صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

الإبعاد: هل نعي دروسه !؟:

ـ3ـ‏

يحذِّر الصهاينة في فلسطين المحتلة مجلس الأمن الدولي من اتخاذ قرارات تفرض عقوبات على "إسرائيل" جراء عدم تنفيذها للقرار (799) القاضي بإعادة المبعدين الفلسطينيين إلى ديارهم.‏

ويقول القادة العنصريون: إنهم لن ينفذوا القرار، ولن تنجح العقوبات إلا بإفساد كل شيء؟! وكل شيء فاسد مسبقاً في المقياس " الإسرائيلي " عندما يتعلق الأمر بحق للفلسطينيين أو بقرارٍ يتعلق بالعرب وبما يرتكب بحقهم من أفعال.‏

ذلك أن "إسرائيل" اعتادت على أن ترفض كل ما يصدره مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المرتبطة بها من قرارات، إذا كان ذلك لا يخدم مصالحها وحدها، وقد استمر ذلك الوضع منذ القرار (181)‏

عام 1947 وحتى اليوم، واعتاد العالم على رفض "إسرائيل" وعلى عدوانيتها التي تسميها دفاعاً عن النفس في وجه "الإرهاب"؟! والإرهابي عندها وحدها هو ذلك العربي الذي يفكر بالعودة إلى بيته، ويراوده الحلم بتحرير أرضه واستعادة حقوقه.‏

على مجلس الأمن الدولي، الذي طالما اضطربت معاييره وازدوجت مكاييله ومواقفه من قراراته، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالعرب، عليه أن ينتظر " العدل " الإسرائيلي " الأعرج "، وإلا فهو فاقدٌ لمصداقيته حيال عملية السلام، ومنحازٌ ضد " إسرائيل "، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل كتلة تحاول أميركا أن تتغلب عليها إبَّان الحرب الباردة، التي انتهت لمصلحة أميركا وحلفائها؟!؟ هذا ما يصرح به رابين وبيريس بوقاحة لا مثيل لها. ويذهب رابين، إلى حدود الإعلان عن أن مجلس الأمن الدولي إذا اتخذ قراراً يتضمن عقوبات لـ " إسرائيل " ليرغمها على تنفيذ القرار (799) الخاص بإعادة المبعدين فإنه يكيل بمكيالين، تعبيراً عن انحيازه ضد " إسرائيل" (!؟؟) وهذا القلب المتعمد للحقائق والتشويه الصارخ للوقائع والمنطق ولصورة العدل وعمل العقل ومعايير القيم، يشكل قاعدة الانطلاق الراسخة في العمل الصهيوني. والصهاينة يقومون دائما بالهجوم عندما يرتكبون جرائمهم، حتى لا يضعهم أحد في موضع المدافع عن نفسه وعمله وسلوكه!؟‏

وهذا النهج ليس نهجاً مختاراً ومجرباً منهم وحسب، وإنما هو نهج تباركه أميركا وتطلبه أيضاً، ويتيح لها أن تستخدم على أرضيته نفوذها لمنع مجلس الأمن من اتخاذ عقوبات بحق " إسرائيل "، سواء بالإقناع أم بالتهديد والضغط واستخدام حق النقض " الفيتو"، الذي تلوِّح باستخدامه الآن. لقد أصبح بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة اليوم متسرعاً لأنه قدَّم لمجلس الأمن الدولي تقريراً عن نتائج زيارات موفديه إلى " إسرائيل " بعد مضي أكثر من شهر على إبعادها أكثر من أربعمئة فلسطيني من ديارهم وإلقائهم في العراء من دون غذاًء أو دواء أو اكتراث بحقوقهم السياسية والمدنية بوصفهم بشراً واقعين تحت الاحتلال، تضمن لهم اتفاقية جنيف الرابعة حقوقاً ثابتة. وعاد مجلس الأمن من جديد متهَماً من قِبَل " إسرائيل " بالانحياز، كما عاد معوِّقاً لمفاوضات السلام، بل عقبة في طريقها؛ وربما قرر رابين طرده أو استبعاده مرة أخرى من الحضور حتى بصفة مراقب صامت في تلك العملية !!؟‏

لم يعد خافياً على أحد تلاعب " إسرائيل " بتشجيع من أميركا، بالمنظمة الدولية وقراراتها ومواثيقها، وكذلك استهتارها بشرعة حقوق الإنسان وما يتصل بتطبيقها واحترامها. ولم يعد خافياً أيضاً تحيُّز الأقوياء لـ " إسرائيل " ومحاولتهم استرضاءها، ولا هو خاف ضعف الدول العربية، وربما عجزها، عن مواجهة هذا الوضع في إطار المنظمة الدولية والهيئات التابعة لها، ووضع حد لهذا العبث المستمر.‏

فما هو التصرف الممكن، ولا أقول التصرف الملائم، الذي يساهم في تغيير الأوضاع فعلياً في عالم ما بعد الحرب الباردة، حيث تكون هناك علاقات دولية متوازنة فعلاً، وهيئات ومواثيق دولية موحَّدة المعيار مرعيَّة التطبيق؟! لا يلوح في الأفق تحرُّك جدِّي نحو تحقيق شيء خارج السائد الآن؛ فحتى التفكير بتوسيع قاعدة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ينصرف إلى ضم أقوياء غُلِبوا في الحرب العالمية الثانية إلى أقوياء انتصروا، بعد أن استعاد أولئك بعض قوتهم وأبدوا استعدادهم للتعاون ضد ضعفاء العالم ومستضعفيه.‏

و"إسرائيل" تعتمد اعتماداً تاماً على دعم الولايات المتحدة لها في رفضها لقرارات مجلس الأمن، وفي تحذيرها له من اتخاذ أية قرارات على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.‏

وإذا كان من المتعذر في الظروف الدولية الراهنة أن يتخذ مجلس الأمن قراراً وتنفذه "إسرائيل"، بسبب التواطؤ الأميركي -" الإسرائيلي "، فإن عودة المبعدين تصبح وهماً عربياً وأملاً دولياً لا أكثر ولا أقل، وربما انطلاقاً من ذلك يعرض وزير خارجية فرنسا حلاً وسطاً بأن تستوعب فرنسا والجزائر ثلثي المبعدين ويعود ثلثهم إلى فلسطين المحتلة.‏

وبصرف النظر عما ينطوي عليه هذا الطرح الغربي من إفراغ للقضية من مضمونها السياسي وتحويلها إلى قضية ذات طابع إنساني مرضاة لـ "إسرائيل" وانصياعاً لمطالبها وقراراتها، أقول بصرف النظر عن ذلك كله فإن السؤال الذي يطرح نفسه علينا نحن العرب المعنيين بالأمر هو: ما هي قدرتنا على التأثير جدياً وفعلياً في الوضع؟ وما الذي نستطيع أن نغيِّره على أرض الواقع انطلاقاً من مرج الزهور، أو من الأراضي المحتلة كلها، أو من خارج الحدود، أو من مجلس الأمن، والتنظيمات والتجمعات الدولية؟!؟‏

هل نحن قادرون على فعل شيء يحسب حسابه العدو، ومن يناصر العدو علناً؟! أم أننا ما زلنا جملة اعتراضية في القرارات الدولية، وبين الإرادات الفاعلة في عالمنا؟! الواقع يشير إلى عجزنا عن اتخاذ أي قرار مؤثر، حتى قرار تجميد مفاوضات السلام المتعدِّدة والثنائية؛ لأن "إسرائيل" ذاتها ترغب في التخلص من كل شيء يذكِّرها بعرب يريدون أرضاً أو حقوقاً، ما دامت قادرة على رفضهم، ومؤَّيدة من أميركا في إبعادهم عن مساحة الرؤية وساحة التأثير.‏

وإذن.. هل نضم جناحينا على جسمنا لنستر عرياً، ونحفظ دفئاً متواضعاً، وننتظر مصيرنا الذي يقرَّر لنا؟! وإذا جاز لنا أن نتساءل عن إجراء عربي منتظَر يضع المجتمع الدولي- وهو بالمناسبة حسب عرف الغرب لهذه الكلمة واستخدامه الفعلي لها ينحصر بالغرب نفسه فقط -أمام حقيقة شعور العرب ودول أخرى في العالم على شاكلتهم بالإحباط وحتى باليأس من إمكانية تخلُّص المنظمة الدولية من تحكُّم القوى الكبرى بها، ومن سيطرة الولايات المتحدة -الحليف الأقوى لإسرائيل- عليها.‏

إن كل ما يلوح في الأفق هو سعي عربي للتعبير عن التململ يرافقه إعلان عربي عن الخضوع لما هو سائد. ولا يبدو على الإطلاق أن العرب راغبون في اتخاذ قرار يؤهلهم للحضور كقوة مؤثرة في صنع القرار الدولي، وربما كانوا غير قادرين أصلاً على اتخاذ مثل هذا القرار لعجز ذاتي يدارونه ويدورون حوله.‏

إن ما ينتظَر في قضية المبعدين، التي أصبحت، على ما يبدو، قضية طرف أو أكثر في مجلس الأمن، لا يصل إلى حدود قيام مواجهة سياسية ما بين الأقوياء، ولن يصل إلى مواجهة بين الأمين العام للمجلس وبين عضو في المنظمة الدولية يستهتر بقرارات المجلس ولا يطبقها؛ ذلك لأن الأقوى في هذه المؤسسة الدولية هو صاحب القرار والأمر وهو أميركا تحديداً، وأميركا تعلن أنها ستجنب " إسرائيل " أي مأزق ولو اضطرت لاستخدام حق الفيتو لكي "تشجعها" على الاستمرار في عملية مفاوضات السلام(؟!؟).‏

وهذا يعني عملياً، قيام أميركا و" إسرائيل " باتفاق عملي، على إيجاد مخرج يغسل وجه " إسرائيل " أمام العالم ويعيد إليه بهاءه كوجه دولة ديمقراطية عادلة، وذلك من خلال قيام العدل " الإسرائيلي " المتمثل في محكمة العدل العليا باتخاذ قرار وسط يطعن بشرعية الإبعاد ويعيد المبعدين إلى حالة من المعاناة والضغط والملاحقة داخل " إسرائيل " ذاتها. وهذا يعني أن العدل " الإسرائيلي " فوق الشك، وهو أقوى من السلطة التنفيذية المتمثلة برابين وبيريس وسواهما. وحينما يتخذ مثل ذلك القرار ستهلل أجهزة الإعلام لـ " إسرائيل " الحضارية وللعدل والديمقراطية وينصاع رئيس الوزراء " الإسرائيلي " لقانون بلده وليس للقانون الدولي الغاشم، وستعلن أميركا كلنتون أنها نجحت في الرهان على تغلُّب " إسرائيل " الديمقراطية على نفسها وأن المجتمع المدني فيها وضع حداً للعسف القائم وسيضع حداً للعسف المحتمل.‏

وفي ظل هذا الممكن تسقط محاولات العرب وترتد مقولاتهم إلى ذواتهم، وتسقط مقولة: الكيل بمكيالين التي يدّعونها؛ ويرين الماء على القتلى والجرحى الذين تفتك بهم "إسرائيل" يومياً في الأرض المحتلة، وذلك لمدى قادم بعيد، ويستعيد مجلس الأمن "كلامه" عن السلام والعدل وحقوق الإنسان، على الرغم من عجزه عن طرح مسائل جادة وحادة في هذا المجال على بساط البحث مثل قضية البوسنة والهرسك؛ وتكون أميركا -في ظل هذا الإجراء وخلال الزمن السابق له منذ بدأت قضية المبعدين، قد نفذت عمليات راح ضحيتها عرب أبرياء في العراق، وأعلنت من جديد جديتها في تنفيذ قرارات مجلس الأمن" التي لا يجوز لأحد" أن يتخطاها!؟! و"أحد" هنا لا تنصرف إلى "أحد" من المجتمع الدولي "أو حلفائه، فهؤلاء فوق الشبهة وفوق القانون أيضاً!!.‏

إن العرب خاصة والمسلمين عامة، هم وحدهم الذين يتعرضون لهذه العمليات ويذهبون ضحية لها، والذين أُدرجوا على قائمة المحبطين الدائمين والمذنبين الدائمين، وهم في هذه الحالة مطالبون بوسيلة مغايرة لكل ما اتبعوه سابقاً، تمكنهم من استثمار مشكلات الغرب وحلفائه، واستثمار مواطن الضعف فيه، ليصبح ذلك محور عمل لهم، إضافة إلى تلافي الأخطاء والصراعات الداخلية، واكتشاف القدرات الذاتية المؤثرة عملياً في القرار السياسي للأقوياء، وملامسة مصالحهم؛ حيث بذلك وحده يعيدون النظر بحساباتهم ويراجعون بعض المواقف والسياسات. فهل ذلك ممكن يا ترى؟!‏

إن الملامح الحالية تشير إلى انشغال بعض أقطار الوطن العربي بمحاربة ظواهر فيه، ولجوء العالم الإسلامي، من خلال هيئة المؤتمر إلى إرجاء القرارات المتعلقة بالبوسنة والهرسك، ولا سيما القرار الذي أشار إلى ضرورة تقديم المساعدة العسكرية والتدخل بالموضوع مباشرة بعد 15 كانون الثاني‏

عام 1993 إذا لم تُحل مشكلة البوسنة والهرسك ويضع الغرب حداً لها؛ لأن الدول الإسلامية أرادت أن تتجه نحو "السلام" وأن تعطي فرصة أوسع للغرب(؟!؟) لأنه على ما يبدو لم تكن المدة الزمنية الممنوحة له كافية ليقوم الصربيون خلالها بإبادة المسلمين في البوسنة، فلا بأس من تمديد فترة الذبح الحلال، والاغتصاب "المشروع"؟!!.‏

إنه العجز أو الخوف أو التواطؤ، وكل ذلك يفرض علينا أن نفكر جدياً بتغيير أساليب عملنا وتحليلنا وتواصلنا، لنكون أكثر واقعية وأكثر مصداقية وأكثر فاعلية في مواجهة جماهيرنا وقضايانا وعالمنا والذين نتعامل معهم فيه.‏

هل نبدأ بالتربية، أم بالثقافة، أم بالاقتصاد، أم بالسياسة أم بالحرب؛ أم يبدأ كل منا بنفسه وبيته وبنيه وأقرب الناس إليه وبعلاقته المباشرة بالعلم والعمل والعبادة والسلوك؟!‏

إن كل ذلك بتقديري مطلوب ومُلِح، والأكثر إلحاحاً هو أن نرفض نفاق الغرب وصيغ تعاملنا الراهنة مع ذلك النفاق، الذي يقوي "إسرائيل" ويجعلها أكثر غطرسة وعدوانية.‏

الأسبوع الأدبي/ع347//21/ك2/1993.‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244