|
فعلان صهيونيان لافتان للنظر
فعلان لافتان للنظر تمَّا خلال الأسبوع الماضي، الأول في الولايات المتحدة الأميركية والثاني في ألمانيا.
ـ في أميركا قدم " ديفد ستاينر" رئيس اللوبي الصهيوني - اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة " ايباك " استقالته من منصبه، لأنه " ثرثر أكثر من اللازم " وكشف بذلك نفوذ " ايباك " ومدى حضوره في حاشية الرئيس الأمريكي الجديد " بيل كلينتون "، ولم يضع أميركي غير يهوديي حداً لتبجح " ستاينر"، بل كشف ذلك ووضع له حداً يهودي عضو في اللوبي الصهيوني ذاته هو " هاري كاتز" رجل الأعمال النافذ الكلمة، لأنه لمس في مكالمة " ستاينر " وأسلوبه وتبجحه خطراً على مستقبل عمل اللوبي الصهيوني، وعلى اليهود أنفسهم في أميركا؛ هكذا ادعى. " ذلك لأن " ستاينر" صرح بأن له " دزينة" من الرجال في " حاشية " الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، كلهم ذو نفوذ، وأن " ايباك " لعب دوراً كبيراً في حملة " كلينتون " وفي نجاحه، وأن " ستاينر" يساوم ويناور الآن لضمان منصبين هامين في الإدارة الأميركية الجديدة هما: منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، ليضمن تماماً وجود شخصين مواليين " لـ " إسرائيل " " في هذين المنصبين. ولأن " ستاينر" كشف بتبجحه وثرثرته كثيراً من الأمور ذات التأثير والخطورة: مثل معرفته بالرئيس الجديد، ونجاحه - أي نجاح اللوبي - في " فرض " "آل غور" نائباً للرئيس، وهو أكثر موالاة " لـ " إسرائيل " " من سواه، وأنه استطاع الحصول من بيكر على مليار دولار لصالح " إسرائيل " لقاء سكوت " ايباك " وإسكاته لعملائه من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، عن صفقة الطائرات الأمريكية الأخيرة التي بيعت إلى السعودية.. الخ. وقيام " كاتز" بهجومه الصاعق على " ستاينر " ونشره لتلك المكالمة أو المكالمات الهاتفية المسجلة معه، التي دارت حول حملة " كلينتون " ومكانة " ايباك " فيها، وحول توجهات " ايباك " المستقبلية؛ لم يكن تأكيداً من " كاتز " لأميركيته على حساب " ايباك" أو رئيسه، فهو العضو الفاعل في ذلك اللوبي، ولم يكن فعله ذاك لحماية اليهود من غضبة أمريكية تضع لنفوذهم حداً، كما يلمِّح الفعلُ وبعض القول الذي صرح به الرجل؛ بمقدار ما كان فعلاً صهيونيا ذكياً ومدروساً، يرمي إلى تحرير الرئيس الجديد من قيود قد يكبله بها كلام " ستاينر" ووجوده في رئاسة " ايباك "، بعد أن أدى دوره ومهامه بنجاح؛ ويمهد الساحة النفسية أمام فريق العمل الجديد في البيت الأبيض، بمن فيهم الرئيس، ليخلو جو البيت من أي ضغوط أو شوائب أو منة أو التزام، في الظاهر؛ لأن في ذلك تكبيلاً خُلُقياً من نوع أشد، والتزاماً بمواقف أكثر تحيُّزاً لـ " إسرائيل " يبادر بها الرئيس " المحب " إمعاناً منه في إظهار تحيزه، أو قل: إظهار " ولائه " لـ " إسرائيل " " والتعبير عن امتنانه لـ " ايباك ".
وحينما يعاقب " اللوبي الصهيوني " نفسه، ويزيح رئيسه من طريق " الرئيس " الجديد، ومن طريق الأشخاص الذين ذكرهم " ستاينر" وقال: إنهم فاعلون في طريق العمل، ويزيحه كذلك من طريق الشخصين اللذين ذكَّرهما بمواقفهما " وبعدائهما " لليهود و لـ " إسرائيل "، أي الرئيس بوش ووزير خارجيته بيكر - على الرغم مما قدماه من خدمات مذهلة لـ " إسرائيل " ـ فإن اللوبي، يضمن بذلك خلق مناخ ابتزاز أنموذجي ومن نوع متقدم جداً، يعتمد الدراسة النفسية والاجتماعية للشخصيات والمناخ العام، ويتوجه إلى الرأي العام الذي ترامى إليه الكثير من ذلك الذي حدث ومورس وقيل، ليغسل آثاره ويمحو تأثيره، وليهيئ ساحة العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأداء جديد متجدد يخدم " إسرائيل " أكثر ويساعد على تنفيذ برنامج نهب الاقتصاد الأمريكي، الذي تقوم به العناصر الصهيونية بأشكال مختلفة، ويعطى مدى واسعاً لتحرُّك اليهود هناك، عبر هالة " خُلُقيَّة " تُصنع وتُزين للحصول على مزيد من الربح والمزايا الحسنة، والمواقع المتقدمة في كل مجال من مجالات التعاون والعمل والإنتاج المشترَك، بين أمريكا و" إسرائيل " واللوبي الصهيوني.
ولا يعني هذا الفعل تغييراً من أي نوع في توجهات اللوبي الصهيوني وسياسته وثوابته وأساليبه، بل على العكس من ذلك، فإنه بتصرفه هذا يضمن وصول الأشخاص الذين يريد لهم أن يصلوا، إلى مواقع محددة وهم في ثوب البراءة التامة من تهمة الولاء العلني للوبي الصهيوني و لـ " إسرائيل " أو على الأصح، يحافظ على ظهورهم بمظهر من حصل على موقعه لجدارته فقط وبنزاهة تامة، ومن دون تدخل أو ضغط من أي نوع؛ وفي هذا ما فيه من مزايا، لكل من الموالي وصاحب النعمة معاً.
في ألمانيا قدم " كارل هاينز شميث " رئيس اللجنة الشعبية في مدينة " روستوك " وعضو الحزب الديمقراطي المسيحي، قدم استقالته مرغماً، حين لم يُقبل اعتذاره واعتذار مسؤولين ألمان آخرين لدى " اينياس بوبيس " رئيس المجلس اليهودي المركزي في ألمانيا. وذلك لأن السيد " كارل " سأل ببساطة وعفوية سؤالاً لا يجوز أن يوجه ليهودي تجمعت فيه كل الغطرسة وأصبح أنموذجاً للجبان إذا سيطر، وللذليل إذا استشعر الاحترام .
وجه " شميث" لـ " اينياس بوبيس " سؤالاً في مؤتمر صحفي في روستوك: " هل اليهود شعب أم طائفة " ؟؟ وهل يمكن تشبيه اعتداءات " الدولة الإسرائيلية " على فلسطيني الأراضي المحتلة باعتداءات المنظمات الألمانية المتطرفة على اللاجئين الأجانب؟! وقامت الدنيا إثر ذلك ولم تقعد، وتنمر اليهود في ألمانيا واستلوا سكاكينهم الطويلة لينحروا " المعادين للسامية "، وليجعلوا " الألمان " يركعون طالبين الغفران، عن كل الذنوب القديمة والجديدة التي ارتكبوها " بحق الإنسانية " ؟؟ وليجبروهم على التسليم بكل ما يرى اليهود أنه حق لهم وحدهم من بين الناس؛ فاليهودي الذي يحمل جنسية في " إسرائيل " يريد أن يحافظ على جنسية أخرى في ألمانيا، على الرغم من مخالفة ذلك للقانون، ليضغط بوصفه ألمانيا لمصلحة " إسرائيل "، ولينهب كيهودي لصالحه ولصالحها أيضاً، ولينمي تجارة واستعماراً استيطانياً في فلسطين المحتلة على حساب العرب.
لم يستطع " شميث " الذي كان يجمع التبرعات في " روستوك لصالح اليهود " الذين يهجرون مما كان يسمى الاتحاد السوفييتي سابقا، لينزرعوا بالقوة والعدوان في فلسطين العربية المحتلة، لم يستطع أن يقنع أحداً ببراءته من تهمة " اللاسامية " ولم يكن هناك استعداد، حتى لدى زملائه، لأن يفهموا وجهة نظره، أو ليغفروا له زلة لسانه، فالحكم النهائي قد اتخذ من قبل اليهود، أو ربما كان قد اتخذ أصلاً قبل زيارة اينياس لروستوك !؟!.
وانطلق من ذلك الحادث " المدبر" من قبل " اللوبي " اليهودي في ألمانيا، هجوم ابتزازي على ألمانيا / الحكومة والأشخاص / إضافة إلى التاريخ، وبدأت الصحافة الألمانية تشتم " شميث " وتشتم الفلسطينيين - أولئك " الإرهابيين " الذين يهاجمون " دولة مسالمة تدافع عن نفسها " هي " إسرائيل " - وتعتذر، وتدفع الشعب الألماني إلى المزيد من الشعور بالإثم والتكفير عن الذنب حيال اليهود. والمرمى البعيد لذلك الفعل المدبر، الذي حدث في ألمانيا واضح من جهة، ومتناغم متساوق منسق مع الحدث الذي تم في الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. ففي الوقت الذي يظهر فيه اللوبي اليهودي الأمريكي " خُلُقياً " حضارياً محترماً (؟!؟ )، يعاقب " المخطئين " والمتجاوزين لحدودهم، فيه، حتى لو كان المخطئ رئيساً له؛ نرى " اللوبي " اليهودي في ألمانيا، وهو قليل العدد وضعيف نسبياً، يقيم القيامة على رؤوس الألمان، ويسترعى نظر العالم؛ ويستقطب الرأي العام والإعلام، حول قضية يعتبرها " فضيحة " فلماذا؟!
إن لـ " إسرائيل " مطالب ابتزازية عند ألمانيا، لا ترتبط فقط بتاريخ الابتزاز القديم الذي دام عقوداً وقدّمت فيه " الألمانيتان: الغربية والشرقية سابقاً" تعويضات لـ" إسرائيل " ومساعدات لا يحلم بها أحد؛ وإنما تتعدى ذلك إلى مطالب المستقبل.
ـ فـ " إسرائيل " تريد مساعدات أو ضمانات قروض بمبلغ خمسة مليارات دولار من ألمانيا لتوطين " المهاجرين الجدد " وقد وعد الرئيس بوش، سابقاً، بالضغط على ألمانيا، ودول أخرى لتقديم تلك الضمانات، بعد أن قدَّم حصة بلاده من " الخوّة " الصهيونية. وقد جاء الوقت الآن للضغط على ألمانيا قبل ذهاب بوش لإنجاز الوعد أو للتذكير به، ونقل " العُهْدَة " والمطالبة بتنفيذها إلى خلفه " كلينتون ". وألمانيا يجب أن تدفع وأن تُرْغَم على مواجهة استحقاقات معينة لصالح " إسرائيل " والحركة الصهيونية، واستحقاقات أخرى كلفت الصهيونية بتحصيلها أو وضعها على الطاولة؛ ومن تلك الاستحقاقات أو المطالب - أن يسمح الألمان " للمهاجرين اليهود " بالمرور عبر ألمانيا والإقامة فيها إذا ما رغب بعضهم في ذلك، لأن لـ " إسرائيل " ولأمريكا مصلحة في أن يكون في ألمانيا وجود " للوبي " يهودي قوي، أكثر مما هو عليه الأمر الآن، لتحقيق سياسات ونهب أموال، والقيام بأفعال تندرج في سلم المواجهة الأوربية - الأمريكية المحتملة، سواء أتت من باب التجارة، أو من أي باب آخر سواه.
ـ أن يقوم الألمان بتقديم ضمانات القروض أو المساعدات لـ " إسرائيل" من أجل توطين اليهود الذين تورِّدهم الصهيونية إلى فلسطين المحتلة: إعداداً واستعداداً لتنفيذ مشروع " إسرائيل " الكبرى لاحقاً؛ فضلاً عن تقديمها السلاح المطلوب لذلك، ومنه غواصات تُبنى لمصلحة " إسرائيل " وأسلحة متقدمة أخرى.
ـ أن تدفع ألمانيا تعويضات، كانت " ألمانيا الديمقراطية سابقاً " قد توقفت عن دفع بعضها، وهي تعويضات فرضت على الألمان جراء الممارسات التي تمت في العهد النازي ضد اليهود، ويضاف إلى هذا خلق مناخ ملائم لصالح أمريكا بالدرجة الأولى - لجعل الألمان يتلهون أو يغرقون بمشاكل داخلية، ويواجهون حركة القومية الألمانية المتصاعدة، والنزوع الألماني إلى إقامة أوربا قوية متحدة ومنافسة لأمريكا مستقبلاً، ولإضعاف الاقتصاد الألماني عموماً؛ وكل هذا يخدم أمريكا التي تشعر بوطأة الضائقة الاقتصادية، و ربما تضطر إلى الالتفات نحو الداخل، لسنوات قليلة، وهي تريد أن تضمن إبَّان ذلك كله، أن لا يقفز الحضور الألماني خاصة والأوربي عامة، إلى درجات لافتة للنظر، لا سيما في مجال الاقتصاد والعمل السياسي، أوربياً وعالمياً. ولذلك فإن إحداث مثل هذه البلبلة سيشكل مدخلاً لإعادة حملة الضغط على ألمانيا وتحجيم دورها، وردعها عن التفكير بطموحات وتطلعات ضارة بأمريكا؛ وسيعمل ذلك على تعويض التحرك الأوربي المشترك، وسيفسح المجال أمام الابتزاز الصهيوني - "الإسرائيلي": وفي هذا كله مصلحة صهيونية - أمريكية مشتركة، وتبادل منافع، وتسديد حسابات و" فواتير " سابقة. وكل من الفعلين اللذين أشرت إلى حدوثهما في أمريكا وألمانيا، وأشباه ذينك الفعلين وسوى ذلك مما تخطط له الصهيونية والإدارة الأمريكية ـ المدخولة بالصهاينة والصهيونية، حضوراً وفكراً وهوى ومشاريع ـ ينعكس سلبياً على القضية العربية، وعلى موقع العرب وموقفهم، خلال تزايد قوة " إسرائيل " ونفوذها، وتزايد المؤيدين لها والداعمين لمشاريعها الاستيطانية - الاستعمارية، وخلال التغطية على ممارساتها التي تستمر منذ سنوات ضد أهلنا في الأرض المحتلة وضد أهلنا في لبنان؛ ويتحمل ثقلها الآن بشجاعة وصبر حزبُ الله وجنوب لبنان. كما أن ذلك يواكَب بضغط وحصار يُفرضان على العرب، وبتشويه لصورتهم وقضاياهم ومواقفهم ولأفعالهم، بهدف إظهار هم بمظهر المعتدي والمتهم، وإظهار " إسرائيل " بمظهر الضحية؛ لكي تستمر في ابتزازها وتنفيذ مخططاتها .
وقد ترافق ذلك كله بحملات جديدة واضحة الهدف ضد العرب عامة وضد سورية خاصة، وفي مقدمة ذلك التشكيك بمواقف سورية. فهم يطلقون الآن في الصحافة الغربية مقولة يُراد تثبيتها في أذهان الرأي العام، تمهيداً لاستغلالها في توجيه ضربة لسورية أو ممارسة ضغط عليها. فهم يقولون: إن في سورية أكبر المستودعات للغازات السامة في المنطقة، وهي تهدد بذلك "إسرائيل" وإنها تسعى، كما تسعى إيران والعراق، لامتلاك السلاح النووي بعد أن كدَّست أنواع السلاح التقليدي؛ ويقولون عن الرئيس الأسد: " إنه مفاوض غير موثوق يريد مواصلة الصراع مع " إسرائيل " ". وفي هذا كله مداخل لهم يشرعونها، ويشرِّعون لها، لمهاجمة سورية، التي قيل إنها تشكل خطورة عليهم!؟؟
ودائماً تتخذ " إسرائيل " لعدوانها المبررات، وتحاول أن تقدم ذلك العدوان على أنه صورة من صور الدفاع عن النفس المبرر والمشروع.
وها هو الدليل الحي على نهجها ذاك، وعلى تزييفها المستمر للوقائع والحقائق يسطع اليوم في لبنان، حيث تقصف وتقتل وتحرق، وتمارس ما لا يقبله عقل ولا يقره تشريع، ولا يحتمله ضمير حي، ولا يسوِّغه منطق؛ وما لا ترضى به كرامة ولا منظمة دولية من أي نوع على الإطلاق.
فهل يا تُرى يمكن أن نواجه، عربياً، هذا الوضع وأمثال تلك الأفعال التي تقوم بها " إسرائيل "، لنحقق شيئاً من الحضور الذي يخفف من شدة الضغط علينا، ويقدم شيئاً من الإنارة للحقائق كما نراها نحن، وكما تنعكس علينا قتلاً وتدميراً وتزييفاً لكل شيء ؟!؟.
إن أبواب الأمل تضيق كل يوم للأسف، والحصار يزداد، وأكثر الألم يأتي من تزايد مظاهر التطبيع مع " إسرائيل " عربياً، ومظاهر التعاطف معها دولياً. وقد جرحني أن أسمع قبل أيام، ولأول مرة، صوت كلوفيس مقصود، الممثل السابق للعرب في الأمم المتحدة، من إذاعة " إسرائيل " في مقابلة خاصة، تثير أكثر من علامة استفهام، وتجعلنا نسأل أنفسنا جميعاً: إلى أين نسير؟! ومن نحن فعلاً حين ندعي ونتكلم ونعمل ونمارس حياتنا في السر والعلن؟! ماذا نريد بالضبط وكيف نصل إلى ما نريد؟! إن زمن الأقنعة يجب أن يولي، وأن تسقط معه كل الأقنعة؛ وزمن الفعل العربي الرصين والقول العربي المبين يجب أن يأتي، فقد طال غيابه، واشتد الألم والظلام جرَّاء ذلك الغياب.
الأسبوع الأدبي/ع337//1992.
nnn
|