|
مرحلة جديدة في مسيرة الكلام حول (السلام)
بدأت مرحلة جديدة من التراجع عن الثوابت المبدئية والسياسية في الصراع العربي الصهيوني من قبل العرب، وأخذت بالاتساع والتسارع إلى درجة تثير الكثير من القلق والحزن والأسف في النفس؛ وحين يقرأ المرء ملامح تلك المرحلة ويتأمل في نتائجها ويعرضها على ما يمكن أن يقدمه الواقع العربي من أمل وعمل، يزداد بؤساً وحزناً وأسفاً؛ فالواقع العربي يزداد تآكلاً وضعفاً وتمزقاً، كما يزداد استسلاماً للقوى والمخططات التي تعبث به.
وتتجلى معالم المرحلة الجديدة من التراجع في مواقف ظاهرها التشبث بالسلام وحقيقتها استسلام لمفهوم "إسرائيل" عن ذلك السلام ولمن يصدِّرونه ويروجونه ويعملون عرابين له. والعرب اليوم يستميتون على تحقيق شيء ما، ويبدون استعداداً للتخلي عما كان يعد، تجاوزاً، موقفاً عربياً موحداً في المفاوضات التي تتم في إطار مؤتمر مدريد؛ فبعضهم خاض معركة رابين، وأبدى استعداده للقتال من أجل ذلك الذي "سيفرض" سلاماً على شامير، وكأن هذا "الرابين" ليس صهيونياً عنصرياً قحاً، وكأنه لا يخدم المشروع التوسعي الاستيطاني ولا يؤمن به ويخطط من أجله؟! وبعض العرب يركض اليوم ليلاقي رابين في مفازة من الطريق تقع عند عتبة مكتبه ليعقد معه صلحاً منفرداً يحقق هدفاً مرحلياً من أهداف "إسرائيل" الصهيونية العنصرية.
لم يعد هدف العرب الرئيس من تلك المفاوضات -كما بدأ فعلاً- كشف حقيقة الموقف " الإسرائيلي " من السلام، وفضح المشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني العنصري الاستعماري؛ لأن ذلك الذي تحقق في هذا الاتجاه لم يتنام ويتركز حوله الجهد بالقدر الكافي، ولم يصبح هو الهدف الفعلي للعمل العربي، وبدا كأنه لم يتجاوز ما كانت تعلنه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وما أسمعه شامير لكل الأطراف المعنية والوسيطة والمراقبة، وما أكده رابين من بعد، يوم فوز حزبه في الانتخابات وتكليفه بتشكيل الوزارة؛ فهم يؤكدون أنهم أصحاب قوة وبالتالي فهم أصحاب حق، حسب منطق العصر وواقع الأمر، وأنهم يريدون السلام حسب مفهومهم للسلام، ويريدون من العرب أن يتفهموا جيداً معنى ما تقوله القيادات الإسرائيلية المتعاقبة وما تؤكده باستمرار، وهو ما تتطلبه المصلحة الصهيونية في هذه المنطقة ضمن الإطار الزمني والتاريخي والجغرافي للمرحلة الحالية من مراحل مشروعها " إسرائيل التوراتية"؟!!
وهو ما يمكن أن يحدد في:
- التمسك بالسلام والأرض معاً، كتلة واحدة، ضاق الهامش أم اتسع، ولا يضر أبداً، من وجهة نظرهم، القيام بأعمال تجميليَّة استرضائيِّة على حدود الأرض المحتلة بعد عام (1967) لإرضاء الغرور العربي وتزويده بجرعة جديدة تشجعه على التنازل، ولمغازلة الرأي العام العالمي، ولإظهار العرب كمتشددين إن لم يقبلوا؛ وهذا بحد ذاته مكسب تاريخي "لإسرائيل" والصهيونية.
- الحصول على الأمان والاطمئنان والاستقرار، في الحيز الجغرافي الذي تحقَّق "لدولة عبرية" في الشرق الأوسط خلال نصف قرن مضى من العمل على الأرض، وما يقرب من قرن مضى أيضاً من التحرك والتزييف والإعداد والاستعداد في ساحة كبرى من أرض البشر وفي ساحة السياسة الدولية الفاعلة.
وذلك الأمان والاطمئنان والاستقرار هو ما تحتاج إليه المرحلة القادمة من المشروع الصهيوني لا لاستيعاب المستوطنين المستورَدين، وإقامة قاعدة مستقرة/ نفسياً واجتماعياً واقتصادياً/ للمستوطنين، والسيطرة على الأرض /إعماراً واستثماراً/ وعلى المحيط الاجتماعي الجديد، وتطوير طاقة الإنتاج، وتمتين قواعد الانطلاق نحو مرحلة جديدة.
- الوصول إلى إقامة علاقات طبيعية على الصُّعُد المختلفة مع الجوار، وفتح الأسواق والطرق أمام "إسرائيل" لتصبح ضمن النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمنطقة، بكل المفاهيم والمقاييس والأبعاد.
ولا يخفى على أحد مدى الأهمية والقيمة اللتين لتلك المطالب أو الأهداف الكبيرة، لا سيما في هذا الوقت وفي هذه المرحلة من مراحل الصراع، الذي أصبح نزاعاً ثم آل إلى مفاوضات. وفي تقديري أن خسائر العرب لن تقف عند حدود، بعد أن يوافقوا على ذلك الذي بدؤوا ينظرون إليه على أنه مع تحصيل الحاصل، ومن باب إقرار الأمر الواقع، والتعامل "بواقعية وموضوعية": من "الحقائق" التي تترسخ فوق الأرض!! وهو أخطر ما تحقق على الصعيدين الاجتماعي والنفسي من هزائم الروح العربية على امتداد تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
فالعرب الذين يطلبون اليوم سلاماً ويتمسكون بالصيغة التي تقدَّم إليهم لذلك السلام، إنما يقدمون في حقيقة الأمر اعترافاً تاريخياً خطيراً بدولة للصهيونية في المنطقة ولو في حدود جغرافية (1948)، وهو أمر طالما تاقت إليه "إسرائيل" وعمل من أجله الغرب الذي ساهم في غرسها وحمايتها وتقويتها؛ كما أنه في غاية الأهمية بالنسبة للصهيونية وفي غاية الضرورة بالنسبة لإسرائيل. لأن ذلك سيتحول إلى نواة صلبة ومستقرة نهائياً في الوجدان الجمعي وفي المعطى التاريخي لهذه المنطقة وسكانها وللعالم من حولها، وهذا يعني أن التهديد الضمني أو الفعلي، المؤجل أو المعجل، بالنسبة "لإسرائيل" قد زال، وأن الذاكرة العربية لم تعد مشغولة به، وأن النضال من أجل استعادة فلسطين ومن أجل العودة إليها، قد توقف هو الآخر على كل مستوى وصعيد.
وحين يوقع العرب، زرافات ووحدانا، مع حكومة رابين أو مع سواها على "سلام" في هذا الإطار الجغرافي أو ذاك، فهم إنما يقررون حقيقة تقول: لقد اعترف العرب بحق اليهود في دولة آمنة مستقرة، لها أن تستوعب ما تستطيع استيعابه من يهود العالم في الأرض التي تمارس سيادة عليها. وليس للعرب أن يزعجوها في شيء، بل عليهم أن يتعاملوا معها في إطار احترام السيادة وحق الجوار، حتى حين تشترط حرمان الفلسطينيين من دولة في حيِّزٍ ما من الأرض المتبقية من فلسطين.
وهذا يعني عملياً بالنسبة للصهيونية و"إسرائيل" ولادة مرحلة جديدة من النضال، مشحونة بطاقة الحلم والأمل والانتصار، تهدف إلى "تحرير المزيد من أرض إسرائيل"، وطرد المزيد من العرب "المحتلين" من المساحة التي تشكل بنظرهم "إسرائيل التوراتية". وهم قد أسمعوا وفودنا المفاوضة، بشكل أو بآخر كلاماً في هذا السياق وبهذا المعنى، وتكلموا حول ضرورة أن "يعيد العرب لليهود أرضهم"، وأن الأرض التي "حررها اليهود بالقوة من العرب" لا يمكن أن تعود، ومن تراه يعطي "الحق والتحرير والوطن والمصير" مصداقية دون قوة؟! هل تراها قوى مرتزقة تتحرك حين يوجد مال يدفع لها ومصلحة تتحقق لها أيضاً؟! أم تراها قوى من أبناء الأرض المغتصبة والأمة المهددة تدافع عن حقها التاريخي ووجودها المهدد، وتعيد لكل كلمة معناها ومصداقيتها؟! وأين هذه القوة الأخيرة؟!
ومن الذي سيوقف هذا المد العنصري التوسعي العدواني من بَعد؟! ومن الذي سينظر إلى فعل "إسرائيل" مستقبلاً على أنه عدوان ينبغي أن يتوقف عند حدود، وتهديد للسلام والأمن الدوليين يجب أن يمنع ويردع؟! أتراها العدالة الغربية الملوثة؟! أم الأمم المتحدة المسيَّرة على رُكَبِها في ركاب الغرب الاستعماري؟! أم تراها الجماهير العربية التي ستفعل ذلك بعد أن تكون قد ازدادت خذلاناً وتمزقاً واحتراباً، وهي تتقاتل في ظل الولاء للمعتدي وفي حمأة التردي في مستنقع الاحتلال؟!..
إن العالم، الذي يزعم أنه يمسك ميزان العدالة، سوف ينظر إلى القوي المنتصر بإعجاب ويعطيها الحق الذي تقرره القوة ويرفعها درجة فوق المظلومين والشاكين؛ وأميركا خاصة والغرب عامة، كل أولئك سوف ينظرون بارتياح واطمئنان ومشروعية إلى ما يقوم به المستوطنون اليهود الجدد الذين يسعون بكل الوسائل، ومنها القتل والطرد والحرق والشنق وتكسير العظام، لتأمين منزل وعمل ومجال حيوي واطمئنان وأمان تامين لهم في الأرض التي يهاجرون إليها. فتلك القاعدة هي القاعدة الوحيدة الشرعية، والمعترف بها من قبل حكومة عالم اليوم، والمتعارف على رسوخها في المجتمع الأمريكي المتحضر" الذي نحاول أن نحتكم إلى "عدالته" وقوته وسائر ادعاءاته المزيفة الأخرى، وما أكثرها.
وكيف لا يعترف ذلك المجتمع على ذلك النوع من القواعد والأفعال والممارسات ومعايير "الحضارة والديمقراطية والعدالة"، وهو الذي قام أصلاً على إبادة الشعوب الأصلية في أميركا، واقتلع السكان الأصليين من جذورهم ليحل محلهم مهاجرين غزوا العالم الجديد بكل وسائل الغزو المتاحة، وقام على الهجرة والاستيطان والمغامرة، وعلى شرعية الأقوى، وقتل المواطن الأصلي وطرده فيما إذا عكر صفو المهاجر المغامر والمستوطن الجديد، وضيق عليه في أمر ما، أو زاحمه على لقمة العيش، أو أساء إلى المنظر الطبيعي الجميل الذي يرتضيه ذوقه "الإنساني " الفائق الرفعة؟!...
إن ما ينظر إليه العرب اليوم على أنه مكسب، يفضح العدو أو يجبره على التخلي عن أرض محتلة، هو في حقيقة الأمر خسارة كبرى على طريق الصراع العربي الصهيوني، حتى إذا بقي من هذا الصراع شيء في الوجدان أو في الذاكرة، وهو من زاوية نظر أخرى أهم مكاسب "الصهيونية وإسرائيل" التاريخية، حتى لو قدم رابين بعض الأرض وحكماً ذاتياً للفلسطينيين الذين يذبح بعضهم بعضاً اليوم في غزة ويتدخل "العدو" المحتل ليوقف زخم اشتباكاتهم(؟!!)..
فهل لدينا الإمكانية يا ترى لكي نحول هذا الذي نضطر إليه، تحت ضغط الظروف الحالية والمتغيرات الدولية، وتفرد أميركا بالعالم، والصهيونية، بالإدارة الأميركية؛ هل لدينا الإمكانية لتحويل ما قد نأخذه من "مكاسب" في "صفقة" السلام إلى نقاط إيجابية على الأرض في برنامج بناء استراتيجية عربية جديدة، بعيدة الأمد وطويلة النفس، تبقى الصراع العربي- الصهيوني صراع وجود مع وجود، إلى أن يتحقق هدفه المعلن الذي استشهد من أجله كثيرون؟! إذا استطعنا أن نفعل ذلك فالمرونة تصبح من هذا المنظور حكمة وقدرة وبعد نظر، أما إذا لم نستطع أن نفعل ذلك، ولا نفكر أصلاً في فعله، فإن ما سيتحقق سيكون كارثياً إلى أبعد الحدود، لأنه سيثبت للعدو حدوداً في الوجدان والتاريخ قبل أن يثبت له في المصورات الجغرافية "أرضاً" ووجوداً معترفاً به عربياً، وحدوداً يراعيها العرب الجوار، أو العرب الكبار.
أما إذا بقي الأمر من قبل العدو الصهيوني ومن قبل العرب في إطار السِّجال الكلامي أمام العالم، فعلينا أن نحذر من عدو يستفيد من الوقت ومن أوضاعنا التي تستنفد منا الوقت، لأن مرحلة جديدة في مسيرة الكلام حول "السلام" سوف تمكِّن رابين من استقدام المزيد من اليهود بعد أن يأخذ من أميركا ضمانات القروض وكثيراً من الوعود للمستقبل.
الأسبوع الأدبي/ع320//1992.
nnn
|