|
من الشك إلـى الثقة
شلال الشكوى الذي يتدفق ليل نهار، في أنسجة النفوس وفي البُنى الاجتماعية، وتفجره المعاناة وتُمِدُّه بينابيع لا تنفد ويستمر في حركة دائرية اجترارية سقيمة؛ ذلك الشلال ينخر العزم والقيم والإرادة، ويُدخل المرء والمجتمع في دوامة كئيبة ومقيتة، لن تسفر إلا عن مزيد من الأسى والبؤس والتآكل واليأس، ولن ينجح هذا الوضع المستفحل واقعياً وعملياً إلا في امتصاص طاقة الاعتراض على كل ما هو مرضي وفاسد وظالم وهدام، والرفض الإيجابي له، وتحويل تلك الطاقة إلى مجرد رغوة ورغاء يعمان الفضاء ويضاعفان الخواء، بدلاً من تكثيف ذلك الغضب الإنساني النبيل الساطع في فعل تغييري بناء يطهر النفس والمناخ، وينير بالبصيرة طرقاً، ويشق بالإرادة الواعية تلك الطرق وصولاً إلى تحقيق الأهداف القومية والاجتماعية والإنسانية بوسائل نظيفة.
ولأننا في اللحظة الحرجة من صراعنا في الوجود من أجل أن يكون لنا حضور فاعل ومحترم وقادر، في كل مجال من مجالات العمل والحياة والصراع التي نخوضها؛ ولأننا نواجه، في هذا الزمن العربي الرديء الصعب، تحديات تصل إلى تصفية مذلة لحقوقنا وقضايانا، وتهديد لهويتنا الثقافية وعقيدتنا الدينية وحضورنا الحيوي كله؛ فلا بد من أن نختار بين أن نواجه ما يرتبه ذلك كله علينا، أو أن نركن ببساطة ووضوح للتبعية والامحاء ونستسلم لمن يريد أن يفرض ذلك علينا، ونستمر في حالة "القطعانيَّة" التي نعيشها محرومين من حقوق كثيرة، ومميزات تجعل الإنسان مكرماً في الحياة ومتمايزاً عن دابة الأرض والسائمة المنتشرة فيها.
ولأن المثقفين يتحملون مسؤولية حيال الواقع الاجتماعي، وحيال ما يهدد الثقافة والشخصية والهوية، وما يقيم المثاقفة على قدم وساق، وحيال ما يجعل للأمة حضوراً إيجابياً كريماً على كل مستوى وصعيد، ابتداءً من مجالات العلم والتَّقَانَة وانتهاء بالسلوك الحضاري واستشعار السعادة الإنسانية وكل ما يوافرهما للأفراد والأمم في ظل أوطان سيدة مستقلة حرة كريمة. ولأنهم مؤهلون بحكم الموقع والاختيار ودرجة الوعي، وبحكم الزعم والإدعاء (بالمفهوم الإيجابي لهما) أنهم الطليعة والرائد والمنقذ، الذي يؤسس لبناء متين على أرضية سليمة بمسؤولية وشرف. ولأنهم في كثير من الحالات أساس الاختلاف والاتفاق ومن ينمي الاختلاف أو الوفاق ضمن شرائح المجتمع وفي تيارات السياسة، داخل أقطار الوطن أو في الوطن كله، ولأنهم قوام شلال الشكوى وصلبه، والمتفرجون على انسيابه والمتشمسون في رطوبة رذاذه في الوقت ذاته؛ ولأنهم، بشكل أو بآخر، هم الآخر: جنةً كان أم جحيماً؛ ولا حياة، نوعياً، إلا معهم وبهم. لأن الأمر كذلك كما أراه، فإنني أجد نفسي منشداً إلى رؤية تعظم أهمية دورهم في الخلاص مما نحن فيه، وفي التوجه نحو البناء وإقامة أرض مشتركة ينمو فيها الممكن بقوة؛ إذا تخلصوا مما يعيق جهودهم عن التدفق في مجرى الفعل المنقذ للأمة، وإذا اجتمعت كلمتهم على أرضية المشترك في إطار من الثقة والاحترام، وعلى أساس مكين من الوعي بأن المشاكل تكبر وسوف تطحن الجميع ولا خلاص حتى لذلك الذي يتفرج من بعيد على من تطحنهم رحى الأحداث الآن.
ولهذا أجدني مسوقاً لإطلاق دعوة للسير في طريق إقامة جبهة موحدة للمثقفين العرب تفرض استقلاليتها عن كل تبعية للخلافية السياسية المريضة والقطرية الضيقة والطائفية- المذهبية المقيتة، وتفرض احترامها وهيبتها ومصداقيتها في ساحة القرار السياسي العربي وفي الساحة الجماهيرية؛ وتضغط باتجاه فرض ما تقتضيه المصلحة القومية العليا ومتطلبات مواجهة تحديات العصر والقوى الفاعلة فيه والمهيمنة عليه. وتستشرف المستقبل وتخلص في العمل من أجل حضور مشرِّف للأمة فيه، وتجلو صورته وتعد العدة وتستعد للدخول المقتدر في مجالاته كلها.
ذلك لأنني لاحظت وألاحظ، بأسى وأسف شديدين، أن كثيراً من جهود المثقفين كانت تتصادم ويفني بعضها بعضاً وتتحول إلى كرة سلبية سوداء تكبر وتنشر السواد والغصة في الحلق، وتضاعف من كآبة المشهد الاجتماعي والسياسي والنضالي، وتشوه كل رؤية للخلاص، باعتمادها مبدأ تشويه الآخر والتشكيك برؤيته وقدرته وسلامة توجهه وتسفيه رأيه والانتقاص من قيمته، لأنه الآخر الذي يخالف الأنا وينتصب وجوداً حيالها، وتعمل على تخريب مشروع ذلك الآخر لأنه ببساطة ليس مشروعها، وليس لعدم صلاحه أو لنقص فيه، بمقياس المنطق والمصلحة. ولأن تلك الجهود، في أغلب الأحيان، كانت أسيرة تخطيط وتدبير انتقامي كيدي ينطلق من الشك بالآخر وليس من الشراكة التي تجمع الطرفين/ الأنا والآخر/ تحت سقف الوطن والمصلحة الواحدة والمصير المشترك؛ كانت تضمحل وتتلاشى عند عتبة كل إرادة سياسية في كل قطر، وتوظف أحياناً لتشويه مشروع سياسي أو قومي أو حضاري، ولتشويه صورة سياسية أو سياسي أو لتجميل ذلك المشروع أو تلك الصورة، لاعتبارات مصلحية ونفعية وتنظيمية وكيدية، ونزولاً عند متطلبات المناخ "الثقافي الذي فرضته السياسة العربية" واستسلاماً لذلك المناخ، الذي فتح فيه سوق الكلام وسوق المواقف.
هذا فضلاً عما فرضته الأيديولوجية الضيقة ذات الحكم المسبق على الأشخاص والاتجاهات الفكرية والسياسية، وعلى الآخرين الذين لا يدينون بها أولها؛ ما فرضته من مواقف ومناخ وأسلوب تفاعل وتعامل. الأمر الذي أخل بمناخ المثاقفة والثقة داخلياً وبجدوى الحوار، وجعل الأطراف المختلفة تتمتْرس في مواقعها وتتراشق الكلام دون ما توقف عند مصلحة أو منطق أو قيمة أو حدود.
وقد خلق كل ذلك فساداً في صورة الشخص عن الآخر وحكمه عليه، وفي التراتبية الثقافية والفكرية والإبداعية والأدبية جرَّاء ما حققته "الميليشيات" الثقافية من "إنجازات " (؟!؟) خاصة كانت بمجملها عبئاً على الأدب والإبداع والثقافة والسياسة، وعلى المجتمع العربي ككل؛ لأنها كبَّلت الجميع بتراتبيات مريضة ومشكوك بسلامتها بالنسبة إلى الأشخاص والنصوص والمواقف والتيارات والأيديولوجيات.
وإذا كان لا بد من جهد نقدي تقويمي كبير، يقوم على أسس معرفية وخُلُقية وموضوعية، وعلى انتماء سليم ومتين وواضح للحقيقة في جلالها وجمالها، وللثقافة العربية في سيرورتها وصيرورتها، من خلال حمل هويتها باعتزاز والمساهمة في تعزيز مكانتها بفاعلية واقتدار؛ وعلى انتماء صراح للوطن في واقعه، وللأمة عبر تاريخها. فإن ذلك يحتاج إلى مراجعة للذات، وإرساء لمعايير وقيم وثوابت تقويم وتقدير مشتركة ينضجها الحوار وتنميها الثقة وتختبرها الممارسة. كما يحتاج إلى جهد واجتهاد وزمن، وإلى تغيير جذري في مقومات العمل والتعامل والسلوك، يبدأ من نظرة الإنسان لذاته وينتهي بنظراته للآخر، على امتداد الدوائر واتساعها؛ وصولاً إلى الإنساني المطلق والكوني الشامل.
ولن يتم ذلك الذي نتطلع إليه بإخلاص وننشده باهتمام وجدية وحرص، إلا في مناخ ملائم له؛ مناخ يُصنع أو يستنبَت على أرضية من الوعي والحرية والاحترام والثقة والمسؤولية.
وحتى نصل إلى ذلك لا بد من تعزيز مناخ ثقافي خصب سليم القيم والمقومات، يكون عامراً بالأمن من جوع وخوف وقادراً على إخصاب طاقة العطاء والإبداع. ولن يكون ذلك كذلك إلا بالسير، ثقافياً وسياسياً، على طريق أحدد مسارها بالقول: "إنها مسيرة المثقفين العرب من الشك إلى الثقة".
إنها مسيرة داخل البيت العربي: ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وخطواتها الأولى كما مرحلتها الأولى تبدأ ثقافياً كما أرى. وأجدني مسوقاً- من أجل هذه المسيرة وتحقيقاً لأهدافها وانطلاقتها- بحماسة قد لا أندم عليها، إلى دعوة المثقفين العرب إلى تجسيد الأرض المشتركة التي تجمعهم "أرض الثقافة العربية- الإسلامية، واللغة العربية... الخ بإعلان ميثاق شرف يوحدهم ويجمع طاقاتهم حول ثوابت مبدئية وخُلُقيَّة وقومية نضالية، يعززونها جميعاً بصرف النظر عن اختلافاتهم واهتماماتهم ورؤاهم وانتماءاتهم القطرية، ويوحدون كلمتهم وموقفهم منها؛ ليفرضوا، انطلاقاً من ذلك، احترام الثقافة وهيبتها ودورها ومصداقيتها وحضورها على صعيد الأمة، في جميع المجالات ولا سيما في مجال القرار السياسي العربي؛ وليحموا وجودهم الفردي ومناخ عملهم وأسس البناء الذي سوف يقيمونه لبنة لبنة ومدماكاً مدماكاً. واتفاقهم هذا حول تلك الثوابت لا يلغي التعددية بل يحميها ويستفيد من غناها، ولا يلغي الاختلافات النوعية فيما بينهم بل يتمسك بضرورة وجودها لأنها تعزز حضور الثقافة العربية وتغنيها، ولا يلغي ذلك الاتفاقُ اجتهادَهم ورؤاهم بل يخلق له ولها المناخ السليم الذي ينمو/تنمو فيه خارج حدود القمع والقلق والخوف؛ وبتوفير مقومات الحرية والأمان، والاطمئنان والمشاركة المجدية الملموسة المردود والتأثير في كل مجال. على أن يحمي كل مثقف ظهر الآخر في نضاله من أجل تلك الأهداف، ولا يسْلِمه أو يخْلي ظهره في مواجهته، مهما كان الخلاف بينهم؛ لتقوم لتلك الجبهة هيبة وسلطة أدبية، ولتوفر مناخ الحرية والديمقراطية والاحترام، ذلك المناخ المنخور عربياً.
والمقدمات الرئيسة أو النقاط الهامة التي تشكل أرضية الموقف المشترك وقوام ميثاق الشرف ذاك، يمكن الإشارة إليها بإيجاز شديد ووضوح أشد، وهي مواقف معلنة وثابتة يفرضها الاختيار الحر والمسؤولية القومية والتاريخية من القضايا والأمور الآتية:
1- الصراع العربي الصهيوني، صراع وجود مع وجود، ولم يكن يوماً ولن يكون أبداً نزاعاً على حدود بين العرب وأي كيان دخيل من أي نوع يفرض عليهم في أية بقعة من بقاع الوطن العربي، ويتحدَّد موقف المثقفين من السياسات والتيارات الفكرية والاجتماعية والثقافية في ضوء موقفها من ذلك الصراع.
ومن الطبيعي أن المثقفين الملتزمين بهذا الموقف من الصراع العربي الصهيوني يسحبون رأيهم وموقفهم على كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني وكيانه في فلسطين المحتلة وعلى دعاة التطبيع وممارسيه.
2- الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين والممارسة الديمقراطية السليمة، في إطار الوعي بخصوصية الواقع والبيئة والمرحلة التاريخية والاجتماعية، قضايا رئيسة يجمع المثقفون على التمسك بها والدفاع عنها، والتعامل بوعي ومسؤولية معها. ويعلنون احترامهم للتعدد في إطار الوحدة القومية والاجتماعية والثقافية للأمة، واحترامهم لحق الاختلاف كحق طبيعي لجميع المواطنين على أرضية احترام الأنا دون تضخيم والآخر دون تقزيم والاعتراف المتبادل بينهما بالحقوق والواجبات على أرضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء والمواطنة وفي صنع المستقبل وتقرير المصير المشترك للوطن والأمة.
3- الثقافة العربية- الإسلامية، بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها، وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم عبر التاريخ، ومالها من أصالة وتميُّز وما فيها من أصول هي حدود وطننا الذي نتجذَّر في أرضه المشتركة، ونحافظ فيه على هويته وننمي خصوصيته، ونمارس انطلاقاً من ذلك مثاقفة مع الآخرين باعتزاز وثقة وانفتاح. رافضين كل قطرية تقزِّمنا أو تشوه نظرتنا وتحد منها، ولا نضع في هذا المجال العروبة مقابل الإسلام أو العكس لأن هذا تنازع مفتعل ومدمر ومخطط يعادي ثقافتنا ويرمي إلى فرض التبعية والضعف علينا.
ولا يعني التركيز على الثقافة العربية- الإسلامية عدم الاعتراف بقيمة الجذر الثقافي العربي قبل الإسلام وإمكانية حضوره والتواصل معه، ولا التقليل من أهمية الإضافات التي قدمها ويقدمها العرب من معتنقي المسيحية واليهودية، فكل ذلك أرث ثقافي عربي نعتز به ونتواصل معه وننميه، ونستشعر حضوره عندما نذكر الثقافة العربية -الإسلامية كإطار عام.
4 - نرفض تبعية الثقافة للسياسة، ونعترف بأهمية وضرورة تفاعلهما وتواصلهما، وبمسؤوليتهما المشتركة عن الوعي والمصير الفردي والجمعي، الوطني والقومي، وعن مستوى الحضور البشري والتقدم والسعادة؛ ونؤكد أهمية احترام العلاقة السليمة بين السياسي والثقافي، ومضار تحويل الثقافي، لا سيما عربياً، إلى تابع للخلافية السياسية القطرية؛ حيث مخاطر الصيغة الحاضرة عربياً على المستقبل والمصير العربيين، جرَّاء ظهور القطرية كصيغة اعتراضية على القومية ومعوقة لها.
5 - نؤمن بأن الخلاص، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يكون قومياً أو لا يكون، وأنّ جهودنا سوف تنصب على إعلاء شأن أي فعل أو قرار عربي من أي نوع في ضوء انسجامه مع المصلحة العربية العليا تلك التي تعلو معيارياً وعملياً على المصلحة القطرية الضيقة، ولاسيما إذا كانت تلك تجسيد الأنانية أو تعبيراً عن تبعية للغير يقوى بها الجزء على حساب ضعف الكل أو قهره أو تقزيمه.
6 - نؤمن بأن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البُنى الفردية والاجتماعية والمدنية فيه، ونرى أن بناء الفرد والمؤسسات بناءً سليماً وعلمياً ومتوازناً، يتيح فرصاً للخروج من حالة الإحباط وضياع الحقوق والحريات وضمور الشعور بالمسؤولية، وعدم احترام القانون.
ولذلك فإننا نرى في الطُّغيانيَّة -الديكتاتورية- حالة سياسية لا تتلاءم مع القيم العربية الإسلامية، ولا تتفق مع روح العصر، وتشكل معوقات التقدم الاجتماعي والعلمي في الوطن العربي. وعليه فإننا نعلن وقوفنا ضد "الديكتاتورية" وأشكال الحكم الاستبدادي، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم على أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار واتخاذه، على مساهمة الأفراد بموضوعية وعدالة وسلامة اجتماعية وروحية وخُلُقيَّة وقومية في ممارسة حقوقهم المدنية وأداء واجباتهم بوصفهم مواطنين متساوين تماماً؛ بما لا يعطل الشرائع والتشريعات وبما يحقق سيادة القانون، وسلامة الوطن، وإيجابية المواطن، وسلامة مناخ الإنتاج والعيش، ويوقف انهيار القيم والأوضاع العامة.
إن المثقفين إذ يتمسكون بهذه الثوابت ويعلون شأنها لتشكل المشترك الأولى بالرعاية والاعتبار فيما بينهم، يؤكدون عزمهم على تعزيز مكانة الثقافة ودورها واستقلالية رؤيتها وإرادتها خدمة للأمة وخدمة للثقافة، وحرصاً على مناخ ثقافي واجتماعي سليم تنمو فيه القيمة وينمو فيه الشعور بالمسؤولية على أرضية الانتماء والاحترام والحرية والتكافؤ، كما يؤكدون عزمهم على وضع نقاط الاتفاق تلك فوق كل خلاف فيما بينهم وجعلها معياراً يحكم مواقفهم ويحتكم إليها في تقويم الأشخاص والمواقف والسياسات.
الأسبوع الأدبي/ع326-327//1992.
nnn
|