صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

الانتفاضة في عامها السادس

انتفاضة أهلنا في فلسطين العربية المحتلة تسجل دخولاً مشرفاً إلى رحاب العام السادس من عمر النضال بالحجر واللحم العاري ضد الرصاصة والحقد الجبان المتدرع بالدبابة، وتجدد هويتها في سجل ثورات الشعوب من أجل الحرية والتحرير، بسمات وبصمات وقسمات أهم معالمها: أكثر من ألف شهيد، آلاف الجرحى والمشوهين والمعوقين والمعتقلين والمشردين في الكهوف والمغاور والجبال وفي أطراف المدن والقرى، ومئات البيوت المهدمة والحقول المحروقة، وجموع الشعب المحاصر في المخيمات والقرى وفي أحياء المدن حصاراً شبه دائم. وهي تنير طريقها وتجدد إنارته كل يوم بقناديل يغذيها دم الشهداء، الذي ينسكب صباح مساء ليطرد أشباح ليلِ العرب البائس الحزين الذي يقتحم واحات النضال والنور الصامدة المعاندة، ولينير في الوقت ذاته طريق الحرية والتحرر، طريق الكرامة والعزة، طريق الشعب والتاريخ والحق؛ تلك الطريق التي يراد لمعالمها أن تتلاشى في ضباب الكذب والرياء والخوف، وللسائرين فيها أن يغرقوا في مستنقعات الاستسلام وفي متاهات "السلام" ورماله؛ "سلام" رابين الذي كسَّر عظام شباب الانتفاضة، وشن أكثر من حرب قذرة ضد العرب، وسلام الصهيونية العنصرية المخاتلة التي تريد أن تكسب الوقت والمال والدعم، وتحصل على كل مقومات القوة والتفوق، وتجلب إلى أرضنا ملايين الغزاة من يهود العالم في ظل ادعائها الزائف بالتعلق بالسلام، وتباكيها المفضوح الأهداف على الأمن!؟.‏

وهي تحقق كل أغراضها وتكسب ما تريد أن تكسبه في مناخ يسوده تواطؤ الغرب وبعض العرب المغرَّر بهم معها، وتراخي العرب أمامها، ولا ينوب أهلنا الصابرين في الأرض المحتلة من ذلك كله إلا المعاناة والحسرة والموت وتكاثف ليل الحصار واليأس من فوقهم، حيث يبدو لهم بكل الوضوح أن العرب يلقون كل الأسلحة، والصهيونية تشهر ضدهم كل الأسلحة: من الإرهاب إلى تخريب مسيرة السلام إلى التجويع والترويع وتضييع حقوق الناس بضرب بعضهم ببعض.‏

وحين يستذكر المرء معهم كل تلك السنوات التي مرت عليهم خلال الانتفاضة، وكل ذلك الموت والفتك العنصري البغيض بالصغار والكبار منهم على حد سواء، وبكل أشكال الحياة ومقوماتها من حولهم؛ فإنه يستشعر عمق المأساة وأبعاد الخيبة وضخامة التواطؤ واتساعه، ويدرك أن طول الزمن الذي استغرقه ويستغرقه ذلك المخطط الرامي إلى تفريغ الشارع في الوطن العربي عامة وفي الأرض المحتلة خاصة، من كل أمل وشعور إيجابي وإحساس بالجدوى، وغرس اليأس والبؤس في أعماق النفوس والإرادات، وتنفيذ برنامج الإبادة البطيء بجرعات متتالية منتظمة تفقد الناس، عربياً وعالمياً، كل إحساس بالمأساة والظلم والنقمة، وتجعلهم يتعودون على أن يُقتل العرب ـ فلسطينيون وغير فلسطينيين ـ في الأرض المحتلة كل يوم كما تعودوا على تناول وجبات الطعام وشرب القهوة والثرثرة.‏

والغرب المتواطئ مع الصهيونية يقبل هذا ويضغط على العرب أو يحذرهم ليستمروا في قبوله، ويغيب أخباره عن العالم، ويغلف ذلك بـ"سوليفان" السلام، ويشوه الرؤية والمنطق حين يلقى سؤالاً إشكالياً: ما معنى الانتفاضة في ظل مباحثات السلام؟!. وهو يفعل هذا ليشوه كل القيم والمفاهيم والأفعال في الوطن العربي، ولا يكاد يضاهي مخططه الذي ينفذ على نار هادئة في فلسطين المحتلة ضد الانتفاضة لإبادة أكبر عدد من الفلسطينيين إلا مخططه القذر الذي ينفذه بشكل صاعق بالتواطؤ مع الصهيونية والصرب العنصريين في البوسنة والهرسك والرامي لإبادة المسلمين بأسرع ممكن، وقد مالأه الرسميون المسلمون بعد الأمم المتحدة حيث مددوا مدة "الذبح الجماعي" في البوسنة حتى الخامس عشر من كانون الثاني عام 1993 وإذا بقي هناك مسلم حي يصرخ في البوسنة والهرسك فإنهم سوف يفكرون بإيجاد طرق لخرق الحصار المفروض على البوسنيين لإيصال الغذاء و"السلاح إليهم!!؟.‏

إن مفاوضات السلام التي تدخل جولتها الثامنة في واشنطن، تلك التي يحرَّم على أحد الانسحاب منها وإلا فهو مخرب لمسيرة السلام، ويحرّم عليها أن تتقدم بشكل جاد، ويحرَّض على تدفق أنواع الدعم والمدد " لإسرائيل" خلالها ومن أجل استمرارها؛ إن تلك المفاوضات تتحول بشكل أو بآخر إلى ستار تتم تصفية الأجساد والإرادات العربية وراءه، أو إلى فخ يسقط فيه المناضلون والرسميون والمثقفون العرب، الذي يغرقون، أو يراد لهم أن يغرقوا في "إشكالية السلام والانتفاضة".‏

لقد بدأ العرب يستسيغون تسويق الغرب والصهيونية للوجه " الإسرائيلي " "الجديد"، ذلك الذي يفاوضهم ويقتلهم ويستلب أرضهم ويستقدم إليها المستوطنين والسلاح، وأخذوا يبتلعون الطعم ويسوِّغون لأنفسهم ما سوقه الغرب بينهم وسوغه لهم في ظل التطبيع السياسي والاجتماعي والثقافي وتسويغ الاعتراف بالعدو خُلُقياً.‏

فإسحاق رابين الذي لم يغير شيئاً أساسياً في ثوابت الصهيونية و"إسرائيل"، وإنما غيَّر سلم الأولويات انسجاماً مع الواقع والمعطيات والمتغيرات الدولية والمحلية، صار أكثر قبولاً من إسحق شامير. وايتامار رابينوفيتش أصبح أكثر تفهماً وموضوعية من "نتن ياهو.." وحركة "ميرتس" أقرب إلى "القلوب" ويتم التشاور معها حول أوضاع البيت العربي وأوجاعه أكثر من متعصبي " كاخ ". وكأننا نختلف نحن العرب مع الصهيونية- والغرب ضمناً- حول من يحكم "إسرائيل" ومن نجري معه اتفاقيات السلام!؟ وكأن الأمر بالنسبة للعرب الواقعين تحت الاحتلال هو أن يختاروا من يذبحهم أهو شارون بأسلوب "صبرا وشاتيلا " أم رابين "بكسر العظام" أم أتباع "كاهانا" بالقنابل التي تلقى على المدنيين!؟ وكأن الأمر ليس فلسطين المسروقة والعرب الذين شرِّدوا منها والجسم العنصري الاستعماري الدخيل الذي يغرس في المنطقة ويتحكم بمستقبلها وأمنها؟!؟.‏

ويصبح الأمر بالنسبة للانتفاضة هو - في نهاية المطاف - من تلجأ إليه ليكون المفضي بها إلى طريق، أي طريق، ما عدا طريق تحرير فلسطين واستخلاص الحقوق، والبقاء هناك بكرامة وحقوق.‏

وصار البحث حثيثاً، بعد التي واللتيَّا، من قبل عرب وصهاينة وغرب يرعى تصفية العرب وحقوقهم جميعاً؛ صار البحث حثيثاً عن مفاوض مقبول بين مفاوضين يتزاحمون على الباب و"متشددين" يرفضون أن يقدموا أضاحِ في أعياد "السلام".‏

صارت فصائل الانتفاضة المتشددة والمقاومة اللبنانية المتشددة أيضاً جماعات تضيّع الحق وتجلب عتمة للدرب وتعوِّق كل فعل "نافع وحاسم" على طرق هذه القضية- "المغثية بنظر البعض"- قضية فلسطين!!.‏

وإذا كانت الانتفاضة تصل إلى وضع خطير، وهي على باب العام السادس من عمرها، فيه تنازع بين أطراف عربية، وتوافق بين أطراف عربية- وأجنبية، لتصفيتها، وضع ينظر إليها فيه بعض الفلسطينيين على أنها عبء على الحل المرتقب. ويتذرع بها الصهاينة المحتلون لينتقوا البديل المسالم ليجلسوا معه شريطة أن يُسْكِت "أخوته" المتشددين إلى الأبد.. فإنها إنما تصل إلى عنق الزجاجة، بتواطؤ كريه تشارك فيه أطراف كثيرة مع العدو الذي يريد أن يتخلص منها ويبيدها.‏

والأمر الأكثر أهمية وجدية وإلحاحاً الآن، ونحن نقف مع الانتفاضة المباركة على بوابة العام السادس من عمرها المجيد، هو كيف تستمر بأقل قدر من النزيف، وكيف نُمِدُّها بالدعم الفعلي والعون البشري والمادي والمعنوي؟! كيف نخلق لها حاضنة بشرية عربية تبقيها حيّة على الرغم ممن يريدون تصفيتها، وتبقيها نقية على الرغم ممن يريدون تلويثها، وتبقيها قوية على الرغم ممن يريدون لها الضعف والامحاء؟! وكيف نبقي قناديلها مضاءة، وطريقها مفتوحة للعابرين رغم الظلام وشدة النزف وأنواع العراقيل، التي توضع في طريقها؟!.‏

إن الأمر يتوقف على موقف ذي امتداد شعبي ثقافي واعٍ ينعكس رسمياً، أو يجد مرتسمات في المجالات الرسمية العربية، كما ينعكس وعياً إيجابياً في كيفية التعامل مع الصراع العربي الصهيوني. وكيفية إيجاد الحاضنة الشعبية العربية لهذا الصراع، حيث يستمر حتى يحقق غاياته من دون أن يفرط بحق ومنة دون أن تباد الانتفاضة، ومن دون أن تقلب المنضدة فوق العرب الذين يريد الصهاينة والغرب أن يحمِّلوهم مسؤولية التمسك بالحرب، في أوقات وظروف ومتغيرات وأوضاع عربية ودولية لا تمكِّنهم من خوض حرب ناجمة ضد عدوهم؟!.‏

وكيف السبيل إلى الاحتفاظ بوهج الانتفاضة ليمد وهج قضية التحرير في ليل العرب الكئيب البارد المديد هذا؟!. تلك أسئلة لا نلقيها لنبعث اليأس أو لنشيعه في النفوس، ولا لنثقل ساحة مثقلة بالأسئلة بمزيد من الأسئلة، ولكنها متطلبات جدية وعملية لا بد من مواجهتها إذا أردنا أن نواجه مسؤولياتنا حيال قضايا رئيسة طالما ضحينا من أجلها، ومشكلات لا بد من وضع حلول لها، حتى يستمر السير في طريق نريد لها أن تفضي إلى غاياتها. ولا بد من البحث عن أجوبة في إطار عقلاني عملي فعال، يضعنا على درب الفعل المنجز لا التمني الهزيل.‏

إنه لا يأس لدينا من أمتنا ومن مناضليها، ولا يأس من مثقفيها وثقافتها وتاريخها العريق، ولا يأس لدينا من أهلنا في فلسطين المحتلة، الذين مزقوا أشباح اليأس من حولنا يوم ترامت فوقنا. وكل ما نريده ونتطلع إليه ونأمل أن نسرع في إنجازه، هو فعل عربي ناجز يقوم به كل فرد لينعكس في كل قطر وفي مسيرة الأمة، فعل يضع حداً للتردد في كيفية حسم الصراع العربي- الصهيوني، وكيفية حل قضية فلسطين، التي كانت وستبقى قضية العرب الأولى حتى تعود فلسطين، كل فلسطين، عربية.‏

فليكبر حجر الانتفاضة حتى يصبح جبلاً يسحق العدو العنصري، وليتوهج قنديل الانتفاضة حتى يصبح شمساً تنير للعرب طريقها إلى الحرية والتحرير والكرامة؛ وليرتفع في أغانينا وقصائدنا وكلماتنا صوت المنتفضين على الاحتلال والاستسلام والذل، وصوت الشهداء، الذين ترتفع ترانيمهم في كل فجر، لتملأ الفضاء بنشوة العمل الجليل: المقاومة والشهادة، من أجل النصر والحرية والتحرير، عمل التضحية الجليل؛ ولنرفع مجد الشهداء وبطولة شباب الانتفاضة في كل ساحة وقلب راية ومشعلاً وهدفاً وشعاراً، ليوقَف الانهيار في النفوس وفي ساحات عربية كبيرة وكثيرة.‏

الأسبوع الأدبي/ع341//1992.‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244