صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

الأمل والخداع

ما أسرع ما ينكشف الكذب ويتبدّى الخداع مقيتاً ومفزعاً ووقحاً !! وما أسرع ما ينسى العالم تلك الصورة البشعة التي تطالعه، ويعود إلى تصديق الكَذَبَة وابتلاع ما يقدمونه من صور الخداع وألوانه؟!‏

مدمن عالمنا على الخديعة، لكأنما فطر على الافتتان بشخصية الشيطان والانجرار نحو الغواية، ولكأنه، حين يوقظه احتراق أصابعه بنار الفتنة، يفتح عينيه بين سباتين طويلين لدقائق معدودة، ثم يعود إلى الافتنان والغواية وإدمان الخداع؟!‏

لقد سجل التاريخ بمداد من ألم ودم كثيراً من صور الخداع والكذب على أنها بطولات ومفاخر ومآثر، حتى لكأن العالم يكتب وهو نائم، وحين يكتشف في صحوة من صحواته فداحة الخطأ يصحح بعض الوقائع، ولكنها تدخل التاريخ على استحياء لتقاوم الخداع الذي احتل المكانة الأولى وتمكَّن من الدفاع عن وجوده الكبير.‏

كذبة وراء كذبة تقطر في حلق العالم المسجَّى بين ذراعي شيطان يبتلع ويبتلع ويبتلع، ويرتعد أحياناً وهو يبتلع، ولكنه لا يكف عن إدمان الخداع والانجرار نحو الفتنة؟!‏

يتحدثون عن خلاص ومخلِّص وعالم قادم يتراجع فيه الشيطان والافتتان، ولكنهم، ويا للأسف، يربطون ذلك بسيطرة الشيطان واستيلائه على أرض الناس ومقدسا تهم وعقولهم، ليقوم من رماد ذلك خلاص ومخلِّص؟! ويا حبذا خلاص يكون بالإنسان من شر الإنسان؟! ويا حبذا خلاص يتحقق لأولئك الذين يدفعون أعمارهم على مدى قرون وأجيال من أجل انبلاج فجر الخلاص بحق؟!‏

بائسة صور الرسالات تقدمها ألسنة الدجالين، وبائسة كلمات الحق تلوكها أشداق يقطر منها دم الأبرياء، وبائسة ملامح العالم وهو يُطحن بين أرجحية الخداع والكذب، ولكن عملقة البؤس تتجلى حين ندرك كل ذلك ونستسلم له ونئن بين يديه ونشكو منه إليه؟!‏

العنصرية ـ الصهيونية على أرضية التلمود وأخلاق شايلوك وممارسات الإرهابيين النازيين، من بيغن إلى رابين مروراً بالأساتذة العنصريين الأوائل، تتحالف مع الإمبريالية الأميركية والغرب المتواطئ معها، في " شراكة استراتيجية " مؤسسة على تأمين مصالح أطرافها على حساب العرب، قائمة على إباحة استخدام الإبادة القذرة بقفازات مخملية أو حديدية لا فرق، متجلببة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وعدالة تستند إلى " شرعية دولية " هم سادتها ومفسروها وشارحوها ومطبقوها وأصحاب قرار الجرح والتعديل فيها. ويجرُّون وراءهم عالماً لاهثاً وراء الخلاص يجعلونه " صهيونياً " باسم البراءة والمحبة والخلاص، والصهيونية ما كانت يوماً محبة ولا براءة ولا خلاصاً، وإنما نتن التاريخ في الاعتقاد والممارسة والتعامل مع القيم والإنسان.‏

* * *‏

" الإفلاس الخُلُقي للغرب " قد يكون عنواناً براقاً للعقد الأخير من القرن العشرين، ولا فتة ملائمة تعبر عن نظام أميركا الجديد الذي تبشر به وتقول إنها تصوغ في ضوء " نظامه الجديد " علاقات الدول والشعوب وتقيمها على أساس من الأخلاق !؟! وتجبهك الكلمة الكبيرة حتى لتكاد تزلزلك، ويتفصد العرق من جسمك كله وأنت تركز النظر في تاريخ طويل من علاقات الغرب والصهيونية بالآخرين، فلا تجد إلا الإفلاس الخُلُقي تاريخياً على كل مستوى وصعيد، ولا تجد سوى المنفعة والمصلحة القذرة محركاً ومَحْركَاً للفعل الغربي؟!‏

" فاقد الشيء لا يعطيه " والإفلاس الخُلُقي المزمن لا يمكن أن تطفر منه الأخلاق الصحيحة السليمة فجأة، والغرب المتصهين يسير على خطا الصهيونية العنصرية في تعامله مع فقراء العالم، ومع شعبنا العربي، وامتداد المسلمين في الأرض.‏

ومن الطبيعي والبديهي و " الخُلُقي " ـ حسب مفهوم الغرب للأخلاق في إطار السياسة والتعامل مع الشرق والعرب على الخصوص ـ من الطبيعي أن يغير الغربي موقفه من أية قضية لا تخدم مصالحه المباشرة وأحقاده التاريخية، ولا تنعكس إيجابياً، مادياً ومعنوياً، عليه بشكل مباشر، ولا يهمه على الإطلاق أن ينقض أقواله، ويلحس توقيعه على الاتفاقيات، ويفتعل مواقف وتفسيرات ومبررات لأفعاله المنافية للأخلاق.‏

فالثوابت الخُلُقيَّة لا تحرك سياسة الغرب، مهما ادعى وتبجح وكذب، إن ما يحرك تلك السياسة مصالح سوداء، تلون الأخلاق باللون الذي تريد، وتصنّع المبررات وتصدرها حسب الهوى والمصلحة والحاجة.‏

لقد كان تدمير كل من العراق وإيران في حرب استمرت ثماني سنوات عملاً " خُلُقياً " من وجهة نظر المصالح الغربية والمصلحة الإسرائيلية، فكان أن لعبت أميركا وحليفاتها، وحتى الاتحاد السوفييتي المنهار أيضا، لعبة " توازن القوى " بشرط استمرار الحرب. وركبت أحصنة عنيدة من أجل ذلك وكانت تتغاضى عن الأخلاق، حتى في ممارسات من تدعمهم. وكان ذلك مسوَّغاً لأنه يستنزف القوى الموجودة في الخليج العربي كلها، ويقدم المال والنفط والثقة للغرب، وكان حلفاء أميركا من أطراف النزاع فوق الشبهات الخُلُقيَّة .‏

ولكن تغيَّرت المصلحة اليوم لأن العراق وإيران قرأا الدرس، بعد فوات الأوان بكثير، فقررت إدارة كلنتون أن تعلن عداءها للبلدين، كما قررت رفض سياسة " توازن القوى "، فتلك سياسة قديمة على حد تعبير مارتن فاندايك مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي. هناك الآن سياسة جديدة قوامها " الخُلُقي " حسب تعبير فاندايك ـ وهو صهيوني كان يدير مؤسسة واشنطن للشرق الأوسط وهي مؤسسة في خدمة " إسرائيل" ـ قوامها: " إن إيران والعراق بلدان معاديان للمصالح الأميركية. ولهذا فإنها ـ أي أميركا ـ ستعمل على احتوائهما ضمن سياسة عزل وعقوبات دولية، وستمنعهما من امتلاك أي سلاح يمكنهما من تهديد مصالحها. "، وواضح أن حماية أي بلد لمصالحه التي تطمع بها أميركا هو تهديد لمصالحها، ويحق لها أن تدمره قبل أن يتمكن من حماية نفسه. فالحرب " الوقائية " على الطريقة الإسرائيلية هي اختيار أميركي الآن. ولا يهتم فاندايك بالأطفال الذين يموتون ولا بمستقبل أجيال وشعوب، ولا يعنيه في شيء أن يخالف شرعة حقوق الإنسان والشرعية الدولية، فكل ذلك وجد أصلاً ليخدم مصالح الغرب والصهيونية، وليشكل ذرائع " خُلُقيَّة " للتدخل في شؤون الغير؛ وهو يتحول أحياناً إلى أدوات تجميل ومساحيق توضع على وجه " الهَوْلَة " عندما تخرج من مذبحة بشعة.‏

لقد كان لخطة " فانس ـ أوين " موقع في السياسة الأميركية يوماً ما، وقام وارن كرستوفر بزيارات لأوربا للاتفاق على تنفيذها وفرضها بالقوة على العنصريين الصرب؛ ولكن عندما أعلن المجرمون الصرب " موت خطة " فانس ـ أوين " سارع الأميركيون إلى دفنها من دون بكاء، بواقعية ـ مصلحية ـ " خُلُقيَّة ": باردة وبائسة وغربية تماماً .‏

ونادوا بمشروع آخر، مشروع يتفق مع ما آل إليه وضع البقية الباقية من البوسنيين المسلمين، الذين يحتاجون ـ من وجهة نظر الغرب والصرب ـ إلى ملاذ آمن وليس إلى دولة وحقوق وحياة، وذلك " الملاذ الآمن " يتولى مسؤولية إقامته والحفاظ عليه زعيم الذئاب التي تكر على فرائسها كلما تشهَّت اللحم والدم، حتى لا يبقى ظل لمسلم في البوسنة والهرسك. وأصبح العمل من أجل " ملا ذات آمنة " بديلاً لحق دولة في الوجود، وحق شعب في الأمن والسيادة، وبديلاً لكل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بردع عدوان الصرب العنصري البغيض على المسلمين .‏

وقد تجلت العدالة الغربية بإعطاء فرصة للكروات بذبح المسلمين وانتزاع بعض أرضهم، وتوّج المنطق المصلحي الغربي ذلك كله بالقول: إن كل الأطراف يخترقون القانون (؟!) ولكن أي قانون خُلُقي ذلك الذي ينتهكه مسلمو البوسنة والهرسك؟! لا أحد يعرف إلاّ سادة الأخلاق في الغرب والصهاينة الذين يدعمون الصرب بالسلاح والمدربين لتنفيذ المذابح الجماعية وإبادة الجنس.‏

إن مجرد السماح للمسلمين في البوسنة والهرسك بامتلاك السلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم ضد المذابح المستمرة منذ أشهر أمر ممنوع، ولا يتخذ الغرب " المتمدن " قراراً على الإطلاق برفع الحظر عن تزويد المسلمين بالسلاح .‏

بينما يقدم الغرب وتقدم روسيا و " إسرائيل " أسلحة ومتطوعين ودعماً مالياً ومعنوياً للصرب الذين ينفذون برنامج الإبادة البشرية في ظلال " الحضارة والأخلاق الغربية " هناك في أوربا التي عجزت عن حل مشكلة إنسانية في ضوء المبادئ والأخلاق، بعيداً عن المصالح والمنافع والتحالفات السياسية والعسكرية ضد الآخرين.‏

لقد ظهر النمر الأميركي الذي كان يتسلل عبر الصحراء العربية ببراعة وشجاعة على أرضية " خُلُقيَّة " ظهر الآن وكأنه قط أليف لا يقوى حتى على المواء، ويختار ما اختاره " العدو " الذي أدانه في وقت سابق باسم العدل والأخلاق والشرعية الدولية، ويبتلع أظفاره وأنيابه وزئيره، أنه ببساطة: لا مصلحة مادية ولا منفعة له بإنقاذ المسلمين، وليس هناك استعداد عند أحد من حلفائه للتضحية برجل واحد من أجل انقاد شعب البوسنة والهرسك.‏

" إنها أخلاق مفسدي القيم والأخلاق في عالم يُقْلَى في مطبخ الإمبريالية الأميركية والصهيونية العنصرية والغرب المتهالك على المنافع "، ولو أنهم خففوا قليلاً من الادعاءات الخُلُقيَّة لكان ذلك أستر لهم وأرحم لضمائر سواهم.. ولكن ...؟!‏

لقد قدمت أميركا تعهدات في حرب الخليج الثانية، وقبيل مؤتمر مدريد، وفي أثنائه، وفي جولات المفاوضات، لا سيما الجولة التاسعة من تلك الجولات.. وحددت مرجعية مؤتمر السلام مع العرب بقرارات مجلس الأمن (242)، (338)، (425) ولكنها بعد أن جددت تحالفاتها وراجعت سياساتها، واستفادت من الزمن وقدمت لـ " إسرائيل " كل ما تحتاج إليه من وقت ومال وسلاح ومهاجرين ونفوذ وسمعة دولية وانتشار في العلاقات مع الدول، على أرضية الابتزاز باسم السلام القادم، عادت لتتنكر لكل شيء تقريباً مما وعدت به العرب، وذلك عن طريق التملص الوديع باللجوء إلى التفسير الرقيع للقرارات والالتزامات والمواقف والأخلاقيات !؟.‏

وهي تؤكد أنها تريد حلاً، وأنها جادة في التوصل إلى حل، ونحن نؤكد ذلك ونضيف أنه من مصلحتها إيجاد حل في المنطقة يجعلها تتمكن فيها أكثر وتطمئن إلى مصالحها أكثر. ولكن الحل الذي تريده هو الحل الذي تفرضه " إسرائيل" وترضاه وتريده، ومهمة أميركا أن تُلبس العرب ثوباً تفصله " إسرائيل"؟! هكذا كان الشأن دائماً وهكذا سيبقى. ولا نريد أن نتحدث هنا عن كيفية انتهاك أميركا الفظ للقرار (799) وإبعادها للهيئة الدولية المعنية ـ مجلس الأمن ـ كلياً عن ساحة الفعل عندما نادت بتطبيقه، وتدخلها الوقح لتفرض صفقتها التي هي مطلب " إسرائيل" أولاً وأخيراً .‏

- إن أميركا ترتب، باسم المصلحة وتحت ستار الأمن والأخلاق، ترتب تحالفات وصراعات وحروباً جديدة في هذه المنطقة من العالم، وتريد أن تكسب الوقت لترتب لعبتها كما تحب؛ وسوف تزج مصر قريباً بمواجهة إيران على أرض الخليج، وتدفع المواجهة بين الإسلاميين والسلطات إلى المدى الذي يدير عجلة الفتنة الداخلية في معظم الأقطار العربية، كما تدفع المواجهة بين بلدان عربية وأخرى إسلامية، وبين بلدان إسلامية ـ وإسلامية إلى حدود الفتنة، على أرضية العداء والفتن والصراعات الإقليمية والدينية والسياسية؛ لتحصد من كل ذلك بشراً قد " يهددون مصالحها " بمحافظتهم على حياتهم ومصالحهم وعقولهم؟! ولتكسب مالاً ثمناً للسلاح، ولتفتح سوق تجارة الدم على مصراعيه .‏

إن السياسة الغربية ـ الصهيونية مقبرة للأخلاق تحركها المصالح والأحقاد، وتراهن على تعلق الشعوب بشطارة الشيطان وبهلوانيته وعلى افتتان الشعوب بالخداع والكذب اللذين يقوم بهما القوي الشرير، الذي يحسن استخدام الأقنعة، ويمتلك مهارة في الإيقاع بالآخرين. ولأن كل فقير يشرب الكأس يشمت به فقير آخر، فإن لعبة الشيطان تستفيد من ذلك، ليشمت كل من شرب بمن سيشرب، ويبقى الشيطان دائراً بكأسه على الجميع، سادراً في غيه إلى أن يصحو شعب، وتتفتح عيون، وتدرك عقول، وتتلفت إلى مصالحها أمم؟! ولكن السؤال هو: متى سيأتي ذلك الوقت وذلك الحدث؟! وهل ستطول مدة الصحو، وتتسع سلامة الرؤية إلى المدى الذي يتحقق معها نصر على الشيطان، وخلاص حق بمخلِّص حق، غير ذلك الذي يصوّره لنا دجال ويروج له دجالون؟!‏

إن الأمل هو سر العالم، وسر الإنسان، وبلسم المضطهدين والمظلومين والمحرومين، وهو الذي يجعلنا نجر صلباننا في طريق الخلاص ونلهث فوق جمر الدروب، ونتعلق بالأخلاق والمثل وبالصبح القريب.‏

ألا فلتكبر أيها الأمل، ولتتألق في فضاء أرواحنا حتى نتجرع كؤوس المرارة، ونتحمل أعباء العيش، وتبقى لنا أرجل تنغرس في طين الأرض، وأيدٍ ترتفع مع العيون إلى السماء لتلامس النجوم، وتراود عشقها الجميل.. العدل والخلاص وحرية الناس !! ألا فلتكبر أيها الأمل ولتتألق في فضاء أرواحنا حتى نشعر بعد كل انقشاع لظلمة ظلم،وانكشاف لسيل كذب وخداع، إننا ما زلنا قادرين على الاحتمال ومواصلة الكفاح من أجل الوصول إلى أهدافنا المشروعة والعادلة.‏

الأسبوع الأدبي/ع364//27/أيار/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244