|
((ظاهرة المهجرية الجديدة))
(في تشخيص الظاهرة)
يختلف الباحثون، والنقاد في تشخيص عدد من الظواهر الإبداعية الجديدة، والاتفاق على تسميات محددة جامعة مانعة لها.
وكما اختلفوا أول الأمر على توصيف تلك الظاهرة التي تفجّرت تعبيرياً في الأدب العربي في النصف الأول من هذا القرن، ونقصد(الأدب المهجري)، فهم يختلفون اليوم في تشخيص ما اصطلح على تسميته حتى الآن بالمهجرية الجديدة.
ويبدو أن النقاد اليوم-وهم بصدد توصيف الظاهرة الجديدة- يعبرون التجربة إياها. وينتهون في تشخيص الظاهرة إلى ما انتهى إليه السلف واستقر عليه الرأي، حين أطلقوا على تلك الظاهرة المبكرة اسماً تيسيرياً(أدب المهجر). وها هم اليوم يوشكون على الاتفاق على تسمية تيسيرية أيضاً، وهي(المهجرية الجديدة).
وتبدو تسمية(المهجرية الجديدة) مخرجاً موفقاً لحالة إشكالية يتكاثر فيها الاجتهاد وتتعدد القراءات. وتصلح(المهجرية الجديدة) لأن تكون عنواناً مفتوحاً وتسمية محايدة لحلقة نقدية تناقش هذه الظاهرة وتحترم تعدد القراءات في هذا الإشكال، خشية المغامرة في تسمية أخرى تحشر الباحث في فهم قَبْلِيٍّ وتلزمه في الخوض فيه..
لقد شاعت تسمية(أدب المهجر)، تلك التسمية العامة التي تندرج تحتها كلُ أساليب التعبير الإنساني عن الغربة، وعن الاغتراب، وعن محاولة الإنسان ترجمةَ إنسانيته من خلال منجزه الإبداعي، الذي يصور تلك التعارضات القائمة بين البشرية المبدعة ومحيطها الزماني والمكاني، وتلك الاشتباكات القائمة بين الراهن الحياتي للمبدع، والموروث الماضوي الذي يحدد شكل رؤية الوحدة البشرية-تعبيراً- لواقعها المعيش ومفرداته الزمانية/ المكانية.
ويبدو أننا ونحن مقبلون على تشخيص الحالة الجديدة، أحوج ما نكون للعودة إلى تشخيص الحالة الأولى، كيلا نقع في خطأ التحديد والتوصيف نفسه.
فلقد اختلط في(الأدب المهجري) أدبُ الغربة بأدب الاغتراب بالأدب الرومانسي بأدب الرفض بغيرها، حين تم جمع ذلك تحت العنوان الكبير
(الأدب المهجري) بالاستناد إلى مواطن الكتابة(المهجر)..
فالغربة في مستواها الأولى تعبيرٌ عن إحساس الإنسان بأنه على غير ما وفاقٍ مع المكان.. المكان بالدرجة الأولى. بما ينطوي عليه من بَشَرٍ وعلاقاتٍ إنسانية خارجة عن المألوف بالنسبة للمغترب كائناً من كان... حيث تبدو الخيوط التي تربط المغترب بالمحيط واهية... ويأخذ التعبير عن هذه الحالة منحىً انطوائياً مسالماً بين المغترب والمحيط وليس اشتباكياً.
وفي هذا السياق، وضمن هذا الفهم، فإن كل من غادروا أوطانهم وتشردوا أو شُرِّدوا أو خرجوا طلباً للعيش خارج أوطانهم مغتربون بهذا المعنى.
وقد يأتي الأدب ليعبّر عن هذه الحالة البشرية. ويعكس معاناة المغترب في تناقضه مع المكان ومفرداته.
ولقد عبر الأدب العربي في أكثر من موقع عن هذه الحالة والأمثلة كثيرة... وأبرزها في الأدب المعاصر كتابات(أدباء المهجر...) جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي وغيرهم...
فقد كانت صورة النقيض(الوطن)، تقف دائماً في مواجهة المكان المعيش: (بشرّي) بلدة جبران في مواجهة (بوسطن). و(بسكنتا) بلدة نعيمة في مواجهة(نيويورك).. وهكذا، يعبر المبدع عن حالة العدائية للمكان(المغتَرَب) بتلقائية. ويعكس الإبداعُ جدليةَ العلاقةِ بين حالة المبدع وإبداعه من جهة، وبين المكان كمصدر للحس بالغربة من جهة أخرى...
لكن الموقف من المكان في هذا المستوى. يظلّ مجرد موقف خجول منكسر، وترجمة لإحساس بشريّ عام. كأنما يستمد المبدع أسلحته الدفاعية -في مواجهة الغربة(المكان المعيش)- من مفردات الوطن... ولهذا يتجلىّ الوطن والمهجر باستمرار على شكل ثنائيات ضّدية تعاتب كل منهما الأخرى وتتناوبان في الظهور والاختفاء دونما اشتباك بينهما!.
الغربة إذن وبعيداً عن المدلول المعجمي للكلمة، تعني تعارض المبدع مع المكان ومفرداته على صعيد المعايشة. وعلى المستوى الإنساني، يحاصر المكانُ ومفرداتهُ المبدعَ ويضيّق الدوائر عليه.
وفي الأدب العربي القديم، تبدو قصيدة (ابن زريق البغدادي)، الشاعر الذي ترك بغداد وذهب إلى الأندلس طلباً للرزق ثم مات في الغربة، ووجدت قصيدته تحت مخدّته، مثالاً حياً لهذه الحالة..
إذ يتناوب الوطنُ والمغتَرَبُ في القصيدة. ويدفعان بمفرداتهما في مواجهة بعضهما بعضاً على مساحة القصيدة... والأمثلة في الأدب العربي القديم كثيرة على هذا الإيقاع واللون من الغربة...
عندما يحاصر المكانُ المبدعَ سواء كان هذا المكان وطناً أم مهجراً، ويضغط على روح المبدع ووعيه متحدياً مكونّاتها الثقافية والحسية القَبْلِيّة تتفجر في الذات طاقات توتريه هائلة في معاداة المكان... وحين يأخذ التصادم بين المكان والمبدع طابعاً فلسفياً، يصبح المبدع على غيرما وفاق مع الزمان أيضاً، ومع الشخوص والكائنات والموجودات المحيطة!.
ليس مع المكان وحسب!!. وهنا ندخل في حالة جديدة... إذ يصبح المكان والزمان عوامل مناهضة إنسانية المبدع. وربما لا يكون المبدع على حق في مواقفه من ذينك العنصرين.. تلك ليست هي المشكلة.. المشكلة أن الغربة أخذت بعداً جديداً.. بعداً فلسفياً عند المبدع. إذ لم يعد المكان مقنعاً وحسب. بل الزمان، وما ينطوي عليه هذان الظرفان الواسعان من مفردات.. وذلك هو الاغتراب..
وكثيراً ما نعبّر عن هذه الحالة بالقول: إن الأديب يعيش خارج عصره.. التعبير المبسّط لاشتباك المبدع مع الزمان أيضاً..
عند هذا الموقع بالتحديد، تتجلّى حساسية المبدع، وتختلط الغربة بالاغتراب وتتداخلان بنسب متفاوتة في العمل الإبداعي الواحد أحياناً... حيث يعانق المبدع ذاته الإنسانية، وليست الفردية. ومن هنا تبدأ منابع الإبداع البشري الذي يسبق عصره ويتوق في العادة إلى عالم أجمل زماناً ومكاناً!!. وتلك مميزات الإبداع الطليعي على مرّ التاريخ..
ويبدو أن ثمة رؤيةً جديدةً للعالم قد تشكلت لدى المبدع فيما يسمى حلم العمل الإبداعي وهاجسه، وأننا أمام متخيل جديد ناتج عن الوعي الثقافي العالمي أو الأممي، وإدراك المبدع العميق لبشريته، ونشدانه الخروج من أسر معطيات الواقع المعيش راهناً، أو الموروث الذي لا زال يرعد في وجدان المبدع منذ الطفولة والتشكل في أرض الوطن التي تمثل عُشَّ الطفولة ومستودَع الذكرى وبيتَ(باشلار) و(مكانية الأدب العظيم) كما سماها(غالب هلسا) مترجم(جماليات المكان) لغاستون باشلار.. إننا أمام متخيل قوامه(الوعي)، وليس(الشعور). فالعالم الجديد المتخيَّل القائمُ على الوعي في العمل الإبداعي والفكري هو غيرُ ذلك العالم الذي خلفّه المغترِب المهجريُّ وراءه(الوطن).. وهنا نعثر على أول وأبرز الفروقات القائمة بين ما سمي بالمهجرية، وما يسمى اليوم بالمهجرية الجديدة.
ولئن كان(الشعورُ) قِوامَ الأدب المهجري، فإن(الوعيَ) قِوامُ ما سمي بالمهجرية الجديدة. وذلك -فيما يبدو- هو الفرق بين الرومانسية وتيارات الأدب المستندة إلى الفكر والفلسفة ووعي تركيبة العالم..
إن هذا الاستنتاج العام لا يلغي احتمال استمرارية روح الأدب المهجري في المهجرية الجديدة. فالمسألة أولاً وأخيراً مسألة وعي.
.. والآن، لنعد إلى مراقبة المتخَيَّل الإبداعي الناتج عن تغير المكان(موطن الكتابة) أو الموطن المعيش.. إن تغير المكان يفضي بالضرورة إلى تغير الرؤية والرؤيا أو زحزحتهما. ولكن حجم التغير في الرؤية والرؤيا مرهون بحجم معايشه ومعاناة ومعاينة المكان الجديد.
فالمكان الجديد يفتح أمام المبدع مساحة جديدة للبوح بشعوره أو بوعيه. وتتسع مساحة البوح وتضيق في ضوء حالة المبدع وثقافته القَبْلِيّةِ قبل المعايشة، والبعديه بأثر المعايشة، وكذلك في ضواء درجة حساسيته وحجم معاناته القَبْلِيّة في المكان القديم!!. وحتى شكل عبوره للمكان الجديد وطريقة استقباله لمفرداته، وما إذا كان عبوره عبوراً مؤقتاً أو طويلاً أو دائماً.. ولنتذكر في هذا السياق وقفة(المتنبي) وهو يَعْبُرُ(شِعب بواّن) -كمكان- وتلك المساحات التي اتسعت أمامه للبوح بوجعه القومي المبكر:
|
مغاني الشعب طيباً في المغاني
|
|
بمنزلة الربيع من الزمانِ
|
|
ولكن الفتى العربيَّ فيها
|
|
غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
|
المكان الجديد إذن مبعثٌ لمُتَخَيَّلٍ جديد عند المبدع المتمتع بجاهزية الإبداع، سواء كان المقامُ طويلاً أو قصيراً.. ووقفات الشعراء والمبدعين هنا أو هناك أمثلةٌ حيّةٌ لتحدي المكان-بما ينطوي عليه من عناصر الاستثارة للمبدع- لما قَبْلِيّاتِ المبدعِ الحساس.
وإذا سلمنا بمقوله أن المتخَيَّلَ لا يشكل بحد ذاته ابتداعاً وخلقاً مباغتاً يأتي من الفراغ، وإنما هو إعادة لصياغة عناصر الواقع المنظور وتوظيفها بِنِسَبٍ غير واقعية، ولكنها نسبٌ تعبّر عن توق المبدع وموقفه تجاه العالم، فإن المكان الجديدة إنما يشكل بمفرداته مرجعية المتَخَيَّل الجديد! وإذا سلمنا بأن المبدع يستمد نِسَبَه وعناصره-في محاولة لإعادة صياغة العالم عبر العملية الإبداعية- من الوقائع المادية المحيطة به، فعلينا أن نسلم تلقائياً بأن المكانَ الجديدَ سيمدُّ المبدعَ بمفرداتِه المادية التي قد تشكل في مجموعها منظومة معرفية بديلة تؤثر على مصير خطابه الثقافي بشكل حاسم.. ونستذكر في هذا السياق قصة البدوي الشاعر(علي بن الجهم القرشي) الذي شبه الخليفة بالكلب تارة وبالتيس تارة أخرى بالاستناد إلى معطيات ووقائع بيئته(مكانه) البادية:
|
أنت كالكلب في حفاظك للودّ
|
|
وكالتيس في قِرَاعِ الخطوبِ
|
ونادى المستمعون الخليفة للبطش به بسبب تلك الأوصاف، غير أن الخليفة الذي كان يدرك بفطرته جدلية المكان بالمتَخيَّل أمرَ للشاعرِ ببيتٍ على دجلة وعطاءٍ شهريّ..
.. ومع معايشة الشاعر للمكان الجديد، رقّت حواشي شعره ولفظت المستهجن من الصور المستمدة من تركيبة المكان القديم، فراق متخَيَّلُه المُستَمدُ من المكان الجديد بأثر المعايشة وطول المعاينة، وكتب برقّة لا متناهية:
|
عيونُ المها بين الرّصافةِ والجسرِ
|
|
|
|
جَلَبْنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
|
علينا أن نسلم إذن بأن اختلاف المكان يؤدي بالضرورة إلى اختلاف المتخيل، وإلى تغيرات جوهرية في طبيعة المُنْجَز الإبداعي. فالوقائع المادية التي تمدّ المبدعَ، بالرؤية قد اختلفت، لأن قنواته المعرفية لم تعد مقصورة على مكان محدد.
إن الإنسان مطلقاً في الزمان والمكان، دائمُ البحث عن بشريته الضائعة التي غيبتها الإيدلوجيات أو الأنماط الاجتماعية. ومشغول في سبيل معانقتها خارج كل العوامل المناهضة لهذا العناق.. والمبدعون والفلاسفةُ والمفكرون هم الأكثرُ عنايةً بتلك المهمة.. والباحثون كثر على مرّ التاريخ.. رغم أن الضائع واحد.. ولكن الزمان والمكان لا ينفكان يشكلان مصابيح تقدم لأصحاب المحاولة المساعدة في سبيل توضيح الرؤية، والعثور على ذلك الضائع المتغير في كل مرحلة وبتغير الأمكنة والأزمنة..
وكثيراً ما تفضي دهشة الاستكشاف وانبهار المغتَرِب بالمكان الجديد إلى التنازل الكلي عن معطيات مكانه القديم، والتنكر لمُخْرَجاته، في عملية أشبه ما تكون بالاغتراب الانتحاري لدى الشرقيين. إذ لا يعود المكان القديم بنظره مرتبطاً بغير ذكريات المرارة والقمع والتخلف الاجتماعي، وسحق إنسانيته الطالعة إلى الحياة بالأحذية الثقيلة لكل ما هو مضادٌّ لانعتاقه البشري التقدمي.. وهكذا، تنشأ بينه وبين المكان القديم(الوطن) علاقة ثأرية قائمة على التشفّي وتصفية الحسابات. ويكون المكان الجديد -بمخرَجاته- البديلَ الموضوعيَ للمكان القديم، ويحلّ المتَخيَّل الجديد تماماً محل المتخَيَّل القديم..
وتأتي هذه النزعة لدى المثقفين الشرقيين عموماً -سواء من يعيش منهم في أحضان الغرب(المهجر) أو الذين يطلّون ثقافياً من داخل الحاضنة المكانية(الوطن)- في أعقاب الهزائم الكبرى، والوصول إلى حالة اليأس التي تعقب الانكسار.. إذ يثبت للمثقف العربي في أعقاب أية مصادمة مصيرية مع الغرب، عاشها والتهب مع خدائعها الكبرى، أنه لا يزال يعيش في مجتمع طفل، فيما ينتصب الغرب بناظرة عملاقاً مكتملاً تجاوز بفكره وبقواه المادية والتقنية سنّ الرّشد.. وهكذا يدخل في حالة اغتراب مجانية شبه طوعية. ويكون اغترابه في الغالب على شكل استلاب مستسلم أعمى للغرب كمكان يمدّه بمتخيَّله وبأفكاره.. ويصبح نوعاً من(أن المرء يصير غيره، وأن يزدوج ويفقد وحدته النفسية).. (عبد الله العروى، أزمة المثقفين العرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص153).
ولقد نظر السلفيون والمحافظون العرب الشرقيون إلى كل المثقفين والمبدعين الذين تأثروا بالغرب وتفهموا معطيات المكان الجديد الذي ترك أثره على فكرهم ومخيلتهم -بادئ ذي بدء- على أنهم مبشرون ومارقون ينبغي محاربتهم وتخليص ثقافة الأمة من شرورهم وبِدَعهم. وتم التعامل معهم بميزان واحد.. وبعملية واحدة جاء طه حسين وتوفيق الحكيم وجورجي زيدان ونجيب عازوري وقاسم أمين وشبلي شميل والشيخ علي عبد الرازق في كفة واحدة..
لكن الانتقالات النوعية التي شهدها المجتمع العربي فيما بعد، غيّرت من النظرة إلى دور أولئك المثقفين الرواد. وأصبح من اليسر إدراك ذلك الفكر والمتخيل الطليعي، الذي عكسه نتاجهم المتقدم على معطيات المجتمع/ المكان الذي يعيشون فيه.
غير أن الاستلاب والاستسلام الأعمى للغرب لم ينعدم وخلال كل محطات الاحتكاك التاريخية القديمة والمعاصرة..
وتتزايد وقائع مثل ذلك الاستلاب في أعقاب الهزائم القومية كما أشرنا..
ومع تطور العلم وتقنيات الاتصال التي جعلت العالم ملخصاً أمام المثقف على شاشة صغيرة، لم يعد الانتقال الفعلي من المكان لازماً ليؤثر على متخيل المبدع. إذ أصبح بمقدوره أن يرحل ويطِّوف الآفق معرفياً دون أن يبرح مكانه. وأصبح من المحتمل أن يتأثر متخَيّلُهُ بالمزيد من الأمكنة ومخرجاتها الثقافية والحضارية ويجلس وراء واحد من تلك الأجهزة التي توحد الثقافة العالمية والاقتصاد العالمي وتعكس السيطرة العالمية لرأس المال، فيما يسمى اليوم(بالعولمه) التي لا ترحم أيّاً من خصوصيات الشعوب.
إن حديثنا عماً يسمى(بالمهجرية الجديدة) اليوم بات حديثاً متأخراً. ولا ينبغي أن يظل مدلوله محصوراً في تلك الظواهر الإبداعية العربية التي تكتب خارج الوطن، سواء منها ما يعبّر عن استسلام أعمى للغرب، أو ما تسامى منها فوق إبداع الغرب في موطنه، وأصبح -لما ينطوي عليه من قيمة تعبيرية أو فكرية سامية- جزءاً من الإسهام العربي الرفيع في مجمل الفكر البشري، فعلينا أن نتنبه إلى أن(المهجرية الجديدة) -إن صحت التسمية- لم تعد تعني ذلك القطاع من الكتابات التي تنجز في الغرب وحسب، وإنما يدفعنا الفهم الجديد مع تطور تقنيات العصر في مجال المعرفة والاتصالات إلى البحث عن المهجرية في بيوتنا وبين ظهرانينا. الأمر الذي يضع علينا مسؤولية تحديد المصطلح أولاً والبحث في المدلول ثانياً، والتميز بين مخرجات(العولمة) على الصعيد الثقافي، والاغتراب العروبي الثقافي المتأخر المسمى بالمهجرية الجديدة اليوم.
ولدى محاولتنا الإحاطة بالسمات العامة لهذا المنجَز الإبداعي المسمى(بالمهجرية الجديدة)، نتوقف عند أبرز تلك السمات، وهي الانفتاح والعقلانية ورفض السلفية الثقافية والقوالب التقليدية والثورة على كل ما يعيق حركة العقل في سبيل الوصول إلى المعرفة المؤكدة لجوهر الحقائق، إضافة إلى ذلك الطابع الديمقراطي الذي تتصف به تلك الكتابات، مع وجود هامش -يضيق ويتسع- من التسامح حتى في القضايا الكبرى بحثاً عن البشرية الضائعة التي هُدِرتْ لدى الغالب والمغلوب في آن معاً، بسبب ذلك الطابع الفاشي الذي خلقته الرأسمالية المنتصرة في شتى مجالات حياة الأمم والشعوب، وعلى مستوى العلاقات الدولية..
ويبدو لنا أن تلك السمات التي حاولنا إيجازها فيما يكتب عربياً خارج الوطن، لاتقتصر على تلك الكتابات وحسب. فقد نجد على غرارها كتابات كثيرة مما ينتج داخل الوطن، ومما يمثل امتداداً لفعل التأثيرات المتبادلة ثقافياً بين الشعوب والأمم في ظل تطور الاتصالات أولاً ومأزق الثقافة العربية الذي خلقته النظم القطرية ثانياً، الأمر الذي يجعلنا نبحث عن(المهجرية) داخل بيوتنا، ونمعن النظر في سبيل تحديد هوية تلك المهجرية ودورها في بناء الثقافة المنشودة، وبالتالي تشخيصها وأخذ الموقف منها..
فيما مضى طرحت الاشتراكية العلمية مفهوم الأممية. واليوم تنتزع الرأسمالية -في غياب معادلها الموضوعي- المصطلح، وتفرغه تماماً من محتواه الإنساني فيما تسميه(بالعولمة)، التسمية المهذبة لأممية الرأسمالية التي تعني السيطرة وخضوع الأطراف إلى المركز قهرياً.. وتحاول أن تفرض مفهوم العولمة على اقتصاديات الشعوب وأنماطها الاجتماعية وقيمها المعبرة عن درجة تطورها الاجتماعي وحتى على إبداعها..
ويتعايش على ساحة الإبداع العالمي اليوم تياران: أحدهما يمثل الأممية الإنسانية في صفاتها المعروفة، والثاني يمثل أممية العولمة القائمة على الاستخفاف بخصوصيات الشعوب والأمم، والداعية إلى الالتحاق بالإيقاع العام للعصر، واعتبار أن الانطلاق من طبيعة الأمة وخصوصيتها سلفيةً رجعية لا تخدم..
ويمكننا القول بأن كلا التيارين موجودان في أدبنا العربي الراهن، سواء في المهاجر أو في الوطن. ولكن حجم الحضور الكلي لهذا التيار أو ذاك، يتحدد في ضوء قنوات ومصادر المتخَيَّل الإبداعي.. فالذي يعيش المهجر الذي يتصارع فيه تيار الأممية الرأسمالية(العولمة) وتيار الأممية الإنسانية في كافة محاولاتها وتشكّلاتها، هو غير الذي يعيش خصوصياته الوطنية الضاغطة، الأمر الذي يحدد طبيعة مُتَخَيَّله الإبداعي، ويرجح-كحضور إبداعي- تياراً على آخر..
r r r
اللسانيات..
بين النقد العربي القديم
ومأزق المناهج الحديثة
اللسانيات : عنوان عريض تندرج تحته عناوين تفصيلية تأخذ تسميات متعددة، تتفاوت في نظرتها إلى لغة النص الأدبي بوصفها المرتكز الأول لتلك الدراسات والمناهج والمذاهب النقدية.
وهي تتراوح بين الاعتدال المسؤول المنتج البنّاء، الذي يؤدي فائدة حقيقية، ويقدم الخدمة الجليلة للعملية النقدية، وبين التطرّف والمبالغة اللذين يحوّلان النص إلى كائن مبعثر، تنفصل أجزاؤه بعضها عن بعض، ولا يعود كل جزء من هذه الأجزاء"دالاً" على غير نفسه، بمعزل عن تجاوره وتناغمه مع المجموع، ذلك التجاور الذي يشكل أساس الكمال الفني، ويتوج النص الإبداعي. وتبدو الألسنيات في بعض إيقاعاتها التي تشيع في أوساطنا النقدية، أشبه ما تكون بعملية التشريح التعليمي، الذي يبدأ أولاً من مسَلّمة تتعامل مع النص الإبداعي كما لو كان جسداً ميتاً لا حسّ فيه، وبمقدور النطاسي أن يفصل الأجزاء بعضها عن بعض، ويلقي على تلامذته دروساً تتعلق بعمل ووظائف تلك الأعضاء كل على حدة.. وما توفّرتُ على محاولة لسانية فجّة تقتحم النص الإبداعي بلا هوادة وتشتبك معه بروح ثأرية ضارية، مستندة إلى الثقة المطلقة بأدواتها، والحس بالتفرّد والفروسية وقصديّة الفتح، إلاّ وتذكرت قول شاعر الهند العظيم(طاغور): "لا تفتت الزهرة لتدرك أسرار جمالها. ولا تبعثر أجزاءها في سبيل ذلك. فإن جمالها يتأتى من تضافر تلك الأجزاء، وتجاورها وتناغمها بنسبٍ حددتها الطبيعة المبدعة.. أنت أدنى من الوصول إليها".. هذا القول لشاعر إنساني كبير ذي تجربة ودراية معمقة بحجم معاناة المبدع وهو يقع تحت وطأة معاناة الولادة الصعبة للعمل الإبداعي.. وكأننا به يخاطب ضمائر نقاد معاصرين، من متطرفين ألسنيين، ومتطرفين من مشارب شتّى، ممن عوّدونا على مداهمة النص الإبداعي على طريقة النطّاسي المشرح، الذي يمارس حرفته بكل برود وتعليمية، دون أن تأخذهم بالنص رأفة، ودون أن يتذكروا الجهود البشرية المضنية التي يبذلها منتج النص الإبداعي في سبيل تحقيق نصه الذي يولده ولادة كاملة، وليس ولادة تركيبية على طريقة ألعاب(الليّغو).
ولئن كان قول"طاغور" صالحاً لأن يُشهَر في مواجهة المتطرفين القساة من الألسنيين -الذين تصرفهم العناية باللغة وحدها عن أية مهمات أخرى- فإنه يتراجع ليصبح كلام شاعر حساس. ولا يصلح في مواجهة المدارس اللسانية الجادة التي تلجأ إلى اللغة بمسؤولية ووعي عاليين، بقصد فكّ طلاسم النص.. ذلك الكائن السحري الجموح المعلق في الهواء، وجذبه نحو الأرض، ومداعبته وملاطفته ومراوغته بقصد فتح مغاليقه تمهيداً للدخول إلى العالم العظيم للإبداع، والتمتع بمشاهدة مواطن النبض الرائع للمشهد الإبداعي، وتربية المتذوق الأدبي وتدريب ذائقته، على طريق تحويل النقد إلى مادة شعبية مباركة، لا تشكل كارثة على القارئ ولا تعود عبئاً على روحه، بل تدفع به للمضيّ قدماً لملاحقة ذلك العالم الإنساني، ومتابعته.
من هذا الموقع ومن تلك المسؤولية، يجب أن تنطلق الدراسات اللسانية التي تتكاثر في أوساطنا النقدية المحلية اليوم، وأن تكف عن البهلوانيات واستغفال المبدعين بتلك الاكتشافات التي يدّعونها ويبهرون الساحة الأدبية بها. هنا-بالتحديد- وفي موقع المسؤولية الأدبية، تأتي مشروعية الدراسات اللسانية المنتجة وينفتح المجال أمامها رحباً وفسيحاً لخدمة الأدب عبر العملية النقدية.. ليتـأكد لنا صحة مقولة(بارت) "لقد كانت العلاقة بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانية منقطعة إلى أن ظهرت اللسانيات، ففتحت مجالاً لا متناهياً لاستفادة العلوم الإنسانية من تلك العلوم التطبيقية بشكل غير مسبوق".
وعموماً فإن الدراسات اللسانية المعاصرة في العالم-نستثني العالم الثالث في العديد من الممارسات النقدية المستهجنة الشائعة فيه بما في ذلك المغرب العربي- قد شرعت في تقديم خدمات واضحة للأدب منذ أن نادت بالتوجه نحو النص، وهجرة القراءات الخارجية التي تمر من فوق النص، أو القراءات التفسيرية التي تسعى لاستبدال عبارة بآخرى، وما إلى ذلك من ممارسات لا تختلف عن جهود مدرسيّ اللغة العربية في ضوء المناهج التي عهدناها.
ولقد ثار"الشكليون" الروس منذ عام 1914 على تلك الطريقة، وضجوا من رتابتها، ورأوا فيها خنقاً حقيقياً لمواطن نبض النص الإبداعي، وهم يرون النقاد الشارحين يطالبون بمعرفة كل شيء عن صاحب النص، ومولده، ونشأته، وميوله وحتى"نيّته"، حتى قال نقادهم ما مفاده: لقد أصبحت الدراسات النقدية تواريخ وأسماء لكتاب بلا نصوص.
ومن المعروف أن الدراسات اللسانية قد توالدت في بواكيرها على أيدي اللغويين في الآداب العالمية. تماماً كما هي الحال في أدبنا العربي القديم، الذي سجلت دراسات اللغويين وفقهاء اللغة أولى المحاولات اللسانية فيه.. من أمثال دراسات"ابن جني"، و"ابن فارس"، و"حازم القرطاجني" وغيرهم.
وتبدو محاولات"الشكليين" الروس في هذا الاتجاه من المحاولات المعاصرة المبكرة، حين قرر أتباع المدرسة الموسكوبية أن الجوهر في اللغة، وسرعان ما أسسوا منبرهم اللغوي النقدي بقيادة"جاكوبسون" و"دوبرفسكي" عام 1914، غير أنهم هُزِموا أمام زحف مفاهيم الواقعية الاشتراكية، والهجوم الأيديولوجي الذي كرّس مفاهيم وظائفية الأدب والفن.
ولقد واجه الشكليون الروس ضغطاً شديداً من منظري النظرية السياسية المنتصرة، حتى تحول بعض رموزهم إلى خدمة الواقعية الاشتراكية بطروحاتها الصارمة المبكرة ممالئين أو مقتنعين بسبب زخم الانتصار الثوري للقوى الاشتراكية.
لقد جنّد فرسان الفلسفة الماركسية أقلامهم ضد هذا التيار بوصفه مخالفة مرورية لنظام السير لروسيا الثورية. وكان كتاب المنظّر(ليون تروتسكي) "الأدب والثورة" بخطابه القوي والواثق تحدّياً جدياً لصحة أفكار نقاد تلك المدرسة ولمصداقية ثباتهم على مبادئهم النقدية.
هزمت المحاولة إذن في موطن تفجرها غير أنها انطلقت في مواقع متعددة من العالم وتطورت طروحاتها على أيدي اللغويين الذين راحوا يهتمون"بالدلالة" بما يعطي اللسانيات-فعلاً- علّة وجودها كمحاولة للمعرفة. ويبدو أن شكل تعامل هذا الفريق أو ذاك بمسألة"الدلالة"، هو الذي يحدّد مدى فاعلية هذا التيار أو ذلك من تيارات الألسنة في العملية النقدية.
ولقد تراوحت عناية الألسنيين"بالدلالة" ما بين دراسة النص الإبداعي بوصفه كُلاً متكاملاً، وبين أصغر مكونات لغة النص الأدبي"الصوتيم"، كما يسميه << د. عبد الرحمن أيوب" وهو أصغر جزء في الكلمة بينما تتسع دراسة"الدلالة" عند(د. عبد الله الغذامي)، لتشمل"الجملة الأدبية" -هكذا أسماها في"الخطيئة والتفكير"- وهي جملة لا علاقة لها بالجملة العربية بالمفهوم النحوي"مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل"، وإنما في الجملة التي تشكل قولاً شعرياً بمقهوم(الفارابي) و(القرطاجني). وفيما تتركز جهود"القرطاجني" في دراسة الدلالة على"المرسِل" و"المرسَل" و"الرسالة" و"السياق"، فإن(الغزالي) يراقب تلك العلاقة القائمة بين ما يسميه"الدّال" و"المدلول" فيؤكد أنها علاقة اعتباطية تماماً كما هي رؤية(سوسير) المعاصر. أما "بارت"، فينظر إلى هذا الأمر بحذر، ويميل إلى الاعتقاد بأن العلاقة بين"الدّال" و"المدلول" تنشأ"بتواطؤ" يُكتَسَب بالتعلم. تماماً كما يتعلم المرء الفرنسية، بدليل أن كلمة"رجل" تدل على الكائن البشري بالعربية وفي الإنجليزية"مان" والأمر مختلف في اللغات الأخرى، رغم أن المدلول واحد.
ولقد راقب اللغويون العرب الدلالة.. راقبوها بذاتها، كما راقبوها في السياق ولاحظوا الفرق الشاسع بين المدلول المطلق للكلمة لذاتها، ومدلولها في السياق. واعتمدت الكثير من كتب الفقه والتفسير والاجتهاد على هذا الجانب.. لاحظ كلمة"كتاب" والفرق بين مدلولها المطلق بمفردها، ومدلولاتها في السياقات التالية: "كتاب أنزلناه ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور"، "حضرت حفل كَتْب الكتاب"، و"كتابه بيمينه".
وربما جاءت الدراسات العربية القديمة في سبيل خدمة الدراسات القرآنية أو اللغة العربية، ولكنها في النهاية أفضت باللغوي العربي إلى ما هو أوسع من ذلك. لقد أسّسوا للدراسات اللسانية بشكل مبكر وذكي إلى أبعد الحدود، رغم ذلك البريق الخاطف الذي يُشار إليه اليوم في الدراسات الألسنية الأوروبية الحديثة! ودرسوا أدق التفاصيل في اللغة ومدلولاتها في النص الأدبي.
لقد درس"ابن جني" الفعل الرباعي الذي قرر أنه يتكون من مقطعين وستة"صوتيمات"، سقط صوتيم واحد من كل مقطع، بسبب اندغام المقطعين، فالفعل"دحرج"، يتكون من فعلين عند"ابن جني" وهما "دحر" و"رجّ -رجج" والأول يعني دفع الشيء إلى الوراء والثاني يعني تحريكه! ولدى اجتماع المقطعين أفاد معنى"دحرج" الذي يعني "رجّ الشيء في مكانه ليسهل دفعه إلى الوراء، وهكذا أعطى اندغام المقطعين قيمة معنوية"مدلولاً" مركّباً..
ولدى اجتماع المقطعين في الرباعي"دحرج" أصبح للفعل"رجّ" مدلول آخر، وهو الدفع إلى الوراء بعد رج المدفوع! وذلك هو الفرق بين مدلول المقطعين كلاّ على حدة، ومدلولهما بعد الاندغام بدليل وجود الفعل"دحل" في اللغة، والذي يعني دفع الشيء إلى الوراء بسهولة اكتسبها الفعل من مدلول"صوتيم اللاّم"، الذي يفيد"التسهيل" حيثما وقع غالباً. ويبدو للسياق دوره في إعطاء"المدلول" إذا ما نظرنا إلى العبارتين "رجل وامرأة رجراجة" إذ تفيد المفردة في السياق الأول معنى المنقصة مع الرجل وهو"المترهل" أو الذي لا ثبات في مواقفه، أما مع المرأة فالرجراجة هي المرأة الناهدة المتوثبة النهد.
ولقد لاحظ اللغويون العرب القدماء"الألسنيون" قبل أن يعرفوا ذلك عن أنفسهم أن للحرف الواحد"الصوتيم" مدلولاً بمفرده وأن ذلك المدلول غير ثابت تماماً عندما يدخل في الكلمة التي تصبح هي بحد ذاتها سياقاً جديداً قد يعطي الحرف"الصوتيم" الواحد، مدلولاً جديداً جزئياً يدخل في مجموع المدلول الكليّ للكلمة.
فعلى سبيل المثال يلاحظ"ابن جنيّ" في كتابه"الخصائص" و"ابن فارس" في"الاشتقاق" مثل ذلك. فحرف"القاف" يفيد معنى الاصطدام في أغلب وقوعاته.. فإذا اجتمع مع"الطاء" أفاد معنى القطع المطلق"قط- قطط"، ثم يأتي الحرف الثالث للفعل وهو"صوتيم" التنويع ليعطي للقطع معنى تفريعياً. "قطع"، "قطز"، "قطم"، "قطل"، "قطش"، "قطف".. إلخ.. وكلها تفيد القطع، لكن القطع غير القطش غير القطم غير القطف وهكذا..
أما حرف"الراء" فيفيد التكرار في أغلب وقوعاته: مرّ، جرّ، خرير، كما تفيد"الغين" معنى الغيبوبة إذا اجتمعت مع"الألف": "غاب"، "غاض"، "غادر" إلخ..
فإذا اجتمعت"الغين" و"الراء" "القاف" في الفعل"غرق"، تشكل سياق جديد مركب من اجتماع الحروف الثلاثة، وأعطى كل حرف منها"مدلولاً" أسهم في تشكيل المدلول العام الناتج عن اجتماع الأصوات الثلاثة في المركب الجديد"غرق".
" فالغين" تفيد الغيبوبة والاختفاء، و"الراء" تفيد التكرار والاستمرارية، و"القاف" تفيد"الاصطدام"! ومجموع المعاني الجزئية"للصوتيمات" الثلاثة تساوي"الغرق"، بحركاته الثلاث التي أسهم في"الدلالة" عليها كل صوتيم..
ولكن الألسنيين العرب القدماء، لاحظوا أن مثل تلك النتائج التي توصلوا إليها غير مطلقة، وليست ثابتة، وهكذا فشلت محاولة"جورجي زيدان" في تأليف قاموس لمعاني الحروف"الصوتيمات" والمقاطع لأن الغة خانته في تحقيق غايته، ولأن في العربية من الغنى والقدرة على التوظيف البلاغي، ما يحول دون تحقيق تلك الغاية.
وقد يتوصل العالم إلى آليات، وربما مبتكرات علمية فيزيائية، أو كمبيوترات تمتحن الصوت، وترصد النتائج التعبيرية"المدلولات" لكل صوت. كما تدرس النتائج المتحصلة من تجاوز"الصوتيمات" إلى جانب بعضها بعضاً، ولكن اللغة تظل أغنى من كل المحاولات الإنسانية أو التكنولوجية.
إن"السياق" هو الذي يحددّ المدلول، ابتداءً بالصوتيم، وانتهاءً بالنص الأدبي بمجموعه، ومروراً بمدلولات المقاطع والمفردات والعبارات والجمل والفقرات، ولهذا تبدو الدراسات النقدية الألسنية التي تعتمد على التشريح والتجزئة والتعامل مع الأجزاء كلاً عى انفراد، عرجاء تقفز على رجل واحدة.. وتبدو مهمة الناقد الألسني أكثر إضحاكاً كلما أوغل وتطرّف في هذا الاتجاه، لأنه يريد القفز عن حقيقة كبرى، وهي أن النص الإبداعي نتاج موحد لصاحبه، غير قابل للتجزئة إلا لغرض المزيد من التفحّص والتعمق والتثبّت.
تلك هي التوجهات الألسنية التي يبهرنا بها العديد من نقادنا، والتي ينبغي أن يكفّوا عنها، ويوظفوا مهارتهم الألسنية في سبيل المزيد من الخدمة للنص الإبداعي.
r r r
الفهرس
المنظورات المستقبلية لوحدة الثقافة العربية
معطيات التراث العربي والثقافة القومية التقدمية المعاصرة.
" المثقف العربي والمتغيرات" كتاب د. علي عقلة عرسان
مهمة المرحلة: العبور إلى الثقافة الوطنية الديمقراطية.
المثقفون العرب في عالم التحولات الخاطفة
حوارات حول التطبيع
الفكر القومي إلى أين؟
صدى الانتفاضة في الابداع العربي الفلسطيني
جدليّات النص الإبداعي
المشروع الثقافي العربي والمتغيرات الراهنة
المثقف العربي بين سلطتين
إشكاليات الكتابة الجديدة
ظاهرة المهجرية الجديدة (في تشخيص الظاهرة)
اللسانيات بين النقد العربي القديم ومأزق المناهج الحديثة
r r r
╤▐┌ ╟╪╟╡╧╟┌
تحديات الفكر والثقافة العربية : في الفكر والأدب: دراسة/ سليمان الأزرعي- دمشق: اتحاد الكتاب العرب ، 1998- 118ص؛ 24سم.
1- 306.40956 ىأزر ت 2- العنوان
3- الأزرعي
ع-2/1/1999 مكتبة الأسد
q
المؤلف
الدكتور سليمان الأزرعي:
- كاتب وقاص وناقد أردني. ولد في الحصن عام 1949 .
- عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، عضو اتحاد الكتاب العرب/ دمشق، عضو الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين ورئيس فرع الرابطة في إربد.
- عمل في التعليم منذ عام 1974 وحتى عام 1985 ثم عزل وسجن لأسباب سياسية وفكرية وواصل نشاطاته في مجال الكتابة الفكرية والأدبية إلى أن أعيد إلى العمل الحكومي عام 1990 مع عودة الحياة النيابية إلى الأردن. ويعمل الآن مديراً لمديرية الثقافة في محافظة إربد، وأستاذاً للنقد الأدبي في جامعة آل البيت.
أصدر عدداً من الكتب النقدية والفكرية والإبداعية منها:
- ( الشاعر القتيل) اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983 .
- ( دراسات في القصة والرواية الأردنية)، دار ابن رشد، عمان 1985 .
- ( البابور) مجموعة قصصية، وزارة الثقافة، عمان 1992 .
- ( دراسات في الشعر الأردني ح1)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1994 .
- ( الذي قال آخ أولاً) مجموعة قصصية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1997
- ( الرواية الجديدة في الأردن)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1997 .
- ( تحولات الرواية الأردنية بعد الهزيمة) جزءان(تحت الطبع).
r r r
▌╨╟ ╟╪▀╩╟╚
دراسة تتناول موضوعات وطنية وقومية ومسائل ثقافية ونقدية، تلامس بشكل مباشر قضايا الهوية والدفاع عن الثقافة القومية ومقاومة التطبيع، وجميع أشكال الصرعات والموضة الثقافية التي تنسج في سياق الغزو الثقافي.
|