|
مستقبل اليهودي التائه
اليهودي البغيض في فلسطين المحتلة يبحث الآن عن هوية حضارية وصورة مشرقية ودور أمني واقتصادي، بعد أن أصبح شبه مطمئن إلى اعتراف العرب بأن ما سرقه منهم صار له وأن من حقه العيش بسلام في المنطقة كأحد أصحاب الحق الشرعيين فيها.
وهو يطرح أسئلة على نفسه وعلى سواه ليرى من خلال ذلك موقعه الجديد في منطقة أخذ اسمُها يتحول، حتى في ذهن أهلها وسكانها الأصليين العرب، من اسم: الوطن العربي، المشرق العربي، بلاد الشام؛ إلى الشرق الأوسط والمنطقة المتوسطة. حيث يغدو الاسم الجديد أكثر ملاءمة بالشركاء الجدد، وأكثر لياقة وانسجاماً مع المتغيرات التي نُظهِر مرونة فائقة في التعاطي معها من بعض الجوانب حصراً، فنغير أسماءنا وذوقنا وتاريخنا وبعض اهتماماتنا المنزلية .
ويرى اليهودي أنه لم يعد ذلك الأوروبي ذو الخصوصية الدينية والحقوقية والاجتماعية، ولا هو ممن ينتمون كلياً إلى ثقافة الشرق.
فهو إذا كان " أشكينازياً " فما هو سوى يهودي مستشرق غريب في الشرق العربي المسلم، واستعماري يبتز ما يستطيع ابتزازه لصالح الغرب، وطبقة عليا حاكمة داخل ما يسمى " " إسرائيل " الدولة "، وعنصري يحمل الإرث النازي الكريه إلى منطقة لم تعرف التمييز العنصري في تاريخها .
وهو إذا كان " سفارديمياً " فما هو سوى يهودي قاده الوهم المزروع في التوراة إلى اختيار تعاليم التلمود التي يتولى تفسيرها الأشكينازيم ويقدمونها له كمشروع استيطاني عنصري توسعي، تقع عليه فيه مسؤولية قتل من حموه عبر التاريخ؛ وهو طبقة متدنية في المجتمع ما يسمى بــ " دولة إسرائيل " لا يحصل ممثلها ديفيد ليفي إلا على 18 % من أصوات الناس الذين أكثرهم " سفارديم". وهو منخور بالخوف ومشاعر الدونية التاريخية إلى الدرجة التي يعيش فيها حالة تعويضية ـ نفسية مستمرة التجلي تظهر في تبعيته لليهودي الغربي، وفي انخراطه في المشروع الاستعماري ـ الاستثماري الأميركي، وتتجلى أيضاً في سيطرة الرعب عليه، ذلك الذي انقلب في ظل تجريد العربي من سلاحه وتخلي أخيه عن دعمه وحمايته، إلى " شجاعة " متطرفة قادت صاحبها إلى إحساس بالتفوق على الضحية، ورغبة في التخلص من صراخها بأسرع ما يمكن!؟ وما إلى ذلك من سبيل سوى البطش والقتل والتدمير والإسراع في إبادة الجنس العربي هناك ليصبح الوطن الذي سرقه مجللاً بالكذبة التاريخية التي صنعها الصهاينة في الغرب، أو التي أوحى بها قادة غربيون للصهاينة وهي :
" أرض بلا شعب لشعب بلا أرض "؟!
يهودي ما بعد استتباب السلام في المنطقة سوف يكون الأقوى تسليحاً وعلماً وتقانة واقتصاداً إذا ما استطاع أن يحافظ على العلاقات الحالية التي تربطه مع أميركا وأوربا وروسيا، وإذا ما استطاع المحافظة على دور شرطي أميركا المفضل، ودمية الغرب الديمقراطية التي تخوِّف بها العرب، وتريدهم على أنموذجها؛ فهو الآن يرسم سياسة البيت الأبيض أو يساهم بالقسط الأكبر من تحديد معالمها، لا سيما بالنسبة لما يسمى بالشرق الأوسط في الدوائر الغربية؛ وقد يكون صراع الصهاينة الآن داخل البيت الأبيض وخارجه على من يكون لهم وحجم ما يكون لهم هناك، وليس من أجل أن يكون لهم ممثلون نافذون هناك.
وإذا ما تحقق هذا بصورة مطردة، ونجح الصهاينة في تقديم " الإسلام الأصولي " أو " الإسلام السياسي " أو العربي الذي يعترف بالإسلام، على أنه الخطر القائم في المنطقة، الذي يتهدد مصالح الغرب وأميركا بالذات، وأنه الأشد تأثيراً وخطورة من الشيوعية التي زال خطرها؛ فإن " إسرائيل" ستتابع دورها كحليف أول لأميركا، وكقلعة ضد التطرف و" الإرهاب "، وكأنموذج " للديمقراطية " أو للدولة " الخُلُقيَّة "، وكمدافع عن " حقوق الإنسان " من وجهة نظر الغرب المشوهة عن حقوق الإنسان غير الغربي، ولا سيما الإنسان إذا كان عربياً مسلماً.
ولأن ذلك اليهودي سيكون الأقوى، وسيكون المعتَمد الأول لحماية المصالح والمؤتمن الأول عليها، فإنه لن يحاول إطلاقاً عزل نفسه عن الغرب لكي ينتمي إلى المنطقة كلياً، لأنه لن يأمن على نفسه فيها من دون حماية الغرب، ولن يتاح له المكسب المالي والدعم المتنوع في كل مجال إذا لم يقبل الاستمرار في لعب ذلك الدور، ولأنه لن يكون مقبولاً وموثوقاً به من شعب المنطقة؛ ذلك لأن الراعي لن ينسى ولده والحيَّة لن تنسى ذنبها كما تقول الحكاية .
ولكن المتغيرات التي لن تؤثر في استراتيجية اليهودي ولا في تحالفه مع الأميركي، ستنصب على العربي الذي سيركض في تيارها ركضاً ويلائم نفسه معه بأسرع ما يمكن، وستتيح هذه المتغيرات، ومنها انتشار مناخ " سلام " بين العرب و " إسرائيل"، منفذاً ملائماً لكثير من العرب ليقيموا علاقات من نوع ما مع " "إسرائيل"، ومنفذاً لليهودي لكي يكسب أكثر ويؤثر في المنطقة أكثر، من خلال توظيفه للعربي ومشاعره ولاستسلامه " للسلام " وفهمه للمتغيرات ومرونته في التعامل معها، ولهفته للتلاؤم معها أيضاً ـ خوفاً أو طمعاً ـ وذلك باستقطاب رؤوس الأموال، واحتكار المشاريع الكبيرة، واستثمار العطاءات والمواد الأولية وحتى الخلافات العربية ـ العربية، التي سوف تزدهر على أرضية تجدد الدم على قميص عثمان، الذي يرفعه كل منا بوجه الآخر منذ
عام 1948 .
ولن توفر " إسرائيل" جهداً، إذا ما سنحت الفرصة الملائمة، لتلعب دوراً مزدوجاً من خلال السيطرة على أمرين: النفط والمال العربيين. فإذا أتيح لها أن تلعب لعبة قائد أمن المنطقة فتزيِّن للعرب تحرير ثرواتهم وقرارهم بذراعها هي، وبذلك تظهر لأميركا استعدادهم للتمرد وتثبت في نظر الغرب كله عدم أهليتهم للثقة؛ فإنها سوف تحلب البقرتين الأميركية والعربية، وتبقى البقرة الأوربية تجأر طالبة دورها في أن تُحْلَب لكي تأكل وترضع ابن مالكها.
إن اليهودي ـ الصهيوني، يلوِّح بتزاوج ثروة العرب مع " عبقرية " اليهود، وحين يصدق العربي ذلك فإن اليهودي سيضع ثروة العربي في جيبه ويضعه في قفص ليعرضه على الغرب وعلى العالم كله كرجل فقد عقله ويدعي بأن ثروته أيضاً سُرِقت منه كما سرق وطنه من قبل !! وهل سيصدق اللصوص عندها أن الذي سرقوه رجل عاقل يستحق الإنصاف ؟!!
أمّا اليهودي الذي يبحث عن هوية ثقافية في إطار شخصية " قومية " متماسكة، فإنه سوف يذوب نهائياً في شخصية المرابي التاريخية، وسوف تنازعه شخصية المسيطر على رأس المال دور المسيطر على الأرض إذا ما اضطر إلى الموازنة بين إغراء اتهما، وربما اختار اليهودي إمبراطورية المال إذا ما فرض عليه اختيار صعب بين إمبراطوريتين إحداهما إمبراطورية المال.
إن " شايلوك " ما يزال يمسك سكينه الرهيف الحد، وهو يطالب بقطع اللحم من ذراع " أنطونيو " وسوف يدفع العربي هذه المرة دماً ولحماً وأرضاً، ولن يشفى لليهودي وطر إذا ما اضطر اليهودي إلى الاختيار بين التوسع الاستيطاني على الأرض العربية وبين التوسع الاستثماري في الوطن العربي .
لقد بشر كثيرون بأن " إسرائيل" فهمت أنها لن تحقق أبداً توسعاً جغرافياً على أرض استيطانية جديدة خارج ما حققته حتى الآن، ولا سيما بعد اضطرارها إلى التراجع من مناطق احتلتها في لبنان عام 1982، وبعد استعدادها الأولي للانسحاب من أراضٍ احتلتها عام 1967 من أجل اعتراف عربي بها وسلام مع العرب.
وإذا كان هذا هو المنظور الواضح في المرحلة الراهنة من عمر دولة البغي والقرصنة والعنصرية، فإنه بالتأكيد ليس المنظور النهائي لمشروعها التوراتي الذي يمكن أن يتحقق أو يستمر العمل من أجل تحقيقه، عبر بدائل مرحلية. ذلك أن استراتيجية " إسرائيل" موضوعة في خدمة ثوابتها ويمكن تغيير التكتيك وإعادة ترتيب الأوليات وإعادة رسم الاستراتيجية بما لا يحقق تنازلاً عن الثوابت الرئيسة .
صحيح في المرحلة الحالية أن العرب لن يحتملوا توسعاً إسرائيلياً في الجغرافية، وأن العالم لن يحتمل مثلهم عربدة "إسرائيلية" جديدة من " إسرائيل " بهذا الحجم الكبير، ولكن هذا الوضع لن يوقف استمرار مرحلتين رئيستين تتمان الآن هما في قمة المشروع التوسعي وفي صلب تحققه وهما:
ـ استنفاد إمكانية الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، ولا سيما الضفة الغربية والجولان والقدس، وخلق واقع سكاني جديد يجعل لـ "إسرائيل" إصبعاً في الوضع العربي المقبل، ويمكنها من استبدال اليهود بعرب الجليل والمثلث في الأماكن المستوطنة حديثاً لتقيم " دولة " يهودية صافية الجنس في أرض مسيطر على المستقبل السكاني فيها، وتشكل نواة الدولة المتنامية في التوسع .
ـ استيعاب مرحلة التوسع الحالية وهي في حكم "" إسرائيل " الكبرى " سكانياً إن لم يكن جغرافياً وسكانياً .
وهذا الاستيعاب يحتاج إلى المال وفرص العمل واستقرار المجلوبين إلى فلسطين المحتلة. وإذا كانت الأموال قد تم تأمينها بشروط يسيرة من أميركا، والمستوطنون يُجلبون تحت اسم حقوق الإنسان من روسيا، فإن طرد السكان العرب، وإنشاء المستوطنات، واستيعاب القادمين في أعمال، وتحقيق شروط إقامة وأمان وعمل واستقرار لهم، فإن كل ذلك يشكل في الحقيقة صلب العمل الذي يحتاج إليه مشروع " " إسرائيل " الكبرى "، وهو يمكن أن يستمر لسنوات حتى تتحقق ظروف ومعطيات وإمكانيات تمكِّن من السعي لتحقيق مرحلة أخرى من المشروع الاستراتيجي الذي لا تغيره الحكومات الإسرائيلية ولا تصنعه، ذلك لأن الكذب الصهيوني يدعي أنه أتى من " يهوه " ولا يجوز تغييب ما جاء من عند " يهوه " ؟!
ونجد أن اليهودي الآن يفكر ويخطط ويعمل على إيجاد السبل والمنافذ التي تجعل مشروعه مستثمَراً بشكل ما، أي أن يضعه دائماً على شريط الحركة، وهنا يلمح في المشروع الاستثماري القادم، أي في إحياء المرابي والمستثمر، إحياء شايلوك في الوطن العربي، الذي أخذ اسم الشرق الأوسط الآن؛ ليقوم من خلال إحيائه بنهب ثروات العرب وتسخيرها من بعد لتمويل مراحل التوسع الاستيطاني القادم على أرضية اقتصادية وأمنية وسياسية مستقرة في القانون الدولي، وفي الوعي العربي ؟!
إن شايلوك التاريخي سوف يتحرك ليدعم وايزمن وبن غوريون ومائير ودايان وبيغن وشامير ورابين بطريقته التي أثبتت جدواها عبر التاريخ. فمن أين كان لليهود بوعد بلفور لولا روتشليد " شايلوك " البريطاني؟!
ومن أين كان " لـ " إسرائيل " " عشرة مليارات دولار لدعم الاستيطان، لولا أمثال شايلوك ـ روتشليد في أميركا؟! وهل سيستمر الغرب (أوربا ـ أو أميركا) في تقديم الدعم إلى ما لا نهاية لليهود و لـ " إسرائيل "، أم أن العقل يقضي بأن يبحث اليهود عن بدائل يستعملونها إذا ما حانت ساعة الفطام القسري أو غير القسري . !!
وكيف يتركون مصدراً مالياً كبيراً لا ينضب عطاؤه يفلت من بين أيديهم وهو يلوح لهم مضافاً إلى " سلام " طالما حلموا بالحصول عليه؛ وهو من وجهة نظرهم ليس السلام الذي يعرفه البشر، وإنما الاعتراف بهم كجزء من النسيج العام للمنطقة، الذي لا يمكن أن يتم إلا من خلال سلام بينهم وبين العرب، يقوم على أساس اعتراف العرب بهم ؟!.
إنها فرصة " وايزمن وبن غوريون وشايلوك وروتشليد " متضامنين في رزمة واحدة عبر التاريخ، ولكنها تستقر هذه المرة في الأرض التي فيها الكنز، ومن ذا الذي يرفض الأرض والكنز اللذين يسعيان إليه !! اليهودي الغربي: " أشكنازيم " والشرقي: " سفاراديم " لن يتوصلا إلى هوية ثقافية، حضارية يتظاهران بالبحث عنها وبالتحسُّر على إمكانية ضياعها، ذلك بكل البساطة لأن تلك الشخصية لم تكن لأي منهما ففقدها في أي زمن، ولم تكن لأحدهما فأضاعها في منفاه، ولن تكون هاجس أي منهما لأنَّ من لم يعتد على شيء فلن يستشعر فقدانه .
فمنذ متى كان لليهود شخصية ثقافية وحضارية !! وهل يعتقدون حقاً أن العبقريات اليهودية التي تفتحت في بعض البلدان هي عبقريات تنتمي إلى الدين أم إلى المعطى الثقافي ـ الحضاري ـ العلمي ـ للأمة التي عاش فيها الشخص قروناً ونهل منها ثقافياً فكان وكان إبداعه منها وإليها؟! هل ماركس أكثر من ألماني، وهل فرويد أكثر أو أقل من ذلك؟! وهل اينشتاين ابن العبقرية أم ابن اللغة والثقافة والحضارة التي نشأ وأبدع في ظلها؟! .
هناك عبقرية وحيدة لا ينازع اليهودَ عليها أحدٌ ولا يتفوق عليهم فيها أحد: هي العبقرية في تشويه التاريخ ومسخ الحقائق وتزييف الوقائع ونهب المال. إنها عبقرية الشيطان لا أكثر ولا أقل، وهي لا تزدهر إلا في ظل تعاليم التلمود وعبادة رب الجنود " يهوة "، الذي لا يشبع إلاَّ من الشر والدم، ولا يستحلي إلا قتل الأمم والاعتداء على الآخرين. لقد سرقت "إسرائيل" معطيات ثقافية شعبية وغير شعبية لعرب فلسطين، فهل يصدِّق سوى الكذَبَة والجهلاء أن تلك المعطيات المصدقة أصبحت يهودية أو كانت أصلاً يهودية؟! .
يتساءل اليهود في فلسطين المحتلة عما إذا كانت ستبقى لهم مع أوربا صلات ثقافية وحضارية وحتى اقتصادية متميزة، بعد أن يصبحوا من قوام الشرق الأوسط، و في عداد مقوماته النهائية التامة؟!
وربما كان في ردود السوق الأوربية على تركيا ذاتها التي تطلب ودَّ أوربا منذ سنوات، أسوة لهم؛ فالسوق الأوربية ليست سوقاً اقتصادية فقط، ولا يحكمها المعطى الاقتصادي الصرف، فهي سوق أبناء أوربا المعتنقين المسيحية والكاثوليكية منها بالدرجة الأولى، وهي لورثة الحضارتين اليونانية والرومانية. ولن تكون تركيا من ذلك النسيج كما قال بعضهم لأنها بكل بساطة نوع آخر، بل نوع مغاير: إنها إسلامي ة شرقية ذات معطيات ومقومات مختلفة؛ والقول ذاته ربما كان رداً على المغرب الذي يطلب الانضمام إلى تلك السوق. ولكن " إسرائيل" تنظر إلى نفسها نظرة أخرى، حيث يرى الأشكينازيم أنهم حكام فلسطين المحتلة وممثلو الصهيونية و " " إسرائيل ": الدولة " !! وأنهم أبناء الثقافة والحضارة الأوربيتين، وهم حراس مصالح الغرب على الشاطئ الشرقي للمتوسط .
ولكن الشرقيين " السفاراديم " ليست لديهم مثل هذه النظرة والأحاسيس، فهم يعرفون أنهم شرقيان، وأنهم أبناء حضارة بلاد العرب " مغرباً ومشرقاً "، وهي حضارة عربية إسلامي ة؛ وإن أوربا قد تكون أوربا المسيحية ولكنها ليست أوربا المسيحية ـ اليهودية إلا بمقدار ما تخدم " إسرائيل" المصالح الغربية، ولن تكون أوربا اليهود من جديد. وربما رأى بعضهم في " إسرائيل" مشروعاً استثمارياً استعمارياً غربياً (أميركياً ـ أوربياً) يقوم على قيادته الأشكينازيم؛ ولكن هل يملك اليهود الشرقيون ـ حتى لو أرادوا ـ أن يعبروا عن انتمائهم لحضارة الشرق العربي ـ الإسلامي ؟!. إن ضياعهم في الفخ الصهيوني جعلهم مطرودين من ملكوت الله، يقضون فترة نفي مختار في التيه الحضاري الثقافي ـ الاقتصادي الجديد.
إنهم ليسوا في البيت الذي يشعرون معه أنهم بين أهلهم فيه، وليسوا في البيت الذي يستطيعون العودة منه عند إحساسهم بغربتهم !! بعض اليهود يرون أنهم يمكن أن يضيعوا في حضارة الشرق ويصبحوا جزءاً من المعطى الثقافي للمحيط العربي الإسلامي، وبعضهم ينظر إلى شيء جديد تماماً فيرى أن " إسرائيل" يمكن أن تقود ثقافة جديدة في المنطقة تحمل طابعاً خاصاً هي الثقافة الشرق أوسطية، أو المتوسطية الشرقية.
وإنني لأخشى ـ في ظل النخر الثقافي المستمر للشخصية الثقافية العربية ـ الإسلامية والتخريب الثقافي، وإشاعة قيم الثقافة الاستهلاكية والمستوردة، أن تصل الأصالة الثقافية العربية إلى حدود الإنهاك والضعف والاستسلام للغزو والتهجين حيث يسهل على الآخرين من أصحاب مشاريع " مارشال " الثقافية أن يستثمروا أموالهم في تهجين ثقافتنا. ولكن هذا الخوف يتوقف عند حدود الحذر بالنسبة إليَّ، لأنه حين نجح أنموذج الثقافة الهلينية في شرق المتوسط لم يكن العرب قد أمسكوا زمام شخصيتهم الثقافية المتميزة بوعي. وبعد أن أعزهم الله سبحانه بالإسلام، منذ ذلك التاريخ، لم تستسلم ثقافتهم ولم تذب في الثقافات الأخرى على الرغم من ذهابها إلى المدى الأبعد في عملية المثاقفة، وعلى الرغم من دخولها معتركات شديدة الوطأة عليها؛ وقد تجاوزت كل المحن والمصائب والكوارث التي فرضت عليها. ولا أظن أنها تعجز عن مواجهة محنة هذا العصر على الرغم من دخول بعض أبنائها مدخل العدو في الترويج لطروحاته وفي بث الضعف والفساد والهُجْنة في القوام الثقافي العربي المعاصر وفي مقومات الأصالة والتأصيل، وارتدائهم أثواباً عصرية هي جلود العدو وأقنعته المهداة إليهم منه أو من حلفائه في طقوس تحافظ تماماً على خيلائهم وترضي غرورهم إذا ما استطاعوا القول بأنهم " طلائع " العرب في الغرب، أو من يرضى عنهم الغرب من العرب، أو أنهم العرب الذين سلكوا طريق التقدم ودخلوا العصر بسلوكهم طريق الغرب في التفكير والتدبير على طريقته وليس على طريقتهم !!
إن مستقبل اليهودي ـ الصهيوني الإسرائيلي، أي ذلك الذي يقيم قوام العدوان والاحتلال، ويريد الهيمنة، وإحياء دور شايلوك أو رابين، في الاستثمار أو في الاستعمار؛ هو مستقبل مظلم بتقديري أو كما أحب أن أرى، اللهم إذا وقف العرب وقفة وعي وثقة، ونظروا إلى ذلك التائه الخائف المتعجرف المحتمي بالسلاح وبقوة الغرب العدوانية والخادم لمصالحه والمتواطئ معه؛ أقول: إذا ما نظروا إليه النظرة التي ينبغي أن تكون، النظرة إلى عدو غاصب للأرض والحق، دخيل على الأرض والتاريخ والثقافة، داره: إمّا في الغرب حيث كانت وهو هنا غريب مكروه مرفوض تماماً، وإما بين أهل حي من أحياء العرب عاش سابقاً معهم لا يكون سيداً عليهم وقد يكون سيداً فيهم.
أمّا الوهم بأن تزول مقومات الشخصية الثقافية العربية بالغزو والمحو والتهجين والإحباط، لتحل محلها ثقافة جديدة تحمل هوية " شرق أوسطية " مولودة في حضن " القيم الثقافية الأميركية "، التي وعد الرئيس الأمريكي السابق بوش بتصديرها بعد حرب الخليج الثانية، والتي قال: إن القرن القادم سوف يشهد انتشارها في العالم كله، وهو ما يهيئ عالماً ذا نظام جديد لنشرها، ولتحقيق سيطرة تامة تقيم قوامها فيه، وتسيطر على اقتصاد العالم لغسل دماغه بتأثير معدته؛ فذلك ما لن يكون أبداً. ومن باب أولى إلا تتمكن " ثقافة " يهودية لم يكن لها في يوم من الأيام مقومات خاصة بها، ولا هي كونت شخصية وحضوراً عبر التاريخ أثَّرت بهما في ثقافة العالم ونشرت الوعي في وقت من أوقات سباته أو سيطرة الظلام والظلم عليه؛ أقول من باب أولى ألا تتمكن من تحقيق ذلك في دنيا تشمخ فيها الثقافة العربية ـ الإسلامية وتنتشر جذورها عميقاً في الأرض والشعب والتاريخ، وتمتد إلى عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، منذ شهدت بلاد الشام ولادة الحضارات الإنسانية الأولى في سهل نطوف قرب أريحا في فلسطين، وفي تل حَلَف شمال سورية وفي تل المريبط وقرب دمشق وعلى ضفاف دجلة والفرات من البصرة حتى منابعهما، وفي دلمون " البحرين " وثمود عمان وسبأ في اليمن.. وكتابة أكاد وأبجدية أوغاريت الكنعانية، و"اقرأ " العربية، التي كرم بها الله سبحانه العربي محمد بن عبد الله والعربية والعروبة وجعلها روحاً للإسلام، وحماية للثقافة العربية المحمولة في اللغة العربية، التي حماها القرآن الكريم وحمى بها أمة وثقافة من الضياع .
إن دور اليهودي في المستقبل هو دور العنصري المعتدي، والإرهابي الذي يمارس إرهاب الدولة مدعوماً بقوة العدوان، والمرابي الذي يستعيد تاريخه ودوره ولن يكون له وطن سوى القرش، فرأس المال لا وطن له، ودور المحتل الغاصب الذي سيكلفه احتلاله حياته ومستقبله كله، وسيجعله يرفض الأرض التي يحاول إعادة ارتباطه بها، ويستغرقه دوره التاريخي: دور المرابي البغيض التائه الذي يحتقره الآخرون لعنصريته ودونيته وتعاليه الرخيص.
فلينتظر المحتلون والمعتدون والعنصريون أي منقلب ينقلبون..
الأسبوع الأدبي/ع357//8/نيسان/1993
الأسبوع الأدبي/ع358//15/نيسان/1993
nnn
|