|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
معطيات التراث العربي والثقافة القومية التقدمية المعاصرة. [مذهبي صواب، يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب] "الإمام الشافعي." يجب أن ندرك أولاً ونحن مقبلون على صياغة مشروع قومي تقدمي للثقافة العربية ونراقب إسهام تراثنا العربي في صياغة مشروعنا، أننا في مأزق صعب جداً في الوقت الراهن كأمة، ونظم وأقطار. فمؤثرات الثقافة الأساسية والحاسمة في أي عصر من العصور تنحصر في ثلاثة: التأثيرات القادمة من الخارج أي من االثقافات العالمية، بسبب الاتصال الثقافي بين الأمم في حالات السلم والاجتياح. وتأثيرات البيئة الثقافية الناتجة عن الظاهرات الملّحة. التي تستمد وجودها وشرعيتها من وقائع مادية معاشة ليس باليسر تجنب خيرها أو شرها وتأثيراتها السلبية أو الإيجابية، ومعطيات تراثية تفرض نفسها على شكل ذاكرة مرجعية للأمة، بسبب المنطق الطبيعي لاستمرارية روح الأمة وتواصلها، فيما يسمى بخصوصية الأمة. ولقد كانت الحروب وعمليات الاحتلال تلعب دوراً حاسماً عبر التاريخ في استباحة ثقافة الغالب للمغلوب، والهيمنة عليها. وكان المحتل غالباً مايتنبه لخطورة الجانب الثقافي كعامل من عوامل صياغة وجدان الأمة المستباحة، وتشكّل وعيها الجمعي. ولهذا كان يسعى لتحطيمه بكافة الوسائل والطرق لإطالة عمر احتلاله لأوطان الآخرين لفرض النمط الثقافي الذي يسهم في جعل احتلاله لبلدهم أمراً مقبولاً وقد عبر "نابليون" بحملته على مصر عن وعي كبير لخطورة المسألة الثقافية وعلاقتها الجدلية بالسياسة حين قدم إلى مصر بجيش يجر الحديد، وآخر يحمل الكتب والمطابع والأدوات العلمية. وإذا عدنا إلى ماهو أبعد من حملة نابليون، فسنجد أن "تيمورلنك" هو الآخر لم يكن أقل إدراكاً للتعامل مع المسألة الثقافية بحذر شديد من نابليون الأمس، فقد كان يصحب معه في فتوحاته أعظم مثقفي وشعراء أمته مثل "كرماني" ليوثقوا تلك الانتصارات التي تصوغ كتاب أمته، وحين دخل دمشق تفاوض مع "ابن خلدون" الذي تركه السلطان المملوكي "الظاهر برقوق" وأقفل عائداً إلى مصر.. وبهر ابن خلدون تيمورلنك بعلمه ثم أطلق سراحه ومن يرغب، مقابل موافقة العلامة العربي بأن يؤلف "لتيمورلنك" كتاباً علمياً عن إفريقيا، ويضعه بين يديه. لقد تعامل الفاتحون والثوريون الكبار بحذر شديد واحترام أخلاقي لتراث الأمم ومعتقداتهم ونستذكر في هذا المساق وصية "أبي بكر" لجيش "أسامة بن زيد" أما الرسول العظيم محمد بن عبد الله، فلم يحطم أصنام قريش، رمز الشرك والرجعية إلاّ عندما آلت تاريخياً إلى السقوط، وانفضّ الناس من حولها، وتصدعت بعوامل موضوعية، ثم تداعت بعد أن وجّه إليها الضربة الثورية والحاسمة في زمن لم يعد يلتف حولها -كرموز مجردة للعقائد الرجعية سوى حفنة من الرجعية الأسياد وأعداء التقدم والحرية والحياة. وحدهم المستبدّون والطغاة، والغزاة اللا أخلاقيون والرجعيون الحمقى عبر التاريخ، أحرقوا المدن ومكتبات البلاد المستباحة أو ألقوا بها في الأنهار، وحطموا أنف "أبي الهول" ودمروا الصروح الروحية للأمم.. لا بل قاموا بتصفية التراث الثقافي لمبدعي أوطانهم والعالم في أزمنة وأماكن مختلفة، وجرّوا شعوبهم لهذه المعركة اللا أخلاقية ذات المضمون الرجعي الأعمى. كما أحرق النازيون كتب "هيغل" و"ماركس" و"تولستوي" و"إنجلز" في احتفالات قومية شهدت خلالها المدن الألمانية أكبر الحرائق في الساحات العامة، تماماً كما أحرقت سلطات "الخديوي" كتاب الشيخ "علي عبد الرازق" "الإسلام وأصول الحكم" عام 1927، لأنه كشف عن موقف الإسلام الحقيقي من نظم الحكم الفاسدة ولعنة الخلافة. أما اليوم فقد تطور العلم ووسائل الاتصال الثقافي المعاصرة كما تطورت أشكال الاستباحة السياسية والثقافية بين ترغيب وترهيب.. وإنفاق على مؤسسات ثقافية مغرضة براقة تصطاد أبناء النظم تحت هذه التسمية أو تلك وتستغل فقرهم للمال... وستحاول الإمبريالية وقوى القطب الواحد في غياب نفوذ المعادل الموضوعي سياسياً وثقافياً، وانهيار مثل الشعوب وحركات التحرر "الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية"، أن تُعيد الكرة من جديد وبكافة الوسائل، وتستبيح ثقافات العالم الثالث التي ستكون فرائس سهلة في حالة استرخائها للثقافة الطاغية المعززة بأدوات المال وتقنيات العصر ووسائل وإيديولوجيات التدمير الروحي القائمة على الفردية والذاتية، تحت شعار الانعتاق الإبداعي، وبدعوى تعويم قضية الإنسان وإعتاقه من عبودية الأيديولوجيات الشمولية حتى ليشتم المبدعون أوطانهم المتخلفة، وينبشون عظام مبدعي أمتهم ويخطئون قادتها التاريخيين... ويصلون إلى استنتاجات مجرمة في ضوء إيديولوجيات الانعتاق الكاذبة فإذا "بعلي" يخرج غلطاناً، و"أبي ذر" ساذجاً، و"سيف الدولة عبيطاً" و"عبد الناصر" رجلاً قليل الخبرة- في المعادلة الدولية وعلى البركة. وإزاء هذا الهجوم الثقافي الجاري والمتوقع، وفي ضوء الضعف العربي العام، ووقوف الأمة تاريخياً في موقع المفعول به وليس الفاعل، فإننا نواجه قدراً لا مفر منه أمام معادلة العصر.. وهنا نجد أنفسنا في مأزق فعلي حول شكل التصرف في مواجهة هذا الواقع.. هل نلجأ إلى الانغلاق الثقافي؟ أم نرضخ أمام معطيات العصر ولغة القوة وننصاع إلى الانفتاح المستسلم؟.. ثم يأتي السؤال: من المسؤول عن التنفيذ والمراقبة في حالة الخيار الأول (الانغلاق الثقافي)؟.. وأين هي القوى أو الإيديولوجية التي يمكن الوثوق فيها للتنطع لهذه المهمة.. والتي تتجلى في أقطارنا العربية على شكل نظام حكم في هذا العصر أو ذاك؟... وهي ستكون حتماً بحاجة إلى أدوات قمعية ضد آخر، لتنفيذ مهمتها (النبيلة)؟... والآخر موجود دون ريب في كل العصور والأماكن؟.. أهي القوى السلفية الدينية أم القومية أم العلمانية... وسنكون حتماً في حالة التسليم للأولى أمام قائمة من المحذورات والمحرمات باسم الدين.. وباسم الأمة والمصلحة القومية سنكون مع الثانية.. وسنكون مع الثالثة باسم الأيديولوجيا الثورية.. وهكذا نجد أنفسنا وقد قبلنا بدخول القمع والاستبداد الأحادي والقهر الثقافي الممارس حكومياً من الباب الخلفي مجدداً.. في وقت نناضل فيه كمثقفين قوميين ديمقراطيين في نظم حكم سياسية لا تقدس الظواهر التلقائية، ولا تحترم منطق التطور الطبيعي لوعي الشعب ولا تتعامل مع المواليد الجديدة على أنها ابنة الحياة، بل تدوسها بالنعال كخبث. * إن ماعانيناه كمبدعين ومثقفين ديمقراطيين عرب من نظم الإرهاب والأحادية والاستبداد السلطوي المفروض علينا والذي هدر كرامتنا بوصفنا بشراً قبل أن نكون مبدعين، قد أوصلنا إلى حد الاقتناع بالديمقراطية المطلقة، كمخرج -وفقدان الثقة بأي شكل من أشكال الوصاية الأيديولوجية كائناً من كان صاحبها وأياً كانت مرجعيته الإيديولوجية، ذلك أن الجميع لم يكونوا ديمقراطيين معنا فقد كان كل منهم فرحاً بحزبه يمتلكون الحقيقة وحدهم ويحاربون الآخرين وهكذا سقط ضحايا وحدثت التشوهات والارتدادات القسرية في كافة الأقطار العربية فلاذ الكثيرون من مثقفينا وراء عباءات شيوخهم في أقطار شتى في غياب المشروع الوحدوي وسيادة التجزئة القطرية، وتحولوا من مبدعين أحرار مستقلي الإرادة إلى جزء من أطقم النظم. إننا في الوقت الذي نرفض فيه الوصاية إلى حد مَرَضي (بفتح الميم والراء) وهو مرض صحي لا نجد لنا بديلاً ومخرجاً كمثقفين ومبدعين قوميين ديمقراطيين، فاقدين للثقة، غير بذل الجهود الاستثنائية وفوق العادية، والبحث عن لغة خطاب وإقناع ناجحة وصادقة للآخرين بخطنا، وبصدق نوايانا إزاء أوطاننا وإزاء مشروعنا الثقافي القومي الديمقراطي، وبخاصة في هذا الظرف التاريخي الذي تتعرض فيه أمتنا إلى محاولة استباحة قد تؤخر مستقبل الأمة إذا ما استرخت ثقافتها أمام مهمة تبنّي قضية الوطن والإنسان تحت شعارات التقويم والانعتاق فلا انعتاق ولا استرخاء إذن ولا انغلاق ولا وصاية حتى لو جاءت تلك الوصاية من أرباب القومية أو مدعي الديمقراطية أو حماة الإسلام. وعلى صعيد المؤتمر الثالث في ثقافة الأمة (التراث الثقافي القومي) فإن إشكاليات عدة تثور حول هذا المعطى. أولها: حتى تستفيق واقعة تراثية مامن ضريحها الزماني والمكاني، وتتحرك مخترقة طبقات التاريخ الأدبي المتراكمة وتأخذ مكانها إلى جانب الوقائع الثقافية المعاشة. وثانيهما.. كيف تستفيق هذه الظاهرة بتلقائية أو شبه تلقائية أو تستحضر؟ وثالثها: من الذي استحضرها؟ ورابعها: كيف تمت معاملتها كمادة قادمة من زمان ومكان إلى الحياة مجدداً؟ ورغم اختلافات الباحثين والمفكرين حول إجابات هذه الأسئلة فإن أكثرية المشتغلين في دراسة التراث يلاحظون أن ظروف انبعاث تراث أمة ما لابد أن يرافق صعوداً حاداً في حالها أو هبوطاً حاداً.. ففي الحالات الاستثنائية صعوداً أو هبوطاً، تتمثل الأمة في الحالة الأولى من تراثها مايسوغ استمرارية الصعود في مشروعها القومي العام. وتستحضر أبطالها القدماء ووقائع تاريخية مما يؤكد شرعية ومنطقية استمراريتها في هذا الاتجاه أو ذاك. فتستحضر من تراثها الوقائع والنزعات الفاشية لحكامها القدماء. وتسوقها على أنها مآثر إن كان نهوضها لا أخلاقياً ومشروعها عدوانياً يفتقر إلى القيم الإنسانية الخيرة الإيجابية، وترى في قياداتها التاريخية ووقائعها ماتريد أن تراه، وتنمي ماترغب في تنميته!.. وهكذا تستحضر بعض التيارات في الأمة الواحدة بحسب النفسية والسيكولوجية وحالة أمتها -صورة "أبي بكر" وهو يوصي "أسامة بن زيد" أو صورته والدمع ينهمر من عينيه حزناً على واحد من عباد الله المستضعفين. ويستحضر آخرون صورته وهو يأمر بحرق "الفجاءة" بلا رحمة - الذي أخذ سلاح المسلمين، وبدلاً من أن يوجهه إلى أعدائهم وجهه لمقاتلتهم متجاوزين الظروف التاريخية التي تحكم الحادثة وظروف انضباطية الشخصية، ويوظف كل من الفريقين النموذج الواحد لخدمة غرض واحد راهن، بانتقائية قصدية وظالمة. في غمرة تلك المسيرة الاجتماعية، يسقط معارضون ويصلب مسلمون جدد هنا وهناك وتقطع أطرافهم وربما يشردون ويموتون، في الغربة كما فعلت الرجعية الفلسطينية بباحث التراث الكبير "بندلي الجوزي".. كما يسقط شهداء معاصرون لم يحملوا السلاح ضد المسلمين كالفجاءة... ولكنهم حملوا فكراً مغايراً ومعارضاً. أما الذين قاموا بتصفيتهم، فقد وجدوا في التراث غطاءهم الذي يرغبون.. ولن يتورعوا عن الاستنجاد بالقرآن الكريم على طريقة:"ولا تقربوا الصلاة....". ويوظفونه بحسب مصالحهم... وكلما تكررت هذه الوقائع وتلك الانتقائية كمنهج، تململ التراث من مقبرته وانتفض على أيدي باعثيه الموتورين وحشاً فاشياً هائجاً معادياً للحرية والأحرار والتحرر والتقدم. إن الانتقائية والوثنية المتصلبة في التعامل مع التراث، تقيد حركة العقل وتسيء إلى تاريخ الأمة وبطولاتها وأبطالها.. والتعامل مع أبطال الأمة من مواقع النظرة الأحادية، يلحق بهم كل أذى ويحنّطهم ويجرّدهم من غناهم الإنساني كنماذج ثرة تمتلك القدرة الاستثنائية على مواجهة كل حالة بحسب ماتتطلبه لا بل تفقر أبطال الأمة. وتجعل منهم سذجاً دون مستوى البشر العاديين من خلق الله.. تماماً كما فعل العقاد بالصحابة الأشداء "عمر وأبي بكر وأبي عبيدة"، وهو يخوض معركته الدونكشوتية ضد المستشرقين ليدفع عنهم تهمة (التآمر) على الخلافة "يوم السقيفة" بعد وفاة الرسول وكأن تشاور الصحابة المذكورين وتدابيرهم ومبادرتهم لترتيب الأدوار في السقيفة من أجل تطويق كارثة كانت ستحل بالدولة الفتية بأثر السلوك القبلي للأنصار تآمراً!.... والأصح أن الصحابة الأجلاء والعظام لو كانوا بالبساطة والطيبة، بل السذاجة التي أرادها العقّاد، وراح يدافع عنها، لما استطاعوا تدارك كارثة كانت ستحل بالدولة الذاهبة إلى مستقبلها العظيم أمام الإمتحان الأول ربما "الردة"... ولكن أبا بكر وجد خطابه التاريخي، وهدته إليه عبقريته الغنية المبدعة ذات الأداءات المتعددة، فبادرهم بقوله: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء" الخ وواصل خطابه. إن الموقف من التراث أي موقف كائناً ماكان شكله، إنما ينم عن فكر وإيديولوجيا شريحة اجتماعية فكرية، ويعكس نمطاً من أنماط الوعي الاجتماعي وفي ظروف تدني الخبرة في التعامل مع التراث من قبل الغالبية من مختلف المشارب، يصبح تراثنا ميداناً للتسابق بين يمين ويسار.. وعلى الأصح ساحة مباراة جميع أطرافها حمقى وانتقائيون. ومع الأسف فإن طموح حركة البعث القومي العربي التقدمي، منذ نهاية النصف الأول من هذا القرن، وتطلعاتها للتحرر والانطلاق واللحاق بركب الأمم المعاصرة في ضوء قناعاتها النظرية قد جرّها إلى خطأ استراتيجي على الصعيد الثقافي، في غمرة معركتها التحررية تلك فوقفت في مواجهة اليمين السلفي واليسار العلماني في آن وتخندق كل طرف في موقعه بالطبع وآوى إلى مرجعيته.. وهكذا تمترس كل تيار في ساحته فأصبح التراث ميدان السلفي، وسلاحه في الدفاع عن نفسه وركل العلمانيون التراث أيضاً وراح السلفيون اليمينيون يحاربون يسارهم المتنور ويطلبون له الإعدام على مرأى من القوميين والعلمانيين. كما حصل مع المرحوم الدكتور طه حسين الذي اقترف "جنحة" الشك في التراث للوصول إلى اليقين، متناسين أن هذا الميدان يمكن أن يكون لهم جميعاً، وأن كلاً منهم يمكن أن يستفيد من هذه الطريقة في التعامل مع التراث، بحسب إمكاناته وخبرته وأنه -كتراث -من الغنى بمكان أن بمقدوره أن يقدم للسلفي والقومي والعلماني مايريد، ومايعزز توجهاته شريطة أن يقف الجميع موقفاً ديمقراطياً من الآخر وأن يؤمنوا بأن طريق تحرير البشر لا يمرّ بالضرورة عبر الإيديولوجيات الشموليّة التي تزعم امتلاك تفسير الإنسان والطبيعة تفسيراً قاطعاً ونهائياً يخلق غيبية جديدة باسم العلم أو يبيح للغيبية أن تكون عملاً جبرياً.. يقول المفكر الفرنسي "روجيه غارودي" في كتابه: "ماركسية القرن العشرين": إن الجزائري ذا الثقافة الإسلامية يستطيع أن يصل إلى الاشتراكية العلمية بدءاً من منطلقات أخرى غير سبل هيغل أو ريكارد أو سان سايمون فلقد كانت له هو الآخر اشتراكية طوباوية ممثلة في حركة القرامطة وكان له ميراثه العقلي والجدلي ممثلاً في ابن رشد، كان لديه مبشر بالمادية التاريخية في شخص ابن خلدون. وهو على هذا التراث يستطيع أن يقيم اشتراكيته العلمية؟! ماركسية القرن العشرين- دار الآداب- بيروت". وأمام هذا الوضع اللا منطقي واللا معقول ورفضاً لاحتكار السلفيين التراث والتعامل معه على أنه ملعبهم الخاص، فقد بادر عدد من المفكرين الماركسيين العرب للإلتفات إلى التراث العربي بحذر أول الأمر، وبجرأة استثنائية مؤخراً وفرضوا ذلك على أحزابهم وخرجوا دونما عقوبات حزبية بعد أن سبقهم مفكرون أجانب "كغارودي" و"غرامشي" وغيرهم إلى تلك المبادرات الواقعية والعلمية. ورغم تلك المحاولات الجريئة والجليلة، إلا أن سيف الرقابة اليميني السلفي لا يزال متربعاً في لاشعور المفكر والكاتب التقدمي العربي. فهو يداور ويصاول حول هذه النقطة أو تلك محترقاً مابين نارين: نار الرؤية العلمية والقراءة الموضوعية والحقيقة والواقع ونار مداراة قناعات الشعب والأمة، تلك التي صاغها السلفيون عبر التاريخ، والتي وثّق أكثرية مادتها مؤرخو البلاطات..وظلوا يلحّون على الأمة بها، ويتلذذون بمثالياتها إلى أن أصبحت قناعات راسخة غير قابلة للنقاش، لا بل مقدسة لا تقبل الاجتهاد. وهذا مايفسر إمكانية قراءة سطور خفية وغير مكتوبة بين الأسطر المكتوبة في مؤلفات المفكر التقدمي الجليل "حسين مروة" الفكرية والتراثية وغيره من الباحثين المحترمين للتراث. أما من تخلصوا من إرهاب سيف الرقابة الذاتية ذاك، من الباحثين والكتاب التقدميين، ونزعوه من لا شعورهم فقد قام أكثريتهم بحركة صبيانية نزقة في الغالب، لم تكن أكثر من اعتداء صارخ وغير محترم على قناعات الآخرين... * ولعل الأنماط السياسية التي وجدوا فيها قد ساعدتهم على الذهاب في مثل تلك الاتجاهات دون أن تتكسر أضلاعهم أو تخترقهم الطلقات كما لقي المصري "فرج فوده"وحسين مروّة ومهدي عامل اللبنانيين. * إن المهمة تبدو صعبة، وبحاجة إلى قدر كبير من التّريث وسعة الصدر لدى كافة التيارات والمشارب والأطراف.. ولابد من سيادة الخطاب الديمقراطي مجدداً واستعادة قول الإمام المسلم "الشافعي" "مذهبي صواب يحتمل الخطأ ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب". أما الكتاب القوميون التقدميون، فيجب أن يفهموا جيداً أنه ليس بمقدورهم أن يصلحوا ثقافة أمتهم جذرياً في مناخات التجزئة ومزاجية نظم القطرية، وماتنطوي عليه من إعاقات، ولكن بمقدورهم بل واجب عليهم أن يكون كل واحد منهم مستعداً لخوض معركته كمقاتل فردي ديمقراطي إن لزم الأمر في هذا القطر أو ذاك، من أجل مشروعنا الثقافي ووحدة أوطاننا في أسوأ الظروف. كما علينا أن ندرك جيداً أن مهمة استحضار التاريخ للوقوف إلى جانب الحاضر في معركة الثبات التي تخوضها ثقافتنا القومية في وجه الهبوط العربي العام وتحديات نظام القطب الواحد. -والتراث جزء من مقومات ثقافتنا- لا تتم بقرار تلقائي، ورغبة مسبقة ونوايا طيبة مجانية.. فإن كل عصر يستمد كماله الفني من مستوى تطوره. فلا تصلح الإلياذة، لشعب اليونان اليوم! ولكنها ذاكرة أمة ومرجع.. ولسوف لن يكون "المتنبي" موفقاً ولن يكون نفسه فيما لو شارك في المهرجان التاسع عشر للشعراء العرب إلى جانب "البياتي" و"محمود درويش".. وإذا لم نفهم هذه المسألة بعمق، فسنكون كمواطني الثورة الفرنسية الذين سكروا بالحاضر وتغنّوا بالماضي، فتحركوا بملابس رومانية بسذاجة، وخاطبوا بعضهم بعضاً بعبارة "سيتزن".... وتصبوا المشانق للأحرار والتقدميين في عصرهم، وتلوا على أرواحهم من التراث تعاويذ الرعاع: ولم يكونوا يدركون أن الثورة تلتهم أبناءها... إن التراث بحر متلاطم مليء بالدر لمن أحسن الغوص. ولكن مع الأسف فإن الكثيرين للآن لا زالوا يغوصون في هذا البحر المتلاطم العظيم، فيعودون حاملين الأخبار السارة والمبهجة.. قال فلان... وروي عن فلان وروى فلان.. إلى غير ذلك من الطرف الإخبارية المروية بروح الناقل السلفي، لا بروح الباحث المناقش المستنتج المتسلح بخلفية علمية موضوعية، والذي يحيط بتشكيلة العصر الذي يعتني به، ويسيطر عليه موضوعياً، بعيداً عن المسلمات المسبقة، وكل شيء خاضع أمام الفحص والتحليل والقراءة والاشتباه والدراسة... إن المناخات الديمقراطية، وسعي كل التيارات الصادق لدراسة التراث، بعيداً عن القصدية والانتقاء، واحترام الرأي الآخر، يشكل الخطوة الأولى لإعادة بعث ما يصلح من تراثنا القومي، كي يقف إلى جانب الحاضر وينضّم إلى البناءات الثقافية التي تحصن أمتنا من فقدان هويتها القومية الإنسانية، في ظروف تفرد القوة الطاغية الواحدة في هذا العالم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |