|
نحو الصبح القريب
نحن الذين نرفض أن تنهزم أرواحنا وأعماقنا، ونصر على ألا نخسر مواقفنا وأخلاقنا وضمائرنا، فنتعلق بالحلم والأمل والطموح، وحتى بالوهم، ليبقى لنا وجود تحت شمس الحاضر، ونعلق على صدورنا " تمائم " من بقايا شعارات الماضي القريب، ونذيب في كؤوسنا كِسرَ الرؤى المنعشة، ونسبح عكس التيار في حالات وحالات، هل نحن خارج الوقت وخارج التاريخ؟! وهل نحن مصابون بمرض البصائر والأبصار، نعاني من تشوه الرؤى وضعف القامة والمقومات؟! وهل نحن لحن نشاز على نحو ما في ترنيمة العصر التي تعزفها القوة والمصلحة ولا تجد إلا مترنمين ومتهجدين ومسبحين بحمد القوي الفتَّاك؟!
حين نرسل الفكر على موج الوقائع والأحداث في مظاهرها وظواهرها، ونتأمل مسارات العمل والإنجاز ونوع الأداء، ونقارن بين ما ننجز وما ينجز سوانا من أعداء وأصدقاء ومحايدين.. يمطرنا الأسى ألماً فيغرق الرؤى والإحداق ونقول: يا ضيعة الحاضر والآتي، ويا سواد ليل يقبل على أمة تعيش على حرف بين هاويتين كل منهما مظلم واديها فوق ظلام أخيه .
ولكن حين يرتد إلينا البصر ولو حسيراً، وحين نعود إلى معاقل ذواتنا وجذور كياننا ومقومات وجودنا، ونتفحص ذلك على ضوئين: ضوء الإيمان وضوء التاريخ؛ فإننا نجد أن للأمل في حياتنا موضعاً، ولرفض الانهزام والتسليم موضعاً، وللحلم موضعاً، وللاستبشار بالخير في كل مجال من مجالات حياتنا موضعاً؛ وأنه ليس لنا أن نكسر السُّرج ونقبع في زوايا المكان ننتظر التلَف أو الطوفان.
ونشعر بأننا أقوياء ويحق لنا أن نرفض الهزيمة واليأس، وأن نقيم في النفوس متاريس الصمود قبل أن نقيمها في الجبهات والثغور وعلى امتداد الحدود، فلسنا الفئة الباغية الضالة المضِلة، ولا الجانية الآثمة، ولا تلك التي تحللت من قيم الإنسان ومقوماته فغدت مع الوحوش في سباق على الفرائس بل إنها ما زالت تلجأ إلى معايير وقوانين وأصول تحكم العلاقات بين الأمم والشعوب، في حياة يقيمها حرص الجميع على مقوماتها وأسباب سلامتها؛ وهي حق مقدس لكل فرد من أفراد أية أمة أو مجموعة من الناس على أرض البشر. نحن أمة ذات حق لا يقيمه ولا يصونه ولا يعيده إلا قوة تستند إلى الإيمان والعدل والعلم، وذات تاريخ عريق في فهم الحق وفي استرداده والمحافظة عليه، ونحن أمة تميل إلى الاعتدال والسلام والعاطفة الإنسانية الطيبة، ولكنها مؤهلة لأن تصرخ عند الضرورة بأعلى الصوت :
............................
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونحن أمة لها في صنع التاريخ تاريخ، ولها في مقاومة أسباب الانحلال والتفسخ والذوبان في رسم المحتل وصفاته، مهما اشتد بأسه وامتد وقته، ولها تاريخ يعز نظيره في التاريخ، فهل يجوز لها بعد هذا أن تقبل ما لا يليق بها وبتاريخها؟! وهل يجوز لنا أن نسوّغ لأجيالها الاستكانة والمهانة والرضا بضياع الحق والكرامة؟! .
من الطبيعي أن يكون الجواب على السؤال: لا.. ناضجة وطازجة وملء الفم، ومن الطبيعي أن يطلب إلينا الكثيرون تسويغ وتبرير هذه الـ "لا" في ظل معطيات الواقع الذي نعيشه ومتغيرات العالم الذي يحيط بنا ويؤثر فينا.
وعلى عتبة ذلك نقول بكل بساطة ووضوح واقتناع: نحن أقوياء، ونملك مقومات القوة والبقاء. نحن أقوياء في صراعنا مع الصهيونية على الرغم من انهزامنا في معارك خضناها معها، وأحد أهم مصادر قوتنا في هذا الصراع بالذات هو استمراره على أسسه وثوابته وأهدافه الرئيسة بوصفه صراع وجود. وذلك الاستمرار يتضمن رفضنا المستمر لقبول " إسرائيل " في النسيج السكاني والجغرافي والاقتصادي والأمني لوطننا العربي، كما يتضمن رفضنا لأي حق تاريخي لليهود في فلسطين، سوى حق التجاء الضعيف لحمى القوي العادل في نطاق دولته وضمن قوام ثقافته وحضارته وسيادته التامة على وطنه. وحتى لو بقي هذا الرفض منتصباً في فضاء الوطن تلفحه الريح فإنه مصدر قوة لنا ومصدر قلق وضعف وفناء لعدونا. فهو الباب المفتوح أمام الأجيال العربية القادمة التي سوف تعبره مختارة طريق التحرير، وهو قوس النصر الروحي الذي يرفعه المؤمنون بحقهم في زمن ضعفوا فيه عن حماية حقهم؛ ليأتي نسل لهم يعرف ذلك الحق ويستعيده ويحميه، ويخلص الأمة من عار يلحق بها إذا ما أسلمت ذلك الحق إلى النسيان وتجاوزت القضية التي يتصل بها.
ورفضنا ذاك سوف يكون نصلاً في قلب الاستعمار الغربي عموماً والإمبريالية خصوصاً، تلك التي تريد أن تغرس " إسرائيل " في قلب الرضا العربي، بعدما فرضتها بالقوة على دول العرب وقررت أن تحميها بالقوة منهم، وسيكون ذلك الرفض سيفاً مشرعاً في وجه " إسرائيل " التي تجلب مواطنين إلى فلسطين المحتلة على أرضية ذلك الاعتراف بها وبحكم اطمئنان اليهود إلى مستقبلهم بين العرب.
ولا ينبغي أن يكون الرفض الذي يعتمل في نفوسنا هو وحده السلاح، لأنه سيغدو رفضاً مجانياً غير ذي معنى، إن ما نرمي إليه هو رفض واع لأهدافه ووسائله وغايته، رفض يترجم إلى عمل منظم يوظف الطاقات والإمكانات والمعطيات البشرية والمادية والمعنوية لخدمة استراتيجية التقدم والتحرير على أرضية المنظور القومي ـ الوحدوي الذي يتكامل بتلازم العروبة والإسلام ليكونا للأمة جسداً وروحاً لا فصل بينهما مع بقاء الحياة والحيوية.
إننا نملك القوة البشرية التي تحتاج إلى مزيد من الوعي والتنظيم ورفع وتأثر الأداء بإبداع على أساس من العلم والإيمان وصدق الانتماء والاقتناع، ولكنها تحتاج أولاً ومن أجل ذلك كله إلى مصداقية في القول والعمل معاً، وإلى نظافة في التعامل ليكون لها في ذلك قدوة حسنة، ونحن نملك الطاقات والثروات الفريدة في النوع والكم، وعلينا أن نرفض استمرار هدرها أو نهبها أو تغييب مفعولها ومردودها على الناس والقضايا المصيرية، سواء أتمَّ ذلك بأيدينا أم بأيدي أعداء أمتنا. ونحن نملك البعد الاستراتيجي في كل مجال من مجالات الجغرافية والاقتصاد والتجمع البشري والقوة العسكرية من نواحٍ وفي المجال الثقافي، ولكن علينا أن نجنب أنفسنا حالة ازدواجية الولاء، وحالة الوجه والقناع التي تمثل نفاقاً، وتفتت الانتماء للأمة؛ ذاك الذي يسحقنا ويضع قوانا بمواجهة بعضها بعضاً.
نحن الآن ربع مليار عربي تقريباً، منا التابع للقاهر والرافض للتبعية، ومنا الضائع والرافض للضياع، والمهزوم في أعماقه والرافض للهزيمة بأي ثمن ومقياس؛ وفينا من يقاوم احتراق كبده ويطفئ ناره بالارتماء في حضن الأمل والصراخ على أمل أن ... وفينا، بين هذا وذاك، ما يشكل مساحات وهوامش فسيحة؛ ونحن في بداية القرن القادم ثلاثمئة مليون من البشر على طريق العلم والعمل والحياة. فهل يمكن أن ينهزم ذاك الجمع ومن معه من المسلمين الذين يلتفون حول نواة صلبة يمكن أن يكونوها، أمام يهود قد يصلون إلى الملايين الخمسة، ومن يناصرهم في امتداد جغرافيا المصلحة، إذا ما طبق العهد بمواجهة العدو على أرضية الحزم والحسم بصدق وإيمان على كل مستوى وصعيد من صعد المواجهة ومستوياتها في وطن الأمة الواحدة؟! قد أكون واهماً ولكن ليس إلى الحد الذي أرفض فيه استقراء التاريخ وقوة الإيمان بالحق في أمة عرفت معنى الحق في تاريخها .
نحن أصحاب الطاقة التي يحتاج إليها العالم لعقود مديدة من الزمن، ولن يستمر أصحاب المصلحة في الحصول على الطاقة بالاعتماد على الحصان " الإسرائيلي " لتأمين مصالحهم إذا ما اكتشفوا عجزه، وتكاليفه الضخمة، ومستقبله الحالك، الذي يمكن أن نصنعه نحن بأيدينا. وإذا ما اكتشفوا أيضاً قوتنا التي تجعلهم يتعاملون معنا تعامل الند الواثق والمطمئن إلى مستقبله مع نده. إن تبادل المصالح بين الشعوب يحتاج إلى أرضية من الثقة والاحترام، وإلى معرفة بأساليب التواصل، وإلى التلويح بإحراق السفن عند الضرورة، فلنتقن ذلك الفن بعض الشيء ولكن ككتلة واحدة متماسكة تماماً .
نحن أصحاب الشخصية الثقافية ذات الهوية الواضحة الثابتة، وأهل العقيدة الراسخة، ولن يهزمنا أولئك الذين يصدرون إلينا بضائعهم الثقافية مباشرة أو عن طريق من انهزموا من الداخل واخذوا يروجون بيننا الانهزام من أبناء هذه الأمة ومثقفيها، أقول لن يهزمنا إذا ما استعدنا الرؤية الشاملة لذواتنا بوعي معرفي عميق، وأحسنا الالتفات إلى صنائعهم، الذين يخرجون ثقافتنا من الداخل ويروجون بضائعهم، ما صلح منها وما فسد، لنكون عالة على الآخرين، منخورين من الداخل، يطال التخريب قيمنا ومقومات وجودنا وذوقنا وركائز هويتنا وشخصيتنا ومكونات خصوصيتنا وضمائرنا ذاتها. ومن الذي يمنعنا من الالتفات إلى ما يجدر بنا الالتفات إليه من أمور وقضايا هي في الصميم من وجودنا وتكويننا؟!
نحن أقوياء.. ولكن عوامل الضعيف التي ما انفكت تفتك بنا هي عوامل من صنع أيدينا أولاً ومن صنع أعدائنا ثانياً؛ وأياً كان مصدرها فهي تؤثر على كل أشكال مواجهاتنا وعلى مستويات تلك المواجهات ونتائجها النهائية .
نحن ندرك اليوم أننا في فخ من صنع أعدائنا وأنصارهم، ومن صنع من تواطأ معهم من أيناء أمتنا، ومن ساهم بذلك منا عن تقصير أو جهل أو سوء تصرف منهم؛ ولكنا في الفخ. ونحن بحاجة إلى الحكمة والقوة والتضامن لنخرج منه، وندرك أن خلاصنا مما نحن فيه لن يكون من دون ثمن، وأن قد يكون الثمن فادحاً؛ ولكن يتوجب علينا ونحن نخوض معركتنا هذه، ضمن شباك الفخ الذي نحن فيه، أن ننشر الوعي والثقة والأمل والإيمان بقدرتنا على التخلص، ونشيع الاطمئنان إلى المستقبل الذي ينتظرنا وينتظر أجيالنا ؛ ذاك الذي لا بد أن يكون كريماً ومحققاً لمقومات النجاح والكرامة والأمان في آن معاً .
نحن أقوياء بما فيه الكفاية لنرفض هزائم الأعماق، ولنغرس الثقة والأمل في الحاضر والمستقبل، لنا وللآتين بعدنا، بحكم ما نملك من مقومات وقدرات وثروات، وبحكم تجربتنا الطويلة المرة، وماضينا وضغط الواقع علينا؛ ذاك الذي يقدم بمجمله معطيات لا يستهان بها، ويستنبط من الماضي عبراً ودروساً واستخلاصات لا يستهان بها أيضاً.
فقد كنا مغيبين في الجهل والتبعية والجوع والعبودية حين قاومنا الاستعمار المباشر: الفرنسي والبريطاني والإيطالي، ولم نكن نملك السلاح المتطور الذي نرد به على المستعمر الذي يطور السلاح ويملكه. وقاوم شعبنا ولم يستسلم للاستعمار ولا لمخططاته التي كانت ترمي إلى إلحاق شق من الوطن العربي بوطن المستعمر ثقافياً وجغرافياً. قاومنا ودفعنا الثمن، الذي كان فادحاً بشكل لا يطاق، لا سيما في الجزائر وفي ليبيا، ولكن الوطن تحرر وتقدم على الرغم من الزرع البغيض الذي زرعه الاستعمار وما يزال يرعاه ويتعهده بالنمو .
ولقد ازدادت مؤسسات العلم والإنجاز في وطننا وانتشر التعليم وما زال يكافح الجهل وأسبابه وظروف استمراره.. وقد زاحمت عقولُنا وإرادتنا ومعارفنا على أبواب العصر، وما زلنا نُقْصَى بالقوة المسلحة عن امتلاك التَّقَانَة العالية والقوة العسكرية والعلم المتقدم؛ ولكن هل سيستمر ذلك إلى ما لا نهاية؟! وهل نتوقف عن قرع باب التقدم العلمي والحرية الاجتماعية والفكرية؟! إن ذلك لن يكون أبداً، لأنه لا يتفق مع منطق الحياة والتاريخ، كما أنه لا يتفق مع تاريخ هذه الأمة التي طالما نهضت من رمادها واستأنفت جهادها بحرص على العدل والحق والإنسان.
إن ذلك لن يكون.. وهذا هو بالذات ما يقلق عدونا ويرعبه، وما يجعل أنصاره والطامعين بثرواتنا من ذوي المصالح والتكوين العنصري في الغرب يصرون على أمرين في آن معاً :
ـ فرض وجود العدو على أرضية الرضا الظاهر والقهر الباطن المستمر بالتفوق والحماية والرعاية.
ـ فرض الحصار على الغرب في مجالات العلم والقوة، واستلاب الإرادة، وسلب الثروات والسيطرة على مقومات التحرير والتحرر، ليبقى عنق الأمة في قبضة عدوها وصاحب المصلحة الملحة في أرضها. فهل ترانا نبقى مستسلمين لإرادة العدو وظهيره الذي يدفعه ويحميه؟! أم ترانا نستيقظ ولو في قلب ليل المأساة لنبدأ مسيرتنا نحو الصبح، والصبح لناظره قريب؟!
إنه السؤال الذي لا يقبل من المؤمنين بأمتهم وبحقهم في الحياة إلا جواباً وحيداً : سوف نرفض الهزيمة، ونتابع سيرنا في ليل المأساة نحو الصبح القريب.
الأسبوع الأدبي/ع362//13/أيار/1993
nnn
|