من النسخ، وقد قرئت من قبل بعض رؤساء الجمهوريات ورؤساء الوزراء، كريشار نيكسون، وأنديرا غاندي وياسوهيرو ناكاسون وميخائيل غورباتشيف، وكل منهم أشار إليها أمام الجماهير أوفي أحاديثه مع الأصدقاء. وعندما ظهر كتاب "الموجة الثالثة" ووصل إلى الصين أعربت السلطات مباشرة عن رأيها في أنه مصدر، تلوث عقلي غربي، وحرّمت بيعه. وعندما سمح له من جديد بالتداول أصبح وكأنه النجاح الثاني بين الكتب المبيعة في الصين الشعبية.. وبعد خطابات DENG XIOPING أصبح "انجيل" الحركة الديمقراطية. وعندما خلع القساةُ ZHAO ZIYANG رئيس الحزب الشيوعي الذي بدا وكأنه يريد المصالحة مع الطلاب الذين كانوا يتظاهرون في ساحة TIENANMEN لِيَم الرجل بين أشياء أخرى- على أنه استقبل التوفلريين. وفي الحين الذي كانا يرفضان فيه كلمة "التنبؤ" مشيرين إلى أنه ما من أحدٍ يستطيع أن يعرف المستقبل، كانت كتبهما ومحاضراتهما قد سبقت، وأحياناً بعشرات السنين، عدداً من الحوادث الكبرى في أيامنا، لا سيما ارتفاع شأن الحاسوب، وانهيار الاتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا، وتفجر الأسرة النووية، وصور التقدم التي تحققت خلال أثناء) السنوات الأخيرة في مادتي التصور والكلوناج أي الاستنساخ ) ، والأشكال الجديدة المعادية للبيروقراطية، وتكاثر الأسواق والاتصالات، في كل مكان، من غير أن ننسى تنامي التنظيمات السياسية، القائمة حول الرهان الوحيد، أو رهان الموجة الثالثة، والحركات الأساسية والاهتمام "بالديمقراطية". وأهم كتبهما: كتاب "صدمة المستقبل، والموجة الثالثة وتغيرات السلطة. حول الرهان الوحيد، رهان الموجة الثالثة، والحركات الأساسية الداعمة لها، والعامل لأوسع ديمقراطية ممكنة، والاستفادة من المعارف المستحيلة في الحواسيب، والكترونيات، والمعرفة الإنسانية المتنامية، وأهم كتبهما كتاب صدق المستقبل، والموجة الثالثة وتغيرات السلطة (1) التغذية الراجعة، هي أن يرتد أثر بسبب ما لظاهرة ما على الظاهرة نفسها، كالإمعان في إيذاء الأقلية، الذي يرتد على الأكثرية، ويزيد الأقلية كرهاً لها (2) نحن لانعرف مثلاً، أي أذى تستطيع تقبله أقلية ما، في سبيل الدفاع عن نفسها. وعندما نكون في وضع كوسوفو، فنحن نعرف كم يستطيع سكانها قبول التضحيات، عندما يطالبون باستقلالهم. والأكثرية لاترى أي حل لهذا، إلا بالقوة. (3) video disque، أسطوانة بلاستيكية تحمل في جوفها جملة من المعلومات المختارة والضرورية لحاجة أو أخرى، من حاجات الإنسان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |