|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حوارات حول التطبيع ليس للتطبيع -كمفهوم- سواء كان التطبيع السياسي أو الثقافي الاقتصادي سوى مدلول واحد، وهو إعادة الأمور والأشياء إلى طبيعتها، بوصفها في الأصل ليست طبيعية. فالحديث عن التطبيع في هذا الميدان أو ذاك، ينطوي أولاً على الاعتراف بأن العلاقات في وضع غير طبيعي. وينبغي إعادتها إلى وضعها الطبيعي. وهذا هو مفهوم التطبيع الذي شاع سياسياً في العالم.. ويكثر الحديث عنه كلما اتجهت دولتان متحاربتان أو أمتان متصارعتان نحو حل صراعاتهما السياسية سلمياً والنزوع لإقامة علاقات طبيعية فيما بينهما. والمعروف أن الدول التي تنحو منحى السلام كخيار بديل للحرب ولإقامة العلاقات الطبيعية فيما بينها (التطبيع)، تسعى أولاً لحل الأساس الذي قامت عليه العلاقات غير الطبيعية. لأن هذا الإجراء، هو الرافعة الحقيقية التي يقوم عليها التطبيع، والدعامة الأساسية للسلام بين أمتين متصارعتين. فإن انجز هذا الجانب، فإن الأساس الذي تقوم عليه العلاقات غير الطبيعية، لا يعود موجوداً ولهذا يكون الزمن كفيلاً بكتابة تاريخ جديد من العلاقات الطبيعية، بعد أن تم تفكيك عناصر الصراع وقبل الطرفان بالحلول العادلة والمعقولة. ويمكن أن تكون أوروبا اليوم التي شهدت خريطتها أكثر من تغيير، مثالاً حياً على إمكانية إقامة العلاقات الطبيعية فيما بين المتحاربين بعد كل تلك الحروب الأوروبية التي كانت تنتهي باستكمال أمة ما لشروطها المادية كظاهرة اجتماعية. وإلا فإن الحرب الباردة أو الساخنة، سوف تظل تتلظى تحت الرماد، وتنذر بوشوك اندلاع القتال والاحتكام للمجابهة مجدداً. وقد تفرض على أمة مغلوبة ما، حلول قهرية لا تنطوي على العدل.. هذه الحلول لا تعدو تسوية سياسية مؤقتة، وعملية تأجيل أو قبول بالتأجيل من قبل المغلوب. لكن بيات الثأر الشعبي في ظل الحلول الظالمة المفروضة على المغلوب، أخطر من بقاء حالة الحرب والعداء لأن الأساس المادي لاندلاع الحرب مجدداً لا زال قائماً، وفي أية مناسبة، وفي ضوء أي تغير لاحق يمكن أن يصبح الوضع قابلاً للانفجار. ومن هنا جاءت الحكمة في حق الشعوب في تقرير مصيرها وإقرار العقلاء بذلك. إذن، وفي ظل اللجوء إلى الحلول العادلة، فإن التطبيع يجري بتلقائية بين الأمم. ولا يعود طرحه قضية ملحة وحامية!.. فقط، يكفي الإعلان في ظل الحل العادل عن رغبة المتحاربين في إقامة علاقات طبيعية وحسن جوار، لتبدأ عندها العمليات الاجتماعية والاقتصادية التي تحمل مفهوم الضرورة، تفعل فعلها وتتوالد بشكل تلقائي. لكن الحديث الملح عن التطبيع وضروراته، يعطي وحده أكثر من مؤشر، فالحل ليس عادلاً، بل قهرياً ومفروضاً. وهو فرض تبعات واستحقاقات وشروط الغالب المفروضة على المغلوب.. ولأن الغالب يدرك أنه لم يقدم للمغلوب حلاً عادلاً يفضي إلى علاقات طبيعية تلقائية، فإن الزامه الآخر (بالتطبيع) يصبح شرطاً إضافياً. وهذا هو التعبير المادي للقهر. والترجمة العملية لاقتحامية المنتصر، ولا أخلاقيته وتضليله، وتعميته للجوهر الحقيقي للسلم.. إن المنتصر فرض السلم (الاستسلام) على المهزوم. ويريد أن يتبع انتصاره العسكري والسياسي بفرض سبل الاستباحة الثقافية والاقتصادية والسياسية فيما يسميه (التطبيع).. أنه يريد كل شيء! المشكلة في أن الغالب والمغلوب يفهمان الجزء الأول من العملية ويتعاملان مع المتاح والمشترك فيما بينهما، فيما يتعلق بالعملية السلمية، إذ يسكت المغلوب عما لا قدرة لديه على استعادته من حقوقه الضائعة، ويمنح الغالب السلم للمغلوب في مقابل تنازلاته الآنفة!! في التسويات السياسية التأريخية يحدث هذا وتؤجل ثارات الشعوب عقوداً وربما قروناً.. لكن (التطبيع) لا يحدث لأنه لا يكون مع القهر، وسرعان ما تعود أطراف الصراع إلى المجابهة مع أول فرصة تلوح، وأثر إية تغيرات تساعد الطرف المغلوب على ركل الهدنة. الأدهى أن الغالب يفرض التطبيع وكأن الحقوق وصلت إلى أصحابها، والأكثر دهاء أن المغلوب يتراخى لهذا الفرض القهري، ويدعو له، لا بل يمكن أن تجد له المروجين والمنظرين حتى رغم أنه يبقى عادة السلاح الوحيد بأيدي الأمم المغلوبة، والتي فرضت عليها حلول المنتصرين السياسية لأن تأجيل التطبيع يعني في أبسط مفاهيمه، إن الأمة المغلوبة قد قبلت بالغلب العسكري كحل مرحلي، لكن حقوقها لم تصلها بعد وسوف تناضل من أجل الحصول عليها. ولهذا لن تقوم علاقات طبيعية ومن هنا، فإننا نوافق الجماهير على مشروعية التساؤل المطروح: هل إنهاء المقاطعة العربية لإسرائيل عامل يساعد في الحصول على الحقوق العربية أم يساعدها في التنكر لتلك الحقوق" والجواب واضح بنظرنا- ويكمن في الاحتمال الأخير، لأن الأيديولوجية التي تقوم عليها إسرائيل في الأصل عدوانية، ولا ترجع إلى أية منظومة أخلاقية لدى إعادتها النظر في قضية صراعها مع العرب. إن مقاومة التطبيع -كما نفهمها- وعلى وجه الخصوص التطبيع الاقتصادي، يظل سلاحاً أخيراً بيد الجانب العربي، وضاغطاً. وإن إنهاء المقاطعة قبل أن تظهر أية بوادر فعلية لإستعادة الحقوق أمر مستعجل لن يقدم للجانب العربي مكسباً، ولن يمده بقوة إضافية في معارك التفاوض حالياً أو في المستقبل سواء لمن أنجز اتفاقاً أو هو في طريقه إلى انجازه.. والسؤال: هل هزمنا إلى هذا الحد لنقبل بالغلب و(التطبيع) في آن معاً..؟ ونتعامل مع الأمر على أنه مرحلة تاريخية وضرورة تأتي على شكل هدنة؟ الجواب بنظرنا لا.. بعد كل تلك الهزائم وتلك الجرائم بحق العقل العربي فإنه يمكن النظر في أي حل والتداول بأي عرض مقابل السلام.. فأي عرض يقبل ويرفض في ضوء قدرتك ودقتك في تحديد وضعك وتقدير ظروفك وقدراتك.. ولهذا، فإن ما كان مرفوضاً قبل عشرين سنة، قد يصبح اليوم مقبولاً والعكس صحيح، ومحتمل، في ضوء، تبدلات موازين القوى.. إن التطبيع ينبغي أن يرتبط بمبدأ وصول الحقوق إلى أصحابها فلا تطبيع قبل أن يستكمل الأردنيون ما جرى تفويته عليهم بسبب فرض الحلول الانفرادية.. ولا تطبيع قبل عودة مرتفعات الجولان إلى الجمهورية العربية السورية، وأراضي الجنوب إلى اللبنانيين ولا تطبيع قبل وضع نهاية لمعاناة الشعب الفلسطيني ووصوله إلى حقوقه المشروعة لأن تحقيق كل ما ذكر، هو الذي يمكن أن يشكل مناخاً معتدلاً لتطبيع سلمي تلقائي ينطوي على مفهوم الضرورة وتبادل المنافع، وليس تطبيعاً قهرياً ومفروضاً في ظل منع الحقوق عن أصحابها. ولقد أصبح الحل السلمي اليوم مقبولاً في الطرف العربي. ومن قبل سياسيين ومناضلين لهم تاريخهم سواء منهم من كان في السلطة وما يزال، أو في ميادين الكفاح الشعبي.. ولا يجيز قبولهم بالحل للآخرين. أن يلحقوهم بقائمة الخونة. ولنتذكر أن جميع المناضلين من الشيوعيين والقوميين الوطنيين والسياسيين الواقعيين قد اتهموا بالخيانة لدى إعلانهم عن قبولهم بمبدأ الحل السلمي -كبديل عن التحرير- أثر أية محطة من محطات الصراع العربي الإسرائيلي.. والمحزن أن جهة الاتهام دائماً واحدة هي هي! والمحزن أكثر، أن تنشطر مهمة المناضلين والسياسيين الواقعيين اليوم بانشطار تلك القوى اللاعقلانية التاريخية الاتهامية في اتجاهين: الأول: وقف تداعيات وانهيارات المنهارين من تلك القوى التاريخية والذين قدموا لإسرائيل بسياساتهم اللاواقعية فيما مضى، وعبر محطات الصراع العربي الإسرائيلي كل الذرائع التي مكنت إسرائيل من افشال أي حل أفضل بسبب مزاودة تلك القوى وتمسكها بشعار التحرير الكامل.. وإذا بهم اليوم ينهارون دفعة واحدة، ويدخلون في مسلسل التنازلات فيما تصبح مهمة المناضلين الواقعيين العمل من أجل وقف انهياراتهم وتراجعاتهم. والثاني: مواجهة اتهامات من تبقى منهم على العقلية السابقة، واللاعقلانية التي اعتدنا عليها، والنضال من أجل جرهم للإسهام في المهمة التاريخية الراهنة اليوم، واستثمار طاقاتهم الوطنية القومية لمواجهة المهام الجديدة. إن مقاومة الانهيارات القادمة والوقوف بوجه التطبيع الذي يعني فيما يعنيه أن حقوق المهزوم قد أعيدت إليه يجب أن تستمر سواء ممن قبلوا بالاتفاقين أو رفضوهما إلى أن تعود الحقوق المشروعة ولو بعد حين. فقد قدمت أمتنا وصبرت السنين الطويلة ولا يضيرنا احتمال المزيد.. وقد يتطلب انجاز السلم سنوات بحجم سنوات الحروب. وخاصة عندما يكون الخصم مثل إسرائيل. بقي أن نقول إن الكثيرين ممن يتباهون بتميزهم في مقاومة التطبيع على غيرهم ليسوا أكثر من سذج إذا كانت مقاومة التطبيع في أذهانهم مقترنة برفض الحلول السلمية.. أية حلول وعدم الاعتراف بوجود إسرائيل كطرف في العملية. ولا يدركون المفهوم الإسرائيلي (للسلام)، حين لا يميزون بين سياسي يرى في الحل السلمي فاتورة قدرية لاستحقاقات المرحلة التي ابتليت بها أمته، وكانت تلك الطفولية والثورية الحالمة إحدى مصائبها عبر كل المراحل والمحطات -وبين مفرط بالحقوق الوطنية لشعبه.. وبالمناسبة فإننا واثقون كل الثقة، إن السلطات الوطنية العربية في الأقطار التي شهدت الحل السلمي، والتي ستشهده لاحقاً، هي ضد التطبيع بفعالية ليست أقل من لجان مقاومة التطبيع الشعبية المعارضة في بلدانهم وقد يبدو هذا الكلام مستهجناً -لأنها أي السلطات تعتبر مقدرات بلدانها بما فيها عقل المواطن، وثقافته وطاقته حوزة وطنية لها. ولا يمكن أن تقدمها لإسرائيل على طبق من ذهب! لن يبقى لها في هذه الحالة، ما يعزز وجودها في الحكم واستمراريتها. وحتى لو طرحت هذه السلطات الرسمية التطبيع كضرورة مرافقة للعملية السلمية فذلك لخطاب العالم ولإثبات وفائها لما وقعت عليه من اتفاقات ليس أكثر لأنها في حقيقة الأمر تدرك خطورة ترك الحبل على الغارب، وهي تعرف أن الخصم أقوى منها في جميع المجالات، ولأنها ستخسر شرائح من شعبها بالكامل، في ظل غياب البنى التحتية التي تضمن ولاء الإنسان لكيانه، ومن هنا ينبغي على تلك النظم أن تسارع في إنجاز أدواتها الثقافية والاقتصادية والسياسية الوطنية بالاستناد إلى الشعب، قبل أن يجيئها الطوفان.. وعلى دعاة مقاومة التطبيع -وبخاصة الثقافي- من جانبهم أن يوجهوا جهودهم بعيداً عن التجريم والاتهامية و(فش الخلق) إلى الإسهام في إعداد الأدوات والبنى الثقافية الوطنية، التي ستحول دون التحاق عناصر منهم بالنهج العام وبالمشروع الاسرائيلي للثقافة العربية في ظل غياب الأدوات الوطنية.. إن النضال من أجل إنجاز دار وطنية للنشر تحمي الكاتب من السقوط في حبائل المشروع الإسرائيلي للثقافة العربية -أهم من كل الجعجعات الفارغة، ومن سياسة إدارة القفا لما يجري إلا إذا أصبحت إدارة القفا أعلى درجات الكفاح الوطني وأرقى أشكال مقاومة التطبيع الثقافي. إن الخطورة التي تحدق بثقافتنا القومية اليوم لا تكمن في الثقافة الإسرائيلية نفسها. فهي لن تصبح مقبولة إلا إذا سلمنا بأنه يمكن لأمة ما أن تصبح أمة أخرى. ذلك أن لكل أمة ثقافتها التي صاغت وجدانها القومي... الخطورة في أدوات اسرائيل الثقافية التي ستسعى -في غياب أدواتنا الوطنية -إلى ترويج التيار العدمي في الثقافة العربية ذلك التيار الذي ما انفك ينشد الانعتاق من كل ما يمكن أن يعيق انطلاقته بما في ذلك القضايا الوطنية والقومية.. وهذا التيار غير المرتبط بالحياة موجود في ثقافتنا وليس جديداً ولأنه تعبير عن بعض إيقاع الحياة، فهو موجود منذ طرفه وامرئ القيس وحتى أصغر أديب في وطننا.. لكن هذا الأديب العدمي الصغير سيصبح غداً أديباً عملاقاً أمام الترويج والإضاءة والأعطيات والجوائز ومنح المراكز الثقافية والمؤسسات المشبوهة ودور النشر التكريمية.. ومن هنا تنبع ضرورة النضال من أجل إنجاز أداة ثقافية واحدة.. وتبدو المهمة أكبر من كل ضجيج أو إدعاء أو تباه والأمر كذلك في جميع ميادين مقاومة التطبيع السياسي منها والاقتصادي والاجتماعي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |