تحديات الفكر والثقافة العربية ( في الفكر والأدب) - الدكتور: سليمان الأزرعي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشروع الثقافي العربي والمتغيرات الراهنة

إذا كنا نسعى كمثقفين عرب إنسانيين، نتوق لترجمة الجوهر الإنساني الكامن في ثقافة أمتنا، على طريق تشكيل لغة خطاب إبداعي عصري محترم لثقافات الأمم وشعوبها، ولجماهير أمتنا قبل كل شيء، فلا بد أن ننطلق أولاً من الاعتراف بالتنوع كواقع موضوعي في شتى مجالات الحياة، مما يضعنا وجهاً لوجه أمام موضوعة الديمقراطية، المخرج الأول من أزماتنا الثقافية وغيرها من الأزمات. فالموجودات المادية متنوعة في الطبيعة ولا متناهية في الصغر والكبر واللون والشكل والموجودات الفكرية متنوعة في المجتمع والموجودات الإبداعية في شتى المجالات متنوعة أيضاً، وفي مثل هذا التنوع والتعددية يكمن جوهر الصراع الطبيعي بين الأضداد مما يفضي لدينا إلى التسليم بحق الوقائع المادية- على اختلافها- في الحياة هذا أولاً وقبل كل شيء.‏

وتماماً كما تعبر قوانين الانتخاب الطبيعي عن نفسها في الطبيعة، ينبغي أن تعبر الظواهر الإبداعية عن نفسها. فالطبيعة التي لا تعرف السكون، ولا تتوقف عن الحركة، ينقرض فيها كل ما لا قدرة لديه على الصمود والبقاء في وجه الحياة ومواجهة الأضداد، في سياق ما يسمى بديالكتيك الطبيعة، بينما تأخذ الموجودات الأخرى طريقها إلى النماء والارتقاء.. انسجاماً مع منطق الطبيعة وقوانينها.‏

إن من لا يعترف بتنوع الحياة وغناها من حوله، وتعدد ألوانها وأصباغها، ويسعى بشتى الوسائل لاعتماد لون واحد وتدمير بقية الألوان، اعتماد نمط واحد ونفى الأنماط الأخرى، إنما يقترف، حقاً، جريمة كبرى، وهو يقف في وجه منطق المجتمع، ويحاول إعاقة القوانين الموضوعية له، عندما يزعم أنه الوحيد الذي يسير في طريق الحق والفضيلة، بينما يتخبط الآخرون في ضلالهم، وهو الوحيد الذي يقرر مسألة الخيار في كل شيء، فيما يسميه التنمية على جميع الصعد!‏

إن في مثل هذه النظرة الأحادية الإرهابية مقتل المجتمعات. ومهما كان لون تلك الفلسفة التي يقوم عليها هذا المجتمع أو ذاك.‏

فلقد أثبتت الحياة مع تطور العلم الأرضي، ألا طريق لإنسان هذا الكوكب، بغير الاعتراف بوجود نقيضه في المجتمع. حيث على قاعدة صراع الأضداد، التي تتوالد بفعل التطورات المادية في المجتمع، تسقط الفكرة البائدة والقيمة البليدة بإنهيار أساسها المادي، الذي كانت تستمد منه قوتها، مهما كانت مسلحة بالقوة والجبروت -المعبر عنها على شكل سلطة حكم -عاجلا أو أجلاً، على طريق ولادة النقيض الذي يحمل في جوهره الاستجابة الموضوعية لحاجات المجتمع، الذي لا يعرف السكون، والتعبير الصادق عن الأساس المادي الذي يستند إليه وهو متحرك في الأصل.‏

إن موقف القوى الاجتماعية السائدة في الحكم من استقبال المواليد الجدد في البنى الفوقية للمجتمع، والتي تشكل في مجموعها منظومة ثقافية ناتجة عن تحولات في الأساس الاجتماعي، هو الذي يحدد الجوهر التقدمي أو الرجعي لموقف تلك القوى، بقطع النظر عما ساد من تسميات وتصنيفات مغلوطة وغير واقعية في الحقبة المنصرمة، قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، الذي فقد ثوريته وتقدميته مع الزمن، وتحول فكر القوى الاجتماعية السائدة فيه، إلى منظومة محافظة عاجزة، وثنية الإيقاع، تحارب الجديد ولا تعترف بالمستجدات.. فيما مارست بعض القوى (الرجعية) تقدميتها بجرأة بالغة، من خلال إدراكها للمستجدات، وملاقاتها للظواهر القادمة، والاحتفاء بها، وتمهيد المناخات المناسبة لها، قبل أن تجثم بثقلها على المجتمع والتعامل معها كمواليد جميلة، بدلاً من رفضها وإعداد العدة لمحاربتها.‏

وهنا يكمن جوهر الموقف التقدمي في استقبال الظاهرة، بقطع النظر عن هوية ذلك النظام، وما شاع عنه من تسميات وتصنيفات.. وسيظل كل من يحاربون النتائج المادية لحركة المجتمع -ولا يستقبلونها بعقل متفتح -رجعيين على مر التاريخ، كما كانوا منذ البدء.‏

إذا، فولادة الظواهر تكون صعبة أو سهلة بمقدار ضغوطات العوامل المناهضة للأجنّة القادمة. إذ غالباً ما يرافق الولادات الجديدة في المناخات المسممة وغير الديمقراطية والتقدمية الرؤية، المزيد من الفواجع إذ لا يجري الاعتراف بشرعية الظواهر قبل وصول نقيضها إلى الإفلاس، ووصول من يتبناها إلى الطريق المسدود، مما يؤدي إلى دمارات وانهيارات موجعة للمجتمع، إثر تجاهل القانون الطبيعي لجدلية الحياة!‏

وهنا تكمن أهمية المراجعة الواعية، التي تشهدها بعض نظم العصر، ممن يدركون اللعبة، بهدف تجنب المزيد من الانهيارات والأزمات الحادة الخانقة- التي يمكن أن تدفع بإنسان المجتمع إلى العنف والمجابهة، وربما بالمجتمع كله، في عملية تقوم على تأسيس القواعد المستقبلية للحياة الديمقراطية، التي تتضمن الاعتراف الصريح والواعي بوجود الحق المقدس لكل الأفكار والتيارات، وترك مسألة الحكم عليها للحياة، والإرادة المستقلة، والاحترام لعقل الأمة بعيداً عن الوصاية.‏

ولقد عانى وطننا العربي ومواطننا ومجتمعنا من كوابيس الثقافة المنحلة، الرجعية المضمون.. عانى من الثقافة المفروضة عليه من وجهة نظر نظام الحكم السائد. وبقطع النظر عن النوايا، فقد ساد في المجتمع العربي عموماً نمط"الرجل الشاطر" ثمرة الثقافة الاستهلاكية والحياة الاستهلاكية، التي عززت الفردية والمصلحة الذاتية، وشكلت الإنسان الاستهلاكي الفاقد للضمير الوطني والإنساني، والمهتم فقط بما يخصه. فضاقت دوائر انتمائه ومسئولياته، وتضخم لديه حجم الذات الفردية بدل الذات المجتمعية، وقتلت فيه روح المبادرة والمحاسبة والمسئولية. ولم يعد الوطن بنظره مهماً إلا بمقدار ما يؤمن له-كنظام اجتماعي- مظلة لاستمرارية مصالحه الفردية الضيقة!! هكذا أصبح وطن الفرد مصالحه! وأصبح من السهل أن يحمل هذا الوطن في حقيبة، ويودعه في مصرف أجنبي!‏

ولقد استجاب عدد من العاملين في ميدان الثقافة، سواء على صعيد التربية أو على صعيد الإبداع، لمتطلبات وذوق السوق الاستهلاكية، واستغلوا أدوات نظم الحكم الإعلامية والثقافية الموضوعة تحت تصرفهم.. بينما بقى الآخرون يقبضون على الجمر، ويعانون كل أشكال المحاربة.‏

إننا إذ نجد اليوم أنفسنا في المأزق الثقافي الوطني والقومي المروع والمقرف حقاً-في عالم تغيرت فيه كل الموازين، ووقفنا فيه عزلاً وجهاً لوجه أمام التحديات والنتائج السياسية الجديدة لتركيبة المجتمع البشري، إنما نسدد بذلك فواتير تلك السياسات الثقافية التي تم إنتاجها سابقاً، والتي تقوم على فلسفة الاستجابة لمتطلبات الحياة الاستهلاكية، دون النظر إلى المخاطر والكوارث والنتائج المدمرة، والأبعاد الوطنية التي تترتب على هذه الفلسفة، التي لم تكن يوماً من الأيام مفصولة عن الفلسفة العامة للحاكمين، واستثمارهم للثقافة كواحدة من أدوات الحكم، في غياب الديمقراطية والحريات العامة للمبدعين والمثقفين والمشتغلين بالفكر وتشكيل الموقف الثقافي والرأي العام للأمة.‏

ويمكننا القول في هذا السياق، أن نهجاً موحداً كان ينتظم ثقافة نظمنا العربية في كافة الأصقاع. هذا النهج العام قائم في الأصل على القهرية والفرض والهيمنة من قبل الفئات السائدة المتحكمة-بفروق بسيطة- بمراكز صناعة الثقافة. وإذا كنا ننشد مشروعاً ثقافياً موحداً وحسب، فإن الوحدة قائمة ولا تزال في إيقاع الثقافة العربية، ولسنا بحاجة إلى البدائل! ولكن أية وحدة تلك السائدة؟ وأية وحدة تلك التي نبحث عنها وننشدها لتكون درعاً لإنساننا العربي المعاصر، الذي يمتحن اليوم بثقافته وقدرته على الثبات والمواجهة، في ضوء لغة الأرقام العالمية؟‏

في غياب الديمقراطية السياسية أولاً وقبل أي شيء آخر، تعانى الظواهر الثقافية المعارضة في خطها لنظم الحكم من عدم تكافؤ الفرص. وبسبب التدخل. ومحاولة فرض الهيمنة الثقافية من قبل الثقافة السائدة-المشوهة هي الأخرى بالمفهوم المطلق- كائنة ما تكون هذه الثقافية- مالم تكن ديمقراطية -تتشوه الظواهر الإبداعية المقابلة من خلال محاولاتها التكيف مع منطق الهيمنة وامتصاص الصدمات، وابتداع أشكال المواجهة والمداورة للحفاظ على البقاء، وضمان الحياة أمام الضغوطات. وهذا هو التشوه بعينه. فالظاهرة لم تتحرك في مناخ ديمقراطي حرّ، خارج الخوف، والهيمنة والقهرية، بل تحت وطأة وتهديد ثقافة تريد فرض نفسها بشتى الوسائل، ومحاربة التيارات المعارضة عموماً، وحتى تلك التي من داخلها إذا رأت فيها حالات جنينية تنبئ بالتعارض المستقبلي.‏

ومع سيادة النزعة القطرية التي أوجدها النظام القطري العربي، وفي غياب المشروع القومي النهضوي الديمقراطي، إنساني المضمون والتوجه، تتكرس بناءات ثقافية عجيبة! هي متشابهة في الأصل في العديد من النظم ذوات البناءات الاجتماعية المتشابهة، لكنها تقاتل بعضها بعضاً في ضوء مزاجيات النظم المذكورة، وتعارضاتها السياسية. ولا تلبث أن تستدرج المثقفين لدخول المعارك ضد الآخر في نظام الآخر!‏

والأعجب في الأمر، أن النظم العربية في المنظور الأول تبدو أكثر واقعية من المبدعين والمثقفين العرب، الذين استجابوا للغة الاستلاب الثقافي! فهم يقبلون بالتعددية(أي الحكام) على مستوى النظم، ويستوعبون وجود أكثر من عشرين دولة عربية متقاربة ومتباعدة، غير أنها كلها تنطق بالضاد.. لا بأس.. ويتعاملون مع بعضهم بعضاً عبر مؤسسات وهيئات عربية ودولية، لكنهم يحرصون -على مستوى النظام الواحد- على محاربة التعددية داخل نظامهم الواحد... عجيب!‏

هذه الفجاجة التاريخية، والقبح الصارخ والإهانة السافرة للإنسان العربي، ينبغي أن تتحول إلى مدفع يدوي في مسمع كل مثقف ومبدع عربي، لتعيده إلى صوابه، كي يتوقف عن حرب الألوان من حوله، ويرفض الاستلاب الأيديولوجي والنظمي في آن، ويتجه مباشرة نحو البديل الديمقراطي القومي الإنساني، رافضاً منطق الشمولية والاستئثار القادم إليه باسم الدين أو القومية أو العلمانية، والذي يحلل له نفي الآخر كائناً من يكون، باسم تمتعه بالولاية الشمولية القدسية، مستذكراً قولة الإمام"الشافعي" الذي سبقه بقرون: "مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب". حيث سبق الشافعي"فولتير" الذي قال: "قد أختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك"!‏

إن نضال المثقفين العرب من أجل الديمقراطية السياسية، والحريات العامة، وصيانة حقوق الإنسان في أوطانهم جزء لا يتجزأ من نضالهم من أجل مشروعهم الثقافي العربي الجديد، الذي ينبغي أن تعكس ملامحه الأساسية، جوهره الإنساني المنفتح، والقادر على تمثل ما يحتاجه من تراثنا الثقافي العربي الإسلامي معاً، ليترجم هويتنا الثقافية إلى العالم، ولتقف بوجه من يريد استباحتها على طريق استباحة أوطاننا.‏

إن المشروع الثقافي العربي الجديد ينبغي أن يستند -للوقوف بوجه التحديات- إلى العقلانية أولاً، والانفتاح الجريء ثانياً، واستلهام التراث ثالثاً.‏

وينبغي أن تهيأ بوجهه المناخات الديمقراطية التي تكفل لهذه المرتكزات أن تفعل فعلها في صياغة ذلك المشروع. وعليه، فإن نضال المثقفين العرب من أجل الديمقراطية، وصيانة حقوق الإنسان في أوطانهم، والسعي للعبور إلى الوحدات السياسية الممكنة، غير القائمة على القهرية، أو الكيدية أو الحماسية، بل المستندة إلى الإرادة المستقلة لعقل الشعب، هي نضال بصدد المشروع الثقافي العربي الجديد، الذي يقوم على المضمون الإنساني أولاً، ويعبر عن الهوية القومية لساكني هذه الربوع كترجمة لروح التكوين الاجتماعي للمجتمع العربي.‏

إن الثقافة تراث إنساني شاركت فيه كل حضارات وأمم العالم. وأسهمت في تكوينه قرائح المبدعين من أبناء أصغر الشعوب وأقلها شأناً إلى أكبرها... ولا تستطيع أمة مهما حشدت من الشواهد، أن تزعم لنفسها السبق على غيرها في تدعيم أركان الفكر الإنساني. ذلك أن هذه الأمة -وإن بدت اليوم عملاقة- قد مرت في فترات ضعف وخمول. واستقبلت أكثر مما أعطت. وليس ذلك عيباً أو عاراً.. فبمقدار ما قدمت حضارتنا العربية وثقافتنا وفكرنا العربي، بمقدار ما أخذ، وكذلك سائر الثقافات العالمية.‏

وتشير مواقع الأرقام القياسية في تاريخ ثقافتنا العربية الإسلامية إلى تلازم هذه الأرقام الصاعدة مع حركة انفتاح ثقافي عربي بلا حدود ولا قيود تقريباً. فقد انفتحت ثقافتنا العربية في العصر العباسي -بحذر أول الأمر- على مختلف الثقافات العالمية آنذاك، إغريقية وفارسية وتركية وهندية وغيرها، ثم انفتحت انفتاحاً كاملاً على قاعدة الثقة بالنفس. ومن تلاقح هذه الثقافات مع ثقافتنا العربية الصاعدة، خرج المولود العباسي القوي، ليقف شامخاً إلى جانب أرقى البناءات الثقافية وأقواها.‏

وقد يقول قائل: ذلك انفتاح كان مشروعاً في ظل القوة العربية الإسلامية، أما في ظروف الضعف فالحذر واجب. غير أن هذا المنطق ينطوي على خطورة شديدة في تطوراته اللاحقة. إذ سرعان ما يعد أصحاب تلك المقولة قائمة المحرمات والمحذورات للشعب والمثقفين، مستندين إلى مرجعيات ومنظومات شمولية، لا تلبث أن تتحول إلى سلاح صارم ضد انطلاقة الفكر والثقافة، واستعداداتها للمواجهة والتحدي المطروح. وهذا ما يفضي بالثقافة إلى الجمود أولاً والضعف في المواجهة ثانياً، ذلك أن لغة الاتصال اليومية هي بقوة ونفاذ علم العصر وسرعته. فليس بمستطاع سلطة ما أن تحمي شعبها بمنعه من متابعة ثلاثين قناة تليفزيونية أو أكثر في عصر اللاقط"الدش" إلا إذا قدمت محطاتها الوطنية ما يأسره ويشغله عن متابعة المحطات الأخرى.‏

والأمر كذلك مع كافة مصادر الثقافة أيضاً. ولا يمكن لسلطة أن تحمي أبناء أمتها من التأثر والتأثير بغير الحجر الثقافي، الذي لا يعني سوى التحجر والجمود، بحجة حماية هوية الأمة، المهددة في ظروف الضعف.‏

إن هذا المنطق كان وعلى مر التاريخ سلاحاً رجعياً رادعاً يقف بوجه انطلاقة العقل والفكر، سعياً من السلطات لتشكيل وعي الشعب، بما يتناسب مع مصالحها لا بدواعي الدفاع عن هويتها في الغالب. فالخوف على الهوية الثقافية لا مبرر له. إنها اسطوانة أشاعتها النظم المتخلفة وغير الديمقراطية، وأوجدتها السلطات لإحكام قبضتها على عقل الشعب. لأن جميع عمليات الاجتياح والاستباحة عبر التاريخ، لم تستطع أن تصنع من أمة أمة أخرى. فالثقافة روح الأمة، وهي بنية مستمرة متواصلة، غير مستعدة لاستقبال ما تأباه تركيبتها القومية أو طبيعتها البشرية. وكما لم يصبح الجزائريون فرنسيين، ولم يصبح النمساويون ألماناً ولا العرب أتراكاً ولا الغجر -برغم شتاتهم- هذا أو ذاك، وظلت لهم ثقافتهم وعالمهم غير المكتشف، وطقوسهم الخاصة والسرية التي تترجم روحهم، فإن مفهوم الهوية القومية لا يعود ينطوي على مدلول غير الخصوصية المتحدرة من التكوين الأزلي -لهذه الكتلة البشرية أو تلك- مما صاغ وجدانها الثقافي وقسماتها القومية.‏

فالأمم لا تقبل لدى أي اتصال ثقافي-في ظروف الحرب أو السلم- سوى ما يتناسب مع طبيعتها القومية أو البشرية التي تعزز تكريسها لإنسانيتها. ومع ذلك فإن هذا الأمر يظل نسبياً ومحكوماً بحسب التركيبة الاجتماعية، التي تقبل في هذه المرحلة وهذه الدرجة من التطور ما كان مرفوضاً في مرحلة مبكرة.‏

وهكذا، فإن الانفتاح الثقافي يسهل أمام الأمة سبل الانتقاء دونما ترغيب أو ترهيب داخلي أو خارجي، وسبل إضافة البيانات الجديدة ذات الجوهر الإنساني مما يتناسب مع هويتها القومية والإنسانية، وينسجم مع خصوصيتها بوصفها حالة متحركة في ضوء منطق الثابت والمتحول. رغم إيماني بأن لا ثوابت في أمة ما. والأصح أن نسمي تلك الحالات والمواطن تسمية أقل من"الثابت".. ربما تحمل صفة الديمومة والبقاء، لكن لا شيء ثابت على الإطلاق ودائم، ولا خالد.‏

إن تلك العناصر المسماة بالثوابت ليس من السهل زحزحتها بعملية عسكرية أو انتصار خاطف ضد هذه الأمة أو تلك. إن الأمة تستجيب في مثل هذه الظروف عادة باتجاهين: الأول ما يناسب طبيعتها مما هو موجود في ثقافة الآخر وكانت محرومة من الوصول إليه فيما مضى. والثاني ما يكرس إنسانيتها وبشريتها ويدفع بها قدماً لمعانقة توقها الدائم والمخفى والمكبوت لعناق إنسانيتها.‏

إذن، لا خوف على ثقافتنا من ثقافة الآخر في حال الاتصال، سواء كان تواصلاً أم اشتباكاً أم التحاماً. إذن إن الأمور سرعان ما تعود إلى مجراها الطبيعي إثر هدوء أية مصادمة تاريخية، وتخرج ثقافة الأمة بما يناسبها نتيجة هذا التماس، ولا يعني هذا التأثر أن الثقافة المرسلة قد سجلت نقطة جديدة لصالحها ضد الثقافة المستقبلة، بل يعني أولاً أن الثقافة المستقبلة قد تقبلت ببساطة ما كانت تحتاجه ويقبله جوهرها.‏

ووحدهم الأغبياء على مر التاريخ من الفاتحين والطغاة، هم الذين اعتقدوا أن بمقدورهم أن يصادروا ثقافة أمة، وأن يحلوا محلها ثقافة الغازي المنتصر، تماماً كما الأمر بالنسبة للجيوش وأدوات الهيمنة وفرض القوة. فحرقوا المكتبات ورموها في الأنهار وهشموا أنف أبي الهول ودمروا معابد الأمم وصروحها الروحية، غير أنهم لم يفلحوا رغم القرون التي مرت على احتلالهم.‏

أين يكمن الخطر إذن في مثل تلك العمليات التاريخية، التي نعبر اليوم واحدة منها؟ هل الخطر من ثقافة الآخر على ثقافتنا وخصوصيتا؟ لنطمئن من هذا الجانب، فلن تأخذ ثقافتنا غير ما يناسبها، وغير ما كانت ممنوعة من أخذه وتمثله في ظروف حجر النظم والسلطات الحاكمة تمشياً مع مصالحها. ولن تعطي للآخر غير ما تقبله ثقافته.‏

إن الثقافة الإسرائيلية اليوم ثقافة أوروبية في الأصل وهي موجودة لدينا عبر تياراتها المعروفة، فلدينا مثل ما لديهم: رومانسية ورمزية وحداثية وواقعية اشتراكية وانطباعية وفاشية لا تعترف بالآخر وبحقه في الحياة أيضاً! فأين الخطورة إذن؟ هل سيفلحون في تسفية أبي العلاء والمتنبي وطرفة بن العبد وعلي بن أبي طالب وشوقي والشابي وعرار وبشارة الخوري وفيروز وأم كلثوم وسيد درويش ويوسف إدريس وحنا مينه؟ وهل سيفلحون في اقتلاع القرآن الكريم والحضور الكلي لشخصية الرسول العظيم في ثقافتنا العروبية الإسلامية المعاصرة؟ سيحاولون كل ذلك.. الأغبياء منهم سيعملون بهذا الاتجاه غير أنهم سيفشلون تماماً لأنهم يعملون عكس القوانين الموضوعية! فأين هي الخطورة؟‏

الخطورة في أدوات ثقافة الآخر، وليس في مفردات ثقافته ولا في قوة خطابها. فنحن نمارس ثقافتنا بلا أدوات تقريباً. أو بأدوات عاجزة قديمة وبالية إعلامياً، ولا تزال لغتنا متخلفة، وعلى صعيد المناهج التي تؤسس لوعي ثقافي، فهي لا تزال تعاني من الانتقائية التي تحكمها وجهة نظر وفلسفة التربويين والتعليميين المرتبطين مباشرة بمنظومة فلسفة الحكم في أقطارنا شتى.‏

أما فيما يتعلق بـأدوات الإبداع الثقافي وملازماته ولوازمه، فتلك الطامة الكبرى. فلا تزال قرانا ومدننا بلا مسارح أو دور عرض أو مراكز ثقافية أو دور نشر قوية تستطيع احترام المبدع وتقدير تعبه.. وهيئاتنا الثقافية والإبداعية دونما رعاية.. وتعاني الكثير من تلك الهيئات الطوعية من أبسط المتطلبات. تعاني من عدم وجود آلة موسيقية تلزم لعملها بمائة دولار. ولا تستطيع دفع أجور مقارها أو فاتورة الكهرباء.‏

الخطورة في أن ثقافة المنتصر اليوم تحمل معها أدواتها الجديدة والفعالة التي تنقصنا، وتحمل معها كل أساليب الترغيب والترهيب والإغواء، فمع الانفتاح والاستثمار الذي سيجتاح أوطاننا ستظهر دار نشر باسم محمد بن عبد الله، وأخرى باسم أبي بكر الصديق وثالثة باسم أبي تمام، ويقف وراء تلك اللافتة اسم عبري وربما عربي يسعى لإشاعة تيارات ثقافية دون أخرى، وسوف يكون لهذه الدور وغيرها من المراكز الأخرى ذات العلاقة بالعملية الثقافية جوائزها وأعطياتها ومنحها وحوافزها التي ستضعها ليس تحت تصرف من يتبنى الثقافة الإسرائيلية. لن تفعل ذلك على الأغلب، لأنها تدرك قانونية اللعبة، بل تحت تصرف من يبني المشروع الإسرائيلي للثقافة العربية، متطوعين أو مرتبطين، من ممثلي التيارات العدمية في ثقافتنا، أولئك الذين يلهثون وراء(انعتاق المبدع) من كل ما يحول دون انطلاقة إبداعه، والذين يرفعون عادة مثل هذه الشعارات وبصوت عال في مناخات الهزيمة، ولا يتوقفون عن الهتاف في وجوه الجادين من المبدعين: "لقد أقرفتم عشيتنا بالتزامكم".. في عملية مدروسة أو غير مدروسة لإفراغ الثقافة العربية من محتواها الجاد المرتبط بالوطن والأرض والإنسان والحياة والتحرر والتقدم. وسوف يملأ هؤلاء الساحة الثقافية ضجيجاً ونقيقاً إلى حين، ويؤخرون تطور مشروع الأمة، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى صيانة أنفسنا، وحماية الالتزام فينا من الخراب. وسنبحث عن مصادر لقمة الخبز، ويتلقى أولئك الجوائز والهبات والإعطيات والحوافز تقديراً لإبداعهم في غياب الأدوات الثقافية اللازمة لحماية المبدع القومي الإنساني وطنياً، في هذه المرحلة من التاريخ، ومع حرية السوق، سيصبح المبدعون الجادون وصناع الثقافة الجادة متسولين يكابدون عناء تأمين لقمة العيش، فأين هي دورنا الوطنية للنشر؟ وأين سياساتها التي ستحمي المبدعين من التهالك والابتذال؟ وأي مسارحنا ودور العرض لفنانينا؟ وأين الموازنات المحترمة لوزارات ثقافتنا التي لا تساوي واحد بالألف من موازنة الدولة، وبخاصة في دول المواجهة(سابقاً) التي كانت تنفق على التسلح والتنمية في آن، وكانت الثقافة في ذيل اهتماماتها في مناخات الحروب؟ وهل بمقدورنا أن نعبئ (للسلام) مثلما حاولنا أن نعبئ(للحروب)؟ هل من سبيل لإعادة النظر في سياسات دوائر المطبوعات والنشر في بلادنا، بحيث يفهم الرقيب أن شتم البطل للشرطي -في القصة- لا يعني شتم الحكومة؟ وإنما يعني التعبير عن ثقافة كائن بشري يمر في حال حصار؟! وأن ممارسة الجنس مع سائحة أجنبية في"العقبة" لا يعني أن الأردن لم تعد جمهورية أفلاطون المهددة بخراب السياحة فيها؟!.‏

الخطورة إذن في أدوات الثقافة المقابلة في ظل حرية السوق، ومنطق المزاحمة ومواصفات جودة السلعة وفنية التصنيع، وفي لعب الطرف الآخر على مفردات موجودة في ثقافتنا في الأصل، وليس في الثقافة المواجهة نفسها. ولا سبيل لنا ولمشروعنا الثقافي العربي الجديد الذي ننشد، غير النضال من أجل الديمقراطية وتدعيمها بالتطور التقني الذي يشكل الأساس المادي لحمايتها من أجل اللحاق بركب العصر، وفي سبيل إقناعها بضرورة امتلاك أدواتنا البديلة، فالمثقف العربي يقبل بالحد الأدنى مما هو ممكن إيجاده وطنياً من الأدوات وسبل الحماية لذاته المبدعة، وهو على استعداد لرفض التعامل مع كل الأدوات التي تسعى لتدمير مشروعه الثقافي العربي الجديد في ضوء المستجدات الراهنة، وإجهاض ولادته، من خلال إفراغه من محتواه القومي الإنساني وتشجيع روح العدمية فيه، التي لم ينعدم وجودها في يوم من الأيام.‏

وعليه، فما دامت الخطورة في أدوات الطرف الآخر، وليس في ثقافته تحديداً، فإن المثقف العربي معني بالنضال في اتجاهين: الأول لإيجاد أدوات بديلة ملازمة وضرورية للعملية الثقافية في وطنه، والثاني من أجل التحذير من التعامل مع أدوات الطرف الآخر، كيلا يصبح ضمن حوزتها وضد ثقافة أمته. ولكي لا يسهم في إنعاش التيار المطلوب إنعاشه في وطنه حسب طموح الآخر.‏

إن ثقافة الطرف الآخر بحد ذاتها، لا يمكن أن تشكل تهديداً لمشروعنا الثقافي، إذ أن مثل هذا الخوف يبرر استمرارية المنع والحجر، ويفتح شهية السلطات المحلية في أقطارنا العربية-وفي غياب الديمقراطية- لاستمرار التلاعب بعقل الشعب، وامتلاك حق تشكيل ثقافته بحسب مصالحها القطرية، لا بحسب مشروعنا الثقافي العربي المطلوب للمواجهة، والذي يسهم في النقلة النوعية لمجمل فكر المجتمع، وإدخاله في خطة العصر.‏

إن أهم ما يواجهه المشروع الثقافي العربي النهضوي في المرحلة القادمة، هو خطر إشاعة العدمية والعبثية في الثقافة العربية، وهي موجودة بلا ريب في ثقافتنا، وإيجاد المناخات الملائمة بوجهها للانتعاش على طريق التمكن من إيقاف تطور ذلك المشروع، ودفعه إلى الوراء، وإفراغه من محتواه المسئول تجاه الحياة والمجتمع والأمة. وستكون هذه المسألة واحدة من أهم مرتكزات الخصم في مواجهتنا في المرحلة القادمة.‏

ويبدو أن المعنيين بتشكيل عقل الشعب وفكره وثقافته، يدركون جيداً هذا الأمر، فالسلفيون والعلمانيون كتيارين رئيسيين في المجتمع، معنيان على السواء بهذه المسألة التي تؤرقهم جميعاً. ولكن المشكلة تكمن في سلوك كل من هذين التيارين باتجاه التصدي لهذا الراهن القادم.‏

فبينما يعاني العلمانيون من الانتقائية والرومانسية والتخبط في التعامل مع الوقائع المعيشة والموروث معاً، فإن السلفي يعتقد أن الأمر لا يعدو كونه أزمة أخلاقية تنحل بمجرد العودة إلى الأصول والمرجعيات الدينية، بينما يعتقد المثقف الليبرالي أن هزيمة مجتمعه وأمته تكمن في طبيعة نظام الاستبداد الشرقي. ولا علاقة للأمر بقضية التقدم والتخلف فهو لم يلاحظ-بسذاجته- تلك العلاقة الجدلية القائمة بين الديمقراطية(نقيض الاستبداد)، وبين التطور التقني وما يمليه من حرية الإتجار والتسويق والابتكار والتطوير والمضاربة والمزاحمة، وكأن كل واحدة منها تتم بمعزل عن الأخرى! وليس ثمة أية علاقة ترابطية بين كل تلك القائمة مع مسألة الديمقراطية، في حالة ولادتها الطبيعية.‏

إن الديمقراطية لزومية من لزوميات تلك العمليات التي تتوالد في المجتمع الرأسمالي الصناعي، واستجابة موضوعية، فبدون ديمقراطية، بمعناها الشمولي-ليس السياسي وحسب- الذي يتضمن الاعتراف الكامل بحق الآخر، لا يمكن أن يكون ثمة سوق هادئة والاختلاف على تفسير قانون السوق يعني عادة الحرب والتعبئة وإعادة اقتسامهم السوق بالقوة ذلك هو المحتوى الكامن في الحرب، وعليه فإن الديمقراطية هي الاستجابة الحقيقية للبناء التحتي الرأسمالي تحديداً. وهي الخيار الذي ارتضى به المتحاورون الذين عزفوا عن لغة الاحتكام للقوة، لأن سوقهم أحوج إلى الاستقرار. فإن أشرقت شمس الحرية والديمقراطية على أمة لا تملك الأساس المادي مما ذكر، ذلك الأساس الذي تعتبر الديمقراطية لزوماً له، فهذا يعني أن الديمقراطية هبة الحكام في الغالب، أو استجابة لضغوطات مركز السوق العالمي على الأطراف بحسب مصالحه وليس الأمر منجزاً شعبياً ولا مكتسباً تاريخياً قدمته الظروف الموضوعية. ولو كانت كذلك لما استطاعت المؤامرات الإمبريالية في ظروف الحرب الباردة أن تطيح بواسطة عسكرها بنظام ديمقراطي واحد، جاءت ديمقراطيته في ظل حماية منطق السوق وتركيبة المجتمع واستجابة للعلاقات الإنتاجية القائمة في البنية الاجتماعية. فالمجتمع المتقدم يعيد حكامه المنتخبين ويطرد العسكر ولو بعد حين. أما المتخلفون فيعيدهم الأمريكان على متن آليات قوات المارينز.‏

إن انهيار المعسكر الاشتراكي، كنقيض لقوة المركز الرأسمالي العالمي، قلب لغة الرأسمالية رأساً على عقب. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية النصير الأول لنظم الديكتاتورية ذات الطابع الإنتاجي الرأسمالي، وعلى نقيضها وقف الاتحاد السوفيتي من النظم ذات الطابع الإنتاجي الاشتراكي.. وهكذا أشاعت العقائد الشمولية في الموقعين، غير أن لعبة العصر اليوم - ومع انهيار النمط الاشتراكي- تقتضي من مركز رأس المال العالمي- في غياب الخطر الرئيسي- أن يضغط على أطرافه لإشاعة الديمقراطية والتعددية في السياسة كما في السلعة، لتهيئة المناخات الملائمة أمام السوق وضمان مبدأ المزاحمة، فلم يعد ثمة خطورة تذكر في غياب المعادل الموضوعي، هكذا ولدت ديمقراطيات سريعة، وستلد في غير أوانها في هذا الموقع أو ذاك من العالم الثالث، واستجاب لهذا الحس الغريزي بخطورة المستقبل والتهديد بالمعاقبة الأمريكية بقلب الحكم، أكثر من نظام، فقدم هبته للشعب، وأجرى التعديلات الجوهرية في نظامه، وأصبح الابن المدلل بالأمس بسبب قمعه لشعبه فيما مضى حسب إيقاع المرحلة المنصرمة، أصبح اليوم مهدداً بالتغيير، بسبب انتهاكه لحقوق الإنسان ضد أبناء وطنه إن لم يستجب للتغيير، تلك لعبة السوق وخياراتها في ضوء تقلبات المراحل والأوضاع الدولية.‏

إن المعركة الثقافية التي تخوضها الشعوب اليوم وطلائعها المثقفة بصدد الدفاع عن ثقافتها القومية واستكمالها لقسماتها الإنسانية، لن تكلل بالنصر والنجاح المؤزر بمعزل عن تدعيمها بالتقنيات العالية المحلية، التي تربط قوى الأمة بعجلة الإنتاج وتبرز دور القوى الاجتماعية في العملية النهضوية، حيث يتلازم البناء التحتي للمجتمع مع البناء الفوقي الذي يشكل الأساس الحقوقي للعلاقات الاجتماعية والغطاء الأيديولوجي له.‏

وعودة إلى خصوصيات ثقافتنا، يبدو أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بخلاصها من الاغتراب الذي يعتبر واحداً من الملامح الواضحة والبارزة فيها اليوم بمعانيه المتعددة وبدرجاته المختلفة التي تصل أحياناً حد النزعة العمياء للغرب في أعلى درجاتها، وأحياناً تأخذ طابع محاولة تعميم فكر العصر الوسيط الذي يتجلى على شكل تقديس اللغة وتعميم آثار الماضي تحت شعار بعثه وإحيائه من أجل المواجهة، واللحاق بركب العصر والأمم المتقدمة.‏

وغالباً ما يتبنى السلفيون هذا التيار الاغترابي في صورته تلك، وسرعان ما يلجأون إلى النص الإلهي لدى محاورتهم ويبحثون فيه عن مسوغات تكفير الآخر. ثم يتسع النص الإلهي ليشمل اللغة العربية وأحداث التاريخ والسنن وسير الأبطال وجهود علماء اللغة من الرواد. وهكذا يصبح الحوار مع هذا التيار صعباً فيما يوغل هو في اغترابه النبيل وحسن النوايا عن روح العصر مبتعداً في التاريخ بحثاً عن النقاء وعودة إلى الأصول في مواجهة قبح الراهن! دون أن يبذل أي جهد بصدد تكييف مادته التراثية للتوازي مع الراهن أو صياغة لغة معقولة لخطابه.‏

إن مشكلة التغريب في ثقافة أمة ما، لا يمكن حلها في الاتجاهين المذكورين دونما إدراك للمرحلة التاريخية التي تعبرها تلك الأمة والتكوين الاجتماعي الذي يمر فيه وتوجه الثقافة نحو الاشتباك تماماً مع الواقع، وهنا سندرك عبقرية الواقعية في قدرتها على التصدي لحل أي إشكال تاريخي لمسألة ليست بعيدة عن القدرية الحتمية، فالبنية الاجتماعية تنعكس على الوضع الحقوقي وجميع وجوه البناء القومي في المجتمع، بمعنى أننا لا نستطيع أن نوجد ثقافة علمية ديمقراطية حرة قومية إنسانية ونقيمها على أساس مادي لا يستطيع بطبيعة تكوينه التاريخي أن تكون تلك الثقافة خياراً له. إذ أن مثل تلك الثقافة المنشودة، تتطلب درجة عالية من التطور التقني والتقدم الاجتماعي الذي يوجد بدوره علاقات تصبح الثقافة المذكورة لزوماً له.‏

إن البناء الاجتماعي العربي في العصر الراهن، ليس بمقدوره أن يفضي بمثل تلك الثقافة، لأن الأمر بحاجة إلى ثورة اجتماعية غير محددة التاريخ. ولا يمكن الاحتفال بذكرى انطلاقتها لأنها ستنطوي آنذاك على مجموعة من العمليات الكمية والكيفية التي تتراكم على مدى زمني لا محدود. يسهم فيها الصناع والعلماء والمثقفون وقوى الشعب، ومثل ذلك الإنجاز غير مرهون برغائب المناضل العربي ورومانسيته إسلامياً كان أم علمانياً أم قومياً بل مرهون بمجمل التطورات الكمية التي تجري في قلب المجتمع العربي.‏

هل نسلم ونرفع الراية في ضوء هذا الفهم العلمي لحقائق التاريخ؟ الجواب- بالطبع- لا، فنحن نعرف الكثير من الأمم، التي آمنت بأنه يمكن النضال والعمل الإبداعي في القفز عن الحواجز التفصيلية في المرحلة الواحدة، والتسارع باتجاه المراحل القادمة من محطات التكوين الاجتماعي، ولكن ليس من السهل القفز عن الحواجز التاريخية الموضوعية القائمة بين مراحل التاريخ. ولا يمكن لأمة أن تعبر من تشكيلة الإقطاع إلى الرأسمالية بعملية سياسية خاطفة أو انقلاب عسكري، رغم سرعة إيقاع العصر المتميز بالتطورات السريعة قياساً لعمليات التاريخ السابقة، فالامبراطورية العثمانية- كشكل إقطاعي- ظلت تموت أكثر من قرن، رغم أنها عمرت قروناً عدة، المهم أن نتراجع عن طموحنا اللاعقلاني المؤسس على نظرية(كل شيء أو لا شيء) لأنه سينصب تفكيرنا آنئذ إلى النضال في جسد المرحلة التاريخية الواحدة، وسيكون بمقدورنا أن نشيد الأركان الأساسية للمشروع الثقافي العربي الديمقراطي الإنساني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244