صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

إرهاب... وعرب ونظام جديد؟!

ليس مصادفة على الإطلاق أن يتزامن تكثيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة والتوسع الاستيطاني الضخم في الأراضي العربية وقضية ضمانات القروض الأميركية لـ " إسرائيل " بعشرة مليارات دولار من أجل تغطية تكاليف المرحلة الحالية من مشروع الدولة العبرية الكبرى، ليس مصادفة أن يتزامن ذلك مع مؤتمر السلام في مراحله التي تمت حتى الآن ولا سيما مرحلة المحادثات متعددة الأطراف في موسكو؛ وليس مصادفة أن يتم في الوقت ذاته تصعيد التهديد الأميركي- البريطاني الفرنسي للجماهيرية على خلفية اتهامها بإسقاط الطائرتين: الأميركية فوق لوكربي والفرنسية فوق النيجر، وأن تصل الأمور إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يحمل الرقم 731 ينطوي على إمكانيات لتفسير نصوصه على أنها تدين الجماهيرية بالحادثين وتطالبها بتقديم مواطنين من مواطنيها متهمين بالحادثين إلى المحاكمة خارج بلدهما، وأن يترافق ذلك مع تصريحات وتلويحات باستخدام العقوبات والحصار الاقتصادي وحتى القوة؛ حيث تبقى خيارات المتضررين المتهِمين مفتوحة لعمل ما يشاؤون تحت راية المنظمة الدولية أو بتصريح وتفويض منها.‏

وليس مستغرباً نتيجة لذلك كله أن تخشى الجماهيرية بطشةً غربية بها، وأن تنشغل قطاعات من الجماهير والتنظيمات السياسية والمنظمات القومية وحتى الجامعة العربية والدول بهذا الموضوع وتخاف عواقبه، لا سيما والضربة العسكرية التي وجِّهت إلى طرابلس منذ سنوات مازالت في الأذهان والتهديدات والأحقاد والمخططات الموجهة ضد ليبيا ما زالت قائمة في الأوساط الأميركية والأوروبية، والرغبة في " تأديب " الخارجين عن الإرادة الشاملة لحكومة كل العالم تبدو في أوجها.‏

وإذا كان لهذا التزامن الواضح لمجموعة من الأحداث والأفعال والترتيبات من أهداف فإنها لا تعدو خدمة المصالح "الإسرائيلية"، التي تتماهى في نهاية المطاف مع المصالح الأميركية عملاً وقولاً، وهذا لا يحتاج إلى مناقشة لكثرة ما تقدم من براهين وأدلة على صحته من الإدارات الأميركية المعاقبة، ولتواتر تأكيدها عليه ولما تعطيه من أولوية له حتى على شؤونها ومشاكلها الداخلية. فكيف يخدم التهديد الأميركي لليبيا مصلحة " إسرائيل " في هذا الظرف يا ترى، وما هي العلاقة بين الأمرين، ولمَ التركيز على هذه القضية وبهذه الشدة الآن؟!؟...‏

المتتبعون لقضية الطائرة الأميركية التي سقطت فوق لوكربي يعرفون جيداً أن التهمة في موضوعها وجهت إلى أكثر من طرف خلال السنوات الثلاث الماضية.‏

- فقد وجهت التهمة إلى جبهة تحرير فلسطين - القيادة العامة: أحمد جبريل، وتم إلحاح وضغط شديدان على سورية لتتخذ إجراءات ضد الجبهة وجبريل دون أن تقدَّم على صحة ذلك الاتهام أدلةٌ كافية.‏

- ووجهت التهمة لسورية وارتفعت ضدها درجة الحصار المفروض عليها لأنها على لائحة الاتهام بالإرهاب عند الغرب بسبب دعمها للمقاومة اللبنانية ضد " إسرائيل " واعترافها بحق الفلسطينيين في ممارسة الكفاح المسلح لتحرير أرضهم؛ ولم تقدَّم أيضاً أدلة كافية في موضوع الطائرة الأميركية.‏

- ووجهت التهمة لإيران وثار جدل ولوِّح بتهديد ولم يطل ذلك الاتهام، وجاء زمن نامت فيه القضية بانتظار مناسبة وتصعيد لتهم.‏

- ووجهت التهمة مؤخراً إلى ليبيا في إطار التزامن الذي أشرت إليه، وترافق ذلك مع إحياء موضوع الطائرة الفرنسية التي سقطت فوق النيجر؛ وأضيء الخط الأحمر بين عواصم غربية معنية وتصاعد الاتهام وتصاعدت الأحداث تصاعدها المعروف، مواكبة مراحل محادثات مؤتمر السلام؛ إلى أن استصدر القرار 731 عن مجلس الأمن قبل فترة المحادثات متعددة الأطراف في موسكو وبدأ التلويح بالعقوبات والحصار واستخدام القوة. فلماذا كل هذا الآن يا ترى؟!..‏

في هذا التوقيت أو بالأحرى في هذه الفترة من الزمن جاء موعد استحقاقات هامة من تلك التي تنتظرها " إسرائيل " من أميركا وهي:‏

- إلغاء القرار /3379/ الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية.‏

- تقديم ضمانات القروض بعشرة مليارات دولار، تلك التي كانت قد تأجلت مئة وعشرين يوماً؛ والمساعدة في تأمين مصادر تمويل أخرى لتوطين القادمين الجدد".‏

- جر العرب إلى المحادثات المتعددة الأطراف في موسكو وتحقيق حلم " إسرائيل " الكبير بأن تجلس مع كل العرب وجهاً لوجه، مع كل العرب طرفاً نداً لهم وربما متفوقاً عليهم؛ لتبحث في قضايا أمنها الشامل: الاقتصادي- والاجتماعي والثقافي والعسكري، ولتؤكد انتماءها المطلق والمعترف به من العرب، إضافة إلى استمرار ما تعتبره " إسرائيل " استحقاقاتها المستمرة وهي: الهجرة والاستيطان وتصفية الانتفاضة وتهويد الأرض وفرض الأمر الواقع بكل السبل على الجميع. فكيف يمكن تمرير ذلك كله من دون أن تقدم " إسرائيل " شيئاً أو تتراجع عن شيء؟! ومن دون أن تبدي حتى بادرة على حسن نية واستعداداً لبحث حقوق العرب في أراضيهم وحقهم في الوجود الحر والسيادة عليها؟! ومن دون أن تتوقف في تنفيذ مخططاتها وبرامجها لا سيما: الاستيطانية والعسكرية والعدوانية من تلك المخططات والبرامج؟!؟ وكيف يمكن ضمان سكوت الجماهير والأوساط المتتبعة لهذه الأمور وكذلك الأنظمة التي قد تفكر بالتحرك ضد ذلك أو تلك التي قد تجبر عليه في الوطن العربي؟!؟‏

إن الوصفة الغربية التي أصبحت معروفة ومجربة ومألوفة هي ضرب العرب وتخويفهم وجعلهم ينكمشون في أضيق مدى من جلودهم هلعاً. ولم لا يكون ذلك في ظل ذريعة جاهزة تخلّصاً من مشاكسين وتلقينا لدروس وتذكيراً بترويع ما زالت الذاكرة الشعبية العربية مشحونة بصوره وما زال الاستعداد قائماً لأخذه بعين الاعتبار ووضع احتمالاته في مقدمة ما يحسب حسابه من أمور؟!؟ إن ذلك سوف يشغل الناس من جهة ويصرف الانتباه عن قضايا هامة لا بد من تحريرها من جهة ثانية، وسوف يردع كثيرين في جميع الأوساط وعلى كل المستويات ويجعلهم يتحسسون رؤوسهم ويعدّون إلى المئة والألف قبل أن يترددوا في السير وفي الوصول إلى حيث يُراد لهم أن يسيروا وأن يصلوا.‏

ولهذا الهدف حُرِّكت قضية تحت الطلب وأعلنت تهديدات بذرائع في مقدمتها: وضع حد للإرهاب الدولي؛ وبدأ تصعيد التهديد وبدأ التمهيد الإعلامي والسياسي والدبلوماسي لذلك، وانشغل العرب بالأمر إلى حد عدم الالتفات إلى قضايا كبيرة تمر وأمور ضخمة تحدث، وإلى حد أنهم ذهلوا عن أبعاد قرارات ووهموا جرَّاء قرارات أخرى صدرت عن الهيئة الدولية والدول النافذة الرأي والقرار والسطوة في العالم، وكذلك عن أمور جرت دون أن يتصدوا لها بأي حال وبأي شكل من الأشكال.‏

- فالعرب لم يتفرغوا لمواجهة مخاطر الهجرة اليهودية التي تصاعدت في الشهرين الأخيرين، وبدأ يرتفع عدد اليهود القادمين إلى فلسطين المحتلة بأعداد مثيرة بعد أن أضيف النقل بالبواخر من بعض موانئ الاتحاد السوفييتي المنهار إلى النقل الجوي المباشر من أكثر من مطار بدءاً من أوزبكستان وانتهاءً بدول البلطيق، ليتحقق توطين مليون يهودي بنهاية عام 1993 وليس في نهاية 1995 أو نهاية القرن.‏

- والعرب وجدوا أنفسهم، جرَّاء دوَّامة الترويع والتزييف التي وضِعوا فيها، يرتاحون إلى الشروط الأميركية على ضمانات القروض وإلى تجزئة تلك القروض؛ ولم يلاحظوا بدرجة كافية أن كل ذلك لم يؤثر سلبياً على مشاريع " إسرائيل " ولن يؤثر عليها لأنه بكل بساطة :‏

1- راعى، في حالة تجزئة القروض، قدرة " إسرائيل " على الإنفاق السنوي بالدرجة الأولى وقدرة البنوك الأميركية على الإقراض في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية التي لا تستطيع " إسرائيل " أن تنفق سنوياً فيها أكثر مما خصص لها.‏

2- وسمح، مع اشتراط عدم إقامة مستوطنات جديدة في الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967، بتوسيع المستوطنات القائمة فيها. وهذا يعني تحويل القرى الصغيرة والأكواخ الخشبية المتناثرة إلى مدن تستوعب مئات الآلاف من المستوطنين اليهود، ويعني تحويل المئة ألف يهودي ونيف، الموجودين في القدس الشرقية، إلى مئات ألوف يشكلون أكثرية بالنسبة للعرب الموجودين فيها.‏

- والعرب في حضورهم للمحادثات المتعددة الأطراف - جلُّهم لا كلُّهم - أعطوا لـ " إسرائيل " معظم ما تحلم به، ومكنوها من التعنت والتشدد، وفتحوا أمامها أبواب الحلم والأمل أكثر من أي وقت مضى.‏

- والعرب استسلموا تماماً، بل قل هناك بينهم من ارتاح أيضاً، لموضوع إلغاء القرار 3379 الذي يساوي العنصرية بالصهيونية؛ ولم يقاوم أحد منهم بل لا يفكر أحد منهم في أن يقاوم النزوع العنصري اليومي، الذي تمارسه " إسرائيل " بأشكال مختلفة ضد الانتفاضة وضد العرب الواقعة أرضهم تحت الاحتلال وضد الفلسطينيين المشردين من وطنهم من عشرات السنين وأولئك الذين يشردون كل يوم أو يقتلون أو يشوهون ويصبحون عبئاً على أسرهم ومسيرتهم النضالية التحريرية.‏

- والعرب في ظل ذلك وفي ركابه أو تياره يجدون أن من الطبيعي أن تستعيد " إسرائيل " علاقاتها الدبلوماسية مع دول كانت قد قطعت تلك العلاقات مع " إسرائيل " من أجل حق العرب وتضامناً معهم، وذلك قبل أن يتحقق شيء من العدل بالنسبة للقضايا ذاتها التي تمت المقاطعة من أجلها؛ كما يقفون متفرجين على توغُّل " إسرائيل " في إفريقيا وآسيا وعلى دورها الخطر في كل من الهند والصين واليابان، الذي يؤسس لمستقبل يكون لها فيه تأثير أشد.‏

لقد انشغل العرب بأمور داخلية تتصل بالمآسي والخلافات والممارسات السياسية والتنظير بأنواعه، واستقطب التهديد الخارجي أكثر جهودهم بما حشد له من عزم وحزم على أرضية تخطيط وتنفيذ عاليين وبما وظف له من تحرك سياسي وإعلامي مؤثرين.‏

وبدلاً من أن يعقد العرب مؤتمرات ولقاءات واجتماعات على صعد شتى لبحث أساليب الرد على التحديات ومواجهة المخاطر الناتجة عن ممارسات " إسرائيل " وما يرتبط بالقضية الفلسطينية من أمور، عقدوا لقاءات واجتماعات منادين برفع التهم عنهم وعدم اللجوء إلى التهديد في التعامل معهم والتوجه إلى الجهات المختصة بطلب محاكمتهم، وأخذوا مواقع لهم ولم يستعدوا لشغلها!؟.‏

ففي مجلس الأمن الدولي؛ الذي ما زالت تحكمه وتتحكم به منذ أنشئ، القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، تلك التي رتبت لها وضعاً خاصاً فيه وفصَّلته على هواها وبما يخدم مصالحها؛ في ذلك المجلس تم استصدار القرار /731/ الذي استنفر ذاكرة العرب المشحونة بالألم والقهر والرعب، وما إن تم صدوره حتى تراكض جمع غير قليل للبحث عن مخارج ومخابئ من الخطر الداهم ولكنهم في أثناء مراحل الضغط واستصدار القرار لم يفعلوا شيئاً وربما لم يكن بوسعهم فعل شيء، لأن القوى التي اتهمت الجماهيرية بالإرهاب وبتفجير الطائرتين فوق لوكربي والنيجر زجت المجلس في قضية جرمية ليست من اختصاصه، وجعلته يتخذ قراره استناداً إلى صدقيَّة الاتهام وتحقيقاته ونتائج جهوده، من دون أن تجعله ينظر إلى طرفي نزاع هما أعضاء في المنظمة الدولية ويسند التحقيق في نزاعهما أو خلافهما إلى جهة مختصة أو محايدة، ليقرر في ضوء نتائج عملها ما يراه حقاً وعدلاً؛ فقد اتخذ قراره ذاك حتى دون النظر في كون هذا الأمر من اختصاصه أم لا، وهل يعتبر ذلك خروجاً عن ميثاق الأمم المتحدة أم لا؟! لقد نفذ المجلس آلياً ما طلب إليه أن ينفذه من القوة القائدة له، التي تعمل على إقامة نظام دولي جديد تقول إنه يحقق أمناً وعدلاً بعد انتهاء الحرب الباردة، التي أتعبت العالم كثيراً وأثرت على المنظمة الدولية ودورها، وأشاعت بؤر التوتر وعدم الاستقرار؛ ولم يكن لا للعرب ولا لسواهم دور يذكر في ذلك.‏

ويبدو من عدة قرائن ظهرت حتى الآن منها على سبيل المثال لا الحصر اتخاذ قرار في الأمم المتحدة بإلغاء القرار/3379/ الذي يساوي العنصرية بالصهيونية ومنها أيضاً قرار مجلس الأمن الدولي حول موضوع سقوط الطائرتين / القرار رقم 731 / يبدو أن النظام الدولي الجديد ليس أكثر من الوجه الحقيقي للقوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي حكمت العالم على نحو ما وتحكمت به منذ ذلك التاريخ. بعد أن أزالت من بينها نزاعاً كان يريح الآخرين من شرورها نسبياً.‏

فالقوى المنتصرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 10% من مجموع سكان العالم تملك أربعة أصوات دائمة العضوية ولها حق النقض في المجلس، ولا يملك العالم النامي كله صوتاً واحداً ولا مقعداً دائماً واحداً فيه، ولا يملك العرب والمسلمون الذين يزيد عددهم على مليار ومئة مليون عربي من البشر في العالم صوتاً له حق النقض ولا مقعداً دائماً؛ في حين أن الذين يملكون القوة المسيطرة والمتحكمة والمهيمنة هم من أبناء ديانة واحدة عدا الصين التي تكاد تحمي نفسها فقط بما تملكه من حق النقض.‏

هذا المجلس الذي يقوم على قواعد غير متقابلة ولا متوازنة هو الذي يقال إنه يقيم عدل النظام الجديد وسيقيمه، وهو الذي في ظله تتخَّذ دائماً قرارات ليست في مصلحة الأمم النامية، وليست في مصلحة العرب من بين تلك الأمم، ولا يكاد العرب يرون مخرجاً لهم من ذلك.‏

وإذا كان الاتهام اليوم ينصبّ على العرب باسم الإرهاب وتحت شعار وضع حد للإرهاب في العالم، فإن المؤشرات تصرخ بأن الكيل بمكيالين ما زال سمة لهذه المنظمة تفرضها عليها القوى التي تنادي بنظام دولي جديد له ملامح "عادلة "؟! وإلا فلماذا لا توجه تهم الإرهاب لـ " إسرائيل " التي تتبنى سياسة التمييز العنصري وتنفِّذها عبر مسلسل إبادة بطيء ضد الانتفاضة المباركة وأبطالها؟! لماذا لا يوقف إرهاب الدولة الذي تمارسه ولا يجرَّم وهي تقوم يومياً بممارسته بأشكال مختلفة ضد اللبنانيين في الجنوب؟! لماذا لم تتهم تلك الدولة بالإرهاب وقد أسقطت عمداً طائرة ليبية مدنية مما أسفر عن استشهاد جميع ركَّابها؟! لماذا ... لماذا ؟!... وهناك ألف إشارة استفهام، ألف لماذا، تنهض كلها بوجه الصورة الجديدة، التي تحاول الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والتي ما زالت تحكم العالم باسم القوة، أن تقدمها لنا.‏

إن العرب يقعون اليوم ضحايا قوة ذات مصالح رئيسة تتجمع في مجموعات ثلاث هي: " إسرائيل " -والنفط - والسوق الاستهلاكية، وتحاول تلك القوة أن تفرض مصالحها وسلاحها وأمنها والقوى التي تحفظ لها تلك المصالح؛ وتريد أن تقدم ذلك بثوب جديد لم تجد ولم نجد أنه يختلف في شيء عن ثوب القوة الغاشمة، التي ترى أن مصلحتها عدل ونظامها خير الأنظمة وثقافتها ونظام حياتها ينبغي أن "يفرضاها على الجميع" لمصلحة الجميع ولخير العالم كما ترى؟؟! وهي لا تستطيع أن ترى الخلل الذي تحدثه في الحياة السياسية والعدالة الدولية، كما لا تستطيع أن ترى الخلل الناتج عن انفراد قوة وحيدة في العالم وعن سياسة القطب الواحد الذي ينتشي بانتصاراته، فتسير في ركابه المظالم دون أن يراها مظالم؟!‏

وفي مثل هذا المناخ لا تحل مشاكل كل العالم ولا يسود نظام عادل ولو كان جديداً، في مثل هذا المناخ يصبح العالم الفقير والضعيف كله محكوماً بقانون الغاب، وتابعاً لصلف القوة ومسرحاً للابتزاز الاستعماري؛ وفي ظل مثل هذا التوجه تمسَخ ثقافات وقيم ومبادئ وحضارات، ويصل الذين يعانون من عقد قديمة من أصحاب التراث العريق والقيم الروحية السامية والشخصية الثقافية المتماسكة، يصلون إلى إشباع نزوعهم العدواني المريض في تشويه الثقافات والشعوب ونظم الآخرين.‏

إن من المفيد التذكير بأن سيطرة القطب الواحد لا يمكن أن تكون قدراً ولن تدوم أبداً، فالحياة تقوم على الصراع، ولا بد للصراع من قطبين أو أكثر، والحياة لا تعرف التوقف فهي في صيرورة ضمن سيرورتها؛ وليست مادة من غير روح ولا جسداً شريراً يفيض قسوة وحقداً من دون ضوابط من أي نوع وإلى الأبد، وليس في عالم السياسة قوة وحيدة تأخذها العزة بالإثم إلى مالا نهاية.‏

إن الحياة تحتاج إلى ذلك التوازن القائم على انسجام وعدل ومراعاة لحق كل من يحياها في الوجود وفي شيء من الخصوصيات في الوجود، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وإننا حين نستخدم العقل والضمير ونُعمِلهما جيداً في شؤون الحق والخلق، ينتصر فينا الكائن الذي أراده الله سبحانه وتعالى في أحسن تقويم. وإنني لعلى ثقة من أن العالم لا يمكن أن يبقى طويلاً يعرج على ساق، ولا يمكن أن يبقى من دون قطبين للصراع يحققان نوعاً من التوازن، وإنني واثق من أن صوت الحق والضمير والعقل عندما يعلو وتتجاوب معه القلوب والسواعد بوعي سيرتفع فوق ركام المآسي البشرية، التي سببها طغيان الشر والقسوة والقوة والمصلحة المادية العمياء في كل أرجاء الأرض ليكون للحياة طعم ومعنى؛ وإنني لعلى ثقة من قدرة أمتنا على تحقيق قدر أفضل من التبصر والعمل والفعل النقي البناء، الذي يحوّل وجودنا إلى شيء حيوي يرتبط بالكرامة والحرية والسيادة بروابط لها في التاريخ جذور، ويرتبط بعقيدتنا الإسلامية وعروبتنا اللتين لهما في تاريخ البشرية مثلما للفجر والضحى من تأثير وضرورات ووجود.‏

الأسبوع الأدبي/ع305//1992.‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244