|
المبعدون بين الإبادة والأمل :
ـ2ـ
المبعدون الفلسطينيون يعيشون حالة بؤس لا نظير لها في ظروفها وأسبابها وقسوتها وإيلامها إلا في البوسنة والهرسك، حيث المأساة هناك تفوق حدود الوصف والتصور، وحيث التطهير العرقي يتم بالأشكال الممكنة والوسائل المتاحة، وحيث الاغتصاب المنظم للنساء المسلمات - وهو إحدى الوسائل المتبعة لإبادة الروح المعنوية وقتل الكرامة والإحساس بمعنى الحياة - يتم علناً وجماعياً؛ يواريه تواطؤ قذر، امتد طويلاً حتى حقق أهدافه أو كاد، وبلغ مدى جعل العالم شبه مقطوع الصلة بما تتعرض له الإنسانية المضطهدة هناك وشبه ميت الإحساس بما هو خُلُقي وإنساني وحضاري.
والمبعدون الذين يعانون في منفاهم القسري من ممارسات عنصرية - صهيونية متوائمة مع العنصرية الصربية، التي تتلمذ على يدي الموساد، تصرخان بملء الصوت أن دعونا نقضي على أولئك المسلمين المتشددين؛ أوَليست هناك رغبة وشكوى عند بعض العرب منهم ويودون أن يتخلصوا من وجودهم؟!!
في البوسنة حصار وقتل وقهر وبرنامج للإبادة منظم وقصير الأمد يقابل "بتعقل" بليد ومريع، وفي فلسطين المحتلة برنامج إبادة واقتلاع للناس من أراضيهم ومساومة على روح المقاومة وحس الحياة لديهم؛ واستمرار للنهج العنصري الصهيوني، القديم المتجدد، يتم ببطء وقسوة وبرودة أعصاب، في ظل صمت مريب لجزء من عالمنا "المتحضر" وبتواطؤ قذر من أقويائه مع الجلادين العنصريين.
وفي هذه الأثناء التي يتعرض فيها العرب والمسلمون إلى أنواع من الاضطهاد والظلم والعدوان، تنادي بعض الأنظمة العربية "بتحالف" ضد "الأصولية"؛ وكأنما يأتي ذلك تلبية لدعوة انطلقت منذ أقل من سنتين، وبدأت من "إسرائيل" ثم انتشرت في الأوساط الاستعمارية الغربية، وهي دعوة تقول بأن "الأصولية" في خطورة الشيوعية وأنها ينبغي أن تسقط ويسقط مستندها كله -أي العقيدة- في القرن القادم كما سقطت الشيوعية في القرن الحالي.
وهاهم العرب، يتولون تنفيذ الخطط الكفيلة بجعل عجلة الموت تدور، وعجلة المواجهة بين العروبة والإسلام تسرع في دورانها لتحقيق التآكل والضعف والدخول في أوحال الحقد والدم التي تجعل سقوط كل ذلك البناء ممكناً، وتجعل أعداء العروبة والإسلام يطمئنون ويعملون لتحقيق انتصاراتهم، في ظل غياب كل مقاومة لمشاريعهم. ويتناغم قول "رابين" في الأصولية اليوم مع قول عرب آخرين فيها، حتى ليُسٍتَشهد بقول رابين ورأيه!؟ ويروج لذلك رسميون عرب في اجتماعات رسمية، من دون أدنى تمييز بين تعصب سياسي على أرضية الإسلام في بلد عربي أو إسلامي وبين تشدد نضالي على أرضية الحق والعدل والإسلام والتمايز الحضاري والحرص على الحرية والأرض، يعمل على مقاومة الاحتلال والإبادة والتطهير العرقي والانتزاع المبرمج من الأرض؛ ليُغرس فيها دخلاء مجلوبون إلى وطننا، تحقيقاً لبرنامج إمبريالي - استعماري- صهيوني قذر، ويمكَّنوا في هذه الأرض المباركة؛ تشدد نضالي يضحي بالنفس من أجل مقاومة ذلك المخطط وتحرير الذات والأرض من الاحتلال والانتهاك والاستلاب؛ والدفاع عن الوجود وخلق مناخ الحرية السليم الذي يمارس الإنسان في ظله وجوده بامتلاء، ويحقق على أرضيته حضوراً بشرياً مطمئناً في شتى مظاهر الحياة.
كانت وطأة الإحساس بالعجز والقهر والامتهان تضغط علي وتحاصرني، وتتكتل صباراً في حلقي، وأنا أتجه، مع بعض زملائي الكتاب إلى مفرق المصنع- حاصبيا حيث ينتظر زملاء آخرون يجمعنا هدف زيارة المبعدين. وعلى مفرق المصنع- حاصبيا اجتمع شملنا بعد انتظار، ومنه انطلقنا: كتاباً عرباً في بلاد الشام، تتساقط أمامنا الحدود، ونسخر من كل ما تركه "اللورد سايكس" ونظيره "بيكو" وأحفادهما من قيود وتقسيمات وندوب على جسد أمتنا وفوق تراب أرضنا.
انطلقنا كتلة حماسة، ملء قلوبنا ألم وملء كيان كل منا غضب وجراح وأمل. يتدحرج موكبنا المتواضع بين الهضاب والوهاد، نقصد مرج الزهور.. حيث لا مرج ولا زهور، بل أمة منفية في الوعر، ملقاة في العراء، غريبة عن ماضيها المجيد، مبعدة عن كل ما يتطلبه حاضرها ومستقبلها من فعل منقذ ومواجهة عصرية جريئة ومجدية. وحيث الإنسانية مقيدة في الفقر، عارية جائعة ترتجف في الثلج عند أقدام جبل الشيخ، وتتلقى أنواع الازدراء والتهديد والاضطهاد، وتعيش قسوة المأساة والمعاناة من عنصرية صهيونية كريهة، تجسِّد مكراً بأبناء هذا العصر، وخبث طوية أقويائه، وتبقى خارج حدود المنطق والمدنية والأخلاق والقوانين والأعراف؛ وتتمتع، على الرغم من ذلك كله، بحماية ورعاية ودعم من ينصِّبون أنفسهم سادة للعصر وسدنة للقيم وحراساً للمنطق والحقوق والأخلاق فيه؛ وهم إنما يقدمون، بحضورهم على ذاك النحو وبظهورهم في ميزان الأحداث بهذا الانحياز والجنوح، يقدمون صورة صادقة عن عالمنا المضطرب الذي غابت فيه سلامة المعايير وانتفت منه الحكمة والاحتكام للحق والعدل.
كانت كل هضبة طفلاً في موكب الجبل الجليل تقودنا بحنان لتسلمنا إلى أخرى، وفي نفوسنا ترتسم معالم المفاجأة المنتظرة، كما نتخيلها، وهي تتلون بألوان التلال والوهاد والأحلام والآلام التي تكون الفضاء فينا ومن حولنا.
قبل مرج الزهور، التي كنا نقصدها، بسبعة كيلو مترات تقريباً، جرِّدنا نظرياً من صفاتنا ككتاب وتضاءل موكبنا حتى غدا كرة واحدة تدحرجت من هناك إلى المرج حاملة قلوب الآخرين، وكل من نمثل من كتاب الوطن في نواتها الصلبة المؤمنة بأهمية ما تعمل وما تحمل .عند بوابة مرتفع من تلك المرتفعات المتتالية لمحنا أشخاصاً منتشرين على امتداد انحدار الطريق، فأيقنا أننا اقتربنا من مخيم العائدين.
مخيم العائدين؟! وقصفت في جمجمتي فكرة أو ذكرى مثل عاصفة رعد، وأمطرت مصطلحات مميتة، مصطلحات ما زالت تحبل وتلد ملء امتداد مساحات الأرض المأهولة بالمقتلعين من أرضهم في أرضهم، مصطلحات من مثل: اللاجئين- النازحين- المنكوبين- المشردين- العائدين- المبعدين، جرَّاء أفعال ذات مصطلحات هي الأخرى: النكبة- النكسة- الهزيمة- الكارثة- المحنة- المصيبة- الخ.
استجمعت نفسي من ذلك وانتزعتها من تأثيره، كانت قلوبنا تقفز فوق سرعة السيارة المنطلقة إلى لقاء الأخوة. على كتف الهضبة التي فتحت صدرها للقِبلة ركعت مجموعة من الخيام تصلي مرتدية ثوب الفدائي المخضر، ناشرة على رؤوسها نقاء البياض مغسولاً بالمعاناة المرة وثلج جبل الشيخ، الذي ما زال يزوبعها بزمهريره لتجف فتغدو أكثر قسوة ووخزاً من رؤوس الحراب وتشققات الصوان، الذي يلاقح السماء وغيومها.
توقفنا وترجَّلنا من ركوبتنا كنا ثلاثة أشخاص فأصبحنا أربعمئة وثمانية عشر شخصاً، وخلفنا في مدى ما تعيه الذاكرة وما يكتنزه الوجدان ملايين الأشخاص الذين تصهرهم لحظة اللقاء تحت وطأة المشاعر التي تعقد الألسنة وتلغي لغة الكلام وتذيب الخلايا معاً.
قرأنا الفرحة بنا على بعض الوجوه، وقرأنا عتباً معجوناً بالغضب، وقرأنا التصميم في العيون والبراءة على كل وجه. دخلنا مع أول الواصلين إلينا من المبعدين إلى خيمة هي عيادة المخيم، وعلى من يبحث عن توصيف جيد لها أن ينتزع من مخيلته كل الصور والتصورات الممكنة لعيادة طبية من أي نوع ولبناء مديني أو قروي من أي نوع أيضاً، وأن يأتي على كل حضور لخيمة بدوية عادية فيها احتياجات البدوي البدائي؛ ويستحضر الصورة الأكثر بؤساً للأرض الوعرة غطيت حجارتها، التي تشبه رؤوس الشياطين، بإسفنج صناعي رخو وبطانيات سوداء خففت نسبياً من حدة أسنانها ومناشيرها الموجهة إلى كل ما يمر في فضائها. ولا تكاد تتبيَّن مما يتصل بالعيادة إلا وجود بعض علب الدواء المبعثرة في زاوية من المكان.
وعلينا ألا ننسى أبداً تذكر العصر والقوة الغربية عموماً، وربما الأميركية خصوصاً في تلك الخيمة وأمثالها المنتشرات في المكان، فنحن نتبينه في لون القماش الخاكي المتين الحديث الذي يشبه في لونه لباس الجنود المعتدين، والدبابات التي تتربص بالأبرياء وتقصفهم وهم نيام، وطلاء الصواريخ والأسلحة الذرية الفتاكة التي تتباهى وهي تستعرض القيمة "الحضارية والخُلُقية والإنسانية" التي وصل إليها الغرب الاستعماري، من حفدة رعاة البقر وأضرابهم إلى الصهيونية العنصرية من هرتزل وشامير وشارون ورابين.
استقر جمعنا في المكان البائس الذي تنحى عن القبلة ليواجه جبل الشيخ، فلا بد للمرضى من ملاءات بيضاء ونظافة وتعقيم ونقاء، الأمر الذي لا يوجد إلا في قمة ذلك العملاق المقيّد المكلل بالثلج النقي.
بعد التحية وتبادل بضع كلمات عبرت عن هدفنا وتطلعنا في هذه الزيارة وبعض مشاعرنا، ثم دعينا إلى خيمة أخرى، يبدو أنها "قصر الضيافة في مخيم العودة "؛ وكانت تختلف عن الخيمة الأولى في شيئين فقط: اتساعها قليلاً وغياب الأدوية منها، ولكنها تتميز عن تلك بميزة قد لا تخلو منها خيمة أخرى وهي وجود هياكل بشرية ملفوفة بالبطانيات تكظم غيظها وتقطع أنفاسها، ربما ألماً وربما مرضاً ورهقاً وقلقاً، وهي مسجَّاة في أطراف المكان دون حراك.
جلسنا هناك وتعرَّفنا على بعض الشخصيات البارزة، وكل المبعدين شخصيات بارزة، سواء في المهنة أو في المكانة الاجتماعية أو في النضال.
كان بينهم أساتذة جامعات وأطباء ومهندسون ونقابيون من اختصاصات مختلفة، وقد تحولوا بقرار صهيوني -عنصري بغيض إلى حمالي حطب وطباخين، وكتل من المعاناة فوق الصخور التي لا ترحم. بعد كلمات قليلة معهم شعرنا كأننا بدأنا بها جدية اللقاء، دعينا مرة أخرى إلى تغيير المكان.
على الطريق العام على حافة واد سحيق لا يأمن المرء من الانزلاق إليه، أمامنا على امتداد النظر موقع "زُمْرَيَّا" وخلفنا الخيام التي تفترش صدر الهضبة، وعن يمين وشمال وقف المبعدون عن أهلهم ووطنهم وساحة نضالهم، وبدا كأننا مركز الحلقة مع د. عبد العزيز الرنتيسي الناطق الرسمي باسم المخيم ورئيس الجامعة الإسلامية، وبعض الأساتذة والمهندسين.
القينا بياننا الذي كنا نحمله بعد أن وقَّعناه في الخيمة أمامهم.
وتدفقت مشاعرنا كلمات بعده تحمل غضب الأرض والناس والكرامة وصدق معاناتنا، نحن الذين تفترسنا الأحداث فنفترس الكلمات أو نفترشها، ووعدناهم بأن نكون على العهد أمانة ووفاء وتعلقاً بالحق والأرض التي استشهد على طريقها عشرات آلاف الشهداء، وأن نحمل القضية في إبداعنا ونبقيها حية في الوجدان عبر الزمان.
كادت الهضبة تصبح عرساً وتعالى الهتاف "الله أكبر" وألقى الدكتور الرنتيسي كلمة مؤثرة وتشابكت أيدينا معاً، كنا كتلة متوهجة فيها معنى الموقف والكلمة، وخلت أن الهضبة تروج بنا، أنحن حقاً من أمة تعد كل هذه الملايين، ولها كل ذلك التاريخ، ولا تستطيع أن تغير الواقع المر والوضع المزري الذي يعيشه نفر من أبنائها لأنهم رفعوا الصوت باسمها، وأرادوا أن يعملوا بإخلاص من أجل تحقيق أهدافها، وأن يضحوا في سبيل أن يبقى لهم أولاد وأحفاد يعيشون على أرض الآباء والأجداد، التي يقتلع الصهاينة وجودهم منها بكل أشكال الاقتلاع؟!
هل هناك جدية فعلاً في موضوع القضية وفي معالجة قضايا: اللاجئين والنازحين- والمشردين -والمطرودين- والمبعدين.. الخ؟!
هل هناك صوت عربي ما، صوت عربي -إسلامي ما، صوت إنساني ما، يفرض وجوده في صورة قرار قابل للتنفيذ في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويلزم الكيان العنصري الصهيوني باحترام حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية والقانون الدولي؟! وهل هناك دول عربية تستطيع أن تقول لا أو أن ترفع الصوت بلا، وهي تنظر إلى مواطنيها أو إلى البشر في أطراف ممتلكاتها وممالكها وسياجاتها الجغرافية والسياسية، وهم يُذبحون أو يسحقون أو يعذبون أو يبعدون؟!
هل هناك أخلاق وقيم وحقوق ومبادئ مقدسة لأهل العصر عرباً كانوا أو غير عرب، آسيويين، وأفارقة، وأوروبيين، وأميركيين ومن كل الأجناس والبلدان والأديان، تستطيع أن تحركهم لينقذوا الإنسان من ظلم "الإنسان" وهمجيته؟!
في لحظة الوداع قال لي رئيس الجامعة الإسلامية أمام الدكتور الرنتيسي: نحن الأربعمئة وخمسة عشر، ومثلنا ومثلنا، نحن على استعداد لأن نضحي بأنفسنا ونموت هنا في المكان الذي نرفض أن نغادره إلا إلى وطننا؛ نحن على استعداد لأن نموت من أجل أن يتغير شيء في هذه الأمة وفي طبيعة مواقفها ومواجهتها للعدو، وأمَّن شيخ المسجد الأقصى، المبعد عن محرابه، أمَّن على ذلك ولحيته البيضاء تفيض هدوءاً؛ ثم تعانقنا على هذا الاتفاق.
فهل تراه يتغير شيء في الأمة إذا ما استشهد المبعدون وأضعاف أضعافهم، ممن هم على شاكلتهم أو على غير ذلك المبدأ الذي أعلنوه؟!
إنني أحمل الرسالة والوعد والأمل وأتمنى أن يحدث ذلك قبل أن يأكل الأب لحم ابنه والابن لحم أبيه، جرَّاء فتن وأوضاع وعداوات واعتداءات وتآمر يطرق أبواب أوطاننا، وترتعش على وقع اقترابه قلوبنا. ولنا كل الحق بالأمل، ولنا أيضاً كل الأمل في هذه الأمة التي عرفت كيف تعيش وتتغلب على الصعاب، وتقوم من رمادها عبر عصور وعصور فوق هذه الأرض، التي قدمت للبشرية العقائد والأبجدية والمعرفة والحضارة.
لنا كل الحق بالأمل، وإنني لعلى مستشرف اليقين من أن المبعدين سيعودون إلى فلسطين وسيستأنفون نضالهم العادل، وستكون لهذه العودة معانيها؛ لأنها ستؤكد، بضغط عربي ودولي، تراجع "" إسرائيل " العنصرية" عن قرارات همجية اتخذتها، وسيكون لذلك مدلوله وأثره في المستقبل.
الأسبوع الأدبي/ع345//7/ك2/1993.
nnn
|