صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

وتعددت الأطراف في موسكو

ماذا يعني انعقاد المحادثات متعددة الأطراف في موسكو، وبمشاركة عربية ودولية واسعة، وما الذي يرمي إليه، في حين أن المحادثات الثنائية بين الأطراف العربية و" إسرائيل " تتعثر وتكاد تتفجر، والتعنّت والصلف الإسرائيليان في أوجهما، والهجرة اليهودية وبناء المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967 على أشدها، وضمانات القروض الأميركية سوف تقدم دون ما تأخير وبالقدر الذي تنفقه " إسرائيل " ويضمن لها استمرار تنفيذ مشاريعها وخططها، وبما لا يعوق الاستيطان والهجرة وتطوير الأسلحة والتوسع؟! وماذا يفيدنا نحن العرب أن نشارك في تلك المحادثات ولما نفز بعد حتى بوعد شفهي بالانسحاب من أراضينا المغتصبة، أو بالكف عن تقتيل إخواننا الذين يعيشون تحت الاحتلال؟! وكيف يكون انعكاس ذلك على قضيتنا المركزية، وعلى علاقاتنا بعضنا ببعض ونحن نواجه العدو على أرضية تلك القضية؟!‏

إن محادثات موسكو حققت لـ " إسرائيل " وحدها كسباً سياسياً وإعلامياً واقتصادياً واستراتيجياً ما كانت تحلم بالحصول عليه، إنه كسب تاريخي يقوم على حيازة تاريخ لا يجدي معه نفي التاريخ، ومن الطبيعي أن تتحقق منافع للأطراف الأخرى من غير العرب، لأن كل طرف يسعى لتحقيق مصالح ومنافع وسياسات، ولكن ذلك سيكون على حساب العرب وحقوقهم ومستقبل قضيتهم العادلة، تلك التي عانت دائماً من أسوأ ظروف، وأسوأ دفاع، وأضعف حماة ومحامين.‏

ففي موسكو -على عكس مدريد- أتيح للدولة الصهيونية- العنصرية مجال لتعرض مشاريعها الحيوية بالنفاق الذي تتقنه، واستعرضت قدراتها وما تسميه "المظالم" التي تتعرض لها وأظهرت أنها:‏

- محاصرة اقتصادياً إلى الحد الذي لا تعرف معه كيف تخفّض من العجز في ميزانيتها وتسدد ديونها، وتهيئ فرص عمل للسكان الذين يزدادون عدداً وحاجة كل يوم فوق الأراضي التي تسيطر عليها بالقوة!!‏

- عطش إلى درجة مريعة، ولا تملك مياه الشرب فضلاً عن الحاجة المتزايدة إلى المياه للري وللمشاريع الزراعية المنتظرة !!!!‏

- مهددة عسكرياً، إلى الحد الذي تضطر معه إلى إنفاق مبالغ ضخمة على التسلح، كانت ومازالت ترغب في أن تنفقها على أمور أخرى؛ وأنها مضطرة إلى تطوير الصواريخ، وزيادة الترسانة النووية، وصنع الطائرات والدبابات، لأن العرب الذين لا يرحمون، يسعون إلى شراء أسلحة ويريدون تدمير " إسرائيل " !!‏

- محاطة بكراهية الخضمّ الذي هي فيه، وبسوء فهم الآخرين لها، الأمر الذي جعلها تعاني من العزلة زمناً طويلاً، وهي تتوق إلى كسر ذلك الطوق البغيض، طوق العزلة، وإلى التعامل مع "جيرانها" ومع العالم الذي يؤثر عليه أولئك الجيران، وتريد أن تبني صلات وتتبادل المصالح على أرضية من "الثقة" والاطمئنان؟!!‏

- تواقة إلى "السلام" الذي "يرفضه" العرب، ويضعون في وجه تقدم مسيرته العراقيل، وفي مقدمة ذلك، عدم اعترافهم أولاً "بإسرائيل"، وإصرارهم على المطالبة بالأرض وبالقدس، وعدم موافقتهم على قبول مبدأ "السلام مقابل السلام" الذي طرحه ويطرحه شامير!!‏

في موسكو كانت أمام " إسرائيل " فرصة استغلتها حتى النهاية، ولم يكن للعرب مثل ذلك الحظ الذي كان في مدريد، ولكن أية "حقائق" تلك التي قدمتها "إسرائيل" في موسكو مقابل ما قدم العرب في مدريد!؟ لا شيء من منظورنا، وكثير من الأشياء من منظور سوانا، فـ " إسرائيل " تستعرض مشاريع تنموية وحيوية وتتشدق بالحرص على البيئة وعلى نزع السلاح، وتظهر بمظهر المحروم من علاقات طبيعية، ومن تبادل اقتصادي، ومن المشاركة في مشاريع حيوية تؤمن لسكان المنطقة تقدماً تقنياً، ونقلة حضارية، ووفرة في الإنتاج الاقتصادي والازدهار، وتوفر عليهم صرف الأموال الطائلة على التسلح وتحويلها إلى ما يخدم السلام والاستقرار والرقي الاجتماعي!؟!‏

إن ذلك عرض مغر جداً لمن يريد أن يستثمر أمواله ويحقق أرباحاً، ولمن يريد أن يستقر الوضع في هذا العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط من بين مناطق العالم، على ما يحب ويرضى؛ فكيف يمكن أن يكون مع من يرفض هذه العروض المغرية؟! وكيف يمكن أن يتفهم وجهة نظر من يرفض مناقشة ذلك والموافقة عليه؟!‏

لقد تبوأت " إسرائيل " الآن مقعد "الحكيم" والناصح الأمين، والأستاذ المعلم، وأخذت تمارس من فوقه كيدها وتزييفها وتضليلها، وهذه الازدواجية الخبيثة هي خير ما تتقن من لعب، وأكثر ما استثمرته عبر تاريخها من أساليب؛ إنها تلعب لعبة "الحكمة والتعقل والحضارة" فتنادي بالتعاون وبتبادل المنافع وتطبيع العلاقات، على أرضية الاعتراف المتبادل والتطبيع التام للعلاقات، في ظل رجحان القوة لصالحها، وتعاطف الآخرين مع عدوانها الذي أصبح من منسيات العالم القديم، عالم الحرب الباردة، وإن كان له وجه يستمر حتى الآن، فهو الوجه ذلك الذي تغيب ملامحه تحت الأقنعة المصنعة جيداً.‏

وهذا الدور هو ما كانت تتوق " إسرائيل " إلى القيام به منذ زمن، لتستأنف بذلك أداء فنها القديم: إظهار التمسك بالسلام، والشكوى من عدوانية العرب ورفضهم المستمر لها، واستعداء العالم عليهم بسبب ذلك وتشويه صورتهم لديه؛ هذا على الصعيد النظري- الإعلامي- الدبلوماسي، بينما تستمر بممارسة العدوان والتوسع والاضطهاد والفتك بالعرب وامتلاك كل أسلحة التدمير تحت ستار الدفاع عن النفس واستدرار شفقة العالم وعطفه. إنها اللعبة الجهنمية التي قد تتغير ملامحها وأساليبها، ولكن جوهرها ثابت لا يتغير، وأهدافها تتحقق باستمرار.‏

في موسكو تملي " إسرائيل " خططاً من موقع الحريص على مستقبل المنطقة، ولكن ذلك يحدث في ظل لعبة فاتت على الجميع وتناساها الجميع، ويريد أن يدفن ذكراها الجميع، وهي أن " إسرائيل " ليست من المنطقة أصلاً، وقد زُرعت فيها زرعاً بالقوة، واغتصبت فيها وطناً أو سرقته هو للآخرين، وخلقت واقعاً جديداً كل الجدة أملت على الآخرين، بمن فيهم العرب، أن يتعاملوا معه معترفين بواقعيته وقدمه وأهليته للبقاء؛ إنه واقع: " إسرائيل " دولة موجودة ولها ما لدول المنطقة من حقوق ومنافع ومصالح ومجالات حيوية!؟.‏

وإذا كان العرب، كلهم أو جلهم، يناقشون اليوم مستقبل المنطقة على أرضية من الأوهام أو الأحلام، وفي ضوء آمال أو طموحات وتطلعات تبدو لهم مشروعة أو كانت تبدو لهم كذلك، فإنه لا يجوز لهم أن يستمروا في هذا الذي هم فيه. وهم حين يذهبون إلى موسكو يقدمون للعالم كله اعترافاً علنياً بالتنازل عن كل طموحاتهم السابقة، ويسقطون ما تسميه " إسرائيل " "أوهامهم" ويناقشون مع ممثلي الدولة الصهيونية قضايا أربع ليس منها قضية واحدة تتصل بحقهم في الأرض أو بحق الشعب الفلسطيني بالعودة والاستقلال أو حتى بحكم الأرض التي يفاوض من أجلها، حكماً ذاتياً، إنهم يناقشون قضايا: نزع السلاح- البيئة- المياه- التطور الاقتصادي، وكل قضية من هذه القضايا تهتم بها قوة غربية ذات نفوذ ومصلحة واقتدار، وهي تحرص على النجاح في مهمتها على أرضية: حق دول المنطقة بالوجود والتعاون، ومشاركتها جميعاً في صنع مستقبل المنطقة، وتقبّل العون "الاستثماري" الذي يقدم لها من أجل ذلك.‏

وحين يتم هذا قبل أن يتحقق أي تقدم في مسيرة السلام الأساسية من جهة، ودون أدنى اعتراف بأدنى حق للفلسطينيين، الذين يعيشون خارج وطنهم منذ سنوات طويلة اللهم إلا حق المعاناة والغربة من جهة أخرى، فإنه يعني عملياً إعلان حقيقتين على الملأ هما:‏

- اعتراف العرب اعترافاً عملياً تاماً بـ " إسرائيل " دولة من دول المنطقة، موقعها جغرافية فلسطين وما تطؤه أقدام جنودها من أرض العرب؛ والتعامل معها كدولة معنية فيما يخص شؤون المنطقة ومستقبلها، دون أن يتلقوا شيئاً مقابل ذلك، اللهم إلا إذا كانوا يرون إلى الجلوس مع عدوهم إلى طاولة مفاوضات واحدة شيئاً يستحق التقدير؟!؟‏

- تنازل العرب الضمني عن الحقوق المادية والمعنوية التي لهم وللشعب الفلسطيني في فلسطين والأراضي العربية الأخرى المحتلة، أو السكوت عن المطالبة بذلك، والقبول بما قد تجود به إسرائيل، أو ما قد تفرضه عليها أميركا(؟؟؟!) عن طيب خاطر من الاثنين معاً، بعد أن يبدي العرب الاستسلام والتسليم التام بما آل إليه أمر محادثات السلام.‏

والعرب في موسكو حوصروا في أثناء المحادثات متعددة الأطراف، بأصدقائهم وأعدائهم والمتعاملين معهم وببعض جيرانهم وإخوانهم في الدين، الذين لهم مصالح وعلاقات ونيات لا يدري بها إلا الله، وبين أولئك: القوى العظمى التي أعادت علاقاتها ب" إسرائيل " قبل أن تقدم " إسرائيل " دليلاً على حسن النية تجاه القضية التي قطعوا علاقاتهم بها من أجلها، وقبل أن تقدم شيئاً للمنظمة الدولية التي لحست قرارها رقم 3379، أو للعرب أصحاب القضية والحق الذين يذهبون إلى هناك على أرضية واضحة: أرضية التعاون مع جهات معنية صاحبة مصلحة أو صاحبة حق في المنطقة.‏

وهم لا يستطيعون وضع شروط ولا ممارسة تأثير، فكل من يذهب إلى هناك ينفذ شروط " إسرائيل " أولاً ويقوم بما يرضيها، فالدول التي رغبت في المشاركة في محادثات موسكو من غير العرب أعادت علاقاتها بـ " إسرائيل " كشرط للمشاركة، وقدمت دليلاً على حسن النية، وأعلنت أنها ستلعب دوراً منصفاً وغير منحاز وكأنها تدين بذلك مواقفها السابقة وتعلن أنها كانت غير منصفة ومنحازة إلى جانب العرب ضد " إسرائيل " (؟!؟) وإذا كان في هذا من العجب ما فيه، فإن كونه من وقائع اليوم وبعض ملامح الواقعية الجديدة التي لا بد من مواجهتها هو أمر ينبغي أخذه هكذا بكل ما يحمل من قسوة وما يسببه من جراح.‏

لقد استنزفت " إسرائيل " هذه الفرصة، واستنزفت كل فرصة سانحة من فرص مؤتمر السلام ومحادثاته، واستغلت الزمن، وحولت كل ذلك إلى سلسلة من المكاسب المادية والمعنوية، والسياسية والاقتصادية والإعلامية لها، وأضافت إلى ذلك سلسلة أخرى من المكاسب على المستوى الداخلي في فلسطين المحتلة، والخارجي في الأوساط اليهودية والصهيونية؛ ومازالت تمارس ببراعة استثمار الوقت واستنزاف طاقة الزمن لصالحها، لا سيما في تكثيف الهجرة والاستيطان وتوسيع دائرة النفوذ والعلاقات الدولية وابتزاز المال والحصول على السلاح، ونحن نستنزف أنفسنا، وعلاقاتنا وقدراتنا وحقنا ذاته في الزمن ذاته، ولن يكون لنا في موسكو من حظوظ وفرص إلا حظوظ الضائعين المنهكين وفرصهم؛ لأن جدول الأعمال كله لا يحقق إلا مصالح " إسرائيل " من الاعتراف التام بها إلى الاستثمار التام لقدراتها وقدرات المنتفعين من ورائها بمنطقتنا وثرواتها وأمنها ومستقبلها.‏

وسوف تترك المشاركة في هذه الجولة من المحادثات آثارها السلبية الكبيرة والكثيرة على العلاقات العربية- العربية، وعلى صيغ التعاون وأطره وصورة العمل العربي المشترك مستقبلاً، وستنعكس سلبياً أيضاً على المحادثات الثنائية في جولاتها القادمة، وعلى نظرة العالم إلى العرب وكيفية تعاملهم مع قضاياهم، ومواجهتهم لما يعترضهم من مشكلات ومصاعب وأمور. وستجد الأطراف المتعاطفة مع " إسرائيل " والمتحالفة معها، أو قل المتواطئة إن شئت الدقة، ستجد في عدم مشاركة بعض الأطراف العربية في محادثات موسكو، ذرائع تتذرع بها للتنصل من أية التزامات كانت قد التزمت بها حيال تلك الأطراف؛ وستبحث في ضوء ما ستتركه محادثات موسكو من ظلال قاتمة وخلافات عربية عن منافذ لإلحاق مزيد من الضعف بالصف العربي والقضية التي يتحادث العرب من أجل إيجاد حل عادل ومشرف لها. وستضغط " إسرائيل " في كل الجبهات والمواقع لتحقق مزيداً من المكاسب لها ولتلحق مزيداً من الخسائر بالعرب. فهل في ظل هذه التوقعات كان من المفيد أن يشارك العرب الذين لم يشاركوا في محادثات موسكو في تلك المحادثات ليسدوا الذرائع على أصحابها؟! أم أن الأكثر فائدة ألا يشارك أحد من العرب في تلك المحادثات حتى لا يخلقوا مناخاً يساعد الباحثين في خلافاتهم وبين ظهرانيهم عن ذرائع يتذرعون بها ضدهم، أقول حتى لا يساعدوهم على إيجاد ما يريدون؟! إنني من الذين يجدون أية محادثات مع " إسرائيل " في ظل أي ظروف، وفي أية مرحلة من مراحل "مؤتمر السلام"، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالتطبيع على أي مستوى وصعيد وبالاعتراف بأن لـ " إسرائيل " دوراً في المنطقة وحقاً بالمشاركة في أمنها ورسم صورة مستقبلها، هو ضرب من العبث، ونوع من تقوية العدو، وشكل من أشكال التنازل عن الحق التاريخي للأمة في أرضها ومقدساتها وحقوق أبنائها؛ فكيف وهذا الأمر يتم على أرضية الرفض المطلق الذي تمارسه " إسرائيل " لأي حق للعرب في الأرض، والتقتيل المستمر للشعب العربي الواقع تحت الاحتلال، والعدوان اليومي على أرض الجنوب في لبنان، والتوسع في الاستيطان، وزيادة القدرة العسكرية بالتسلح النووي وغير النووي؛ وكل ذلك يهدد العرب كل العرب، ويجعل أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل التقدم والازدهار والسلام فيها عرضة للانهيار!؟!؟‏

إن " إسرائيل " كيان عنصري دخيل لا يعرف السلام ولا يلائمه السلام، وهي قلعة متقدمة تعمل على تخريب الثقافة العربية والشخصية العربية، وتتوسع وتدفع باتجاه التوسع والعدوان والاستعمار والاستيطان الذي يهدد الأمة بأعز مقوماتها ومقدساتها ومصالحها؛ وليس لذلك من حل عادل ومواجهة ناجعة إلا بامتلاك القوة والوعي ومقومات الوجود العصري العلمي الحي، الذي يمكِّن من مواجهة ناجحة لوجود يخوض صراعاً شرساً مع وجودنا.‏

فهل نحن فاعلون ذلك باقتناع واقتدار؟! آمل ذلك وأعمل له.‏

الأسبوع الأدبي/ع301//1992.‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244