|
مقدمة
ترددت في ترتيب مواد هذا الكتاب بين أن أقارب بينها انطلاقاً من الموضوع متجاوزاً عن تاريخ الكتابة وهو يحمل معطياته وخصوصياته، أو أن آخذ بالترتيب الزمني الذي يحكم تسلسل كتابتها وينسكب منه ما ينسكب من الإرهاصات، ومن ثمة يقدم الحدث محمولاً على حاشية الاهتمام وغنياً بالإيحاءات والتوقعات والرؤى والمطالب الساخطة أحياناً. واستقر رأيي أخيراً على أن آخذ بالتسلسل الزمني، وأترك تراتب الموضوعات لتتالي الزمن الذي يتكفل بأن يقدم صورة الواقع والاهتمام به كما تكفل أصلاً بتقديم الحدث ذاته.
وعلى ذلك فإنه إذا تكررت العودة إلى موضوع ما أو اشتدت الرغبة لمعرفة ما كان من مستجدات فيه ونهايات له، فأن المتابعة المتأنية للنصوص هي الكفيلة بتقديم ذلك في توقيته لأنها هي التي تفرض نفسها على المشهد والمادة المكتوبة معاً، وتقدم حالة التنامي أو التآكل أو التحوّل لحدث ما، على أرضية المتغيرات السياسية المرتبطة بتداخل قوى ومصالح من جهة، وبانكشاف توجه واستراتيجية ما أو تخفّيهما سعياً وراء التحقق بأفضل صيغة من صيغ النجاح وبأقل قدر من الخسائر.
وقد حرصت على بقاء المادة التي فيه كما نشرت في حينه، وأشرت في الفهرست إلى تاريخ نشرها ومكانه، وتوخيت من ذلك تقديم التفاعل مع الحوادث والوقائع بالصورة التي كان يتم فيها لحظة وقوعها أو في أثناء تتبعي لها وانعكاساتها علي؛ تاركاً للمستجدات في كل مجال ما تنقضه أو تضيفه أو تصححه أو تؤكده من الرصد والتفسير والتوقّع والتشبث.
وأريد أن أواجه سؤالاً محتملاً: هل أقدم في هذا الكتاب نوعاً من تأريخ لم يعتَدْه التاريخ وقد لا يقبله؛ أم أنني أسجل مواقف ومشاهد ومتابعات من خلال المعايشة الإيجابية الحية التي تقدم نوعاً من تاريخ صراع الإرادات والقوى والمواقع والمبادئ، على أرضية سياسية ـ ثقافية هي نوع من التاريخ الحي لفكر يعيش معركة وجود وضمير يدافع عن حياته وحيويته في الوجود؛ وقد يجد فيها المؤرخ ما لا يجده في الحدث الجاف المسجل من وجهة نظر القوة المنتصرة في أكثر الأحيان، كما يجد فيه القارئ ما قد لا يجده في التاريخ من حياة يشتجِر فيها العقل مع القلب، والتفاؤل مع اليأس، والانتماء مع الضياع والانقطاع، والمبدئي مع الانتهازي، والتجذَُر في الأرض مع حالة المنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!؟
إنني بكل وضوح وبساطة شاهد منحاز تماماً إلى حق وحضارة وانتماء وحرية وقضية، شاهد يرى خللاً فاضحاً في المعايير والأحكام وموازين القوى وأساليب المواجهة العربية لذلك الخلل، ويحاول أن يتابع بموضوعية ودقة ما يجري على ساحات أمته، بموضوعية ودقة، متفاعلاً معه ومنفعلاً به إلى درجة كبيرة ومثيرة أحياناً؛ ويشده انحيازه الصريح لأمته إلى تأكيد موقف ورؤية وثقافة وتاريخ، ونهضة بعد كبوة وصحوة بعد ما يشبه السبات؛ كما يشده إلى تقديم المشهد مسكوناً بمقومات الموقف والرؤية وبالمشاعر المضافة إليها أو تلك التي تشكل لها عيناً باصرة وبصيرة قارئة ومفسرة ومستشرفة.
لم أسجل في هذا الكتاب، الذي جعلته في ثلاثة أجزاء، ويمتد اهتمامه وهمه من سنوات خمس مضت إلى ما لا أدري من سنوات الصراع والرؤية والاستنهاض؛ لم أسجل فيه إلا ما عشتُه بحرارة ومرارة وما عانيت منه وواكبته بصدق وإخلاص، وما استشرفته بثقة متطلعاً إلى رؤية قلب مؤمن بالله والوطن والأمة، في ضوء قراءتي للحدث والتاريخ وتجربة أمتي العربية الغنية، التي أقول: إن أشد ما أضر بها تشتت الفكر والسياسة وتوزعها على تياراتهما من دون أن يكون لها فكرها ورؤيتها السياسية المستقلة النابعة من رؤية عميقة وشاملة للقطري من خلال القومي وللقومي من خلال مراعاة الخصوصيات المرحلية، وكذلك تبعيتها لمركزيات ثقافية وأيديولوجيات مستوردة، غريبة عن واقعها وثقافتها وتكوين الإنسان ومشاكله فيها، أيديولوجيات وضعت إيمانها العميق في مواجهة فكرها المنخور بالمستورد من فكر وأيديولوجيا، وجعلت جماهيرها في مواجهة سياسييها وبعض شرائح مثقفيها المنبتين عنها، أو تركتها غائبة أو مغيبة في تلك الساحة المزدحمة بحضور الآخرين وإبداعهم في التقدم. الأمر الذي يجعلني أقول إننا بحاجة ماسة إلى معركة تحرر من الاستعمار الفكري الذي لم تتحرر منه عقولنا بعد، لنكون عرباً مسلمين ومسلمين من العرب يكفون عن وضع العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة، ويدعون أمتهم إلى خوض معارك البناء والتحرير والنهوض على أرضية متينة من العلم والإيمان والعمل بهما، وتحويلهما إلى منجزات ومنتجات وأجهزة ومعدات ومنتجات قوة، مدنية وعسكرية، متقدمة تحمي الوطن والشخصية والشعب والهوية الثقافية وتبعث في الناس الثقة، كما يحولون الإيمان إلى سلوك وتعامل ومنظومات قيم إيجابية تحكم الحياة والساسة والسياسة؛ ويقودون أمتهم ويكونون سيفها ومنارتها في معارك طاحنة تفرضها تحديات العصر وصراعات القرن القادم، تلك التي تنذرنا طلائعها بالويل والثبور وعظائم الأمور .
وإلى الذين قد يزعجهم أو يستفزهم صراخي في مواقع من هذا الكتاب وفي مقاطع من مادته أقول: عذراً أيها السادة فإن الشاة تثغو تحت حد السكين المنغرس في العنق، والجاثم تحت ظلام الكابوس وثقله يصرخ ليزيح نوماً يراكم على صدره أثقال الرعب والأثقال والهموم !؟.
بقي أن أشكر كل من ساعد على صدور هذا الكتاب ورأى أهمية وضرورة لنشر ما يحتوي عليه من حياة رمِّزت في حروف واستقرت حبراً على ورق؛ وفي مقدمة من أشكر زملائي في اتحاد الكتاب العرب الذين رأوا أن يصدر عنه هذا الكتاب .
والله ولي التوفيق.
دمشق في يوم الثلاثاء، 22 كانون الأول، 1998
الموافق لـ الثلاثاء، 04 رمضان، 1419
|