صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

لا يأس... لا يأس

المدهش إلى حد الإثارة والمقت، هو المنطق الصهيوني الوقح في تعبيره عن العنصرية البغيضة وكأنها مسلمة خُلُقيَّة وإنسانية يضحي اليهود من أجلها ويضطهدون على مذابحها المقدسة. والمدهش أكثر، والباعث على الغضب والأسى، هو المنطق العربي المقابل الذي يمشي مع المنطق الصهيوني ويحاربه بحذر ولكنه يصل في النهاية إلى قريب جداً مما يريده ذلك المنطق البغيض. وآخر تجمعات خيوط هذين المنطقين بدت أمس عندما قامت يد غزَّاوية مباركة بقتل غازيين معتديين يقيمان في تل أبيب من فلسطين المحتلة وجرح عدد من الوافدين في الحملة العنصرية الصهيونية- الصليبية الجديدة على وطننا وأمتنا العربية. فقد(ضج) المجتمع " الإسرائيلي " بالاحتجاج والغضب والإضراب ضد (الإرهاب) والقتل الذي يطال(الأبرياء) وهم يذهبون إلى أعمالهم، وتقرر حصار قطاع غزة وعزله عن العالم والتضييق الاقتصادي والأمني على الناس هناك.‏

-ورأى بعض العرب أن من واجبهم أن يعبروا عن(إدانتهم) لليد الغزَّاوية (الآثمة) وأن يظهروا حضاريين ترضى عنهم(" إسرائيل " الديمقراطية) والغرب الأكثر(ديمقراطية) فيدين هذه الأعمال التي لا تخدم القضية، ويعلن عن رغبته في أن يرى الشعبين(الإسرائيلي) والعربي يعيشان بأمان واطمئنان. وأين(في فلسطين) التي أصبح أكثر أماني بعض الفلسطينيين أن يبقى لهم مكان من الدرجة الثالثة- أمنياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً- فيها، بعد أن كانت وطن الآباء والأجداد ومرتكز التاريخ القومي ومدى انطلاقة المد القومي والتحريري المعاصرين. والمثير في الأمر أن اليهودي العنصري يرى أنه من الطبيعي أن يقتل الجيش " الإسرائيلي " المدنيين الأبرياء في غزة والضفة الغربية، ويقوم بكل أنواع الممارسات اللاإنسانية ضدهم، وهو يدرج هذا في إطار العمليات اليومية المبررة التي لا تعكر ضميراً ولا تزعج إنساناً فهي تتم بحق(إرهابيين) يريدون تدمير (إسرائيل) ووقف انتشارها فوق أرضها التاريخية. وأنه من الأمور المبررة أن تقام لأولئك الرافضين للمنطق والنهج والمشروع " الإسرائيلي " المذابح ومعسكرات الاعتقال، وأن يرموا في العراء كما ترمى النفايات. ولا يحق لأحد أن يتعاطف معهم، وأن يستشعر الألم من أجلهم.. فهم خارج لائحة حقوق الإنسان، وخارج المواصفات البشرية من وجهة نظر الغرب الصهيوني، والصهيونية العنصرية معاً. وأن العربي يرى إلى مقتل(يهودي) على يد عربي كارثة بحق البشرية، فتراه يسارع إلى اللطم والشجب والتبرؤ من(الجريمة) بدلاً من أن يقول للصهيوني القاتل: إنك قلبت حياتنا جحيماً، وأنت تحول الإنسان داخلنا إلى مطارد حتى في نومه، ومطلوب رأسه بسبب براءته وإنسانيته وتمسكه بحقه في الحياة، وحولت دمنا إلى ماء يغسل به جنود جيشك النازي أقدامهم صباح مساء، وأنت تقتل منا عشرين وتجرح عشرات وتطرد مئات من بيوتهم، وتدمر بيوتاً على ساكنيها بمقابل شخص يُقتل تحت وطأة القهر والإذلال والدفاع عن النفس والحق والوطن والحرية، والوطن والأرض....؟! لقد مات في بعض العرب شيء كبير وأساسي وهام هو الكرامة والشعور بالحق في الحياة على قدم المساواة مع البشر الآخرين. ولقد أماتت فيهم الأنظمة العربية السلبية التي تتفرج على أشكال الانتهاك التي تلحق بهم، أفراداً وجماعات، والتي تلحقها هي بهم أماتت فيهم النخوة والقدرة على المواجهة، والإبداع في المواجهة والدفاع عن النفس، لأنها ارتضت لها ولهم الاستسلام للفتك والانتهاك، والتسليم بقدرة الغازي، وبقدرية حضوره وانتصاره وحواره، على أرضية التسليم(بحقه) الذي فرضه بقوة القهر وقوة السلاح. اللهم أشهد أنني عربي- مسلم أرفض هذا المنطق وأرفض أن أكون أنا أو أحد من أبناء أمتي، أو أحد من أفراد الإنسانية التي أنتمي إليها، مهدر الكرامة والحقوق والحريات، محرم عليه أن يدافع عن نفسه وأرضه وعقيدته ومقومات حياته على أرض البشر..‏

اللهم أشهد أنني عربي- مسلم أجد الظلم ينحرني، وأستشعر العار مما يلحق بي، وأراني مكرهاً على الفرجة من بعيد على مسلسل الإبادة البطيء المستمر لبعض أبناء شعبي- وأخوتي في الإنسانية والعقيدة والانتماء القومي، وأنا عاجز أو معجز عن القيام بأي شيء يخفف عنهم المصاب أو يوقف المذبحة البشعة.‏

اللهم أشهد أنني أقول بقولك الحق: (العين بالعين والسن بالسن) ولكنني مغيَّب عن الحضور الفعال الذي مكنني من ممارسة ذلك وتمكين المظلومين من ممارسته، لدفع البلاء لا لإلحاق البلاء والأذى والضرر بالآخرين، أياً كان انتماؤهم واعتقادهم، لقد ذهب غلاة الصهاينة في الغطرسة مذاهب شتى، وذهبنا في الاستسلام لتلك الغطرسة مذاهب شتى. وفي حين استطاع أولئك أن يجروا وراءهم الغرب ويجعلوا قسماً كبيراً منه متصهيناً على نحو ما، عجزنا نحن عن أن ننهض بأود أنفسنا فيقنع بعضنا بعضاً بخطة وموقف ورؤية وتضحية تجعل وجوداً محمياً ومتماسكاً، وحقنا في الحياة والوطن مصوناً.‏

ولكن يداً غزَّاوية أو خليليَّة أو جنوبيَّة أو سوريَّة أو مصريَّة تفجر من آن لآن دماً في مقابل الدم، وتفتح وريدها للموت في مقابل محاولة لإلحاق الأذى بمن يميتها، وفي محاولة لإشعال شمعة على طريق الذين ضلوا عن طريقهم إلى الحرية والحياة، يداً مباركة تعيد إليَّ ثقة بالأمة، وإيماناً بالمستقبل، وقدرة على التشبث بالثوابت المبدئية والانتهاء العريق لأمة بكل ما لها وما عليها فأنظر على الغد بارتياح وأسأل نفسي، وآمل أن يشاركني غيري سؤال نفسه ما أسأل به نفسي: ترى هل اليهود حقاً بملايينهم المعدودة، أقوى من كل هذه الملايين العربية إذا صدقت؛ أم أن صدقهم أقوى من صدقنا وظهرهم أقوى من ظهرنا؟! هل(إسرائيل) مجتمع بلا مشاكل وبلا مؤرقات حتى تنصرف إلى التوسع باستمرار، وتوسيع قدراتها باستمرار، واضطهادنا باستمرار؟! ونحن مجتمع تأكله المشكلات ويرهقه فقدان الإمكانات إلى الدرجة التي لا يطور فيها نفسه، ولا يحمي فيها أرضه وأبناءه ومستقبله؟! هل(إسرائيل) تملك من القدرات في التأثير على الغير ما يمكنها من استقطاب الآخرين وصهينتهم، وكسب عرب ومسلمين أولي حق وذوي جراح في فلسطين؛ وتسيطر على الغرب وتستقطبه؟! ونحن لا نملك أن نفعل حيال ذلك شيئاً؟! ومن الذي يقنعنا بأننا هَمَل إلى هذه الدرجة، ومجردون من القدرة على التحرك والإقناع إلى هذه الحدود؟! وما الذي يجعلنا نسلم بأنه ليس أمامنا إلا أن نقر بمبدأ العطالة الذاتية بالنسبة إلينا، أفراداً ومجتمعات، حاضراً ومستقبلاً، ونرضى بما يقسمه عدونا لنا. والوسيط أو الشريك أو الراعي الأميركي بنصرته للعدو وتحالفه معه، هو طرف نقيض لنا مهما ادعى وتلون وتستر.‏

إن المجتمع(الإسرائيلي) مجتمع يعاني بشدة من خلافات ومشكلات ومفسدات، وهو مؤهل للتقويض، ولكن قوته الظاهرة وتماسكه البادي للعيان يأتيان من مصادر أهمها: ضعفنا نحن وانهيار قوانا من الداخل، واستسلامنا لليأس من أنفسنا أولاً ومما نحصله من الغير ثانياً. وإلا فما الذي يمنعنا، ونحن أمة لديها الإمكانات التي يسرقها أعداؤها ويتقوون بها عليها، ما الذي يمنعنا من أن نستقطب يهوداً يعانون في فلسطين المحتلة ليكونوا مع عرب فلسطين حلفاً واحداً ضد(الأشكينازيم) الذين يستعمرون الطرفين عملياً ويوالون الغرب الذي يواليهم ويعتمدهم وكلاءه الاستعماريين والاستثماريين في المنطقة؟! ما الذي يجعلنا أقل تأثيراً فيمن عاشوا معنا وبيننا قروناً من الزمن، وحفظناهم من الموت والجوع والقهر، فعاشوا في ظل دوحة العروبة وتسامح الإسلام حياة آمنة لم يعرفها إخوانهم في العقيدة، ما الذي يجعلنا أقل تأثيراً فيهم من تأثير (الأشكينازيم) في الغرب كله؟!.‏

هل هي حالة التبعية المزدوجة: تبعيتنا نحن للغرب وتبعيتهم هم له، وفقدان الثقة بالنفس وبالموروث وبالحق في الاستقلال وبالقدرة على التقدم؟! هل هي دونية غرسها الغرب فينا وقبلناها وأقبلنا عليها؟! أم هي قدرة الفتك المنظم في قدرات الذات التي تتعاون عليها العمالات للغرب والولاءات له، والممارسات التي تلغي إنسانية الإنسان في مجتمعاتنا وتجعله كارهاً لنفسه، محبطاً وحتى يائساً من إمكانية رفع الصوت وممارسة الحق، والموت النظيف على مذبح طاهر من أجل قضية مقدسة يحافظ كل فرد على قداستها واستمرارها حية ونظيفة؟!.‏

ما الذي يجعلنا عاجزين طوال خمسة عقود عن امتلاك العلم والتَّقَانَة والقدرة على الإبداع في مجاليهما، ونحن نمتلك كل المقومات والإمكانات التي تجعلنا قادرين على تحقيق ذلك؟! هل تواطؤ الغرب والصهاينة؟! نعم... ولكن الغرب أيضاً يبيع ويتعامل ويحتاج إلينا، فلم لم نكسب لاعبين معنا؟!.‏

هل لأننا ضد أنفسنا، ومنخورين من الداخل، ويخاف كل منا الآخر، ولا نريد، حقاً وصدقاً، أن نحل قضية فلسطين حلاً شافياً خالصاً عادلاً ونهائياً، بالوسائل التي لا تحل إلا بها؟! اللهم نعم... إن لدى البعض منا شيئاً من ذلك كثير، وإلا لم افتعال المعارك على غير جبهاتها وفي غير أزمانها، والاقتتال بين الأخوة، والتوزع على المعسكرات، وانتشار العمالات والولاءات المشبوهة، وخوض الحروب بالوكالة ضد الأخ والجار والجار بالجنب من غير رحمة؟! ولم تفرق الصف حتى في إيجاد رؤية موحدة، وخطة موحدة تتواكبان بانتظام واحترام وتحققان نجاحاً؟!‏

لقد امتلك العرب في يوم من الأيام، من الأسلحة الفاعلة في الصراع العربي- الصهيوني /وليس السلاح العسكري إلا واحداً/ منها ما يمكنهم من فرض حل مشرف؛ ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لأنهم لم يتفقوا عليه بإجماع وصدق وتنسيق فاعل. وقد صدئت دبابات وطائرات في رمال الصحراء، وكانوا يشترون السلاح ولا يحاربون به. وها هم اليوم يشترون سلاحاً لن يحاربوا به، اللهم إلا بعضهم بعضاً، فكيف يمكن أن ننسى ذلك؟! وكيف يمكن أن نصل إلى مناخ يجعلنا قادرين على أن نضع قوتنا خلف رؤية وموقف سليمين خالصين لوجه الله والعدل والحق والوطن؟! إننا الآن لا نطلب الكثير، ولا نطالب بالمستحيل، نطلب فقط ألا يرتفع الصوت مشجعاً " إسرائيل " على قتل غزة بِشِسْعِ نعل يهودي محتل قتله غزَّاوي تُحتل أرضه ويُقتل شعبه ويُضطهد هو وذووه، ويُقتلع أخوه أو أبوه أو ابنه من أرضهم كما تُقتلع عيون الأطفال من أبناء بلده برصاص جيش رابين العنصري.‏

ونريد أن يرتفع صوت يعلن الحق ولا يراوغ، وينصف الدم العربي المهَراق ظلماً ولا يخاف، ويطالب بحق المبعدين بالعودة بعد هذا النفي البغيض الوحشي الذي لا تكترث به السياسة إلا حياء أو استحياء، والذي لا تُحترم فيه المنظمة الدولية وقراراتها، والذي تساوم عليه أميركا وتعقد تحت مظلته الصفقات وكأنها طرف ذو حق بذلك، في حين أنها لا تحمي إلا حليفتها وشريكتها(إسرائيل) من(سطوة) المجتمع الدولي ومؤسساته؟! نريد أن نعلن أن الدم بالدم، والقتل بالقتل، والشخص العربي يساوي أي شخص من أية أمة؟! فهل هذا كثير!؟ وهل إلى هذه المطلبيات(العنصرية) من سبيل في ظل الترامي العربي على أعتاب البيت الأبيض، ومراتع الصهاينة في القدس الشريف؟! وهل من سبيل إلى ذلك، وكل فصيل منا يبيع الفصيل الآخر ويشتري به؟! وهل إلى ذلك من سبيل واستعدادنا للمستقبل ومعاركه معطل، وإعدادنا لذواتنا مشوب بالفساد وإهمال القيم، وبعض مجتمعاتنا تسير إلى مهاوي الانحلال، وإنتاجنا الاقتصادي العربي، إذا ما جرد من الثروات الطبيعية التي يستثمرها الغير ويعطينا بعض قيمتها، لا يساوي إنتاج أقل المجتمعات الغربية كماً ونوعاً؟!.‏

إن ذلك كله لداء وشر داء، ولكن فينا ومنا الدواء، وبأيدينا وعقولنا وقلوبنا وإرادتنا يكون الشفاء، ولا يأس.. لا يأس.. لا يأس.. مادامت تتفجر من آن لآن رؤية ومشاعل ودماء مضيئة، على درب التحرير والحرية والحق، درب الأمة العربية العظيمة، إلى النصر والكرامة والحضارة والبقاء.‏

الأسبوع الأدبي/ع353//4/آذار/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244