تحديات الفكر والثقافة العربية ( في الفكر والأدب) - الدكتور: سليمان الأزرعي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

"المثقف العربي والمتغيرات"كتاب د. علي عقلة عرسان

ربما كان كتاب الدكتور (علي عقلة عرسان): "المثقف العربي والمتغيرات"، الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1995، واحداً من أبرز الإسهامات العربية الجادة والمسؤولة والمعمقة التي تغوص في الجدل الدائر في أوساط الأدباء والكتاب والمبدعين العرب اليوم في ضوء المتغيرات الراهنة، إن لم يكن أهمها بنظرنا. ذلك أنه يصدر أولاً عن كاتب عربي في مواقع المسؤولية الثقافية، وثانياً، لأن صاحبه عرف بمواقفه الثابتة والمتشددة بصدد صيانة الثقافة العربية، في المرحلة الراهنة، ومثقفيها من خطر الإنزلاق إلى العدمية أو الضياع باتجاهات لا تخدم الحركة الثقافية وتعرضها للإنحراف عن مهماتها القومية، بما يفرغها من محتواها الإنساني التقدمي، في زمن باتت الحاجة فيه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن يتقدم الكتاب والمثقفون لمواجهة المرحلة القادمة والراهنة، بدلاً من أن يديروا ظهورهم لكل ما يجري، بحجة أن مايجري ليس إلا إثماً ينبغي تجنبه!!.‏

في هذا الكتاب، يقف عرسان بكل جرأة، وجهاً لوجه أمام التحديات.. يشتبك مع المهمات المطروحة والتحديات، ويتعامل معها على أنها أرقام واقعية!. ويبحث عن سبل الاستجابة على صعيد جبهة الثقافة العربية، بما ينهض بالسوية العامة للموقف القومي في كافة وجوهه.‏

إن أهم ماتتميز به محاولة (عرسان)، ذلك المنطق المتزن في دراسة الظواهر، وتلك الجرأة في التعامل معها بالاستناد إلى الخبرة والمعرفة ومهارات الغوص إلى ما ورائيات الظواهر الاجتماعية، والإمساك بالقوانين المتحكمة بحياة الظاهرة.‏

ويدور كتاب الدكتور عرسان حول محاور عدة، تشكل في مجموعتها وجهة نظر الكاتب حول قضيتين رئيسيتين، وهما علاقة المثقف بالسلطة، وموقفه الإبداعي والثقافي منها، ومهمات المثقف العربي اليوم إزاء موضوع التطبيع الثقافي مع إسرائيل، وسبل تدعيم الثقافة العربية في ظروف المواجهة الراهنة والقادمة.‏

وتحت هذين العنوانين، يفتح عرسان عدة محاور فرعية، يناقش فيها المتغيرات الدولية والعربية، ابتداء من انهيار المنظومة الاشتراكية، ومروراً بحرب الخليج ونتائجها السياسية والثقافية والاجتماعية وأثر كل ذلك على أداء المثقف العربي.‏

كما يناقش مستقبل الصراع الفكري، في ضوء تلك المتغيرات، والحاجة الملحة (لترتيب البيت الفكري العربي)، بالإضافة إلى الأسئلة الكبرى المطروحة على الفكر العربي اليوم، ودور العمل العربي المشترك، الذي نبغي أن يتوازى معه بناء جبهة موحدة للمثقفين العرب..‏

ويميز عرسان في كتابه بين المشروع الأميركي- الإسرائيلي للثقافة العربية المطلوب إسرائيلياً وأميركياً، وثقافة المقاومة ومقاومة التطبيع، في سياق المشروع الثقافي النهضوي العربي.‏

وتتجلى جدية الطروحات في كتاب عرسان، من خلال ابتعاده عن التنظير المجرد، وجرأته في تناول الظواهر الثقافية، بالاستناد إلى الأساس المادي الذي يقف وراءها ويمدها بالقوة ومقومات الحياة، ويضمن لها الاستمرارية والبقاء، أو التنحي والموت.‏

وفي غمرة بحثه عما ورائيات الظواهر الثقافية بوصفها نتاجاً اجتماعياً، يتوقف الكاتب عند العناصر التي يمكن التعامل معها بصدد زحزحة الظاهرة وتحريكها ونقلها وتطويرها، بما يصب في النهاية في المشروع القومي العام، الذي يرفع من سوية الموقف القومي، في غمرة هذا الاشتباك التاريخي الذي تعبره أمتنا عموماً، وثقافتنا العربية على وجه الخصوص.‏

ولا نستغرب في هذا السياق من الدراسات المعمقة وغير الارتجالية، التي تبحث عن الجذور المادية للظواهر، أن يستند الكاتب إلى إحصائيات وأرقام تبدو، ظاهرياً، لا علاقة لها بموضوعة الكتاب. كدراسة دخول الأفراد في العالم الثالث ومديونية الدول النامية، وعوائد منتجات المجتمع الصناعي!.. وحتى تصريحات الإدارات الرأسمالية في معظم النظم الصناعية، وما إلى ذلك.‏

ويجمع الكاتب إلى جانب انشغاله بالميدان آنف الذكر، قدرة على تمثل عناصر القوة في الثقافة العربية، بحكم ذائقته الأدبية كمبدع، وثقافته النظرية حول تلك المسائل.‏

إن تسلح الكاتب بهذه العناصر المهمة واللازمة لإنجاز بحث أية أطروحة ثقافية، قاده تلقائياً إلى التسليم بقضيتين تعتبران من لزوميات البحوث الإنسانية!..‏

الأولى: أن الموقف الثقافي مسألة نسبية تختلف بين مثقف وآخر، بحسب موقعه وزمانه ومكانه.. وبحسب درجة تطور البنية الاجتماعية التي يعيش فيها، وبحسب قنواته المعرفية، ودرجة وعيه العلمي وحسه الاجتماعي، الذي يسهم في النهاية، في تحديد شكل دفاعه عن هذه القضية أو تلك، وإسهامه في تبنيها أو إهمالها.‏

والثانية: إن مثل ذلك الإدراك المعمق لجوهر تلك المسألة عند الكاتب، قد قاده إلى التسليم أيضاً بواحدة من أخطر المسائل التي يجري تجاهلها في دراساتنا الإنسانية ذات الطابع القمعي، وهي مسألة الحرية والتعددية، تلك القضية التي يدخل القمع الفكري بمجرد تجاهلها، من الباب الخلفي، ويفسد مناخات البحث والحوار، ويفوت أية فرصة لصياغة القواسم المشتركة لكل المعنيين بالدفاع عن الظاهرة، وهنا يكمن الجوهر الديمقراطي في محاولة عرسان الثقافية!..‏

ولدى تأكيد الكاتب وتسليمه بتينك المسألتين، توصل إلى إمكانية صياغة الجبهة الثقافية العربية العريضة، التي يمكن أن يجتمع فيها أكثر من لون وأكثر من إيقاع، ويصبح بمقدورها أن تحتضن كل الثقافات الوطنية المهمة التي ستجد مكانها في المشروع الثقافي القومي العربي المعاصر، الذي يطرحه الكاتب.‏

ويلخص عرسان هدفه من كتابه، قائلاً: "إنني أدعو إلى حوار على أرضية المشترك العتيد الضخم، وإلى نبذ كل مايعوق ذلك الحوار أو يمسخه أو يشله، على أن يتم ذلك في مناخ يساعد على تواصل الأنا مع الآخر، وتواصل المجموع مع الواقع من جهة، ومع ثوابت الأمة ومقومات شخصيتها وتمايزها ووجودها، ومع قيمها من جهة أخرى"ص 55.‏

ويتوقف عرسان عند حيرة وارتباك المثقف العربي إزاء ما يسمى اليوم بالنظام العالمي الجديد ومعطياته.. ويحاول تشخيص الحالة التاريخية الراهنة القائمة على الأقل على الاقتصاد الحر، الذي يملك رأس المال فيه كل السطوة! غير أن الكاتب يتنبأ فيه- على الصعيد السياسي/ الاجتماعي- بولادات جديدة ومفاجئة من جسد التركيبة العالمية الراهنة، ويشير إلى الدور الأخلاقي لأوروبا واليابان والصين والهند في تلك المعادلة الدولية، والذي سيشكل لاحقاً المعادل الموضوعي (للريبوت) الأميركي، بالاستناد إلى فهم المؤلف لديالكتيك الصراع الدولي. والقوانين الموضوعية التي ستفعل فعلها في القريب!..‏

وحين ينتقل عرسان إلى النتائج الإنسانية المترتبة على ماهو راهن وماهو قادم، ويرصد الردود النسبية لبناة الثقافة في عالمنا العربي، منطلقاً من الفهم النسبي لكل لون وفئة، ومستوى استيعابه لجوهر الصراع المغلف بالأقنعة الخادعة، والذي يختبئ وراءه الوجه اللا أخلاقي للحضارة الرأسمالية القائمة على سطوة رأس المال الاستثماري في كل وجوه الحياة. بما في ذلك مجال الثقافة والإبداع الذي يحاول أن يروضه لخدمة سياساته، وتحييده وتخريب دوره في إشاعة الوعي في أوساط المجتمع.‏

وفي غمرة هذا التخبط، يبحث عرسان عن استعدادات المثقفين التقدميين الإنسانيين للإسهام في البحث عن أرض مشتركة يقفون عليها، منطلقين من أقطارهم وثقافات أممهم المتعددة، وصولاً إلى "أرض مشتركة يحرثونها بأقلامهم"، ويدافعون فيها عن القيم التي تترجم انسانية الانسان .وتصون ثقافات الأمم، في مواجهة هجمة الاستباحة الغاشمة التي يمارسها رأس المال ونظام العالم الجديد الذي يخلو من أية مشاعر ولا يحسب أية حسابات تأخذ خصوصيات الأمم بعين الاعتبار، بل يهمه تهيئة المناخات المناسبة لتنشيط عمليات السوق في وجه منتجاته..‏

وفي هذا السياق، يعري الكاتب الدور اللعوب والانتهازي للمثقفين الذين يضعون أنفسهم تحت تصرف نظمهم القطرية، ليصيروا جزءاً من حوزة نظام الحكم وأدواته التنفيذية، لا بل يتحولون، باسم العقلانية والواقعية، إلى منظرين للتمشي مع معطيات النظام العالمي الجديد.‏

ويبدو أن الكاتب قد توج كتابه الواقع في ثلاثمئة صفحة بأهم الموضوعات، عندما تناول (الحاجة إلى ترتيب البيت الفكري العربي)، و(مطروح سؤال الناس)، وما إلى ذلك من موضوعات لا يمكن النظر إليها بشكل منفرد، وإنما في ضوء جدليات العلاقة بين السياسي والثقافي، وصولاً إلى الجبهة الموحدة المنشودة للكتاب والمثقفين العرب.‏

وفي معرض حديثه عن تلك الجبهة، يدين الكاتب سلوك (الميليشيات) الثقافية التي شوهت صورة (الآخر)، وضيقت هوامش الحوار معه، بسبب تبعية الثقافة للسياسة.. ولهذا يؤكد عرسان على رفض التبعية وسائر صور الإلحاق، حيث البديل يكمن في تواصل السياسي مع الثقافي، والسير معاً بمسؤولية مشتركة إزاء مسألة الوعي الاجتماعي والمصير الفردي والجماعي، الوطني والقومي.‏

إن محور (المثقف العربي والتحديات الراهنة)، هو من أغنى محاور الكتاب، ذلك أنه يرتكز على قضيتين واضحتين تماماً، يفصل الكاتب فيهما فصلاً واضحاً وواعياً تماماً ودون أية مواربة. وهما:‏

"قضية الممارسة الديمقراطية على أرضية الانتماء واحترام الحقوق والحريات العامة، وربط الحرية بالمسؤولية عن الأمة وواقعها ومعطيات ذلك الواقع. وفي تطلعاتها ومشروعية تلك التطلعات، ومايترتب على ذلك من تبعات والتزامات، هو ممايطلب من المثقف والثقافة عامة، مع التأكيد على أهمية جعل أفق الحرية مفتوحاً على مداه".‏

وقضية العلاقة بين السلطة والحرية وتشابكها مع مسألة: "الاعتراف بالعدو الصهيوني، وأشكال تطبيع العلاقات معه، حيث المفارقات التي يواجهها المثقف الملتزم بتلك المقاومة في هذه الحالة، إنه يبدو وكأنه ضد السلام، أو يراد له أن يبدو ضده!. وهو يقدم على أنه كذلك؟. ومثل هذا الوضع يجعله مرتبكاً. لأن الثقافة المبنية على المسؤولية والقيم الأخلاقية، هي تاريخياً مع السلام".‏

وهنا يؤكد المؤلف على ضرورة التوضيح، بأن موضوع السلام ليس هو الموضوع الذي نقاومه ككتاب ومثقفين، وإنما نقاوم "التزييف الفاضح والفادح لكل من مفهومي العدل والسلام".‏

إن الروح التبشيرية الواثقة التي ينطوي عليها الكتاب، هي أهم مافيه، برغم عدم خلوه من الخطابية التي أكدتها بعض العناوين في هذا الموقع أو ذاك، والقادمة أصلاً من شخصية المبدع المناضل، مثل:"أيها الزاحفون إلى الأمل، و(عناق الدم والكلمة في زمن الانهزام)، وما إلى ذلك، غير أن تلك الخطابية تضيع تماماً، وتختفي عبر الغوص في المضامين، والسعي إلى تحسس الجوهر، وأمام الحضور الجدي للفكر القومي التقدمي الديمقراطي، المتمثل في محور (ثقافة المقاومة، ومقاومة التطبيع) الذي يتضمن مشروع برنامج عمل، يلخص وجهة نظر الكاتب في ضرورة صياغة المشروع الثقافي القومي العربي الديمقراطي في مواجهة المرحلة القادمة، يصلح لأن يشكل لنا جميعاً، كمثقفين وكتاب عرب، على اختلاف وجهات النظر فيما بيننا، مرجعية شرف!!..‏

إن الهامش الديمقراطي الذي فتحه الدكتور عرسان لحوار المثقفين حول تلك القضايا الساخنة، أوسع من مساحة النص!..‏

وإذ يصدر هذا الجهد من كاتب قومي ملتزم، فهذا يجعلنا ننتظر مزيداً من الإسهامات الفكرية الديمقراطية المعمقة على المستوى العربي، بعيد عن التسطيح واللزوجة والاتهامية، والبحث عن ساحات طراد غير مأهولة بالفرسان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244