|
الوجه الأميركي الجديد
في إحدى الجولات الدعائية ـ الانتخابية التي سبقت الانتخابات الأمريكية الأخيرة قال جورج بوش عن كلنتون ونائبه أل غور: " إن كلبتي تفهم في السياسة أكثر من هذين المهرِّجين ".
وقد فاز " المهرجان " في الانتخابات وسقط بوش والكلبة المسيَّسة، وقيل الكثير عن أسباب ذلك، والكثير أيضاً عن نتائجه وانعكاساته على أميركا وحلفائها وأعدائها وعلى المجتمع الدولي الذي تمارس دوراً بارزاً فيه .وما يعنينا من تلك الانعكاسات هو ما يقع علينا وعلى قضايانا ومنطقتنا. وتلمُّس ذلك يصح من مدخل بسؤال يقول:
هل تغير الموقف الأمريكي من قضايانا؟!
وفي أي اتجاه كان ذلك التغير؟!
يمكن التماس الإجابة على ذلك في ملامسة سريعة لأبرز القضايا الموضوعة على النار وأولها:
1- المفاوضات الجارية في واشنطن بين العرب و" إسرائيل" على أرضية مؤتمر مدريد، ومرجعيَّته .
ففي الجولتين الأخيرتين: التاسعة والعاشرة اللتين تمَّتا بإشراف إدارة كلنتون لم يحدث تقدم يذكر على صعيد الواقع. وإن كانت دخلت تعابير نظرية ما زالت تبحث عن ترجمة عملية لها: مثل الشريك الكامل، والوسيط النزيه .
وإذا نظرنا إلى ذلك الدور وجدناه شراكة كاملة للعدو الصهيوني ضد العرب الذين أخذت مرجعيات مؤتمر مدريد تهتز تحت أقدام مفاوضيهم؛ ووجدنا أن الحركة الصهيونية الأمريكية هي التي تحتل بشكل شبه تام موقع الأميركي الراعي للمفاوضات والمشرف عليها، والشريك فيها و " الوسيط النزيه " أيضاً. فقد انتزعت الأوساط الصهيونية في أميركا هذا الدور وسيطرت على هذا القرار في السياسة الأميركية وعلينا أن نتذكر أن الوفد الأميركي الذي زار المنطقة مؤخراً ليدفع المفاوضات إلى الأمام ويبقيها على نار ساخنة هو وفد صهيوني ـ أميركي تام في معظمه: فدينس روس، ومارتن انديك وأهارون ميلر يهود صهاينة، كل منهم كان وما زال يعمل في مؤسسات صهيونية أو تخدم الصهيونية. ومارتن انديك هو الذي قدم في بيانه أمام " ايباك " مؤخراً في واشنطن سياسة الرئيس كلينتون التي بينت بما لا يقبل أدنى لبس أو شك بأنها منحازة إلى مفهوم السلام " الإسرائيلي "، ولا يمكن أن تقبل إلا كل ما فيه " أمن " إسرائيل" وتفوقها النوعي على العرب مجتمعين، وخير شعبها " .
وإذا كان ديجرجيان قد التحق بالوفد في سورية فلخبرة سابقة توضع في خدمة قيادة الوفد، وسوف تحدد رؤية مجموعة العمل هذه تحركات وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركية، وترسم أفقها .
وحين يزور كريستوفر، في الأسبوع القادم، هذه المنطقة العربية التي يصرون على تسميتها " الشرق الأوسط " بهدف فصلها وفصل القضية الفلسطينية عن الجسم العربي والذاكرة العربية، حين يفعل ذلك ستكون قد سبقته الحلول التي تفرضها " إسرائيل "، وشاع المناخ الذي تحول فرضه أيضاً.
إن هذا الذي " نلثغ " به سياسياً معروف في الأوساط السياسية، وربما كان مرفوضاً وممجوجاً، ولكن ماذا تفعل أمة أو سياسة فقدت السيطرة على مقومات القوة، أو غفلت عن تنمية قوتها وتوظيف طاقتها إلى الحد الذي تشعر معه بالعجز أو بالإحباط، وبأن الزمن لا يعمل لصالحها، وعليها أن تلهث وراء الممكن لا العادل، ووراء المعروض عليها ولو كان مرفوضاً منها؛ ولم تعد ترى طرقاً سالكة غير التي تضيئها لها تحالفات الأعداء؟!
2- موقف الإدارة الأمريكية من العرب خاصة والمسلمين عامة وفي هذا المجال علينا أن نقسم العرب إلى عربين ـ كما هي الحال دائماً، منذ العرب العاربة والمستعربة حتى يوم الناس هذا ـ عرب يمنحون أميركا الولاء فتمنحهم الحماية بعد أن تسلب أموالهم وروح القرار في بلدانهم، وتلغي إرادتهم القومية أو تشوهها، وتلحقهم بها إلى الحد الذي لا يجدون معه لهم مخرجاً مما هم فيه إلا بالمزيد من التبعية والإخلاص للسيد الأميركي. وعرب تشك أميركا بهم وبولائهم، وهم عندها قسمان :
ـ قسم تحت الامتحان والتطويع، أمّا بالضغط أو بالترويع، أو بالنبذ أو التجويع، ومن أولئك من هو في دائرة الإرهاب والتآمر على مصالح السيد الأميركي، ومتهم بالعمل على تعكير خواطر "الأميرو ـ إسرائيليين" أمّا بالسعي لامتلاك السلاح أو امتلاك أسرار تصنيعه وتطويره. وتعد العدة لكل فريق من هؤلاء أمّا لإلحاقه بركب السيد الآمر، أو لإلحاق الأذى والبطش به وبمصالحه.
ـ وقسم تحت المطرقة، يعاني من الحصار والعدوان والعزل، إلى أن يستعيد موقعه الذي كان له في دائرة الولاء والرعاية، أو ليقترب من تلك الدائرة، دائرة الموالين، إذا لم يكن منهم في السابق.
ولا يخرج المسلمون عموماً عن مثل ذلك من دوائر التصنيف التي للعرب. فهناك من هم أحصنة ميدان في إطار التحالف الأمريكي، والغربي بوجه عام، وهناك تبع يطلبون الرضا ويقدمون الامتنان، وهناك من هم في طور التطويع بوسائله وأساليبه المختلفة، وهناك من ينزل بهم غضب الفتك الغربي ـ العنصري ـ ولا يلقون من سيد " النظام العالمي الجديد " (؟!؟) إلاّ التواطؤ وتهيئة المناخ الدولي الملائم لاستمرار إبادتهم، وهو يبارك القاتل، ويغضي عن ألم الضحية. والبوسنة والهرسك، أفضل مثال يعرّي " النظام العالمي الجديد " كله. ويكشف زيف الأخلاق والقيم " والسلوك الحضاري " الغربي كله والأميركي منه على وجه التحديد، حيث تتم هناك الإبادة التامة والعلنية للجنس البشري، وتتراجع أميركا عن كل قرار تتخذه في هذا الموضوع قبل أن يجف حبره، لأنه لا يعجب الصرب العنصريين، ولا يرضي "إسرائيل" التي تحالفهم، ولا يتلاءم مع انتماءات الأميركيين ورغباتهم الدفينة.
وحيث نجد مجلس الأمن الدولي عاجزاً حتى عن حماية قواته في بعض الحالات ـ بعكس وضعه في الصومال حيث يفتك بالسكان لأن هذه هي رغبة السيد الأميركي الذي يسيطر على المجلس ـ ونجده أيضاً عاجزاً عن اتخاذ قرار ما وتنفيذه، وهو في حقيقة الأمر معطل لهدف قذر يتمثل في حرمان المسلمين من كل وسيلة أو فرصة تمكنهم من البقاء أحياء، ومن دفع مخطط الإبادة عن أنفسهم. ويتجلى ذلك في عدم السماح لهم بالتسلح وتوريد السلاح للصرب والكروات بكل الوسائل .
ولا نتكلم هنا عن حقوق الإنسان، ولاعن مكانة المجتمع الدولي، ولا عن المدنية والثقافة الغربية والتحضر وما إلى هنالك من ادعاء فارغ يشن الغرب باسمه، وتحت مظلته الحروب على الآخرين، وما هو في حقيقته الخُلُقيَّة ـ والسلوكية ـ حيال الآخرين ـ سوى كذبة مفضوحة لا أكبر ولا أوضح، كذبة بشعة تشكل عاراً لا يجد في هذا العالم التعس من ينظر إليه جيداً ويعرّيه جيداً ويحتقره جيداً .
وإذا ألقينا نظرة أشمل على العالم من حولنا وجدنا أن الإدارة الأميركية الجديدة تتوسع في إقامة تمييز مزدهر على أساس القوة ـ بشمول الكلمة ـ والعرق والدين وحتى اللون وهذا كله يفضح جميع الادعاءات المتصلة بالأخلاق والحضارة والحرية وحقوق الإنسان والمجتمع المتقدم القائم على احترام الآخر وصيانة قيم الحق والعدل والأخلاق.
وإذا كان هذا الأنموذج من العمل والتعامل مع الآخرين هو الذي يسود مستنداً إلى ثوابت ومبادئ سياسية وخُلُقية تعتمدها الإدارة الأميركية الجديدة، وإذا كانت تلك معاييرها وقيمها وأساليبها، فإنها إنما تؤكد فعلاً ما ذهب إليه جورج بوش في حملته الانتخابية ليس لأن الإدارة السابقة أكثر خُلُقيَّة وأرفع قيمة حضارية في تعاملها مع الآخرين لا سيما العرب، بل لأن تلك الإدارة كانت أمهر في الأداء السياسي، الذي يؤدي إلى النتائج "الأميركية " ذاتها من السلوك مع الآخرين والتعامل معهم، ولأن الإدارة الحالية لا تعرف كيف تخفي جلدها الأجرب بملابس حريرية، وربما هذا هو ما سمَّاه بوش معرفة سياسية أو فهم سياسي للعالم يؤدي إلى خدمة المصالح الأميركية وسيادة الأنموذج الثقافي والسلوكي الأميركي .
إن إدارة كلينتون تباشر سياسة مكشوفة منحازة دون أقنعة، وتعلن أنها سوف تفرضها بكل الأساليب الممكنة، وإلاّ فإنها " ستتخلى " لتفتح الطريق أمام الصراع في المنطقة من جديد؛ ومعنى الصراع في المنطقة من جديد تكاتف أميركا و" إسرائيل" ومن يتحالف معهما من غرب وعرب ضد من لا يرضى بسلام على الطريقة الإسرائيلية، وبمفهوم للسلام يرعاه ويفسره ويفرضه صهاينة الإدارة الأميركية، الذين يمثلون وجهة نظر " إسرائيل " أكثر من رابين ذاته.
وحيال هذا الوضع العالمي المزري، والوضع العربي المحزن، علينا أن نعمل دون كلل للتقليل من الخسائر وللتماسك في وجه العدوان المقبل علينا بكل صوره الوقحة، ابتداء من الاعتداء القريب على لبنان. وإننا نقدر على فعل شيء جيد بالوعي والعزم والتضامن العربي في حدوده الدنيا ... الدنيا؛ فهل إلى ذلك من سبيل يا تُرى ؟!.
الأسبوع الأدبي/ع370//15/تموز/1993
nnn
|