الملفوظية - جان سيرفوني - ترجمةالدكتور قاسم المقداد

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

اللسانيات والبراغماتية *) الإفعاليّة)‏

1- أوستين والبراغماتية:‏

يمكننا الانطلاق من التحليلات الواردة في الفصل الرابع لنطرح القضية العامة للعلاقات القائمة بين علم الدلالة الألسني من جهة، والبراغماتية من جهة أخرى، والنقطة الأساسية تبدو وكأنها تدور حول المكانة التي نوليها للقول الفاعل ILLOCUTOIRE.‏

بالنسبة لأوستين، يقع القول الفاعل في اللسان LANGUE وهو جزء من الاتفاقات التي يتكون منها هذا اللسان، إذ عن طريق الاتفاقات ترتبط قيمة القول الفاعل بشُكيل مورفيم) ما، أو بتعبير ما أو بوحدة معجمّية LEXEME مُعيّنة، حينما لا تكون قيمة القول الفاعل محددة MARQUEE في الملفوظ، فالأمر يتعلق باستخدامٍ اتفاقي بحيث يمكننا إيضاحه عن طريق فعل قواعدي إنجازي). وبالتالي يمكننا تطبيق الصفتين: اتفاقي، وصريح، على القول الفاعل ILLOCUTOIRE.‏

أما القيم القَوْلِية التأثيّرية PERLOCUTOIRES، وهي متغيرة جداً، فلا تنتج عن اتفاقيات لغوية تماماً، إنما ترتبط بمجال المستتر IMPLICITE.‏

مفهوم أوستن هذا، يفضي إلى انقسام البراغماتيّة، فدراسة القول الفاعل، في أحد أوجهه، يمكن إدراجها ضمن علم الدلالة الألسني، هذا من جانب، ومن جانب آخر، باعتبارها دراسة للفعل التأثيري، فلا يمكن أن تكون جزءاً من علم الدلالة الألسني. والنتيجة ستؤدي إلى مايسمى بـ "البراغماتية المتفجّرة".‏

هذا "التفجر" الذي يجعل من البراغماتية فرعاً مستقلاً جزئياً، ومندمجاً في فرع آخر في جزء منه) ينطوي على شيء غير مريح وغير مُرضٍ يفّسر سبب إعراض اللسانيين والبراغماتيين عن قبوله، أو على الأقل إعراضهم عن قبوله بحالته هذه.‏

2- ثلاث وجهات نظر برزت بعد أوستين:‏

سنعرض فيما يلي ثلاث وجهات نظر حول وضع البراغماتية، ووجهات النظر هذه تُعدّل من الأنقسام الحاصل عن نطرية أوستين أو تتجنبه.‏

أ- وجهة نظر أوزوالد ديكرو:‏

1- اللسان والعلاقات البْيذاتّية INTERSUBJECTIFS :‏

كتاب أ. ديكرو الموسوم القول واللا قول DIRE ET NE PAS DIRE يبدأ برفض المفهوم القائل: إن اللسان LANGUE يُستخدم للتواصل بالمعنى الضيق للعبارة، أي لنقل المعلومة.‏

حينما أطرَحُ سؤالاً، فإنني أقوم بشيء آخر غير إعلام المتلقي عن رغبتي بالمعرفة: وهو أنني أدشِّنُ أمامَهُ وجوبَ الإجابة، وأعطيه دوراً في الوقت الذي أختار لنفسي فيه واحداً، وحينما أطلقُ أمراً، أو وعداً أو إذناً/ الخ/ فإن اللسان، كما يرى ديكرو، ينطوي بذاته على قائمة CATALOGUE) من العلاقات البَيْبَشَرَيّة، وعلى مجموعة من الأدوار)، أي على جهازٍ كاملٍ من الاتفاقيات والقوانين) التي تنظّم نقاش الأفراد)، والأدوار الاتفاقيّ‍ة المعينة ليست سوى القول الفاعل عند أوستين.‏

2- القول الفاعل والافتراض المسبق‏

-لكن القول الفاعل، بالنسبة لديكرو، لا يقف عند حدود الأفعال التي يصفها الفيلسوف الانكليزي أوستين). فهو يتضمن أيضاً الافتراض المسبق الذي هو إحدى الوسائل التي تقدمها اللغة من أجل الاستجابة للحاجة المستترة التي يشعر بها المتحدثون في عدد كبير من المواقف، وهو وسيلة "للقِول وعدم القول". فمثلاً إحدى الوسائل التي امتلكها لكي أقول -بشكل ضمني، باعتباري متحدثاً -أن جملة "جاك سيأتي" هي جملة حقيقية يعني أنني أقول "بيير يشك بأن جاك سيأتي"، وبشكل صريح فقد تحدثتُ عن شعور بيير إزاء ذلك المجيء: الذي يؤمن به أو يصدقه في هذه الملفوظية، هذا هو الذي يشكل المؤكد المفروض)(1) POSE..‏

أما من الناحية الضمنية، فقد أعربتُ عن إيماني الخاص المتعلق بذلك المجيء، وهذا مايشكل الافتراض المسبق. وضع الافتراض المسبق من بين شروط استخدام الإنجازّيات التي ينبغي تحقيقها لكي لا يكون هناك "تعاسات"(2) ، وهذا الافتراض المسبق بالنسبة لأوزوالد ديكرو يشكل فعل لغة نوعي. إنه -فعل كما التأكيد والاستفهام أو الأمر لأنه يعدل يغيّر) العلاقات البيذاتيّة للمتخاطبين، ويخلق واجبات، ويؤسس حقوقاً وواجبات، ويّوزع أدواراً، وخصوصيتهُ تكمن في الشكل الذي يفرض فيه على المخاطب إطاراً لاستمرار الحوار: لا يقبل الشك: إنه يجبرهُ على التصرف كما لوكان مضمون الموضوع المفروض مسبقاً PRESUPPOSE حقيقةً مكتسبةً لا تقبل الشك. فإذا كان هناك ثمة استمرار فإنه، من حيث المبدأ، لا يمكن أن يكون إلاّ على أساس المفروض المؤكد) POSE وليس على أساس الافتراض المسبق.‏

وإذا استمر المخاطب(3) - المجيب ALLOCUTAIRE في استخدام الافتراض المسبق مثال: ما الذي يحملك على الاعتقاد بأن جاك سيأتي؟...) فإنَّ جوابه ينطوي على شيء من الفظاظة، أي أنه مُغيظ الاحتجاج) ومجرد الانخراط في مناقشة الافتراضات المسبقة يُسَهّلُ الإحساس به على أنه عدواني، وبالفعل فهو رافضٌ لعالم الخطاب الذي كان المتحدث يزعم فرضَةٌ. وعوضاً عن تقويم مايقول، فإننا نشك في قوله.‏

لذلك فإن دراسة الافتراض المسبق، تحتلُّ مكاناً أساسياً في التفكير حول العلاقات القائمة بين السلطة والقول، بالخطابات الإرهابية", وحول التواصل المؤقت) وحول اللسان الخشن(4) LANGE DE BOIS.‏

حينما يضع ديكرو الافتراض المسبق في فئة القول الفاعل، فإنه بذلك يتخلى عن التعريف الذي يربط القول الفاعل بالقول الصريح. حتى أنَّ هذا التعريف غير واضح بالمعنى الذي أراده أوستين، أي أنه "قابل للإظهار بواسطة فعل قواعدي إنجازي" لأنه لا يسعنا قول: أفترضُ مسبقاً أن جاك سيأتي) كما نقول أحذّركَ بأن الثور سيهجم)، لنلاحظ مع ذلك أنّ عبارة مستتر ضمني) IMPLICETE المطبقة على الافتراض المسبق، لا تعني أنه لا يملك سنداً في الملفوظ). وعلى هذا، فإن المفروض المسبق في "بيير يشك..." محمول من قبل يشك SE DOUTE).‏

3- المضمرات: SOUS - ENNTENDUS:‏

من هنا يتعارضِ الافتراض المسبق مع شكل آخر من أشكال المستتر الضمني) IMPLICITE، أي المُضمر، الذي يُسْتنتجُ من المعنى الحرفي) LITTERAL ، ومن السياق عن طريق إجراء خطابي ما DEMARCHE DISCURSIVE أي عن طريق المحاكمة العقلية)(5) مُدخلاً بذلك قوانين الخطاب. والقانونان الأساسيان هما: قانون الإخبارية وقانون الشمولية(6) .‏

وهنا أحد الأمثلة التي استخدمها ديكرو(7) لتوضيح عملها: لتكن لافتة مكتوب عليها مفتوح يوم الثلاثاء/ موضوعة على باب أحد المخازن، معناها الحرفي لا يكون مقنعاً إذا كان المخزن واقعاً في منطقه تكون فيها المخازن مفتوحة عادة في ذلك اليوم، في هذه الحالة لا يكون للكتابة أيُّ قيمة إخبارية. والتخمين الموجود لإعطاء المعلومة قانون الإخباريّة)، وتقديم ماباستطاعتنا تمنيه حول أيام الفتح قانون الشمولية) من شأنه توجيه القراء المحتملين نحو التأويل التالي: نفتح فقط يوم الثلاثاء).‏

السلوك الخطابي الذي عن طريقه نؤولُ ملفوظاً يتضمن مُضمرات SOUS - ENTENDUS ينطوي أولاً على ملاحظة أن الملفوظ، المُدّرك في مستوى معناه الحرفي، ينتهك أحد معايير التواصل، وبفضل مبدأ التعاون، نخمّن أنّ المتحدث يرتكب هذه المخالفة للإيحاء بالتقيد بالمعيار المطلوب على مستوى المعنى، أو أنه لا ينتهكها إلا للتقيد بمعيار أهم. وفي كل الأحوال، مايثير التأويل ليس السؤال: "ماذا يقول المتحدث؟ إنما السؤال: لماذا يقول المتحدث مايقوله في السياق الحالي؟). إن التأويل ينبثق عن تساؤل لا يركز علىالملفوظ إنما على الملفوظيّة.‏

والتعارض بين شكليّ المستتر IMPLICITE وهما الافتراضات المسبقة والمضمرات SOUS - ENTENDUS: فعل الافتراض المسبق هو فعل فوري "أولي" وغير قابل للاشتقاق بينما الفعل المُنجزَ عن طريق المُضْمرَ هو فعل مشتق(8) .‏

4- اامُحاججّة البرهنة) ARGUMENTATION:‏

إن توسيع ديكرو لمجال القول الفاعل ILLOCUTOIRE الذي يشكل انتماؤه إلى علم الدلالة الألسني أمراً بدهياً يقوده في الآن نفسه إلى توسيع مجال البراغماتية المُنْدمجة).‏

لنشر إلى أن هذه البراغماتية المندمجة ستتنامى بالتدريج في كتب ديكرو التي نشرت بعد كتاب القول واللاقول DIRE ETNE PAS DIRE ودراسة المحاججّة) في اللسان، والمجموعة الموسومة: كلمات الخطاب، مُكرِّسة لدراسة كلمات أوتعابير مثل: أجد أنَّ، أرى أنَّ JE TROUVE QUE، لكن = MAIS ، حتماً= DECIDENET، حسناً = EHBIEN؛ من جانب آخر= DAILLEURS. والتي وظيفتها الأولى، بحسب ديكرو، خدمة التوجيه الاحتجاجي للملفوظات.‏

لكن استخدام هذه الكلمات أو التعابير ليس لازماً حتى نتمكن من الحديث عن البرهان، وفي مقالة يعود تاريخ نشرها إلى على 1979 نقرأ مايلي: أطروحتنا تقول إن التوجيه الاحتجاجي لازم لغالبية على الأقل) الجُمل: ودلالتها تتضمن توجيهاً مثل : حينما نلفظ هذه الجملة، فإننا نقدم أنفسنا كمبرهنين لصالح مثل هذا النمط من الخلاصات(9) .‏

هذه الأطروحة تعني الأطروحة العامة التي طالما دافع عنها أوزوالد ديكرو وهي أن اللسان، على عكس الصورة التي أعطاها سوسير عنه، هوعبارة عن مجموعة اتفاقات اصطلاحات) تسمح بالفعل المتبادل بين الأفراد يتيح لهم فرض أنفسهم، ولعب أدوار متبادلة في عملية الكلام).‏

ب- وجهة نظر آلان بيريندونيه: A. BERRE NDONNER‏

1- حينما نقول فنحن لا نفعل شيئاً: كما مرَّ معنا. وهذه أطروحة معارضة يبسطها بيريندوينه. فهو يعتبر أنه ليست هناك أيُّ قيمة براغماتية مسجلة في مدلول الكلمات أو في بنية الجمل. ودلالتها الأولى أي دلالة القيمة البراغماتية) هي مجرد دلالة تمثيلية وبالتالي فإن قيمة أي فعل هي قيمة اشتقاقية وتنتج عن الملاقاة التي تحققها الملفوظية، بين القيمة الوصفية CONSTATIVE وبين بعض شروط السياق النوعية. عندها يمكن التخلي عن مفهوم القول الفاعل، لأنه مفهوم عالي الكلفة. مثلُ هذا التخلي يتطلب منا، بشكل خاص، نشر الإنجازات التي لم يعد تعريف أوستين لها صالحاً.‏

الأفعال القواعدية الإنجازية، بالنسبة لبيريندنيه، ليست مهمتها إنجاز الفعل الذي تدل عليه مباشرة، بل عدم إنجازه. إنها تُستخدم لإحلال الكلام محل الفعل المادي ACTION؛ فحينما أقول: أتنازل عن نسختي من الإلياذة لفلان، فإنّي أستبدل حركة الإعطاء بصيغة كلاميّة تعادل تلك الحركة. وعنوان الفعل الرئيسي في كتاب: مبادئ في البراغماتية الألسنية هو عنوان صريح لموقف الكاتب من أو ستين. والعنوان هو: حينما نقول، فنحن لا نفعلُ شيئاً.‏

2-تعريف مفهوم الفعل ACTE : مفهوم الفعل بالنسبة ليبريندنيه، لا ينفصل عن مفهوم الحركة، GESTE. إذ يمكننا التصرف AGIR دون تحريك اليدين أو القدمين أو أي عنصر آخر من أعضاء الجسد. إذاً فالكلام نقيض العمل أو الفعل وبهذا يعاد الاعتبار للحدس الذي يتجلّس في التعابير الشائعة مثل "هذه ليست سوى كلمات" أو"يكفي كلاماً، يجب أن نفعل". الفعل الوحيد الذي ننجزه حينما نتكلم، هو "القيام بمجموعة حركات صوتية وإيقاعية تفصح عن نشاط التركيبة الركنيّة(10) بمعنى آخر هو فعل كلامي أو ملفوظية بأشد معاني العبارة حرفية.‏

3-شروط التأويل الإنجازي:‏

على السؤال: مَن؟ لا نتلقى عموماً، أي جواب شاف حول الشروط اللازمة للتأويل "الانجازي" للملفوظ. أما بيريندونيه فيقترح إجابة فريدة من نوعها فيقول: "إن أحد تلك الشروط هو غياب المرجع. وهو غيابٌ يفسرهُ انزعاج ما".‏

فبيريندنيه يقصد بـ "الأفعال المزعجة":‏

-الأفعال التي يستحيل تنفذها، كالضحك حينما نكون بصدد الغناء "آه؛ إنني أضحك لدى رؤيتي ذاتي، شخصي، صورتي) جميلة...".‏

-الأفعال التي تتطلب زمناً طويلاً لتنفيذها مثل معاقبة المجرم: إذ أن القاضي يستعيض عن تنفيذ العقوبة بعبارة: "أحكم عليك بالسجن المؤبد".‏

- الأفعال المُلتَبسة مثل المصافحة. إذا استُعيضَ عنها، بشكل أكثر فائدة، بعبارات غير غامضة مثل: أُحييك) أو أهنئك) أو أهلاً وسهلاً). الخ.. وإذا صافحنا الآخر مع تلفظنا بتلك التعابير، عندها يكتسب الملفوظ قيمة مضاعفة: قيمة وصفيةٌ وأخرى إنجازية.‏

فضلاً عن ذلك. ينبغي أن تكون صلاحية الاستعاضة مضمونة من قبل مؤسسة ما، لكنها مؤسسة غير لغوية قواعد اللعب، المنظومة القانونية، قواعد التهذيب الخ)..‏

4- المثولية الكاملة:‏

ختاماً، يمكننا القول، إن المعالجة التي تقترحها تلك النظرية، هي معالجة مثيرة. لكن هناك نقاطاً أخرى يبدو أنها أخفقت فيها، إذ كيف ننتزع القيمة القوّلية الفاعلة الأولية عن الجمل الاستفهامية والأمرّية؟.... الحل الوحيد يكمن في النظر إلى الأولى على أنها تعبُّر عن فضول المتحدث. والثانية تعبّر عن حاجةٍ يعاني منها، وانطلاقاً من ذلك، وبفضل قوانين الخطاب- المجيب ALLOCUTAIRE أننا نطرح عليه سؤالاً أونوجّه إليه التماساً. لكن الحجج التي يمكننا سوقها لمصلحة هذه الأطروحة، تظلُّ حُججاً واهية لأن البرهان لا ينتصر على الانتساب ADHESION.‏

مع ذلك، ولكي يبرر محاولته، فإن بيريندونيه يشير إلى أهمية هذا الرهان، فالهدف الذي يسعى إلى تحقيقه في محاولته لطرد القول الفاعل ILLOCTOIRE من اللسان طرداً تاماً، هو مايتضح من العبارة التالية: "دمج المفهوم الاختزالي لِلّسان كمنظومة علامات ذات وظيفة تمثيلية) في نظرية واسعة للملفوظّية باعتبارها عملية شاملة للاتصال). وهو مبدأ وحيد يمكن للنّحوي القبول به وهو نحويٌ يظل محافظاً على نظاميّة SYSTEMATICITE موضوعهِ النوعي وعلى الضعف أمام التمسك بالطرائق المُشَكّلنة التي يبقى الدال أساساً لضمانتها.‏

ج- وجهة نظر ر.مارتان:‏

البقاء في مثولية الظواهر اللغوية) وعدم الإفراط في تسهيل عبارة سوسير الشهيرة: "... اللسانُ بنفسه ولنفسه..." هذا مايلخص الهمَّ الذي يعبّر عنه كثير من الألسنيين لاسيما حينما يشعرون أنهم مُنجّرون إلى دراسة المعنى فوق أرضً تتقلص فيها إمكانيات الشكلنة الصارمة.‏

وهذا الهم هو مايعبر عنه بشكل خاص ر.مارتان في كتابه الموسوم: من أجل منطق للمعنى ص 18). لكن هذه المثوليّة بالنسبة له، لا تنتقل عبر تمثيليّة RERESENTATIONNALISME جذرية ومن خلال التخلي عن القول الفاعل ILLOCVTOIRE.اللسان يتضمنُ علاماتٍ ليست سوى توقعٍ للملفوظ باعتباره فعلاً ACTE: إنها تشكل مجال القول الفاعل، فيعتقدُ أنها جزءٌ من علم الدلالة SEMANTIQUE : إنه بفضل القاعدات الدلالية يمكننا تحديد شروط حقيقية الجملة المتضمنة إنجازات وإشارات DEICTIQUES ومحدّدات DETRERMINANTS، والبرغماتّية لا تتدخل على مستوى الجملة التي هي مجرد كائن افتراضي، وهي لا تتدخل إلاّ على مستوى الملفوظ، أي على مستوى تكرار الجملة في وضع خاص، هذا المفهوم يفترض معالجة البرهنة بشكل يختلف عن معالجتها لدى ديكرو، والقيمة البرهانيّة لبعض الكلمات تنشأ عن براغماتية الملفوظ كما يرى ر. مارتان، وهذه القيمة ليست سوى نتيجة للآلية الدلالية -المنطقية التي تشكل هذه الكلمة علامة لها، مثل كلمتي: تقريباً= PRESQUE وبالكاد= A. PEINE، القيمة البرهانية لهاتين الكلمتين بالنسبة لديكرو وهي قيمة بدائية PRIMITIVE. أما ر.مارتان فيرى أن لهاتين الكلمتين دلالة أو "معنى" وفقاً للمصطلح الذي يعتمده هذا الألسني). هو ناتج عن حركة الفكر CINESE الذي يخلقه: نقرأ في الصفحة 232: "بالكاد، في الحالة الإيجابية، تتجه بشكل سلبي من هنا الخلاصات السلبيّة التي تميل إلى استخلاصها من الملفوظ الذي يتضمنها).‏

بالكاد، حصل على متوسط النجاح؛ إنه لأمر سيء؛)‏

تقريباً، في الحالة السلبية تتجه بشكل إيجابي ومن هنا+ على عكس ماسبق+ قرابتها مع الخلاصات.‏

حصّل تقريباً على متوسط النجاح؛ وهذا أمر جيد").‏

وكذلك تختلف معالجة الافتراض المسبق: فهو أساساً، آلية تنتهي إلى علم الدلالة، والمضمون وحده الذي نعزوه إلى الفرضيات المسبقة في حالة ما خاصة، هو الذي يدخل في إطار البراغماتية.‏

ينتهي إلى هذا الفرع أيضاً، كل مايدخل في فئة الأفعال المشتقة ACTES DERIVES التي يخصها ر.مارتان باسم PERLOCUTOIRE أي الأفعال التأثيرية، وعلى هذا المستوى من دراسة المعنى تُطرح قضية التوقعيّة PREVISIBILITE وبينّت الصفحات من 235 إلى 243) أن هذه القضية قد حُلت جزئياً باللجوء إلى لسانيات النص، والسيميائيات ذات السمات العروضية SUPRA SEGMENTALES واللسانيات خارج اللغوية EXTRA - LINGVISTIQVES التي تهتم بدراسة الملفوظية وبالإيماء) والمأثورات التحادّثية وأخيراً "الاستثمار البراغماتي" لبعض عبارات المُعجم مثل حسناً DEJA , EB, BIEN الآن، لكن).‏

هذه المقارنة السريعة التي لجأنا إليها تلمّح إلى أنّ الألسنّيين الثلاثة الذين ذكرناهم في هذا الفصل، مهما تباعدت وجهات نظرهم حول العلاقات القائمة بين اللسانيات والبراغماتية، ومهما اختلفت مفاهيمهم العامة حول اللسان، تلمّح أن وجهات النظر تلك تكتسب نفس الأهمية إزاء البراغماتية.‏

وعلى هذا، فهي تمثل الاتجاه اللساني السائد في الثمانينات، تمثيلاً جيداً.‏

*) أزعمُ أن مضمون هذا الكتاب يؤكد اختلاف الذرائعية PRAGMATISME عن البراغماتية أو الإفعَالية LAPRAGMATIQUE المترجم).‏

(1) نطلق عبارة مؤكد أو مفروض على التأكيد الصريح للملفوظ وذلك بالمقابلة مع الافتراض المسبق الذي يقتضي وجود ملفوظ ضمني معروف أو بديهي، ففي جملة مثل: شفي فلان: يكون "فلان كان مريضاً" هي الافتراض المسبق، و "فلان لم يعد مريضاً" هو المؤكد أو المفروض المترجم).‏

(2) وفقاً لوجة نظر أوستين، قد يكون أحد شروط نجاح تأكيد ما مثل "ملك فرنسا أصلع" هو أنه لفرنسا ملك أصلع، بمعنى أن المفروض المسبق الوجودي الذي تحمله أداة التعريف LE [قولنا LE ROE DE FRANCE يعني أن يكون لفرنسا حالياً ملك ...] كان صحيحاً، وبما أن فرنسا لا يحكمها حالياً) ملك فالتأكيد لاغٍ وباطل.‏

(3) المخاطب هنا ترجمة لعبارة ALLOCUTAIRE . لكنه هنا بهذا المعنى ليس المخاطب السلبي، بل ذلك الذي يسمعُ الأسئلة ويجيب عليها، وبالتالي يمكن أن نقول: المخاطب- المجيب [المترجم].‏

(4) وهناك موضوعات عدة عالجتها ندوة ALIBI 5-10 تموز 1982)، فيهما موضوع السلطة والقول نُشِرَت أبحاث الندوة عام 1983 تحت إشراف ج. موران في جامعة تولوز.‏

(5) هي نمط المحاكمة العقلية التي تسمح بتأويل "أيمكنك مناولتي الملح؟" على أنه رجاء.‏

(6) يمكن صياغتهما على النحو التالي: 1- إذا كانت الملفوظية تهدف الإعلام" لا يمكننا بلوغ هذه النتيجة إذا لم يكن المستمع عارفاً بالواقعة التي نشير له إليها، يمكننا إعلام المعلِّم مسبقاً قانون الإخبارية)؛ 2- ينبغي على المعلومة المعطاة أن تكون في حدها الأقصى أي أنه من بين المعلومات التي نملكها ينبغي إعطاء تلك التي نعتبرها أهم معلومة بالنسبة للمستمع قانون الشمولية).‏

(7) القول واللا قول ‎، ص 136-137.‏

(8) حول هذه النقطة نشير إلى أن فكر المؤلف قد تطور كثيراً، ففي دراسته الموسومة "المفروضات المسبقة والمضمرات" إعادة نظر) في كتاب استراتيجيات خطابية "وهومرجع مذكور سابقاً، انطلاقاً من الملاحظة القائلة بأن القول الفاعل، كالالتماس، من شأنه أن يتحقق إما مباشرة مثل: أغلق الباب). أو بشكل غير مباشر عن طريق الإضمار مثل: أيمكنك إغلاق الباب؟) انطلاقاً من هذه الملاحظة إذاً يتساءل المؤلف عما إذا كان الأمر ينطبق على كافة الأقوال الفاعلة، فإذا كان الأمر كذلك، فإنّه يصُّح على الافتراض المسبق الذي يشكل جزءاً منها، عندها يبين أنه من الممكن فعلاً، العثور على أمثلة من الافتراضات المسبقة المضمرة، والمثال على ذلك: "لقد أقلع بيير عن التدخين، عليك أن تخجل"، فالمضمر هنا: "بيير أكثر طاقة أو قدرة منك". لكن هذا المضمر يفترض مسبقاً أن الإقلاع عن التدخين هو برهان على القدرة".‏

(9) أوزوالد ديكرو: قوانين الخطاب، مجلة اللسان الفرنسي، ع 42، ص 27.‏

(10) -مبادئ في البراغماتية الألسنية مذكور، ص81.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244