|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المثقف العربي بين سلطتين يعاني المثقفون العرب على وجه العموم، من جملة من المعيقات التي تبدو عامة ولكنها تفرض نفسها على الجميع بنسب مختلفة وبحسب النظم القطرية العربية ودرجة تطورها النسبي في مجال فهم حقوق الإنسان والنظر إلى أهمية العملية الثقافية. ويبدو لنا أن تلك المعاناة العامة عائدة في الأساس إلى طبيعة التكوين الاجتماعي، وتاريخ هذا التكوين الذي ساد معظم الأقطار العربية اليوم(الدولة العربية أو الإسلامية فيما مضى). فقد عبرت البلاد العربية ظروفاً تاريخياً متشابهة، وشروطاً موضوعية متشابهة تقريباً... كانت تحكم من قوة واحدة. تسقط في قبضتها أو تخرج دفعة واحدة... مع فوارق نسبية بسيطة، لا تحتسب في منظور التطور التاريخي لأن خروج المغرب من الاستعمار الفرنسي قبل الجزائر. أو مصر قبل السودان، لا يعني أن الأولى قد خرجت من تشكيلة الإقطاع إلى الثورة الصناعية فيما تخلفت الثانية، بل يعني أنها لازالت في غمرة الحركات الجزئية للتطور الاجتماعي، التي تشكل بدورها مقدمات الانتقالة النوعية، أي من تشكيل اجتماعي إلى آخر، ومن هنا تبدو كل الهموم متشابهة إلى اليوم... متقاربة، ولكنها نسبية في هذا الموقع أو ذلك. وتبدو النظم العربية في نظرتها للعملية الثقافية وموقفها من الكاتب والمثقف متقاربة بفروق نسبية، بقطع النظر عن مزاعم التحرر في هذا الموقع أو ذاك... إذ تصب في النهاية كل أشكال الحركة المتاحة في هوامش هذا الموقع أو ذاك... في باب الحركات البهلوانية التي تسعى الحكومات القطرية من ورائها لتدعيم مشروعية النظام القطري وتميزه عن الآخر. واستعداء المثقف على الآخر... وتبدو تلك الحقيقة جلية بمجرد تعارض ذلك المثقف المدلل في هذا القطر، والذي يرضي نظامه القطري بصب لعناته، وانتقاداته على القطر الآخر، من باب مهاجمة الرجعية والتخلف، أو الثورية والتطرف. بمجرد خروجه عن السرب. واختلافه مع(مايسترو) الثقافة في بلاده. هذا هو ضوء النظرة الأولية للسلطة بمفهومها السائد... فإذا نظرنا إلى السلطة في أبعادها الإنسانية الأخرى بوصفها نظاماً اجتماعياً يشكل سلطة فوق كل السلطات بما في ذلك السلطة السياسية. وجدناها نظاماً اجتماعياً له تاريخه وطبيعته البنائية ونظامه وقيمه وأعرافه غير المكتوبة. والمعبرة عن طبيعته... ذلك النظام المتحرك عبر التاريخ والذي تشكل طبيعته أساساً يقوم عليه كل جديد. استجابة للمستجدات الجنينية التي تتوالد في البناء الاجتماعي المتحرك بحركاته الموضوعية الجزئية وحركاته الكلية... فالموقف الإيجابي من قضية الثقافة أو غيرها لا يأتي في هذا المجتمع أو ذاك من الفراغ، بل يأتي مسبوقاً بتغيرات في الأساس المادي الاجتماعي، الناتج عن التطور الداخلي، أو بسبب التماس مع الخارج، الأمر الذي يملي تغيراً في الموقف الاجتماعي من هذه الظاهرة أو تلك...حيث تنال الموافقة، ويفصل لها القانون الرسمي الجديد، وكذلك الموقف الاجتماعي المسوغ والمبرر بفعل قوة الحاجة والضرورة والحضور الاجتماعي للظاهرة... ولهذا تظهر بين الحين والآخر قوانين المطبوعات والنشر وقوانين حقوق المؤلف وما إلى ذلك. وعليه. فإن ثمة سلطتين في أي بناء اجتماعي: السلطة الرسمية (سلطة الدولة) والسلطة الاجتماعية(سلطة عرف المجتمع). ويبدو لبعض المثقفين أن مشكلتهم إنما تكمن في العلاقة مع السلطة الرسمية، أي مركز قيادة الرقابة على المجتمع والدولة في بلاده، ولكنه لا يدري بأن السلطة الاجتماعية(سلطة العرف) تبدو أحياناً قوة رادعة طاغية كلما تعززت فيها قوائم المحرمات، أكثر من أي سلطة أخرى. لا بل تبدو السلطة الرسمية متسامحة إلى حد البراءة، إذا ما قيست مواقفها من المثقفين وحرياتهم في التعبير عن أفكارهم وعوالمهم عبر إبداعاتهم وكتاباتهم الفكرية وقراءاتهم بموقف السلطة الاجتماعية، التي يصل التشوه لديها إلى حد معالجة(انحرافات المثقفين المارقين) بالطلقات والسكاكين وتقطيع الأطراف والرؤوس والتفريق بينهم وبين أهل بيوتهم، وتكفيرهم وتشريدهم بالاستناد إلى(النص الإلهي)؟! الذي يتم توظيفه بانتقائية سيئة. وعلى أساس هاتين السلطتين، وفي ظل حضورهما الفعلي في المجتمع المتخلف، يفرض على المثقف الكتاب الذي ينبغي أن يقرأ، ويحرم عليه مالا ينبغي قراءته، ويتربع في جمجمة الكاتب ألف رقيب سياسي رسمي، واجتماعي شعبي، وهو يحاول التعبير عن نفسه، عبر كتاباته الإبداعية أو الفكرية، كما تقتضي مهمته للبوح بأفكاره ورؤاه، أن يتعلم لعبة التورية والمواربة، الأمر الذي يضعف من تدفقه وصدقه وانعتاقه الإبداعي أو الفكري داخل نصه المنتج. وإذا كانت الكتابة تقوم في الأساس على اشتباك الكاتب مع ما يحيط به من مفردات الواقع الاجتماعي والوجود الإنساني، وتعارضه مع ذلك الوجود في الجوهر، فإن النص الفكري أو الأدبي يأتي في شكله الأخير تسوية لذلك الاشتباك من وجهة نظر المنتج، ولا يمكن حسم ذلك الأمر على وجه أمثل، وبالأدوات التعبيرية اللائقة والمناسبة، في ظل حضور أي من أشكال الرقابة التي تهدر الإبداع والفكر، وتوقف انعتاق المبدع والكاتب، وتضعف من تدفقه وصدقه الفني، فقط، الكتاب المسفون هم الذين لا تعنيهم تلك المسألة، بسبب ذلك القدر الكبير من الخواء، الذي تنطوي عليه كتاباتهم المسالمة اجتماعياً وحكومياً... لأنهم يوزعون الفضيلة الساذجة، ويبيعون السائد اجتماعياً، ولا يشتبكون مع مؤسسة الرقابة الحكومية عبر التصادم مع بنية الدولة ومحرجاتها الاجتماعية!! ونرى أبطال هؤلاء الكتاب في أعمالهم الدرامية مثلاً -غير قادرين على شتم شرطي الدولة، لا بل يقدمون له الورد وهو يصفعهم!! كما ويتعرض المبدع لمحاسبة الرقيب العبقري، لأن أحد أبطاله شتم في القصة شرطياً بعبارات مقذعة، وصاح في وجهه(ابن عاهرة) دون أن يكلف الرقيب نفسه بأن يتفحص طبيعة هذا البطل، وأن يدرك بأن الموقف جزء من البناء الفني للشخصية الدرامية... ويبدو أن أول النتائج المترتبة على محاصرة حرية المثقف والكاتب رسمياً وشعبياً، هي الوقوع في داء الفصام والاغتراب، وتلك جريمة وطنية يرتكبها العرفيون بحق الوطن والشعب والدولة، ولا نعني فقط أن الكاتب يفقد تحت تأثير حضور الرقابة أهم عناصر الكتابة، وهو الصدق الفني والتلقائية... وإنما نعني ما هو أبعد من ذلك، مما تعود به الرقابة الاجتماعية والرسمية من فواجع تصبح مع الزمن معممة بفعل غياب الروح الديمقراطية، التي باتت رياحها اليوم تهب في شتى مناحي الحياة، وتهيء لمناخات أقل سوءاً، ما عدا ذلك الجيب الذي يبدو أن رياح التغيير لم تهب بالقرب منه، بالاندفاع نفسه، وهو جبهة الرقابة. إن المثقف العربي ليس ضد الرقابة بالمستوى المطلق، لأننا نمر في مرحلة خطرة، لا يمكن فيها ترك الحبل على الغارب... لأن أدواتنا الثقافية غير قادرة على حمايتنا وحماية ثقافتنا القومية من الاختراقات... ولكننا مع إعطاء الرقابة مفهومها الجديد، الذي ينبغي أن يكون عليه في هذه المرحلة، لا أن يظل الرقيب هاجساً وكابوساً يتربص بالمبدع الحر والمفكر الحر... يجب أن يكون الرقيب كابوساً على الأدب والأديب الهابط الفارغ. فالرقيب الكاتب أو الأديب أو المثقف الوطني القومي الديمقراطي هو الذي يتصدى لمنع كل ما هو تافه وهابط في إصداراتنا، وكل ماله تأثيرات جانبية تؤدي إلى فساد الذوق والتجهيل ومعاداة المعرفة والتحرر الفكري، والحيلولة دون تحطيم الجمود العقائدي... ومن هنا نشعر بأن الفلسفة التي تقوم عليها الرقابة في الأردن وسائر الأقطار العربية تقريباً ينبغي إعادة النظر فيها، وينبغي تطعيمها بالأطقم الواعية والحرفية(الفكرية والأدبية) من أولئك الذين تشغلهم قضية الثقافة الوطنية الديمقراطية أكثر مما يشغلهم ذلك الهاجس الذي اعتادوا عليه وتدربوا ودربوا قرون استشعارهم على استكشافه. أما على الصعيد الآخر، صعيد الرقابة الاجتماعية، فينبغي تفعيل بنود الدساتير العربية في مجال ضمان الحريات العامة، على صعيد المعتقد والموقف، ووقف لغة التكفير وإشاعة روحية استيعاب الآخر.. وتعميق الحوار... ووقف جاهزية التجريم والتحريم، وتمزيق قوائم المحرمات المعيقة التي يجري توظيفها بشكل انتقائي وغرضي في غالب الأحيان، فإذا بها تتحول إلى لعنة على الكاتب وكتاباته، وتهديد لا أخلاقي لانعتاقه وعناقه بشريته في حقيقتها المعمقة والإنسانية. إن وطننا يشهد اليوم تحولات حقيقية على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، يلمسها ويفهمها أولئك الذين دفعوا الثمن، في غمرة نضالهم من أجل الديمقراطية والحريات العامة، وفي سبيل الولادة الجنينية التي نشهدها، رغم أن الكثيرين منا ينكرون هذه الحقيقة تحت ضغوطات النزق والضيق بالعديد من الانتهاكات... لكننا نعبر بالفعل حالة تحول وولادة ينبغي أن نموت في سبيل الدفاع عنها وتحويلها إلى حقائق مقدسة، من ينتهكها يوسم بكل ما هو معيب، كائناً ما كان موقعه، الأمر الذي سيتكفل بتفجير طاقات غير معهودة في بنائنا الاجتماعي والوطني... وتبدو عملية الولادة صعبة، لا بل تمر اليوم بصعوبات حقيقية... هي مخاض الولادات الجديدة اجتماعياً، ولكننا ينبغي أن نناضل من أجل أن تصبح تلك الولادات حقيقة، وعلى كافة الصعد، وخصوصاً في المجال الثقافي، الذي يصب مباشرة ويتحكم في تشكيل الوجدان الوطني والقومي، في مرحلة نحن أحوج ما نكون فيها إلى ذلك التوجه... فلقد ألحقت السياسات الثقافية السابقة أضراراً وفواجع محزنة في حياتنا الثقافية لا زلنا نعاني من بعضها، ولا زال بعضها ماثلاً أمامنا إلى اليوم، ويكفي أن نتذكر موقف الرقيب الأردني من كتابات" غالب هلسا"، الأديب الذي دخل سائر البلاد العربية، واحتل مكانته الكبرى على مساحة الوطن العربي، ولا تزال أعماله الإبداعية تقف على أبواب وطنه بحجة قضية(الجنس) في أعماله الروائية على حد زعم الرقيب... رغم أن الدارس لجميع أعمال هلسا الروائية، لن يجد فيها موقفاً واحداً يوظف فيه الجنس لذاته، وإنما لغرض المزيد من البوح الإنساني، والتعمق في النفس البشرية، والكشف عن إبعاد النموذج الاجتماعي، وتحقيق أرقى أشكال التعبير بالشخصية الدرامية عن طريق الأدب... وقد آن لهذا الفثاء أن يتوقف، في وطن يشق طريقه نحو حياة جديدة، ويترجم جوهره عبر تحولات ملموسة في أكثر وجوه الحياة، وتنتظم فيه العلاقات أولاً بأول، ويصفو سيرها أولاً بأول، في كل الاتجاهات ما عدا تلك العلاقة بين المثقف والسلطة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |