|
أسئلة سنواجهها آجــلاً أم عـاجــلاً
آجلاً أم عاجلاً يتوجب علينا أن نواجه أسئلة تطرحها نتائج المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية، ومن هذه الأسئلة ما يتعلق بالحقوق ومنها ما يتعلق بالحياة اليومية ومقوماتها، ومنها ما يتعلق بالمصير وربما بالوجود ذاته على مساحة من أرضنا التاريخية تضيق أو تتسع .
والأسئلة التي نعنيها تُطرح علينا على أرضية تطبيق قرارات الأمم المتحدة المنـتقاة أصلاً لتكون مستنداً للمفاوضات وهي 242، 338، 425، بعد أن تم التوصل إلى اعتراف "إسرائيلي" بتلك القرارات، كأرضية للمفاوضات، بعد أكثر من سنة من الأخذ والرد، وما زال مجال المناورة مفتوحاً بلا حدود أمام "إسرائيل" لتلعب على تفسيرات لكل قرار من القرارات لا سيما القرار 242. وعلى فرض أن القرارات المشار إليها نفذت بما يرضي العرب، فإنها ستلحق أكبر ضرر بالحق التاريخي للعرب في فلسطين، وتزرع في المنطقة كياناً دخيلاً باعتراف رسمي عربي بحق تاريخي له فيها، وستزرع خلافاً مقيتاً مراً ومكلفاً بين العرب أنفسهم حول ذلك. فما هي الأسئلة التي يطرحها ذلك الحدث الزاحف نحونا دون توقف، والذي ينتظره العرب واليهود والغربيون بتلهف، وترى أمريكا فيه مصلحة لها لأنه يؤمن مصالحها ومصالح الحليف ـ الشريك ـ المتوحد معها "إسرائيل" ؟!؟ .
ربما كان في مقدمة تلك الأسئلة سؤال يتعلق بمصير العرب الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين ممن ينطبق عليهم القرار " 194 " ومن هم في حكمهم ممن أضيفوا على حواشي ذلك القرار منذ الأربعينات وحتى يوم الناس هذا، بين نازحين ومشردين ومطرودين وملاحقين ومعتقلين ومبعدين.. الخ. وهو قرار دفنت جثته أصلاً ولكن روحه ما زالت ترسل بعض الإشارات من سماواتها التي أرسلت إليها.
وإذا كان ذلك القرار سيجد هامشاً له في المفاوضات النهائية، فلا بد من أن يملأ ذلك الهامش على نحو ما؛ ويبدو أن الكلام القديم حوله سوف يعاد، وهو كلام يتلخص بدفع تعويض مادي بدلاً من حق العودة، لأن "إسرائيل" معنية بطرد الفلسطينيين وإبادتهم وليست معنية على الإطلاق بإعادتهم إلى وطنهم الأصلي؛ وهي مستمرة في جلب من تسميهم " بيهود الشتات " إلى ما تسميه "أرض إسرائيل التاريخية " .
وفي هذه الحالة سوف يكون أمام الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين أن يقبلوا نفياً أبدياً في وطن ما، وأن " يقبضوا ثمن الوطن الذي كان لهم "؟! فهل يكون هذا جواباً مقبولاً على سؤال مطروح؟! وهل الوطن مما يقبض عنه تعويض أو ثمن من أي نوع؟! وماذا سيكون جواب العرب والعالم على رفض الفلسطينيين أو رفض فلسطينيين لفكرة بيع الوطن تنفيذاً لتفسير "إسرائيل"
للقرار "194" وتواطؤ أميركا معها على ذلك التفسير، هذا إذا واجهت ضغطاً ما لتنفذه في يوم ما؟! ربما يكون الجواب العربي ـ العالمي، أو العالمي ـ العربي قاسياً في واقعيته حيث سيقول الواقعيون: " قبض ثمن الوطن خير من سرقة الغير له وابتلاعه من دون أدنى ثمن ". فاليهود سرقوا سابقاً وطن الفلسطينيين وتم تطويبهم دولة متحضرة ديموقراطية مدافعة عن حقوق الإنسان، ودولة أنموذج في محيط متخلف، ومسح عن رموزها كل أثر للإرهاب والعنصرية وانتهاك حقوق الإنسان ذاك الذي كانوا أفضل النماذج لتمثيله عبر التاريخ.
وسيقول الواقعيون أيضاً: إذا وافق اليهود اليوم على دفع ثمن بعض ما سرقوه فذلك مكسب لا يجوز أن يفوت بحال من الأحوال.
وإذا ما حدث ذلك ووافق بعض الفلسطينيين على هذا النهج " الواقعي جداً" فما الذي سيبقى لهم أمام التاريخ والأجيال من الوطن، ومن أي وطن؟! وما الذي سيعوضهم ويعوض سواهم عن كل تلك التضحيات التي بذلت من أجل استعادة الوطن وترسيخ الحق باستعادته عبر التاريخ؟! وكيف ستتم مواجهة ذلك الأمر في إطار الوعي المعرفي للإنسان أمام ذاته وأمام الغير؟! إنها أسئلة ربما تبدو عقيمة أو بلا قيمة؟! إذ ما معنى الضمير والوعي والأجيال والتاريخ بمنطق نظام " عالمي جديد " يقرأ في الإنسان مدى ما يقدمه للسيد من منفعة، وما يحققه لمصالحه من خدمات ودرجات أمن؟! .
السؤال الآخر الذي يُلحّ في طرح ذاته يتعلق بالتعامل على أرضية "السلام" مع عدو فرض على العرب قهراً دائماً وإحباطاً مستمراً تحت اسم السلام ومظلته؛ وهو يطالب بأن يعامل معاملة السيد في المنطقة، والمعترف بوجوده وحقوقه ومصالحه، والذي يفرض على الآخرين صداقته؟! ماذا سيقول العرب له يا ترى، وكيف سيتعاملون معه؟! هل يكون لسان حالهم هو قول شاعرهم:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بدّ؟!
فيقبلون على الأمر بمرارة بادئ الأمر ثم يسوِّغونه حتى يستسيغونه، وتمضي الأيام لتمحو من الذاكرة العربية كل أثر للحق والعداوة معاً؟! أم سيواجهون عدوهم بالرفض التام لوجوده والتعامل معه والاعتراف به على الصعيد الشعبي إذا ما اضطر الصعيد الرسمي للسكوت على مضض؟! .
إن "إسرائيل" تهيئ نفسها لاستثمارات واسعة في الوطن العربي على أرضية الثقة من أن التعامل معها سيكون طبيعياً في كل مجال، وأن كثيرين من أبناء المنطقة سيتراكضون للتعاون معها؟! وسيكون لها لدى الجانب الرسمي العربي من الحظوة والحقوق ما يمكنها من فرض مناخ ملائم لمصالحها ومصالح حليفها الشريك من جهة، ولهيمنتها ـ بالإغراء أو بالإرهاب ـ على كل صعيد، وسيكون الشارع العربي الذي يعيش منذ عقدين من الزمن على الأقل حالة المجتمع الاستهلاكي المنخور القيم والمقومات، والذي يُقبل على منتجات الغير ويركض وراءها ويدفع الثمن حتى لو كان كرامته في سبيل الحصول عليها، أقول سيكون الشارع العربي مستعداً للإقبال على مزيد من الاستهلاك تغمره به الأسواق الإسرائيلية ـ الأميركية، وسيجد نفسه مكبلاً بالحاجة والرغبة والإغراءات إلى درجة يتحول معها إلى كتلة من اللحم تحتاج إلى سقاية يومية حتى لا تجف دون أن تملك من أمرها شيئاً، وهي في حالة نمو سرطاني في كل اتجاه عدا اتجاه السلامة والصحة. فهل نهيئ أنفسنا لمقاومة هذا الاحتمال الذي يزحف علينا والذي سيروج له أصحاب نفوس ضعيفة أو أصحاب مصالح ومنافع من بين ظهرانينا ثبت أنهم على استعداد للتجارة بكل شيء وفي مقدمة ما يتاجرون به القيم والإنسان؟! ومن سيكون صاحب المصلحة الأولى في التصدي لذلك، أهو المستوى الرسمي العربي الذي سيكون مكبلاً باتفاقيات وضائقات وتعهدات وأزمات؟! أم المستوى الشعبي الذي سيلهث تحت النير وُساط بسوطين السوط الرسمي والسوط الاستعماري ـالصهيوني؟!.
من تجربة " كامب ديفيد " نستقي بعض الدروس في مجال التطبيع، وخلاصة تلك الدروس أن المستوى الرسمي ـ والمستوى الثقافي جزئياً يدعوان للتطبيع مع "إسرائيل" ويروجان له ويتغاضيان عن كثير مما يتم في سبيل فرض ذلك، ولكن المستوى الشعبي ما زال هو العقبة في وجه ذلك عملياً، سواء على صعيد البضائع، أو التواصل اليومي. ولكن ذلك المستوى ليس محصناً بشكل مطلق كما أن ثباته ليس نهائياً وبلا نهاية، ولا سيما في ظروف الأزمات الاقتصادية والمرارة اليومية.
فهل ستكون الأقطار العربية في مثل حالة مصر أم أنها ستكون في حالة مغايرة؟! إن علينا أن نتلمس الأجوبة الواقعية والدقيقة والمدروسة جيداً عن ذلك السؤال لنواجه كل الاحتمالات بمسؤولية وعلمية وشجاعة وواقعية. إن المنتجين العرب سوف يكونون أول المتضررين من زحف البضائع والاستثمارات الإسرائيلو ـ أمريكية على المنطقة العربية. وحين تتآخى تلك الاستثمارات والاحتكارات مع بعض رؤوس الأموال العربية التي تعلن عن استعدادها للتعاون، فإن الجبهة ستتسع والمواجهة ستكون أصعب. ولكن من هو المنتج الحق للبضائع والمواد في وطننا العربي؟! وأي البضائع والمنتوجات هي التي ستواجه المزاحمة في السوق؟!
ـ هل هي المنسوجات وما في حكمها وحجمها ؟.
ـ هل هي المحاصيل الزراعية والصناعات الزراعية ؟!.
ـ هل هي الآلات الدقيقة وغير الدقيقة، وماذا ننتج منها؟! .
ـ هل هي الصناعات الحربية، ماذا سنعطي منها. ولأي غرض؟!.
ـ هل هي تجارة الجملة وما هو في مستواها؟! .
إن هذه الاحتمالات جميعها مطروحة والقطاعات المختلفة
(العام ـ والخاص ـ والمشترك) كلها مدعوة لبحث الأمور ولتحديد طبيعة المواجهة، وطبيعة الرد .
لا بد في المواجهة من تعاون الوعي المعرفي - والمنتَج الوطني القومي، لخلق مناخ القطيعة مع العدو. وشعبنا ابتداء من الأفراد وانتهاء بأوسع الشرائح الاجتماعية وأكثرها قدرة على الإنتاج والاستهلاك معاً. والسؤال الثالث الذي يطرح نفسه سؤال يتعلق بكيفية مواجهة العدو على الأرض. وهذه المواجهة ذات شقين. شق مادي وشق معنوي.
ففي الشق المادي نأخذ قضية المياه وقضية الحدود وقضية امتلاك القوة. وهنا نكتفي بطرح الأسئلة التالية:
- هل ستقبل كل الاتفاقيات التي تفرض بشأن استغلال العدو للمياه المتجددة وغير المتجددة، وهل ننظر إلى ذلك على أنه حق له؟ وما هي طبيعة الرد عليه؟! أهي شعاراتية - تاريخية - تصريحاتية أم أنها طبيعة عملية ترمي إلى استغلال المياه من قبلنا ومنعه من استغلالها من قبله؟! وما هي النتائج المترتبة على؟ ذلك هل سنعود لحالة الحرب؟ هل نحن مستعدون لها، أم أننا سنلجأ إلى المفاوضات مع شريك ثبتت شراكته في عرفنا ووجداننا فأصبح الأمر يتعلق بإعطائه نصيباً يفرضه اعترافُنا بحقه وأخذنا نصيباً تحدده قدرتنا على انتزاعه؟
- وقضية الحدود تدخل في موضوع الاعتراف، فيها سيستقر في وجداننا أننا نعترف بحدود لما يسمى " دولة " إسرائيل "، فهل سنحترم ذلك حتى في المصورات الجغرافية التي نعلمها لتلاميذ المدارس؛ وقد بدأت بعض الدول العربية تثبت ذلك في المصورات الجغرافية، أم أننا سنرفض ذلك على المستوى التربوي على الأقل ما دمنا عاجزين عن مواجهته على الأرض الحقيقية ؟؟
- وسؤال القوة كيف سنواجهه وبأي اتجاه؟! إن العدو سيرفض بكل الوسائل والسبل أن نمتلك من القوة ما يقيم لنا قواماً بمواجهته، وسوف يبادر إلى الضربات " الوقائية " إذا ما شعر بأننا سنمتلك قوة من أي نوع؛ وسوف يستخدم مظلة القوة الأميركية التي ستسخر المظلة الدولية للقضاء على كل آمالنا بامتلاك قوة تحرر أو تنقذ أو تحفظ أو تحفظ التوازن، فما هو نوع الرد على ذلك الوضع الذي سيكرس - إن قام واستمر - الإحباط والعجز؟! مما لا شك فيه أن الاعتماد على الذات هو المدخل السليم، ولكن ذلك يحتاج إلى خطة بعيدة الأمد، تقوم على امتلاك العلم والتَّقَانَة والأرضية الاقتصادية القادرة على تحمل العبء؛ وهذا كله يحتاج إلى قرار سياسي قومي حر، متحرر من أية ضغوط أو قيود. فهل سيكون ذلك يا ترى، وهل نسير في تلك الطريق مهما كانت العقبات؟! وهل نستطيع أن نحول دون وجود تفنيدات وتعهدات مسبقة تحول دون التفكير، مجرد التفكير بالسير في تلك الطريق ؟!.
إن الأمر مطروح على الذات، وعلى كل من يرى أن حقنا هو حق تاريخي تملكه الأمة ولا يملكه جيل من أجيالها، عليه أن يقرر بشأن ذلك قراراً تفرضه عليه ظروفه وممارسات يتحمل أعباءها ونتائجها كانت حالت دون قيامه بواجبه حيال ذلك الحق.
أما الشق المعنوي من السؤال الثالث فيتعلق بالجانب المعنوي من مواجهة العدو على أرض الواقع، وأول مواقع تلك المواجهة تتصل بمقاومة التطبيع مع العدو، والحيلولة دون وصوله إلى الوجدان وتخريبه. وهذا يتصل بوعي معرفي نوعي، وبتقانة محصنة بالمعرفة والقدرة والإمكانات والحريات، وبدرع من المتلقين يحميها، وبإيمان حقيقي بدورها من جهة وبمسؤوليتها عن ذلك، تاريخياً وأخلاقياً، من جهة أخرى.
وسوف تنسحب مواجهات الثقافة إلى التربية والإعلام، وهنا لا بد من حضور نوع من الوعي والضمير والحس القومي لتفرض الثقافة وجوداً في ساحة القرار السياسي؛ لأن التربية والإعلام مسؤولية سياسية رسمية بالدرجة الأولى في وطننا العربي، وهما ستفرضان استمرار تربية رافضة لمبدأ الاعتراف بأي حق من أي نوع للعدو الصهيوني في فلسطين، واستمرار تقديم معلومات وتكوين اقتناع يرسخ عروبة فلسطين في الوجدان الجمعي والفردي، ويحرض على امتلاك القوة لاستعادة الحق وتعرية الإدعاء الصهيوني - الغربي.. بأي حق لليهود في وطن العرب.
وهذا نهج واسع مديد، يحتاج إلى قرار سياسي واضح في كل قطر عربي، فهل يمكن أن يتم ذلك مع وجود نوع من اعتراف رسمي - عربي بـ "إسرائيل" يكبل الجهات الرسمية بمواثيق، ويسعى لتغيير الاقتناع القائم بعدم شرعية وجودها، ولا يكتفي باستهداف المقوم الثقافي في تفرعات الكلمة والتربية، بل يزحف حتى إلى العقيدة ليغير ـ إن استطاع ـ مقولات القرآن ذاته في اليهود، وموقف الإسلام من القدس؟! وعلى الصعيد الإعلامي هناك ضرورة لمواجهة يومية للغزو، الذي يتم للعقل والوجدان وروح ابن الشعب، فكيف يمكن مواجهة ذلك الغزو عبر وسائل الإعلام والرد عليه، ومواصلة تكوين الرأي العام على أساس الثوابت القومية للصراع العربي الصهيوني، ومخاطبة قطاع كبير من الأميين لا يتم التواصل معه إلا عبر وسائل الاتصال المسموعة - المرئية، والمسموعة؛ إذا لم يكن هناك قرار سياسي وموقف ثقافي يقوم على الإيمان والإقناع والدفاع، انطلاقاً من توجه عام يساعد على تكوين الرأي العام بهذا المنحى من جهة والدفاع عنه ضد كل ما يفسد هذا المنحى من جهة أخرى؟!؟
إن القضية أخطر مما تبدو في الظاهر، وأقرب مما تبدو للمراقب أيضاً، وهذا النوع من المواجهة يحتاج: إلى اقتناع تام، وجهد يبذل، وخطط توضع، وإمكانات يستمر رصدها، وتنفيذ من نوع مغاير لذلك الذي أوصلنا الاعتماد عليه إلى ما وصلنا اليوم إليه. فهل نحن فاعلون؟! إنني أدعو إلى ذلك وإلى مناقشة الأسئلة والاحتمالات المثيرة والخطيرة الأخرى التي لم تطرح هنا في هذه العجالة؛ لأن الأمر يتصل بكل ما يكون الوجدان والقيمة والشخصية للامة العربية، كما يتصل بنوع الحضور الذي تختاره لنفسها، وبحيوية ذلك الحضور، وبالنضالي من أجل انتزاعه في المقبل من أيامها؛ لا سيما بعد أن تطورت العلاقة الأميركية - الإسرائيلية من مرحلة الحليف - الشريك إلى مرحلة التوحد التام كما قال الرئيس كلنتون في مؤتمره الصحفي بعد استقباله لإسحق رابين في شهر آذار الماضي "1993" في واشنطن. فليتدبر ذلك المتدبرون.
وما العون إلا من عند الله .
الأسبوع الأدبي/ع359//22/نيسان/1993
الأسبوع الأدبي/ع360//29/نيسان/1993
nnn
|