|
الاجتياح " الإسرائيلي " الثاني
اتخذ مجلس الوزراء " الإسرائيلي " المصغر قراره بشن هجوم على جنوب لبنان يوم الجمعة 23/7/1993 وبدأ تنفيذ هذا الهجوم يوم الأحد، وما زال مستمراً على مناطق وأهداف محددة شملت الأراضي اللبنانية.
وقد وضع العدو في سلة أهدافه لهذه العملية كلاً من:
-حزب الله، والمقاومة الوطنية اللبنانية إجمالاً.
-الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسائر المنظمات وأشكال المقاومة الفلسطينية للاحتلال من لبنان.
-الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية ووحدة لبنان.
-سورية واتفاقاتها مع لبنان ووجودها فيه، ودورها في عملية السلام.
-إيران وما تمثله بالنسبة لحزب الله ولرفض الاحتلال الإسرائيلي.
-والمرحلة الجديدة من مفاوضات السلام التي مهد لها وفد أميركي -صهيوني، وسوف يتابعها وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركية في مطلع آب القادم.
وبعيداً عن تفاصيل العمليات العسكرية ومجرياتها، تلك التي يتم تنفيذها في ضوء استفادة العدو من دروس اجتياحه للبنان عام 1982 وما تلا ذلك من مقاومة.
وبعيداً عن الدخول في تفاصيل ما تحدثه من خسائر بشرية، وفتك مادي ومعنوي بالناس الأبرياء، وبعمران بلد ما زال يلملم جراحه بعد حرب طويلة ضروس، وبصرف النظر عما قد تلحقه هذه العملية من ضعف وضرر بالمقاومة الباسلة للعدو، مما اعتدنا على احتماله والسكوت عليه، وعدم الاستفادة من دروسه، فإنني أرى ضرورة التوقف قليلاً عند هذه الظاهرة التي تتكرر منذ عقدين من الزمن دون أن يتغير وضعنا حيالها، وموقفنا فيها، وردنا عليها، بما يذكر ويفيد.
وهي ظاهرة العربدة الإسرائيلية المعززة أميركياً، في وطننا العربي عامة، وفي جنوب لبنان، وفلسطين "الانتفاضة" خاصة. حيث تقوم "إسرائيل" كلما أرادت -تحقيقاً لهدف ما، عسكري أو سياسي أو اقتصادي أو استيطاني، أو حتى دعائي، نفسي اجتماعي تقوم بهجوم على المواقع التي تريد، دون ما رادع يردعها، ودون أن تحسب حساباً لقوة تضعها عند حد.
وعربدة "إسرائيل" اليوم تمتد وتشتد في ظل صمت عربي مفزع محزن ذي أشواك ومدلولات، لا تريح نفساً ولا تضيء درباً ولا تطمئن قلباً؛ والخشية كل الخشية أصبحت على روح الشعب العربي وقوامه وروح الثقة والجدوى والمقاومة لديه. وهي في تقديري، مستهدفة بدرجة كبيرة، وأهم ما ستحققه "إسرائيل" من أهداف؛ إذ تقول لكل المقاومين والرافضين والمعاندين: هاتوا من يحميكم أو يسندكم أو يبعد عنكم غضبنا، ويخفف وطأة "قدرنا"؟! وإذا لم تستطيعوا فعل شيء من ذلك فهيا إلى موت في شكل نفي، أو صمت في شكل موت، يجعلكم أحياء بلا حيوية وحياة وجدوى !؟.
"إسرائيل" تعربد عربدة مدروسة متفقاً على متونها وهوامشها مع واشنطن، وقد قالت إذاعة "إسرائيل" مساء الأحد 25/7/1993 إن دجرجيان مساعد وزير الخارجية الأميركي ودنيس روس المفوض بالإشراف على مفاوضات السلام من الجانب الأميركي أبدياً -باسم الإدارة الأميركية- تفهماً تاماً لقيام "إسرائيل" بعمليتها هذه التي تسميها "رد الحساب" والذين يقولون: "إن العملية ترمي إلى تعطيل مفاوضات السلام وإبطال مفعول جولة كريستوفر التي تحمل فرصة للضغط من أجل التوصل إلى إيجابيات في المفاوضات"؛ يذهبون إلى ما اعتادت عليه "إسرائيل" من فعل كلما واجهها استحقاق ما، حيث تمضي إلى الأمام بعيداً فيصبح الاستحقاق الأهم هو أن تعود إلى حيث كانت قبل مطالبتها بتنفيذ آخر استحقاق. ولكنَّ لعربدة اليوم- بتقديري- هدفاً يضاف إلى طبيعة "إسرائيل" ويتصل بشيء منسق مع أميركا، وهو تقديم الطرف الغليظ من العصا، وسوط الناس به، من دون أن يجدوا شفيعاً ولا مخرجاً. وعندما يأتي كريستوفر حاملاً مقترحات صهيونية إسرائيلية مباركة أميركياً، ويطلب من العرب قبولها على أنها مقترحات أميركية "نزيهة ومحايدة وتعبر عن تحرك تام للشريك الكامل الشراكة في المفاوضات الذي لن يفرض على الأطراف حلاً بالقوة ولا يمكنه أن يستمر في الوساطة- الشراكة- الرعاية" إذا لم يكن للأطراف المعنية رغبة حقيقية في السلام؛ ولذا فإنه إذا رُفضت اقتراحاته فسوف ينقل اهتماماته لقضايا أخرى، داخلية وعالمية، وسوف يتركهم في هذه المنطقة يصفون حساباتهم بالطريقة التي يرونها ملائمة. من دون أن ينسى التأكيد على أن التزامات أميركا حيال "إسرائيل" لن تتغير، وهي التزامات معروفة جيداً لدى العرب، ومفهومة من قبلهم بشكل ممتاز.
ومعنى هذا أن تستمر "إسرائيل" في بطشها وعربدتها أو أن يقبل العرب "بالسلام" الذي تقدمه "إسرائيل" وأن يوافقوا على ما سبق أن عُرض عليهم ورفضوه. ولا أظن أن العرب سيجدون صعوبة في تسويغهم لقبول المقترح الأميركي- " الإسرائيلي " المر. فليسوا في وضع يمكنهم من الرفض في وقت تعربد فيه "إسرائيل" طولاً وعرضاً من دون أن يتمكن أحد منهم من أن يقول لها لا.
فقد نسينا حتى طعم بيانات الناطق العسكري، التي كانت تعبر عن معنوية الروح وتقاوم باللحم والإرادة، وآل أمرنا إلى تلقي الضربات والتطلع في فجاج الأرض وفجوات السماء بحثاً عن فرج.
إن الوقائع التي تقدم نفسها إلينا الآن من خلال العربدة الإسرائيلية المهلكة، والتواطؤ الأميركي المسموم، ينبغي أن تحفزنا للتفكير في المستقبل الذي سيبقى كالحاً إذا ما بقينا على ما نحن عليه عربياً من ضعف وتهالك وسلبية حيال العدوان وتصرفات العدو.
إن الروح المعنوية العامة لشعبنا تتآكل ضربة بعد ضربة، وبلعة من الذل بعد بلعة. وروح المقاومة يضمحل، والتسليم باقتدار العدو يتأصل في نفوس البسطاء، وسوف نحتاج إلى كثير من الجهد والوقت والإمكانات والامتحانات الصعبة لكي نعيد إلى ذلك الروح المقاوم الثقة والانتعاش والمبادرة، حينما نحتاج إلى ذلك.
إن الضربة التي لا يقابلها ضربة معاكسة فورية، تغرس في وجدان الناس إحباطاً ينمو مع الأيام، وتبذر هزيمة في الجدران الرقيقة للقلوب، العين بالعين، والدم بالدم، والقتل بالقتل، ينمي في بعض الحالات والمواقف، شخصية لا بد من تسميتها، لا سيما في أوضاع الاحتلال والإحباط وتصدي المقاومة والجور والعسف.
وأعتقد أننا -عربياً- سنحتاج إلى الثقة والقوة وروح المقاومة، لأننا مستهدفون بأشكال مختلفة، ولأن أرضنا محتلة، وعدونا يقوى.. ويقوى، والطامعون بنا، يزدادون، بضعفنا، طمعاً بنا.
ومن يعتقد أن "السلام" بمفهومه الإسرائيلي- الأميركي المطروح- فيما إذا قبلناه- سوف يضع حداً لعربدة " إسرائيل " وتطلعاتها الاستيطانية- التوسعية، فإنه إنما يعيش وهماً، ذلك لأن مشاريع " إسرائيل - الصهيونية" ثابتة، وأشكال تحقيقها ومراحل ذلك التحقق وبرامجه تتغير، والإعلان عن ذلك يتلون بلون الزمان والمناخ؛ بينما نحن نتحول عن أهدافنا وثوابتنا على أرضية شعاراتية قد ترفع الثوابت ولا تعمل بها ولا تؤكدها وتحميها؛ والثوابت هي التي تقيم قوامنا على الأرض وبين الأمم.
فمنذ كامب ديفيد و"إسرائيل" ماضية، مع حلفائها في إطاره، لتغيير الواقع على أرضية ثوابتها الاستراتيجية وسياساتها المرحلية، ومنذ "كامب ديفيد" أيضاً ونحن نتحول ونتلون لنأخذ شكل الإناء ولونه، حسبما يُشكّل لنا ونعبأ فيه، ولكن على أرضية الرفض الذي لا يعززه فعل، حتى غدا معنى "لا" عندنا يساوي "نعم"، ومعنى "نعم" يساوي الارتخاء المديد على طريقها.
إن "إسرائيل" تعد نفسها "للسلام" بكل أنواع القوة، ونحن نعد أنفسنا "للسلام" بكل أنواع الضعف، وإذا أردنا أن نمتحن صدقية ذلك القول فلننظر إلى الوضع العربي منذ انعقاد مؤتمر مدريد حتى اليوم، ولنتلمس وجهاً واحداً من وجوه التضامن أو القوة- عربياً- أين هو، وكيف هو؟!
ولنبحث في الحياة السياسية العربية ومشاريعها المشتركة أو مواقفها المشتركة، عن فعل أو مشروع أو موقف، يعزز العمل العربي والموقف العربي، في مسار القضية المركزية للنضال العربي، تلك الموضوعة على نار حامية منذ حرب الخليج الثانية؛ فهل نجد في تلك الحياة فعلاً يعبر عن إرادة قومية إيجابية تقف موقفاً ثابتاً من مطلبية قومية تتصل بثوابت عربية مشتركة؟! أم أننا نجد تراخياً وتراجعاً وانهيارات، على صعيد الأقطار والجبهات، ونجد بلداناً عربية تضغط مع العدو أو مع حليفه على من يريد أن يتشبث بحقه ويتشدد في مطالبته بذلك الحق؟! الحق هو بلغة العصر- وربما بلغة كل عصر- قوة، بالمفهوم الشامل للقوة، والقوة اقتدار بوعي، وامتلاك لمقومات، على أرضية التضامن أو الاتحاد أو الوحدة، وقوفاً خلف حق وعدل، وحماية لروح أمة ووجدانها من الفساد والسقوط.
فهل نتمسك بذلك، ونفعل ما يقيم له قواماً أم ترانا نبقى عرضة للعربدة ولنزوات المعربدين؟!
إن السؤال مطروح علينا باسم الماضي والحاضر والمستقبل، وباسم أولادنا وأحفادنا الذين لا بد أن نضمن لهم الحد الأدنى من الحياة والأمن والكرامة.
الأسبوع الأدبي/ع372//29/تموز/1993
nnn
|