صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

الحليف الشريك

الأميركي وسيط نشط إذا ما استجبت لشروطه ولسوف يعطيك ظهره ويهتم بيوغسلافيا وبقضايا أخرى إذا لم تستجب لها.‏

ويبدي استعداده لأن يكون شريكا كامل الشراكة في مفاوضات السلام، التي يؤكد أنه "أحد" راعييها وأنه سوف يحافظ على نظافة يده ونزاهته فلا يمارس ضغطاً على أحد الأطراف حتى يستحق دور الراعي المنصف.‏

وحين تمزج هذه الخلطة من الإعلانات والمواقف والآراء أو تسعى إلى رؤيتها في كل متكامل، تقف عل خلط متعمد للأوراق والأقوال والمواقف يهدف إلى أن يبدو جديداً ويخفي وعيداً، ولكنه عند التدقيق لا يخرج عن استمرار الموقف والدور الأميركي السابق، وربما كان أكثر تعثراً في إخفاء وجهة ونيَّاته واكثر إخفاقاً في القدرة على الظهور بمظهر التجديد والمغايرة. فإدارة كلينتون التي أوقفت مجلس الأمن عند حده عندما فكر بتنفيذ القرار (799) بإصدار عقوبات على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لا تريد أن يشك أحد بتمسكها بوعودها لـ " إسرائيل " سواء قبل الانتخابات أو بعدها، تريد أن تلعب بأوراق جديدة، في قضية لعبت فيها الإدارة السابقة بشيء من المهارة؛ حتى لا يقال إنها تخلت عنها أو أهملتها أو أحبطتها. ويبدو أن محاولة الإدارة الأميركية تكريس مفاهيم ومواقف مزدوجة في أذهان من تحاورهم وتدعوهم إلى طاولة المفاوضات وتسويغها لمنطقها في هذا المجال، يبدو أن تلك المحاولة سوف تكلل بالنجاح. فهي تريد أن تضع قضية المبعدين، التي تسببت في تجميد المفاوضات عملياً، في إطار ضيق ضمن الإطار العام للقضية الفلسطينية وموضوع الصراع العربي - الصهيوني، الذي يستحق اهتماما أعلى لأنه القضية الأهم. وهذه كلمة حق يراد بها باطل، لأنها ترمي إلى تمرير الصفقة الأميركية - الإسرائيلية حول المبعدين، تلك التي ألغت عمليا دور مجلس الأمن وحمت " إسرائيل " من عقوبات، كما جنبت أميركا موقفاً حرجاً كان سيضطرها لاستخدام حق النقض " الفيتو " ضد قضية عادلة في توقيت غير ملائم لها. كما ترمي إلى صرف النظر عن عرض القضية من زاوية أخرى أكثر أهمية وهي: الموقف من قرارات مجلس الأمن، فهناك قرارات للتنفيذ والإمعان في استغلالها إلى حدود مجاوزة القانون الدولي والشرعية الدولية وسحق بلدان وشعوب؛ وهناك قرارات يتم إجهاضها بكل الوسائل، مثل القرار "799 ". وإذا ما تم النظر إلى قرارات مجلس الأمن على إنها قرارات متساوية في القيمة والاحترام وواجبة التنفيذ فإن ذلك سيجعل " إسرائيل " مجبرة على التراجع أمام حماس والجهاد الإسلامي خاصة وأم العرب عامة. وهذا ما لا يجوز بعرف الغرب، ولذلك تتم عملية تفصيل الفصل بين قرارات وقرارات من خلال الفصل ين قضايا وقضايا. وبعد قليل سوف نصل مع الإدارة الأميركية، التي تعلن إنها ستأخذ دور الشريك الكامل في المفاوضات، إلى موقف القرارين‏

(242) و (338) لأن إعلانها الاستناد إليهما في حل الصراع لن يجعلها ملزمة أو ملتزمة باحترام نصوصهما وروحهما وبتفسير عادل لهما، وسوف تمرر صفقة ثنائية مع " إسرائيل " ينتج عنها تبني التفسير " الإسرائيلي " للقرارين كما حدث في القرار (799) حيث أبعدت الهيئة الدولية وأقر الاتفاق الثاني الأميركي - " الإسرائيلي " وباركه مجلس الأمن بعد ذلك طوعاً أو كرهاً!؟. وإذن فإنه من المبرر تماماً ومن المشروع أن نقرأ الإعلان الأميركي القائل بدخول الإدارة الأميركي شريكاً كامل الشراكة في المفاوضات على أنه دخول الشريك كطرف إلى جانب حليفه الاستراتيجي وليس كراع نزيه فعال وكقوة عادلة تضع النقاط على الحروف وتعمل على إحقاق الحق. وهذا هو السبب في عدم الرغبة في ممارسة أي ضغط تحت ستار الوسيط النزيه لأن الذي يحتاج إلى أن يضغط عليه هو حليف أميركا ومن تضمن مصالحه وتفوقه ورفاهية سكانه وسيطرته الكاملة في المنطقة.‏

والشريك الأميركي مارس قبل أسابيع ضغطاً هائلاً على مجلس الأمن وعلى العرب ليحبط جهداً عربياً ودولياً يرمى إلى فرض عقوبات على " إسرائيل "، فلماذا لم يتذكر حينذاك أنه وسيط نزيه يجب ألا يمارس ضغوطاً على أحد في قضية يرعاها مؤتمرٌ للسلام يسوسُه. وإذا كان التوجه الأميركي لا يحتاج حتى إلى أن يغطى نفسه بورقة توت، لأنه يقوم على اختيارات استراتيجية خاصة به ويعمل ما يخدم مصالحه ومصالح حلفائه، فهل ترانا نملك معطيات تغيِّر من مواقفه وتوجهاته ؟!.‏

إن العرب يملكون معطيات كثيرة ولكنهم لا يختارون استخدامها في اتجاه متفق عليه، ولا سيما إذا كان هذا الاتجاه مضاداً للمصلحة الأميركية. لأن الكثيرين منهم يراعون الدولة الأعظم ويخشونها ويتقربون منها، وهي تعرف جيداً ماذا يريدون في السر وماذا يقولون في العلن، وتعرف أنهم يطرحون فكراً ومواقف ومشاريع أخرى للتنفيذ الفعلي، ويرغب بعضهم في أن يُمارس ضغط عليه أو يُعْلَن عن ذلك، لأنه يبرر سياسة وتوجهاً وموقفاً؛ ولكن أن يلجأ العرب إلى تنسيق فعلي لموقف موحد يفرض هيبة وتوجهاً وقراراً مهما كان ثمن ذلك؛ فأمر يبدو بعيد المنال.‏

ويظهر من بشائر جولة كريستوفر أن الآتي سوف يكون أشد مرارة من الماضي، وأن رابين وسائر المتعصبين والعنصريين الصهاينة سوف يستمرون في القتل والطرد والتصفية، وسوف يلقون عظْمَة ليأخذوا بها ثمناً باهظاً في مقدمته السكوت عن المشروع التوسعي وعن سائر الممارسات المهينة للإنسان وللعرب وللمنظمة الدولية ولشرعة حقوق الإنسان.‏

فهل نرى لهذا الليل من آخر؟! وهل هناك سوى إعداد النفس والقوة لوضع حد للظلم ولطغيان القوة ؟!؟ لا أظن إن هناك خلافاً على رؤية الشمس.‏

الأسبوع الأدبي/ع352//25/2/1993.‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244