|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مهمة المرحلة العبور إلى الثقافة الوطنية الديمقراطية. قبل كل شيء، لابد من الاعتراف بالتنوع كواقع موضوعي. والتنوع غنى تمليه طبيعة الحياة، ذلك أن الحياة في حد ذاتها غنية ومتنوعة، فالموجودات المادية متنوعة في الطبيعة، والموجودات الفكرية متنوعة في المجتمع، والموجودات الإبداعية في شتى المجالات متنوعة أيضاً.. وفي مثل هذا التنوع، وفي مثل هذه التعددية يكمن جوهر الصراع الطبيعي والمشروع بين الأشياء. غير أن مايسمى بقوانين الانتخاب الطبيعي أو مايشابهها، تلك التي تلعب دوراً في الطبيعة، ينبغي أن تكون عبرة للإنسان في تسيير حياته في المجتمع، فالطبيعة تعبر عن نفسها بشكل واضح، انطلاقاً من أنها لا تعرف السكون، ولهذا ينقرض فيها ما لا قدرة لديه على الصمود والبقاء في وجه الحياة والظروف المحيطة، فيما تأخذ الموجودات الأخرى طريقها إلى الإرتقاء والنماء والتكاثر، انسجاماً مع منطق الطبيعة وقوانينها. إن من لا يعترف بتنوع الحياة من حوله، وتعدد ألوانها وأصباغها، ويسعى بشتى الوسائل لاعتماد لون واحد وتنحية بقية الألوان، اعتماد نمط واحد، وتدمير الأنماط الأخرى، إنما يقترف، حقاً، جريمة كبيرة وهو يقف في وجه منطق الحياة، ويحاول إعاقة القوانين الموضوعية للمجتمع، عندما يزعم بأنه الوحيد الذي يسير في طريق الحق والفضيلة، فيما يتخبط الآخرون في ضلالهم. إن في مثل هذه النظرة الأحادية الإرهابية مقتل إبداع المجتمعات، ومهما كانت تلك الجهة التي ترعاها، ومهما كان لون الفلسفة التي يقوم عليها هذا المجتمع أو ذاك. ولقد أثبت التطور الخطر للعلم الأرضي، أن لا طريق لإنسان هذا الكوكب، بغير الاعتراف بوجود نقيضه في المجتمع، حيث على قاعدة الصراع المشروع للأضداد، تسقط الفكرة البائدة ويموت النمط المهترئ، مهما كان مسلحاً بالقوة والجبروت آجلاً أو عاجلاً على طريق ولادة النقيض الذي يحمل في جوهره عند قدومه إلى الحياة، الاستجابة الموضوعية لحاجات المجتمع، الذي لا يعرف السكون. غير أن هذه الولادة تكون صعبة أو سهلة بمقدار مايكون ضغط العوامل المناهضة لولادتها، وغالباً مايرافق مثل هذه الولادات الجديدة المزيد من الفواجع، إذ لا يجري الاعتراف بشرعيتها قبل وصول نقيضها إلى الإفلاس، والطريق المسدود، مما يؤدي إلى دمارات موجعة للمجتمع، وليس هذا الحكم مقصوراً على السياسة وحسب، بل على مختلف البنى والإبداعات التي تشكل تراث المجتمع الروحي. إن إدراك العالم خطورة الوقوف في وجه الحق الطبيعي للظواهر والإبداعات الاجتماعية في التعبير عن نفسها، يفسر تلك المراجعة الواعية التي تشهدها مختلف نظم العصر (الاشتراكية والرأسمالية)... وعلى مساحة الخريطة الدولية لكوكبنا، بقصد تجنب المزيد من الانهيارات والأزمات الحادة الخانقة التي يمكن أن تدفع بالفرد في المجتمع إلى العنف والمجابهة، وربما بالمجتمع كله، في ظل المخاطر المدمرة المترتبة على أية مجابهة مهما كان شكلها. وبهذا أيضاً يمكننا أن نفسر الاستجابة الواعية والمبكرة لروح العصر، تلك التي تجري في وطننا الأردن، بقصد إعادة النظر في نهج الحياة القديم والبالي، وعبور المرحلة الجديدة التي تقوم في أساسها على الشروع بتأسيس القواعد المستقبلية للحياة الديمقراطية التي تتضمن الاعتراف الصريح والواعي، بوجود الحق المقدس لكل الأفكار والتيارات، وترك مسألة الحكم عليها للحياة وإرادة الشعب المتمثلة في أفكار ممثليه المعبرين عن إرادته وطموحاته في شتى مجالات الحياة، بما فيها المسألة الثقافية. ولقد عانى وطننا ومجتمعنا من كوابيس الثقافة المنحلة البائدة.. عانى من الثقافة اللا وطنية التي أضعفت لديه الانتماء الوطني والمسؤولية الوطنية حيث ساد في المجتمع نمط (الرجل الشاطر) ثمرة الحياة الاستهلاكية التي عززت الفردية والمصلحة الذاتية، وشكلت الإنسان الاستهلاكي الفاقد للضمير الوطني، والمهتم فقط بما يخصه، فضاقت دوائر انتمائه ومسؤولياته، وتضخم لديه حجم الذات، وقتلت فيه روح المبادرة والمحاسبة والمسؤولية. ولم يعد الوطن بنظره مهما إلا بمقدار مايؤمن له -كمظلة اجتماعية- استمرارية مصالحه الفردية الضيقة. هكذا أصبح وطن الفرد مصالحه.. وأصبح من السهل عليه أن يحمل هذا الوطن في حقيبة، ويودعه في مصرف أجنبي إذا ما انتفخت حقيبته... وكما شاع نمط (الرجل الشاطر) في التجارة والسياسة كثمرة للحياة الاستهلاكية، كذلك شاع كثمرة للثقافة الاستهلاكية، حيث شهدت ساحتنا الثقافية شطاراً وعيارين وبياعين جوالين يترصدون مطالب السوق... كل هذه العمليات الاجتماعية كانت تجري في غياب التثقيف الوطني المرتبط بأدوات التعزيز المادية، والتي تقوم في أساسها على الحياة الكريمة للمواطن، ومن خلال حقه المقدس في المحاسبة والنقد دون خوف أو إرهاب من أية مؤسسة ايديولوجية أو أمنية، والمجاهرة بآرائه وأفكاره في مواجهة مايراه جريمة ترتكب ضد الوطن، عبر سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية تهدد الكيان الوطني، وتشكل خطورة حقيقية على أمن الدولة أفراداً ومجتمعاً. إننا إذ نجد اليوم أنفسنا في المأزق الثقافي الوطني المروع والمقرف حقاً، إنما نسدد بذلك فواتير تلك السياسات الثقافية التي تم انتهاجها سابقاً، والتي تقوم على فلسفة الاستجابة لمتطلبات الحياة الاستهلاكية، دون النظر إلى المخاطر والكوارث والنتائج المدمرة، والأبعاد الوطنية التي تترتب على هذه الفلسفة، إضافة لعامل المناخات المسممة بأثر الحروب. لقد تربى إنسان مجتمعنا في مرحلة الاستهلاك والكبت على المنع من التدخل وإبداء الرأي والنقد. وقصر اهتمامه على مصالحه الخاصة. فالسياسة من المحرمات والتفكير من المحذورات... علمناه (إن هذا الأمر لا يعنيك، ولا شأن لك به فاحذر التدخل)، حتى وصل الأمر إلى رؤية الدمار فيما حوله، ولسان حاله يقول: (حايد عن ظهري بسيطة). واليوم، وأمام الأزمة، وأمام حاجة الوطن لكل الطاقات الواعية والقادرة والمسؤولة، نتهمه بالتقصير والافتقار للمواطنة، ونضعه في قفص الاتهام. نحن اليوم ككتاب، علينا أن نضع أصابعنا على الجرح، ونفقأ الدمل، ليخرج الصديد. ولا أرى أي داعٍ لليأس من المستقبل.. يجب أن نشير بأصبع الاتهام إلى الجهة المسؤولة تماماً عن هذا التردي الثقافي، الذي حطم الروح الوطنية للفرد في مجتمعنا، وجعل انتماء الفرد لأضيق الدوائر المحيطة بالذات، وهي المصالح الشخصية، مما أضعف إمكانات تنامي الشعور الوطني، واستعدادات التصدي الجماعي للمهمات الكبرى. وهذه جريمة وطنية علينا معالجة ذيولها بجرأة، كيلا تتكرر ثانية، ولكي يجري تدارك نتائجها بوعي. لقد انشغل إنسان وطننا -قبل وقوع الأزمة الحالية التي وضعت الجميع في المواجهة -بأشيائه الصغيرة التافهة قياساً للقضية الوطنية - بمصالحه، براحة باله، بمزاجه الخاوي.. ولقد كان محكوماً بمجموعة من الأنماط التثقيفية المدمرة المحيطة به من كل صوب، ولهذا فهو ضحية بمعنى من المعاني.. ولا يجوز أن نحمله كامل الإثم بسبب تردي ثقافته. فالمسؤول عن كل ذلك هو النظام الثقافي المحيط به ابتداء من منهاجه الدراسي، ومروراً بأجهزة الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، - الحكومة هي الأخرى بفلسفات عاجزة أو مدمرة أو قصدية - ووصولاً إلى كافة العوامل السياسية المناهضة لوعيه وثقافته. إنني أبشر بثقافة وطنية ديمقراطية جادة، ستفرض نفسها بالتأكيد وتشكل غطاء ايديولوجياً للحياة الجديدة، غير أن ذلك يظل مشروطاً بضمان نجاح التجربة الديمقراطية في وطننا، وهي الكفيلة فقط بوضع الثقافة البديلة، وطرحها بجرأة... هي الكفيلة بتصحيح مسار النهج الثقافي المدمر في وطننا، وإخراجه من سياسة التدمير والتخبط والتخريب إن حسنت النوايا، هي الكفيلة ببقاء الأفضل، وبتسهيل الحياة أمام قانون الانتخاب الثقافي، بعيداً عن القسر والإرهاب والفرض والقهرية.. وهي الكفيلة بإطفاء كشافات الضوء الترويحية والمسلطة على المبدعين الكذبة، أعداء الثقافة الوطنية الديمقراطية الجادة.. الكتاب الاستهلاكيون أبناء السوق.. الجاهزون تحت الطلب.. عبيد مصالحهم ومطايا الخوف... وهي الكفيلة بإخراج المبدعين الحقيقيين من مواقع التعتيم والمحاربة، فنحن جزء من هذا العالم. هلمّ بنا جميعاً لملاقاة تيار الثقافة الوطنية الديمقراطية الجادة، التي نثق بقدومها السريع، ثقتنا العلمية العميقة بجدلية الحياة، وحتمية ولادة المستقبل... ولكي يسهل علينا كعاملين في ميدان الثقافة اجتياز حواجز الواقع والوهم، لابد أن ندرك أهمية دورنا الواعي، وإسهامنا الضروري في حماية التجربة الديمقراطية، كي تمضي قدماً في طريق التقدم والتطور. حيث بنضال الجميع، يمكن الحيلولة دون حدوث انتكاسة إلى الوراء، مع إدراكنا أن المخاطر المحدقة بهذه التجربة قائمة داخلياً وخارجياً، بقصد وبغير قصد. لامجال لليأس، ولنتقدم بثقة نحو الثقافة الوطنية الديمقراطية والتقاليد الوطنية الديمقراطية، لإخراج الحلم إلى الواقع، فوراء هذا الانهيار الثقافي والتخلف الثقافي ظروف وأسباب معروفة للجميع، سوف لن يكون لها وجودها في ظل الديمقراطية وإشاعة الحريات العامة، التي ستعزز مسؤولية الفرد تجاه وطنه، وتربي فيه روح المواطنة والانتماء، وتؤهله للتصدي لكل المعضلات، وتجعله وهو يدافع عن وطنه، يحس بأنه يدافع عن كل مايملك، ولا يملك بالفعل سواه... وجميع المصالح أمام المصلحة الوطنية باطل... إلى الثقافة الوطنية الديمقراطية... ينبوعنا جميعاً للإبداع... إن الثقافة تراث إنساني شاركت في صنعه كل حضارات وشعوب العالم، وأسهمت في تكوينه قرائح المبدعين من أبناء أصغر الشعوب وأقلها شأناً إلى أكبرها. ولا تستطيع أمة مهما حشدت من الشواهد، أن تزعم لنفسها السبق على غيرها في تدعيم أركان الفكر الإنساني.. ذلك أن هذه الأمة - وإن بدت اليوم عملاقة- قد مرت في فترات ضعف وخمول، واستقبلت أكثر مما أعطت. وليس ذلك عيباً أو عاراً.. فبمقدار ماقدمت حضارتنا العربية وثقافتنا العربية وفكرنا العربي، بمقدار ما أخذ، وكذلك سائر الثقافات العالمية. وتشير مواقع الأرقام القياسية في تاريخ ثقافتنا العربية، إلى تلازم الأرقام الصاعدة مع حركة انفتاح ثقافي عربي بلا حدود ولا قيود تقريباً.. فقد انفتحت ثقافتنا العربية في العصر العباسي -بحذر أول الأمر- على مختلف الثقافات العالمية آنذاك، اغريقية وفارسية وتركية وهندية غيرها، ثم انفتحت انفتاحاً كاملاً على قاعدة الثقة بالنفس... ومن تلاقح هذه الثقافات مع ثقافتنا العربية الصاعدة، خرج المولود العباسي القوي، ليقف شامخاً إلى جانب أرقى البناءات الثقافية وأقواها... ولقد حاولت بعض القوى الاجتماعية إعاقة ذلك اللقاء النبيل والخير، بدواعي الخوف على الهوية، غير أن تركيبة المجتمع الإسلامي، ممثلة بالشعوب المتعددة آنذاك، حطمت كل الحواجز، ولم تستطع قوى الإعاقة ممثلة بالقوى التابعة للسلطة السياسية، الوقوف بوجه تيار التواصل الثقافي الجارف بحكم الدخول في الدولة الواحدة. كانت الحروب وعمليات الاحتلال تلعب دوراً حاسماً عبر التاريخ في استباحة ثقافة الغالب للمغلوب، والهيمنة عليها. وقد تركت هذه العمليات آثارها الإيجابية والسلبية على ثقافات الشعوب والأمم. ذلك أن المحتل يسعى دائماً من أجل إطالة عمر احتلاله، لفرض النمط الثقافي الذي يسهم في جعل احتلاله للآخرين أمراً مقبولاً، كما فعل بونابرت حين قدم إلى مصر يحمل معه كمّاً كبيراً من الكتب والأدوات العلمية والمطابع، تلك التي تركت آثارها الكبيرة على ثقافة مصر إلى اليوم. لقد أدت عمليات الاحتلال الثقافي والاستباحة، إلى تصدعات في البناءات الثقافية، وانهيارات موجعة للثقافات العالمية عبر التاريخ، ذلك أن الاتصال الثقافي غالباً ماكان يتم عن طريق الحروب وفرض الهيمنة السياسية، في أجواء محفوفة بالحذر والريبة لدى الثقافة المستقبلة، والهيمنة وبسط النفوذ لدى الثقافة المرسلة، وهذا يعني أن الاتصال الثقافي العالمي لم يكن يتم في مناخ صحي، بل كان مشوباً بالقهرية أو الاستلاب أو الانتقائية المشروطة من قبل الساسة- بما يتناسب مع سياساتهم الثقافية- وأحياناً التخبط، وهذا مارسخ لدى الشعوب فكرة (الهوية الخاصة)، والتصدي الأعمى لما يسمى الغزو الثقافي القادم من الخارج، ومع الشعوب العذر في ذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي كانت تتم بها عمليات الإتصال الثقافي تلك.. ولقد (دافعت) سلطات البلاد المستقلة والمستعمرة، عما يسمى (بهوية بلادهم الثقافية)، دفاعاً أعمى في أكثر الحالات، وكانت في واقع الحال تدافع عن نفسها، وعن ثقافتها التي تشكل غطاء ايديولوجياً للاستمرار في الحكم، خشية تأثير هذه الثقافة بما يتناقض مع المطلوب. كما وصل الأمر بسلطات هذه البلاد أو تلك إلى تصفية النتاج الثقافي لأبناء أوطانهم، هذا النتاج الذي توقف الشعب عنده بكل احترام في أزمنة لاحقة، وأدركوا عندما درسوه، مدى الخطورة التي كان يشكلها على الحكم في حينه، ونستذكر في هذا السياق، كتاب الشيخ ( علي عبد الرازق): "الإسلام وأصول الحكم"، الذي أحرقته سلطات الخديوي في موطنه. لقد بادرت نظم العالم الديمقراطي إلى فتح كافة قنوات الاتصال الثقافي دون حذر أو خوف، وبكل ثقة بالنفس، انطلاقاً من قناعاتها بأن الثقافة الإنسانية نتاج الإنسان حيثما كان... وقضية الثقافة الإنسانية في المجتمع الديمقراطي لا تتجزأ، ولا تحد بقيود أو حدود. ولقد أسهم تطور العلم ووسائل الاتصال الثقافي المعاصرة في إنجاح التجربة الثقافية في أوروبا الديمقراطية والعالم الديمقراطي، فازدهرت إبداعات هذه الشعوب، واغتنت، وأصبحت مراكز استقطاب ومنّارات لثقافات النظم المختلفة، فقد تشكلت الحياة الثقافية في هذه النظم دونما ترغيب أو ترهيب، فازدهرت التيارات الثقافية القابلة للحياة. وتنحّت تيارات حكمت عليها الحياة بالموت، وراجت تيارات براقة رأس مالها الطرافة والجدة، لكنها سرعان ما انكشفت وتوارت كموضة قديمة. واليوم، ونحن نستقبل الديمقراطية السياسية، لابد أن يكون لدينا القناعة التامة، بأن الانفتاح الثقافي، ينبغي أن يلازم الديمقراطية السياسية، فكما التعددية في السياسة، كذلك التعددية في الثقافة. ومادمنا جميعاً قد قبلنا في السياسة بأن نحتكم إلى الحياة والإرادة المستقلة والخيار المستقل لإنسان وطننا، فإنه من الخطأ والإجحاف أن نقع في التناقض ونحن نطبق الديمقراطية على الثقافة، فنبدأ بوضع القيود والحدود لهذه المسألة أو تلك. علينا الاقتناع بأن المرادف الثقافي للديمقراطية السياسية هو الانفتاح، والثقة بالنفس، وعدم الخوف والحذر من الاتصال الثقافي، ومن حق كل التيارات الإبداعية التي تنشأ في الداخل، أو الخارج، أن تجرب حظها في الحياة، وقدرتها على الاستجابة لروح الشعب دون منع أومحاربة أو قصدية، ذلك أن المنع والقهرية، هما أفضل الأشكال الدعائية لترويج الأنماط الثقافية الممنوعة. وكل ممنوع مرغوب وجذاب... وربما تواجه دعوتنا هذه بالرفض والاحتجاج ممن يعتقدون أن مثل هذا الانفتاح اللامحدود، سيهدد هويتنا الثقافية، ويعرضها للضياع، غير أننا ندرك أن الهوية الثقافية لا تحميها القرارات، فهي ليست بطاقة شخصية غير قابلة للإضافة أو التعديل، بل ينبغي على الهوية الثقافية لكي نضمن لها الحياة أن ندعها باستمرار جاهزة لاستقبال بيانات إضافية، تواكب العصر وتعكس الجوهر المتحرك والغني للحياة من حولنا، وسوف نرى كيف تستكمل هويتنا الثقافية شروطها للحياة، في ظل الديمقراطية والانفتاح الثقافي الواعي.وهو خير طريقة لحماية هويتنا الثقافية، ولبناء ثقافة وطنية ديمقراطية جادة. وقد يبدو الأمر في بدايته فوضى ثقافية، ولا نستغرب أن يطفو على السطح شوائب أو أوشاب، بدواعي طموحات التجديد أو التجريب، أو الحداثة.. فليكن الأمر كذلك... لا ضير، فلن تستطيع البدعة الثبات طويلاً، وسوف تخرج من حياتنا الثقافية مطأطئة الرأس مهزومة، ولن يثبت من التيارات والإبداعات إلا ما يستجيب للحياة، ومايستمد شرعيته منها، ومايحمل منها من مقومات الإقناع والاستمرارية. وكما أن الوقوف المسبق بوجه أي من التيارات السياسية رسمياً أو شعبياً إرهاب ترفضه روح الديمقراطية السياسية. فإن الوقوف في وجه تيارات "التجديد" الإبداعية إرهاب مسبق أيضاً، ترفضه روح الديمقراطية الثقافية والانفتاح الثقافي الأساس الذي قامت وتقوم عليه جميع التيارات... وبهذه الروحية ينبغي على "دعاة التجديد"؟!. الذين يستمدون شرعيتهم من نفس العصر، ألا يسوّغوا لأنفسهم نبذ التيارات الواقعية والاستخفاف بها، فهي ابنة الحياة التي عكست حياة شعبنا ووطننا بكل مسؤولية، عندما كانت المسؤولية ممنوعة وتعاقب عليها القوانين في غياب المشاركة الشعبية.. هكذا، يتبين لنا مخاطر الانغلاق الثقافي، الذي تصر عليه بعض الأوساط المحافظة، بدعوى الدفاع عن الهوية الثقافية وصيانة "الخصوصية"، التي تتمتع بها ثقافتنا الوطنية، وبينا أن المرادف الثقافي للديمقراطية السياسية التي يعبرها وطننا اليوم، هو الانفتاح، والثقة بالنفس، والاعتراف بالتعددية الثقافية، إيماناً منا بالاحتكام للحياة والإرادة المستقلة، بعيداً عن الترغيب والترهيب والقهرية والقصدية، والدعائية والترويج، وترك المجال مفتوحاً لكل التيارات الثقافية ليزدهر منها ما يستجيب لروح الشعب، ويتوارى ماتحكم عليه الحياة بالموت. ولكي لا تكون حياتنا الثقافية الجديدة ورقة في مهب الريح، نهتز ونتخبط ونقوم ونكبو أمام مغريات التيارات الثقافية البرّاقة، التي ستجد طريقها إلينا، وستدخل حياتنا الثقافية بعنف في أجواء الديمقراطية السياسية والثقافية، ولكي لا تستهلك منا المزيد من الوقت حتى تخرج من حياتنا الثقافية ونتخلص منها، لابد أن نواجه المرحلة القادمة بروح جديدة وبمعنويات عالية، مستندين إلى ضرورة الانفتاح اللامشروط، على قاعدة الثقة بالنفس من جهة، ومتنبهين إلى ضرورة امتلاكنا لأسلحة الثبات المواجهة، كيلا تتسيب حياتنا الثقافية من جهة أخرى، ولكي نقدم لشعبنا الثقافة البديلة الجادة التي تسهم في تدعيم أركان التربية الديمقراطية لإنسان وطننا. إن الاستناد إلى الجوانب المجيدة من التراث الثقافي القومي، واحد من أهم أسباب الثبات والمواجهة، ومقومات استكمال "الهوية الثقافية" لمن يصرون على هذا المصطلح. فلا انغلاق ولا تنكر للماضي.. وكما يقول الشاعر السوفييتي "رسول حمزاتوف": من أطلق رصاصة على ماضيه، أطلق المستقبل مدافعه عليه. إذن، وشأن كل الإبداعات الإنسانية لابد أن يكون لحركتنا الثقافية عموماً، والأدبية على وجه الخصوص، "تاريخ وقصة.... قصة لها ماضيها وحاضرها ولها المستقبل، قصة لا تتنكر للماضي، ولا تنخدع بأوهام الحاضر، ولا تتوجس من المستقبل. كيف نقبل على تراثنا ونتعامل معه من المنظور الديمقراطي ونحن أحوج مانكون اليوم، إلى أن نشد الجذور إلى السيقان، لتزدهر شجرة التاريخ، وتؤتي ثمارها؟ عندما ندعو إلى التوجه نحو التراث، فإننا ندرك جيداً، أننا لا نزف خبراً جديداً، ولا نسوق بدعة لم يسبقنا إليها أحد.. فقد راح الكثيرون من أساتذة جامعاتنا ومعاهدنا العلمية في السنوات الأخيرة المنصرمة، يدفعون بتلاميذهم إلى المكتبة العربية دفعاً، منتظرين منهم أن يعودوا بالدرر، وهي موجودة في تراثنا المجيد بلا ريب لكن هؤلاء التلاميذ، وكذلك العديد من الباحثين الأساتذة يرجعون بالخيبة وفي أغلب الأحيان لا يلوون من الصيد على شيء، إذ يبتهجون وهم يعودون إلينا من رحلتهم في التراث بالأخبار السارة.. قال فلان. وروى فلان وروي عن فلان.. إلى غير ذلك من الطرق الإخبارية المروية بروح الناقد السلفي، العاشق المتيم بتراثه، المتحيز لمحبوبته، والمؤمن بجمالها مسبقاً إيماناً أعمى، وليس الباحث المناقش الفاحص المستنتج المتسلح بخلفية علمية موضوعية، وبرغبة مؤكدة لإحياء التقاليد التراثية التي كانت تعكس الجانب التقدمي والمستقبلي الإنساني من آثار السلف، مما يستجيب في جوهره لليقظة وللعودة إلى الحياة مجدداً، أو إعادة إنتاجه فنيا بما يناسب الحياة، لتحقيق التواصل بين الماضي والحاضر كي يتكاتفا من أجل التأسيس لمستقبل ثقافي مزدهر. لا نريد أن نكرم أجدادنا بارتداء ملابسهم والتزيي بزيهم والاكتفاء بذكر أقوالهم والتغني بأفعالهم، بمقدار ما نتمثل ونعيد إنتاج مواقفهم الإبداعية التي خلدت شموخهم الإنساني. إن مقولة تأصيل التراث والثقافة العربية، والعودة إلى تراثنا تظل في كل الحالات مقولة صادقة ومشروعة، وهي تسهم جدياً في تثبيت الشخصية العربية المعاصرة، ودفع الثقافة العربية إلى الأمام. كما تمكننا من المنظور الديمقراطي والمنفتح، من إستيعاب ثمار العصر من منتجات الفكر الإنساني والثقافة الإنسانية وهضمها ومزاوجتها بثقافتنا العربية. وتجنبا لإرتكاب الجرائم الثقافية. لا بد أن يكون إيماننا بالديمقراطية الثقافية والفكر الحر مسبقاً وأكيدا. فلقد أقبل الدكتور طه حسين ذات يوم على هذا التراث منطلقاً من الشك في كل الحقائق والمسلمات، وانتهى في كتابه (في الأدب الجاهلي) إلى نتائج مرعبة ومؤرقة لأصحاب العقول السلفية، الذين يتلذذون بأخبار التراث، ويعيشون على المسلمات.. ولكنه انتهى إلى الهزيمة. وترك مصر هارباً في حينه. وتكررت المأساة مع الباحث الفلسطيني (بندلي الجوزي) الذي ترك القدس هارباً هو الآخر خلال العقد الرابع من هذا القرن، حيث دفع ببناته السبع إلى صفوف الجيش الأحمر، تعلك لحومهن رحى الحرب العالمية.. ولا يتسع المجال لذكر مصاعبه وآلامه.. واليوم، تتبلور ملامح اتجاه علماني موضوعي لدراسة هذا التراث. وتقف على رأس هذا الاتجاه، دراسات الراحل الدكتور (حسين مروة) والدكتور (الطيب تيزيني) الذين يسجل لهما شرف الريادة في هذا المجال، إضافة لمن سبقوهما من مبدعي الفكر في الوطن العربي، وعلى الأردنيين -من مواقع الديمقراطية- أن يصبوا في هذا الاتجاه ويدفعوا به قدماً إلى الأمام.. إن دراسة التراث مهمة من أصعب المهمات، ذلك أن المعيقات التي تقف بوجه هذا الاتجاه كثيرة ومتعددة ومتنوعة. والانطلاق إلى دراسة هذا التراث بجدية وحرية دونما معيقات تذكر، يعزز هذا الاتجاه العلمي، ويتيح له الفرص للوصول إلى أروع النتائج، بعد أن ينقب عنه ركام التاريخ. وهو كفيل بأن يعرفنا بوضوح على كل الجوانب التقدمية في تاريخنا العربي وحضارتنا العربية الإسلامية. وكفيل بأن يصل الماضي بالحاضر، ويشد السيقان إلى جذورها لتصمد وتتعزز، ولا تعود مستقبلة وحسب، بل مساهمة ومشاركة. إن المناخ السياسي، الذي يميز وطننا اليوم بطابع الخطاب الديمقراطي، كفيل بأن يحتضن كل الجهود العلمية الجادة، ويحميها، على أن يكون إيماننا بسيادة الخطاب الديمقراطي فيما بيننا لا جدل عليه، مساهمة منا بتكريس الثقافة الوطنية الديمقراطية.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |