|
الأمل والخداع بين شايلوك وراعي البقر
بكل الوضوح والدقة أعلنت إدارة كلنتون على لسان مارتن انديك (أن نهجنا حيال المفاوضات سيتناول العمل مع " إسرائيل" وليس ضدها، فنحن ملتزمون بتمتين شراكتنا الاستراتيجية مع " إسرائيل" سعياً وراء السلام والأمن، إن أولئك الذين يسعون لتحقيق سلام شامل وحقيقي يدركون أن هذا لا يمكن أن يتحقق دون أن تقوم "إسرائيل" بالانسحاب من أراضٍ، الأمر الذي ينطوي على أخطار حقيقية لأمنها؛ أولئك الذين يسعون إلى تحقيق تقدم حقيقي، يجب أن يفهموا أنه لن يتحقق " التقدم " بدون هذا النوع من العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و " إسرائيل ".
ويضيف الأميركيون إلى ذلك تأكيد التزامهم " بالحفاظ على تفوق " إسرائيل" النوعي " وإقامة " شراكة تطوير إنتاج معدات التكنولوجيا المتقدمة " معها. ويقولون صراحة ": يتعيَّن على السوريين أن يكونوا راغبين في الالتزام بسلام حقيقي مع " إسرائيل " بكل ما يعنيه ذلك من إنهاء النزاع، وتطبيع العلاقات، وفتح الحدود، وتبادل السفارات، وإقامة علاقات تجارية ".
وقد قدَّم اسحق رابين، على أرضية هذا الإعلان الأميركي المستمر والواضح بتصريح له يقول فيه: إنه سينسحب من بعض الجولان ولكنه لن ينسحب منه كله حتى لو وافقت سورية على مفهومه هو للسلام، وهو الذي تحدده المواصفات الأميركية التي سبقت الإشارة إليها.
وفي ضوء هذا قد تتحدد تماماً نتائج الجولة العاشرة من مفاوضات واشنطن، في المسار السوري على الأقل، وتوجهات الضغط في تلك الجولة .
إن الشراكة الأميركية ـ الإسرائيلية سوف تضغط باتجاه كسر الحلقة العربية بعد أن جسَّت طويلاً مناطق الضعف والقوة فيها. ونتائج تلك الجولة تبدو غير مشجعة على الإطلاق في بعض المسارات الهامة، وإذا كنا نعقد آمالاً من أي نوع، على أرضية تفعيل الدور الأميركي في المفاوضات، فإن ذلك لن يقدم لنا إلاَّ الإحباط والمزيد من الصدمات، فالولايات المتحدة الأميركية تعلن أنها ستعمل مع " إسرائيل" وليس ضدها " وهي تعرف منذ البداية ماذا تريد. ولكنها تتبع سياسة الجزرة والمخرز، لتغري العربي باستمرار التقدم نحو المنزلق، الذي يحصره فيما بعد داخل ممر ضيق محاط بصخور شاهقات، فلا يمكنه التحرك إلاَّ على المسار الذي ترسمه له " إسرائيل " من خلال الولايات المتحدة الأميركية.
إن الذي يجري الآن على أرضية استمرار المفاوضات وإنعاشها، هو كسب للوقت وللعالم من قبل "إسرائيل"، وحصار للعرب وتوسيع لدائرة التآكل فيما بينهم. ومن يلاحظ انتشار " إسرائيل " الديبلوماسي وما تحققه من اتفاقات، والزيارات التي تتم لمسؤولين من مختلف بلدان العالم لها، وسعيها الدائب لتحقيق مكاسب لها، وفرض حصار على العلاقات العربية مع الآخرين، باسم السلام القادم، والمفاوضات التي تتم في واشنطن، وبضغوط السياسة الأميركية؛ من يتابع ذلك يدرك أن الوقت الآن يعمل لصالح " إسرائيل" داخلياً ودولياً وليس لصالح العرب.
ذلك أن العرب يقطِّعون الوقت بالشكوى من استمرار المذابح ضد المدنيين في الأرض المحتلة، ومن عدم تحقق تقدم في المفاوضات، ومن السير البطيء لها، فهم يريدون الإسراع في المسارات التي تؤدي ـ في نهاية المطاف ـ إلى الاعتراف بـ " إسرائيل " ومنحها وجوداً على حساب الحق العربي والشعب العربي، دون أن يأخذوا جراء ذلك سوى بعض أرضهم، بمقابل منح كل الفرص لليهود على أرضية السلام والاطمئنان والأمن والتفوق القهار، ليؤسسوا لمستقبلهم ويحلوا مشاكلهم، ويكملوا استيطانهم، وجلب مستوطنيهم، وإقامة كل ما من شأنه أن يوفر الفرص والإمكانات لتحقيق مرحلة قادمة من مشروع " إسرائيل" التوراتية .
إن شايلوك يهيئ صكوكه وصناديق أمواله، وسكاكينه الرهيفة وينتظر انطلاقته الشيطانية نحو " الوطن "، نحو الوطن العربي، ليرابي ويتاجر ويهيمن ويكبل الناس بقيوده، ويغرقهم في خضم الاستهلاك، ويحولهم إلى عبيد القوة والحاجة، ويفتك بهم بعد ذلك كما يريد !!.
فهل يتمكن من ذلك؟! وهل نمكنه من رقابنا يا ترى؟! أم أن هناك بدائل نفكر بها، ونعمل على تحقيقها لنستثمر قدراتنا وطاقاتنا والزمن الذي يتسرب من بين أصابعنا ؟!. يبدو لي أن تحركنا مازال بطيئاً جداً على مسارات بديلة، ويبدو لي أننا لا نفكر جدياً بالبحث عن بدائل على الإطلاق، مادمنا قد اخترنا هذا المسار وحوصرنا فيه، وسلمنا بأن قوة قاهرة فرضته علينا .
إن الخلد الأعمى في باطن الأرض لا يكلّ عن البحث والحفر والتسرب في شعاب الأرض، يؤدي حالة حياة وحيوية يعيشها وينفق عمره فيها؛ وأضعف الحشرات تحافظ على مقومات الحياة. وكل من آمن بحقه في الحياة، يعمل من أجل الحفاظ على مستوى فيها، وعلى سوية في التعامل مع أحداثها وقواها ومقوماتها، ليكون له حضور وبقاء وكرامة في أثناء الوجود والبقاء. فما لنا نركن إلى ما ينبغي ألاَّ نركن إليه، وندع الفرص تضيع والزمن يضيع؟!
لقد أخذ العرب يتلفتون، بأشكال مختلفة، من كل ما يلزِمهم بشيء حيال القضية الفلسطينية، ومن كل ما يحملهم مسؤولية من أي نوع حيال الصراع العربي ـ الصهيوني؛ وأخذوا يتهافتون على " إسرائيل " بشكل مباشر أو غير مباشر، بأشكال التهافت وألوانه، وأخذ الاستسلام للأمر الواقع يدب في كياناتهم ويفتك بوجدان كل منهم، فهل هانت عليهم حقوقهم إلى هذا الحد؟! أم هانت عليهم صلاتهم بقضاياهم وببعضهم بعضاً إلى هذا الحد الذي يستوي معه العدو والصديق والأخ، وتستوي معه التجارة والشطارة والتآمر والتملص الجبان من المسؤولية التاريخية حيال الأمة وقضاياها ؟!!.
إن أميركا تعبث بنا، وتتمادى بالعبث، وتشجع " إسرائيل" على الاستهتار والعبث والتعنت، ومداخل ذلك أو بعض مداخله تأتي من :
ـ ضعف العرب وتآكلهم بالدرجة الأولى .
ـ تماسك الموقف والتحالف الأميركي ـ " الإسرائيلي " .
ـ ترامي العرب على العدو وحلفائه بأشكال مختلفة وعلى حساب القضية الأم والمصلحة القومية، والعلاقات الثنائية العربية.
فهل إلى تغيير أسلوب المواجهة والتعامل مع القضايا العربية المصيرية من سبيل ؟!!. وهل يمكن استعادة التضامن العربي بشكل جيد وفعال، ليساهم ذلك إيجابياً في مواجهة العرب لما يُفرض عليهم من أوضاع وحلول ومواقف، لا سيما بالنسبة لصراعهم مع العدو الصهيوني ؟!!.
وهل هناك أمل في أن نوقف زحف الاستعمار المباشر وغير المباشر على أرضنا وقرارنا السياسي واقتصادنا وروح العزة والكرامة في شعبنا، بعد أن دفعنا أفدح الأثمان لتحرير أنفسنا نسبياً من أشكال الاستعمار؟!! .
وهل هناك أمل ترتفع وتائره في النفوس إلى الحد الذي نرفض معه هيمنة وغطرسة عدو رفضناه بحق طوال عقود، ودفعنا على طريق تحرير أرضنا منه عشرات آلاف الشهداء، ومئات مليارات الدولارات، وما لا يحصى من الآمال والمعاناة والمقاساة والوجع القومي ؟!. إن الأمل في نفوسنا أكبر بكثير من اليأس ومن الهزيمة، وإذا لم يتمكن عرب اليوم من رد الهجمة التي تجتاح ما تبقى من حقوقهم وكرامتهم، فإننا على ثقة بأن الأمة العربية لن تموت وسوف نتوجه إلى الأجيال القادمة بكثير من الثقة والأمل؛ ولكن يبقى مراً في حلوقنا أن يسجل هذا الجيل على نفسه عاراً في التاريخ وأمام أجيال الأمة، وأمام الأمم، بأنه لم يستطع حتى أن يتماسك في المحنة، ولا أن " يتهافت بكرامة " ـ هذا إذا كان في التهافت أصلاً كرامة ـ أمام عدو تاريخه هو تاريخ الجبن والنذالة والحقد العنصري البغيض ...
ألا إن الأمل في نفوسنا أقوى من شايلوك وسكاكينه وعقوده وصناديق أمواله، وأقوى من (الكاوبوي) الذي يسرح في بعض أراضينا وأنشوطته في كفه.
فهذه الأرض ما استسلمت أبداً للقراصنة والطغاة والظلمة، وإن كان الناس فيها قد ترنحوا من آن لآخر، فإن ترنحهم إلى وقوف، فثبات، فصمود. وسنعرف كيف نتملص من أنشوطة راعي البقر ومن سكاكين شايلوك اليهودي العنصري البغيض.
الأسبوع الأدبي/ع366//17/حزيران/1993
nnn
|